يقف مذهولاً، عقدت الصدمة لسانه. لم يفق بعد من تلك الكارثة التي أصابت أخته بسببه، ليجدها تقف أمامه بكل تلك الأعوام تبكي وتنتحب، ومن خلفها يقف والدها يبكي هو الآخر. يبدو أن كارثة قد حلت به. نفرت عروق رقبته، يصرخ بغضب عندما مر ذلك المشهد أمام عينيه. "يا بجاحتك صحيح! الإحساس نعمة. أنا مش قولتلك لو شفت وشك تاني هدفنك صاحية! جثا على ركبتيها، أمسكت كف يده بتوسل لتهتف بنحيب:
"اقتلني، موتني، أعمل فيا اللي أنت عايزه، بس أبوس إيدك، أبوس رجلك، الحق بنتك." نفض يده بعنف بعيداً عنها، يصرخ في وجهها بحدة: "بنت مين يا مجنونة؟ انتي تعملي العملة وجاية تلبسيهالي؟ "بنتك، والله العظيم بنتك! ضحكت بتهكم عالياً، طفقها بنظرات ازدراء ليكمل بتهكم: "على أساس إن الهانم كانت شريفة؟ أوي. روحي يا حبيبتي روحي، لبسي عاملتك دي لحد تاني." يتحدث والدها بنحيب هو الآخر: "لأ يا ابني، والله العظيم دي بنتك."
"دا انتوا مطبخينها بقي، عيب على سنك يا عمي." "والله العظيم بنتك، حتى شوف صورتها اهيا."
اقترب سيد سريعاً من خالد، يمد كف يده المرتجف بصورة فوتوغرافية صغيرة. ازدرق ريقه بتوتر، مد كف يده ليأخذ منه الصورة. لحظات يتأمل تلك الصغيرة ذات العينين البنتين مثله، وجهها المستدير، أنفها الشامخة كأنفه، غمازتها الواحدة هو أيضاً عندما يضحك يظهر له غمازة واحدة على وجنته اليسرى. تلقائياً، وجد دقات قلبه تتسارع بطريقة غريبة، ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة دون وعي منه. فاق على صوت سيد وهو يهتف بنحيب:
"والله العظيم يا ابني دي بنتك." حس الصدق في نظرة عينيه ونبرة صوته الباكية، فانقبض قلبه بخوف. "مالها؟ "اتأخرت وهي راجعة من المدرسة، روحت أشوفها لقيت المدرسة فاضية والعيال كلهم روحوا." "يعني بنتي ضاعت بسببك؟ قسماً بالله يا رحاب لو البنت حصلها حاجة، ما هيكفيني فيكي عمرك كله." "العريس يا باشا." قالها أحد رجاله وهو يدفع أنور المقيد ليسقط أرضاً تحت قدميه. صرخ فيهم وهو يركض لسيارته: "ارموه في أي داهية على ما أرجع."
كنت تقفل أعلى السلم، ودت النزول عندما سمعت يصرخ في أحدهم. ما كادت تخطو أول خطوة لأسفل سمعت ذلك الصوت الأنثوي يصرخ: "بنتك، والله العظيم بنتك! تصنمت في مكانها، شعرت أن الأرض تميد من تحتها. "أنا مش فاهمة حاجة. مين شهد؟ وإيه علاقة ياسمين بشهد؟ وخالد عمل إيه لشهد؟ أنا سمعت عمي محمود مرة بيقوله مش هسمحلك تعيد مأساة شهد. ومين رحاب دي كمان؟ وإزاي خالد عنده بنت؟ ويا ترى بقى كان متجوزها ولا مقضيها معاها؟
آخرتها معاك إيه يا ابن السويس؟ سريعاً كان في إحدى المديريات، وبسبب رتبته ومركزه، قامت المديرية بأكملها على قدم وساق تبحث عن الطفلة المفقودة. طبعوا العديد من الصور لها، ووضع خالد مكافأة مليون جنيه لمن يدلي ولو بمعلومة عنها. جاءه محمد ويوسف بعدما عرفوا ما حدث. "انت خلفت امتى وازاي بنتك ضاعت؟ "مش وقته يا محمد، أهم حاجة إني ألقيها." "ما تقلقش، إحنا بلغنا أكبر عدد من الأقسام وهما بيدوروا عليها."
"مش كفاية، أنا لازم أدور عليها بنفسي." "خالد، ما تجننش، هتمشي في الشوارع تسأل على عيلة تايهة؟ "لو اللي ضاعت دي كانت لوجين، كنت عملت أكتر من كده." "يا جماعة أهدوا، خالد عنده حق، إحنا لازم ندور، حتى في الشوارع يمكن تاهت ولا حاجة. هات صورة ليها يا خالد." أعطاه خالد إحدى الصور. "إن شاء الله هنلاقيها."
"ما تزعلش مني يا خالد، أنا آسف يا صاحبي. وعلى فكرة بنتك في غلاوة بنتي بالظبط، وانت كمان هلّف مع يوسف، وإن شاء الله هنلاقيها وترجع لحضنك." "يا رب." "عملت إيه؟ "كله تمام." "الرجالة خلصوا؟ "ما تقلقش، كل حاجة تمت على مية بيضا."
"عشان يبقى يبقى سبع رجال تاني. لولا إني سافرت عز برة كان مات. الدكاترة قالوا إن جاله نزيف في المخ من كتر الضرب. يا إما نفسي أشوفه وهو مذلول ومكسور بعد اللي هيحصله. النهاردة الفجر تنفذ اللي قولتلك عليه." "ما تقلقش، ما تقلقش خالص."
منذ ساعات وهو يبحث بجنون، لم يترك أحد إلا وسأله. الدوريات لا تكف عن البحث. أعلن أنه سيتنازل عن ثروته بأكملها لمن يجدها. سقط أرضاً، لم تعد قدماه تستطيعان حمله. أسرع صديقه ناحيته ليمسك يده برجاء. "بنتي يا محمد، عشان خاطري يا صاحبي هاتلي بنتي، بنتي لو حصلها حاجة أنا هموت." "ما تقولش، هنلاقيها والله العظيم. هنلاقيها بس انت لازم تستريح شوية، كدة هيحصلك حاجة."
جلست على الفراش تضم ركبتيها لصدرها، تحطهما بذراعيها، تنساب الدموع من عينيها بلا توقف. أغمضت عينيها بألم، تضغط عليهما عندما ازدادت دموعها عندما مر ذلك المشهد أمام عينيها. Flash back ليوم زفاف أنور وياسمين. دخل أنور وياسمين إلى منزلهما الصغير. "مبروك يا حبيبتي." توردت وجنتيها خجلاً لتهتف بخجل وبصوت خفيض: "الله يبارك فيك يا حبيبي." "وانا كمان أسعد واحد في الدنيا، أخيرا هحقق اللي أنا عايزه."
"بس بقى، على فكرة إنت بتكسفني." يضحك أنور عالياً بخبث: "أخيرا هحقق انتقامي." "انتقام إيه يا حبيبي؟ أنور، بطل هزار." "هزار!!!! هو انتي فاكراني بهزر ولا فاكراني بحبك فعلاً؟ أنا عملت كل دا عشان أحقق انتقامي من أخوكي." اتسعت عينيها بفزع من كلامه الغريب ذاك، تلقائياً بدأت تبتعد عنه. "انت بتهزر يا أنور، صح؟ قولي إنك بتهزر، صح؟ أخويا مين اللي عايز تنتقم منه؟ وليه؟ "خالد أخوكي. عايزة تعرفي ليه يا حبيبتي؟
عشان اللي عمله في أختي، فأنا قررت أرده لأخته." "اختك؟ اختك مين؟ "شهد، فاكراها؟ "شهد؟ انت أخو شهد؟ طب إزاي؟ "اه، ما انتي أكيد متعرفيش، ما هو البيه أخوكي خطب التلات واتجوز الخميس، فاكر أخوكي عمل إيه في شهد؟ أنا بقى هعمله فيكي." صرخت ياسمين بفزع: "لا لا يا أنور، أنا ياسمين حبيبتك."
ضحك عالياً بخبث، لم يستمع إلى توسلاتها، أعماه شيطان غضبه على أن يتسمع لصرخات تلك المسكينة وهي تتوسل له أن يرحمها. أراد أن يطفئ نيران ثأره، فلم يجد أمامه سوى تلك المسكينة لتكون قرباناً لنيران ثأره المندلعة. "وحياة شهد، لهدفعك تمن كل صرخة طلعت منها بسبب أخوكي." "لأ يا أنور، لأ يا أنور، عشان خاطري ارحمني." "وأخوكي مارحمش أختي ليه؟ لازم أحرق قلبه عليكي زي ما حرق قلبي على أختي." Back.
أغمضت عينيها تجهش في بكاء مرير. دفعت ثمن خطأ لم ترتكبه من الأساس. رأت من حبيبها الأول ألوان مختلفة من الذل والإهانة، فقط ليأخذ بثأره منها هي البريئة. الجانية في نظره، المجني عليها منه. ذهبت إلى غرفة والدتها بعدما اتخذت قرارها بأن تعلم كل شيء. دقت على باب حجرتها، فسمعت صوتها يأذن لها بالدخول. أدارت المقبض لتدخل. "مساء الخير يا ماما." "مساء النور يا حبيبتي." "ماما، أنا كنت عايزة أسألك عن حاجة." "رحاب وشهد، مش كده؟
اتسعت عينيها بدهشة لتهز رأسها إيجاباً سريعاً. فأشارت زينب لها لتجلس بجانبها. ذهبت سريعاً وجلست بجانبها على حافة الفراش، لتبدأ زينب تقص عليها كل شيء. اقتنع بعد محاولات كثيرة من صديقه أن يذهب ليرتاح قليلاً. جلس على كرسي مكتبه، يخفي وجهه بين كفيه بارهاق. "اهدي يا خالد وما تشلش هم، هنلاقيها. هقلب الدنيا عليها." رفع وجهه ينظر لصديقه بتوسل: "هاتها لحضني، وخد اللي إنت عايزه. لو عايز فلوسي كلها، هتنازلك عنها."
هز محمد رأسه نفياً بيأس من تلك الحالة التي وصل إليها صديقه. خرج من المكتب ليغلق الباب خلفه. ليجد هاتفه يرن، فتح الخط سريعاً. "أيوة، أيوة فين؟ اتسعت عينيه فزعاً. "إيه؟ طب، طب أنا جاي حالا." ركض سريعاً إلى سيارته ذاهباً بها إلى ذلك العنوان. أوقف سيارته ليترجل منها. ذلك وجد حشد غفير من المارة ورجال الشرطة. اندفع يشق ذلك الحشد. صعق، شعر وكأن كهرباء شلت جسده كله. شخصت عينيه بفزع، لا يصدق أن الملقاة أمامه أرضاً هي!
بعد ساعات، نهش القلق قلبه بلا رحمة. أنهى أكثر من ثلاث علب من السجائر. وجد صديقه يدخل إلى المكتب، هب من مكانه مسرعاً إليه، تعثر عدة مرات، فأسرع صديقه يسنده. "سما، سما يا محمد، بنتي لقيتها، مش كده؟ انت وعدتني إنك هتلاقيها، لقيتها صح؟ رفع عينيه بأسى ينظر إلى ملامح اللهفة والشوق التي تصرخ من وجه صديقه، ليهز رأسه إيجاباً.
"بجد لقيتها، الحمد لله يا رب، الحمد لله يا رب إني عارف إني غلطت كتير، بس هغير وهتوب ومش هعمل حاجة تغضبك تاني." ينظر إلى صديقه يهتف بلوعة: "انت واقف ليه؟ يلا وديني لبنتي، سندني يا صاحبي، رجليا مش شيلاني." أسنده صديقه إلى السيارة، منطلقين إلى إحدى المستشفيات. نظر إلى تلك اللوحة الكبيرة التي خط عليها اسم تلك المستشفى، ليعاود النظر إلى صديقه مرة أخرى هاتفا بقلق. "هي سما تعبانة ولا إيه؟
صمت، لا يجد ما يرد به عليه، ففضل الصمت. نزل من السيارة، التف ليساعده على النزول، فأبعد يده بحدة: "أنا كويس، وديني لبنتي." هز رأسه إيجاباً ليدخل إلى تلك المستشفى. ظل يمشي في طرقاتها إلى أن وصل إلى ذلك الباب الكبير يعلوه لوحة صغيرة. نظر خالد إلى اللوحة بحذر، ليعاود النظر إلى صديقه الواقف أمامه يهتف بقلق. "انت وقفت هنا ليه؟ رفع محمد كف يده يربط به على كتف صديقه بحزم.
"خالد، أنا عارف إن اللي هتشوفه مش سهل على أي حد، بس عشان خاطر أغلى حاجة عندك خليك قوي، انت راجل مؤمن وعارف إن الموت ما بيفرقش ما بين كبير وصغير." ازدادت عينيه اتساعاً مع كل كلمة ينطق بها صديقه، ليصرخ في وجهه غاضباً: "إيه الجنان اللي انت بتقوله؟ أنا عايز بنتي، فين بنتي؟ أدمعت عيني صديقه حزناً: "تعالى معايا."
فتح محمد باب المشرحة ودخلها، وخلفه خالد يجر قدميه جراً. وجد صديقه يقف أمام فراش حديدي صغير مغطى بملاءة بيضاء تخفي ما يوجد أسفله. رفع محمد الملاءة من على الفراش فجأة. شخصت عينيه بفزع، شعر ببرودة تعصف بكيانه كله. هز رأسه نفياً بعنف، بالتأكيد يحلم وسيستيقظ الآن، حلم حلم حلم، هو حلم، لالالا، تلك ليست ابنته، بالتأكيد ليست هي. اتجه برأسه ناحية صديقه الذي هتف بأسى: "شد حيلك يا خالد."
هز رأسه نفياً بعنف. سريعاً كاد أن يصرخ عندما قاطعه أحد الأطباء يصرخ غاضباً: "انتوا مين وازاي تدخلوا المشرحة؟ "العقيد خالد السويسي والرائد محمد محفوظ، إحنا لينا الحق ندخل المكان اللي إحنا عايزينه." أصوات متداخلة من حوله، أصوات صراخ غضب، كل هذا لا يهم، فشعوره لا يمكن لقلم أن يوصفه أبداً. صدقوني، حاولت قدر المستطاع. صرخ بقوة هزت جدران المستشفى فزعاً: "براااااا، اطلعوا براااااااااااااااااااا!
انتفض الطبيب فزعا من صوت صراخه الغاضب، ليجذب محمد يده سريعاً إلى خارج الغرفة. اقترب من سرير ابنته إلى أن وقف بجانبها، مد يده المرتجفة، يضعها على خصلات شعرها ببطء. مسح على شعرها بحنان. "سما، سما قومي يا حبيبتي، قومي يا حبيبتي أنا بابا، قومي يا سما وأنا أجيبلك لعب كتير، قومي يا سما عشان خاطري يا بنتي، قومي." انسابت الدموع من عينيه بغزارة على وجنتيها. احتضن جثة ابنته، جثا على ركبتيه أرضاً، وبدأ يضربها على وجنتها برفق.
"سما قومي يا سما، بدأ يصرخ، دموعه شلالات لا تتوقف." "قووومي يا سما، لاء يا سما مش هتموتي، ما تموتيش عشان خاطري، مش معقول أول مرة أشوفك فيها تكوني جثة يا بنتي. قومي يا سما، قومي يا بنتي." "يااااارب، يااااارب، أنا عارف إن أنا غلطت كتير، بس بلاش العقاب دا يااارب، بلاش بنتي، قومي يا سما، قومي وبابا هيعملك كل اللي انتي عايزاه، بس أسمع منك كلمة بابا، ولو مرة واحدة، ااااااه يااا رب، ليه بنتي يا رب."
دخل محمد إلى المشرحة مسرعاً عندما سمع صوت صراخهم. "كفاية يا خالد، كفاية يا صاحبي." "ليه يا محمد، ليه؟ ما ألحقش أسمع صوتها ولا أشوف ضحكتها، ليه مالحقش أسمعها وهي بتقولي يا بابا؟ "وحد الله يا خالد، سما ماتت خلاص، اجمد عشان تجيب لها حقها." "حقها؟ أعطى محمد لخالد ورقة بها تقرير الطب الشرعي، فتحها بأصابع مرتعشة، مجرد أن قرأ ما فيها، صرخ صرخة عالية وفقد الوعي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!