يقبع خلف مكتبه يطرق بقلمه بحيرة. شارد الذهن إلى أبعد حد، كلما تذكرها وتذكر دموعها والتي مست قلبه، كلما تذكر نبرة صوتها والتي آلمته، يخفق قلبه بعنف. "انت قاعد هنا إزاي وعندك اجتماع! اقتحم مكتبه صديقه المقرب ويدعي "خالد". لينتفض تميم بفزع، ومن ثم يتطلع إليه بغضب من حدقتيه الرماديتين ليهتف بحنق: "كام مرة أقولك تخبط قبل ما تدخل يا بني آدم أنت؟ خالد وهو يقترب منه بلامبالاة ومن ثم يقبع وهو يضع ساقًا فوق الأخرى بسخرية:
"وأنا من إمتى بسمع الكلام يعني." رمقه تميم بغضب وهو يستند بجذعه على المكتب ليهتف بجدية: "احضر الاجتماع أنت بدالي." خالد باستغراب: "مالك يا تميم، في إيه؟ تميم وهو يتنهد بحيرة: "مفيش." خالد وهو يعقد حاجبيه بتعجب: "يعني إيه مفيش، أنت مش شايف نفسك ولا إيه؟ إيه اللي حصل؟ تميم: "خليتها تمشي." خالد بشك: "هي مين ديه؟ تميم: "البت أخت المحامي اللي خطفناها في فرحها." خالد بصدمة: "نعم!
أنت اتجننت يا تميم، يعني إيه خليتها تمشي وليه؟! تميم وهو يتنهد: "عشان ملهاش ذنب." خالد بعصبية: "يعني أخوك اللي اتسحن ظلم كان ليه ذنب؟ وبعدين تعالي هنا من إمتى وأنت بالضعف ده كده." ليهتف بسخرية: "تكونش البت عجبتك." تميم وهو يهبد على مكتبه بعنف: "خالد الزم حدودك معايا." خالد ببعض الخوف ليهتف بهدوء: "أنا مقصدش، بس أنت غلطان إنك سبتها تمشي، متنساش إنها كانت آخر كارت عشان تنقذ أخوك." تميم: "ومين قال كده؟
البت مطلعتش أخته من الأساس." خالد بصدمة: "نعممم!! تميم وهو يسرد له كل ما حدث لينصدم خالد بشدة وهو يهتف بتعجب: "يعني خلاص كده مفيش قدامنا حل؟ تميم بحيرة: "أكيد هنلاقي." خالد وهو يتطلع إلى ساعة معصمه: "طيب أنا هقوم عشان الاجتماع." خرج خالد ليستند تميم بظهره على الكرسي خلفه ليستمع إلى صوت هاتفه وهو يعلن عن اتصال ما. تميم وهو يرد بحنق: "ألو." الفتاة بحشرجة: "ت... تميم وحشتني." تميم بغضب:
"داليدا متتصليش تاني بيا، أنتِ فاهمة." داليدا بدموع: "بس أنا بحبك." تميم: "وأنا كمان." داليدا بفرحة: "وأنت كمان بتحبني؟ تميم وهو يتنهد: "كنت بحبك، بس مستحيل أتجوز واحدة أخوها رئيس مافيا." داليدا بغضب: "أخويا عمره ما يعمل كده يا تميم، افهم بقى." تميم بحزن: "للأسف أخوكي كده وهيفضل كده." داليدا بدموع: "وأنا أي ذنبي! تميم: "ذنبك إنك أخته، سلام يا داليدا." أغلق تميم الهاتف ليزفر بغضب وقد سقطت دمعة ساخنة فوق وجنتيه:
"أنا آسف ياحبيبتي، أنا بحبك أوي يا داليدا بس مش هقدر أتجوزك، مش هقدر أخسرك." *** تقف في منتصف المطبخ تغسل أطباق الإفطار وهي تتمايل بمرح كعادتها وتغني بصوت منخفض خوفًا من أن تسمعها زوجة عمها فتبرحها ضربًا وهي ترمي بسيل من الشتائم. ارتفعت حرارة جسدها، توقفت عن الغناء وانعقد لسانها وهي تستشعر بيد تطبق على خصرها من الخلف ويقرب وجهه من رقبتها البيضاء الناعمة. منه برعب وهي تبتلع ريقها: "حسين لو سمحت ابعد."
حسين وهو مازال يقبض على خصرها ليستند برأسه على كتفها وهو يهتف بتوهان: "لا مش هبعد." منه وقد هطلت دموعها على وجنتيها لتهتف بصوت مرتعش: "حسين مينفعش كده، ارجوك ابعد عني." حسين بتوهان وهو يشتم عبيرها: "أنتِ مش هتحني عليا بقى؟ منه وهي تحاول إبعاد ذراعيه من خصرها لتستطع بصعوبة لتبتعد عنه وهي تهتف بجسد مرتعش: "حسين أنت أخويا، أنت إزاي تفكر كده؟ حسين وهو يقهقه بشدة ليهتف من بين ضحكاته:
"مين العبيط اللي ضحك عليكي وقال إني أخوكي؟ منه ببراءة: "مرات عمي، قالتلي أنت وحسين رضعتين على بعض." حسين بتهكم: "أنتِ عندك كام سنة؟ منه: "٢٠ سنة." حسين: "وأنا ٣٥، يعني أكبر منك، يبقى إزاي رضعتين على بعض." منه وهي تبتلع ريقها: "هه، يعني أنت مش أخويا." حسين وهو يقترب منها لتبتعد إلى الخلف بخوف: "لا، أنتِ مش أختي، أنتِ مراتي المستقبلية."
قال جملته ومن ثم سحبها من خصرها وهو يقبلها، لتحاول منه الابتعاد بخوف وهو يقبلها بنهم. ليبتعد بعد فترة عندما أحس بدموعها. منه وهي ترفع يديها لتصفعه بقوة: "أنت حيوان وسافل وحقير." حسين وقد برزت عروقه ليجذبها من خصلاتها وهو يهتف بصوت يشبه فحيح الأفعى: "بتشتميني أنا يابنت الكلب، ده أنتِ ليلة أهلك سودة." وفاء والدته وهي تهرول إلى المطبخ بجزع عندما استمعت إلى صوت شجار بينهما: "في إيه يا حسين؟ منه بغضب:
"أوعي سيب شعري يا سافل، أوووعي." وفاء بغضب: "عملتيله إيه يا مقصوفة الرقبة عشان يعمل كده؟ حسين وهو يصفعها صفعات متتالية بغضب: "بقي بتمدي إيدك عليا أنا يازبالة يا شحاتة." منه بضعف: "تستاهل، أنت اللي حقير." اقتربت منه وفاء وهي تحاول إبعاد تلك المسكينة عنه: "ابعد عنها يا حبيبي خلاص، أهدي، أهدي وأنا هربيها، متلوثش إيدك." حسين وهو يهز رأسه بغيظ: "ماشي، أنا هطلع بس عشان خاطرك، بس برحمة أبويا لو عملتها تاني هقتلها."
منه بغضب ودموع: "ما أنت اللي اضطريتني أعمل كده، أنت اللي مش متربي." وفاء وهي تهبد على صدرها بشهقة شعبية لتجذبها من خصلاتها: "ابني مش متربي يابنت الشحاتين، ده إحنا لمناكي من الشارع، من غيرنا كان زمانك بتشحتي في الشوارع ياروح أمككك." منه ودموعها تهطل كالشلال: "حسبي الله ونعم الوكيل فيكوا، ياريتك سبتيني أشحت في الشارع، الشارع كان يبقى أهون من وجودي هنا في بيت بيعتبرني خدامة." وفاء بغضب:
"اسمعي يابت أنت، أنتِ من النهارده ملكيش مكان في البيت ده، يالا امشي غوري في داهية." منه وهي ترمقها باحتقار: "يكون أحسن." ومن ثم التفت وهي تتجه نحو غرفتها لتجلب ملابسها لتهتف وفاء بصرامة وقسوة: "أنتِ رايحة فين يابت." منه بغضب: "رايحة أجيب هدومي." وفاء وهي تلوي جانب فمها بسخرية: "هه، هدومك اللي بفلوسنا، ملكيش عندنا حاجة ياروح أمك، أنتِ هتخرجي كده بهدومك اللي عليكي." منه وهي تبكي بمرارة: "حسبي الله ونعم الوكيل فيكي."
وفاء وهي تقترب منها وتسحبها من خصلاتها بعنف لتدفعها خارج المنزل وهي تغلق الباب في وجهها: "غوري، كتك داهية تاخدك." *** تسير في الشارع بلا روح. يتطلع إليها الجميع بتعجب، تلك الفتاة التي تسير وترتدي بجامة قطنية عليها رسومات كرتونية مضحكة وبقدميها حافية. شعرها مبعثر على وجنتيها، تتحدث إلى نفسها بصوت عالٍ سمعه الجميع:
"قال كده يعني هزعل، ديه ربنا نجّاها نوسة من أشكالكوا، حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يامرات عمي، أشوف فخادك متسلخة يارب، وأنت يا حسين الكلب أشوفك متحول لبني آدم براس بغل، وأنت منك لله يا عمي يا اللي بلتنا بمراتك الحرباية الصفراء، حسبي الله ونعم الوكيل في البني آدمين كلهم."
وقف الجميع يستمع إلى تلك المجنونة والتي تنهمر دموعها وتتفوه بذاك الحديث بطريقة جعلتهم يقهقهون بشدة وكأنهم يتطلعون إلى إحدى الأفلام الكوميدية، لا يعلمون ما بداخلها من أحاسيس وقهر. "يا آنسة... يا آنسة." التفت منه إلى مصدر الصوت بتعجب لتجده شاب. منه بحدة: "نعم، عايز إيه أنت كمان؟ عايز تهزقني ولا عايز تخطفني ولا عايز إيه؟ ما أصل أنا بقيت ملطشة." الشاب بتعجب مما تتفوه به: "أهزقك إيه واخطفك إيه يا آنسة، هو ده منظر يتخطف؟
منه وهي تشهق بطريقة شعبية وتضع يديها في وسطها: "نعممم، ليه بقى إن شاء الله، مشبهش ولا مشبهش؟ الشاب وهو يقهقه بشدة: "لا يا ستي تشبهي، المهم إن ده مش موضوعنا." منه بملل: "أومال إيه موضوعنا." الشاب: "في واحد عايز يكلمك." منه بتعجب: "واحد؟ مين ده؟! الشاب: "اتفضلي معايا الأول." منه بخوف وشك: "لا أنا مش همشي في حتة، اللي عايزني يجيلي." الشاب بسخرية: "وإنتِ عايزة يونس بيه الصاوي يجيلك بنفسه؟ منه وقد اتسعت عينيها بصدمة:
"ق... قولت مين؟ الشاب: "يونس الصاوي." منه وكادت أن تبكي لتهتف بطريقة طفولية مضحكة: "أوعى يكون هو." الشاب بتعجب: "هو إيه؟ منه بخوف وقد تعرق جبينها: "هو رئيس المافيا؟ اللي كان مسجون." الشاب وهو يهز رأسه ببرود: "هو." منه وهي تلطم على خديها برعب: "أحيه يالهوي يالهوي، إنها النهاية، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله." الشاب بحدة: "هتيجي بالذوق ولا بالعافية؟ منه وقد خفق قلبها: "ه... هو عايز مني إيه؟
والله أنا مليش ذنب." الشاب بتعجب: "ملكيش ذنب في إيه؟ منه بارتجاف: "م... مش أخويا والله مش أخويا، أنا مش أخته." كاد أن يرد لينتفض بفزع وهو يستمع إلى صوته الرجولي الخشن: "أنت واقف بتعمل إيه هنا؟ الشاب وهو يلتف ويبتلع ريقه بصعوبة: "ي... يونس باشا، أنا آسف، بس هي مكانتش عايزة تيجي معايا." يونس وهو يدفعه عنه بهدوء مريب ليقترب من تلك المرتعبة والتي كادت أن تسقط أرضاً. يونس بهدوء وهو يمد كفه إليها: "يونس الصاوي."
منه وهي تمد يديها المرتعشة لتشعر وكأنه هناك صاعق كهربي: "أ... أهلاً." يونس بجدية: "في الحقيقة أنا شوفتك ماشية ببجامة البيت وبتعيطي، وشكلك بنت ناس، قولت لو محتاجة مساعدة يعني." منه وهي ترتعش وتبتسم باهتزاز: "ل... لا شكراً، أنا مش محتاجة مساعدة، ربنا يقدرك على فعل الخير." يونس بجدية: "متأكدة؟ منه وهي تهز رأسها عدة مرات بخوف: "أه، ش... شكراً." كادت أن تذهب من أمامه لتتسمر مكانها وهي تستمع إلى صوته الحاد:
"استني عندك، أنا لسه مخلصتش كلامي." منه وهي تلطم على خديها: "ياختااااي، كان يوم أسود ومهبب لما أمي وأبويا اتجوزوا وخلفوني، أنا مني لله." التفت إلى يونس لتهتف بتوتر: "ن... نعم." يونس بحدة: "أقدر أفهم ليه ماشية كده في الشارع؟ منه وهي تبتسم ببلاهة: "هبلة." يونس بتعجب: "نعم! منه: "أه والله زي ما بقولك كده، أصل أنا لسه خارجة من مستشفى المجانين." يونس بشك: "أنتِ اسمك إيه؟ منه بتوتر: "هه... ل... ليه." يونس وهو يُعيد
حديثه بحدة: "اسمك إيه." منه بخوف: "م... منه." يونس وهو يتفحصها: "طب هعرض عليكي عرض يامنه، يأما توافقي، أو توافقي، لإن مفيش أوبشن تاني." منه بمزاح: "لا فيه؟ يونس وهو يرفع حاجبيه بحدة: "إيه هو؟ منه وهي تبتسم بغباء: "أوافق." يونس وهو يهز رأسه ويتجاهل حديثها ليهتف ببرود: "عندي أمي ست مريضة ومشلولة، والحقيقة أنا طول الوقت برا البيت وهي محتاجة حد يساعدها." منه ببلاهة: "وأنتوا معندكوش شغالات؟ يونس بغرور: "أكيد عندنا." منه:
"اومال إيه؟ يونس: "شوفتك ماشية قولت أساعدك، أنا غلطان يعني." منه بغضب: "مش عايزة مساعدة من حد، وأنا مش خدامة عشان أخدم الست الوالدة، بقولك إيه أنا ماشية." يونس وهو يعقد ذراعيه أمام صدره ببرود: "ده آخر كلام عندك؟ منه وهي ترفع رأسها بشموخ: "أه." يونس وهو يقترب منها ليقف أمامها مباشرة ليميل بنصف جسده وهو يهتف بجانب أذنيها: "مش خايفة؟ منه بداخلها: "خايفة هه، ده أنا مرعوبة." يونس: "ها مش خايفة؟ منه
بدموع وقد فاض بها الكيل: "ياسيدي أنت عايز مني إيه؟ يونس وهو يمسح دموعها بكفه برقة: "أنتِ ليه بتعيطي." منه بشهقات: "ع... عشان أنا تعبت." يونس: "أنتِ ليه ماشية كده في الشارع طيب؟! منه وهي تتطلع إليه ببراءة ليقع قلبه بين قدميه واشعة الشمس تتعامد على حدقتيها الزرقاء لتعطي لها بريق خاص: "عشان مليش حد." يونس بشفقة: "ملكيش أهل؟ منه ببكاء: "ربنا يرحمهم." يونس: "طب كنتِ عايشة فين؟ منه:
"عند عمي الله يرحمه وياخد ابنه ومراته الحرباية." يونس: "اسمه إيه عمك؟ منه: "كمال السيد شبراوي." يونس وقد اتسعت عينيه: "أ... أنتِ؟! منه بتعجب وخوف: "في إيه؟ يونس وهو يجذبها إلى أحضانه بقوة: "أنتِ أخيراً لقيتك." منه وهي تدفعه بعنف: "أنت اتجننت! أنت إزاي تعمل كده؟ يونس وهو يبتسم بفرحة: "أنا يونس ابن خالتك يامنه."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!