لما؟! لما يأتي العوض على هيئة رجل طيب حنون القلب يعشق بصدق يختلف عن جميع البشر… يأتي القدر عنوة عنا لكن ما ألطف ذلك القدر. مع خصلات شعرها الأبيض يحكي الزمان حكاية قلبنا عشقا بضراوة…. قلبنا لن يفرقهما إلا الموت… فهل أتى معاده؟! حوالي الساعة السادسة مساء. تقف حياء أمام المرآة تشعر بالإرهاق وخصوصاً في الفترة الأخيرة، لكن لم تبح لأحد بذلك الأمر، فقط لا تريد أن تقلقه.
ابتسم ذلك الستيني والذي ما زال بقلب شاب في الثلاثين، يعشق زوجته، يعرفها أكثر من نفسه وكأنها كتاب مفتوح أمامه. كيف تكون بتلك الشفافية والصدق؟ والله إن كان كل البشر مثله لمضى زمن الكذب والنفاق وبقي الصدق. شعرت بذراعه تلتف حول خصرها بقوة وهو يسند رأسه على كتفها ليهمس بحنان: “إيه اللي بيوجعك؟ ابتسمت بهدوء، لم يعد هناك شيء يصدمها منه، مع مرور السنوات أصبحت تعتاد على تصرفاته… يعرفها من نظرة واحدة.
“مفيش شوية إرهاق عادي يعني، بقولك هنروح لإيمان الأول ولا نطلع لصالح؟ هز رأسه برفض وما زال ينظر للمرآة أمامهم ليقول بجدية: “لا دا ولا دا…. أولاً لو روحنا لإيمان يوسف أصلاً مش هيفتح الباب، دا ابن أيوب يا مامانسيتي أيوب ولا إيه؟ سيبيهم…. وصالح لا، سيبه ياخد وقته مع زينب وبعدين أهل زينب هيكونوا موجودين، بلاش نطلع النهارده، تعالي نخرج سوا……” “هنروح فين؟ “أي مكان؟
نقعد على الكورنيش، هجيبلك حلبسة انتي بتحبيها، ياله غيري وأنا هغير بسرعة” “حلبسة يا جلال، آخرتها معاك حلبسة، عايزة غزل البنات وهريسة.” ابتسم بخبث ذكوري وغمزة شقية: “من عيوني لاجل عيونك.” بعد مدة قصيرة. تجلس بجواره أمام البحر على الصخور العالية، تستند برأسها على كتفه وهي ممسكة بكوب حمص الشام الساخن بين يديها. يتأملها أحياناً وينظر أحياناً للأمواج أمامه. يستشعر السعادة بجوارها. شيء كمال في حياته.
منذ ذلك اليوم الذي رآها في سوق السمك وحياته تغيرت بالكامل. ابتسمت بسعادة وهي تراه يمسك بيديها يشبك أصابعه بأصابع يديها. أنعكاس السماء السوداء المتلألأة بالنجوم اللامعة على سطح البحر وقد أعطت للمكان سحراً خاصاً به. المباني الشاهقة والمنيرة من الجهة الأخرى بجمال…. والمراكب على سطح البحر مضيئة ومزينة بمصابيح تسحر الأعين بانعكاسها على الماء أيضاً…..
بدأ الجو مرهف الإحساس وكأن الأمواج تصدر نغمات يتراقص لها القلوب المتحابة. تنهدت براحة استشعرها قلبها بجواره: “جلال عارفة إنه سؤال غبي بس افرض مكنتش قابلتك زمان ولا كنا شوفنا بعض كنت هتعمل إيه….. ولا أنا كنت رجعت مصر أصلاً.” وضع يديه على خصرها يحيطها بابتسامة نقية:
“يمكن تزعلي من اللي هقوله لكن هي الحقيقة اللي مقدرش أنكرها…. كنت هتجوز أي بنت أمي تختارها…..مش مهم بحبها ولا لأ، مش مهم أرتاح معاها ولا لأ……. المهم أفرحهم بيا وبأولادي زي أي بيت عادي زوج وزوجة…………. لكن عمري ما كنت هحس بقلبي وهو بيتسرق مني مع كل ضحكة وابتسامة…. عمري ما كنت هحب الحياة جانبك، عمري ما هتغمرني السعادة زي معاكِ من أول لحظة.. من أول لمسة…. تعرفي حتى اسمي حبيته من بين شفايفك، فاكر أول مرة نطقتي اسمي…….. كنت بحسه عادي من كل البشر لكن من شفايفك بيبقى ليه طعم حلو أوي…… بيخليني كدا عايز أعمل حاجة هموت وأعملها.”
“جلال إحنا في الشارع احترم نفسك وسنك.” قهقه بصخب، ربما يقصد ما يفعله لرؤية خجلها. ذلك لن تتغير وردة برية نقية لن يقطفها أحد. ستظل مزهرة جميلة كلما اشتاق لها مال عليها يرتوي من عشقها وهي تبتسم له وتمر السنوات بينهما. نهض جلال من مكانه وهي تتبعه. وقفت بجواره وهو يحاسب على المشروبات والجلسة البسيطة. “تعالي يا حياء.” مسك يديها بين يديه…. نظرت له بشك. “هنروح فين؟
ابتسم وهو يقبض بقوة على يديها يمر بها للجانب الآخر من الطريق. “هجيبلك آيس كريم.” توقفت بارتياب في منتصف الطريق وعينين مذهولتين. “جلال أنا كنت بهزر….. انت فاكرني طف….” بترت جملتها حينما مال عليها جلال على أذنيها يدللها بمراوغته الرجولية. “عنوة عن الجميع… حبيبتي وسأدللها.” ابتسمت تلك البسمة الجميلة التي وعدته بها منذ زمان طويل. ليكمل جملته بجدية تليق بجلال الشهاوي:
“متخافيش آيس كريم سكره مظبوط قليل شوية وبعدين دا مطعمك….” أراحت كف يديها بين يديه على يقين تام أن والدها اختار لها الرجل الحقيقي، تلك العملة النادرة التي نبحث عنها في مجتمعنا. حيث أصبح حب الزوج لزوجته شيء نادر قلما نراه؟ أو نشعر بالدهشة لمجرد ذكر أن الحب موجود بيننا فعلاً. لكنه موجود على يقين تام بذلك……
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!