صعد صالح نحو شقته بعد توديعه لأقاربه. رغم شعوره بنيران تحرق صدره، كأتون مشتعل بضراوة، يكاد يفقده صوابه وهو يتذكر نظرات رشاد لزينب. يشعره برغبة قوية في الانقضاض عليه والفتك به. وقف للحظات أمام باب شقته وعقله يدور في مئة اتجاه. هو أيضاً رجل ويعرف ماذا تعني تلك النظرات. الوصف صادقًا، فهو بين غضب قوي نحوه، وخوف بل رعب في أن يؤذيها بأي كلمة باطلة ظالمة لها.
وضع المفتاح في المكان المخصص له ليفتح الباب، فتصدر صوت يعلن عن وصوله. بينما تقف زينب في حمام غرفتها تغسل وجهها، تمحو أثر الدموع. فتهديد رشاد لها واضح وصريح، أنه لن يتركها. "زينب... زينب." سمعت صوت أجش بنبرته الغاضبة ينادي عليها. زادت نبضات قلبها وكأنها تتصارع مع أحدهم والخوف ينهش قلبها وعقلها. أخذت المنشفة تضعها على وجهها، تحاول جاهدة أن تبدو طبيعية. خرجت بعد ثوانٍ وعلى محياها ابتسامة مطصنعة، لكن لابأس بها. "نعم...
أجابته بهدوء وهي تحاول ألا تنظر إليه. عينيها مؤكد ستفضح خوفها. لحظات وقف يتأمل تلك النظرات الخافتة ليتأكد لديه شعور بشيء مريب. "اعمليلي فنجان قهوة سادة وهاتيه على المكتب." لا يعرف لما؟ لما لا يسألها عن شكه؟ ربما ينتظر أن تبدأ هي وتحكي له عن ما بداخلها، خوفها، ذاك الارتباك الواضح عليها.
نظرت لظهره وهو يتوجه ناحية غرفة المكتب بخطوات ثابتة وتشنج ملحوظ، كأنه يعاني غضبًا هائلاً مكبوتًا بداخله. فهو صارحها منذ البداية أنه لا يحب الأسرار، لا يحب الصمت. تنهدت وهي توليه ظهرها تتجه نحو المطبخ. وقفت للحظات تبحث عن عدة القهوة. ابتسمت بدهشة وهي تنظر بداخل أحد أدراج المطبخ حيث وجدت موقد الكيروسين والركوة التي تغلى بها القهوة، والأقداح البيضاء لتقديم القهوة. بدأت بعمل القهوة كما تعلمتها من والدتها في السابق.
بعد لحظات سمع صوت طرقات على باب مكتبها. "ادخلي يا زينب." أجابها بهدوء وهو ينفث ما بداخله من غضب وغيره تنهش به. فتحت الباب وتقدمت منه ببطء. "اتفضل قهوتك." أجابها بجدية وهدوء. "اقعدي يا زينب." بللت شفتيها بخوف وهي تضغط على يديها، تجلس أمامه وهي تراه يمسك القلم يدق به على سطح المكتب بثبات. ولحظات الصمت بينهم. آه من لحظات الصمت.
مهلكة لروحها، مذبذبة لكل ذرة بكيانه. رفع فنجان القهوة وتذوقه بتلذذ. القهوة من تحت يديها بها شيء حلو، شيء يصفي المزاج، وكأنها أحد المكيفات المذهلة للعقل. قهوتها مثلهم، بها شيء يجعلهم تتسلطن للحظات، حتى تنتهي. ابتسم وهو يضع الفنجان على المكتب. "قهوتك غريبة، لها طعم مختلف." "الغريب في البيت دا إن فيه وابور جاز وكنكة، ويعني فكرني بأيام زمان." ابتسم وهو يهز رأسه.
"ماما أكيد هي اللي جايبة الحاجة دي. زينب قلتلك مبحبش حد يخبي عليا حاجة. وأنا مش هجبرك على حاجة، بس صدقيني لو خبيتي عليا حاجة تخص علاقتنا هتزعلي أوي لأنك متعرفنيش لسه." طريقته وتقلبّه بين المرح والجدية يجعلها مرتبكة، تشعر بأنها تقع في منحدر أفكارها، أعمق نقطة في منحدر أفكارها. كأنه أخاديد مظلم لا ترى به أي شعاع للنور. "عارفة... هو ممكن أروح أوضتي... عايزة أنام." "اتفضلي."
تركها تفتح الباب تخرج وعينيه لا تفارق طيفها. أتى صوته من خلفها بدون مقدمات قائلاً بتملك وغيره: "خليكي عارفة إنك بقيتي تخصيني يا زينب." توقفت وهي تستدير، رفعت عينيها عليه بتردد وقلبها ينبض بقوة، تكاد تشعر بنغزات الألم بسبب سرعة خفقاته، حتى جسدها تيبس بمكانه وهي تتطلع له وتستند بيديها على الحائط كأنها تستمد منه تلك الصلابة التي غادرتها وتركتها في تلك اللحظة تحديداً. يكمل بنفس القوة والثقة وعينيه مثبتة عليها:
"بقيتي تخصي صالح الشهاوي." يجزم أنه سمع نبضات قلبها المتضاربة. شعور غريب بداخلها بين الرغبة والرهبة. أبعدت نظرها عنه وهي تتوجه ناحية غرفتها. يبدو وكأن أحدهم ألقى عليها لعنة منذ لقائهما الأول. بالكاد تعرف طعم النوم، بينما هو ابتسم. فمنذ فترة قصيرة كان يرفض تمام الارتباط، والآن بدأ هناك عبث بداخله غريب. رغبة ورهبة من ماذا؟ من الحب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!