بعد مرور أسبوعين على تلك الأحداث، وبالتحديد في شقة جلال. في صباح أحد الأيام، استيقظ جلال من النوم بدري، توضأ وصلى فرضه. ابتسم وهو ينظر إليها، كانت نائمة وحاطة إيديها على وشها متضايقة من أشعة الشمس. قام قفل الستارة، وقعد على طرف السرير. ابتسم وهو يمرر إيديه على ملامحها بهدوء. رجع بذكرياته لأول مرة تقرب منه، لما نسي محفظته في بيت شريف وهي أخدتها.
عرف إنها اللي أخدتها. يومها حياء كانت كاتبة شتايم على صورته، خافت إنه يشوفها ونزلت وراه بسرعة وبدأت تقرب منه. جلال بابتسامة:
في اليوم دا، كانت أول مرة بنت تحط إيديها على صدري وتقرب مني بالطريقة دي. حسيت وقتها بلخبطة، استغراب، مشاعر غريبة. كان شكلك بريء وجميل. حسيت إني بستسلم لـ"وسوسة الشيطان" إني أحضنك. خفت وبعدت بسرعة عنك وحبستك في البيت. في اليوم دا حسيت بمشاعر مختلفة، رغبة قوية في إني أقرب منك. كنت بحاول أشتغل، لكن صورتك تنط في دماغي وتخليني مش قادر أفكر في أي حاجة غيرك. حياء بابتسامة:
عشان كده حبستني أسبوع كامل وخلتني أكرهك وأكره اليوم اللي جيت فيه إسكندرية، وأفضل "العن" و"أسـب" فيك. جلال بضحكة خافتة: امم، طب بذمتك، في بنت محترمة تقرب من شاب كده؟ وبعدين أنا كنت بحمي نفسي منك ومن أفكاري. مكنتش عايزك تتلوّثي، ولازم تروحي لبيت نصيبك وإنتي زي الوردة اللي محدش لمسها أو أقرب منها. حياء وهي تقوم وتمسك إيديه: وإنت نصيبي وحبيبي. وربنا بعتك ليا عشان تحافظ عليا قبل جوازنا وبعده. جلال وهو يطبع
قبلة هادئة على جبينها: ربنا يقدرني دايماً وأحافظ عليكِ. يالا قومي اتوضي وصلي وتعالي بقى نحضر الفطار سوا عشان هاخدك وننزل مشوار. حياء والفضل يتاكلها: مشوار إيه؟ جلال قام وفتح الستارة، حط إيديه في جيبه. ابتسم وخرج من الأوضة وبصوت عالي: يا خبر بفلوس، بعد كم ساعة ببلاش. يالا قومي، هعمل عصير على ما تفوقي. حياء ابتسمت ودخلت تاخد شاور وتؤدي فرضها. كانت بتحمد ربنا إن المشاكل انتهت. *** بعد مدة على السفرة. حياء:
برضه مش هتقولي مشوار إيه؟ جلال بهدوء وهو باصص في طبقه: لا مش دلوقتي. رفع راسه وبصلها. "مبتأكليش ليه؟ حياء: مال... قبل ما تكمل جملتها، كان حط لقمه من المربى في بوقها. حياء بتذمر طفولي: مش بحب المربى يا جلال. جلال بابتسامة تزيد من وسامته، محببة لقلبها: عارف. يالا كُلي، عندك أكل كتير أهه. يالا. حياء: ماشي، ربنا يصبرني لحد ما أعرف هنروح فين. جلال بنظرة ذات مغزى: أوعدك المكان ده هيكون قريب لقلبك وهتحبيه. حياء بثقة:
عارفة وواثقة من ده. جلال: طب يالا كُلي، بطّلي الـ"مياعة" بتاعتك دي في الأكل. حياء بتنهيدة: ماشي يا سي جلال. بعد حوالي ساعة. نزلوا الاتنين. جلال بيقفل الباب بالمفتاح وبينزل وهو ماسك إيديها. قابلوا شهد ونيران على السلم. شهد بابتسامة: صباح الخير. :صباح النور. جلال وهو بيشيل نيران: رايحة فين على الصبح كده يا قمري؟ نيران بابتسامة وهي بتطبع بوسة على خده: رايحة الحضّانة مع شهد. عمو، هو بابا فين؟
كلهم سكتوا. هيردوا يقولوا إيه؟ أيوب ظلم ولاده باللي عمله. نسي إنه عنده أطفال مسؤولين منه. جلال بابتسامة: مسافر يا حبيبتي، متخافيش. هو كويس. إيه رأيك آخدك أنا الحضّانة وأجيبلك شوكولاتة؟ نيران بسعادة: أوكي، أوكي. شوكولاتة بيضا. حياء بسعادة: وأنا كمان. جلال: ماشي، يالا بينا... شهد، وراكي حاجة النهارده؟ شهد: لا أبداً، قاعدة مع إلهام ويوسف. جلال: تمام. لو حصل أي حاجة كلميني. يالا يا حياء.
خرجوا من البيت. جلال وصل نيران الحضّانة بتاعتها. رجع ركب العربية، لقى حياء بتاكل الشوكولاتة بسعادة، كأنها طفلة صغيرة. جلال: بسم الله ما شاء الله. إيه ده؟ مسبتيش ليا؟ حياء ببراءة مزيفة: إيه ده؟ إنت عايز؟ جلال بصدمة: والله! حياء: احم احم. بص، فيه اتنين هنا بس، الصراحة أنا هاخدهم ليا لوحدي. إني يدوب في الشوكولاتة البيضا. جلال بغمزة: وأنا بدوب فيكي. قالها وهو بيسوق عربيته. حياء ابتسمت بخجل وهي بترجع شعرها ورا ودنها.
بعد دقايق، وقف عربيته قدام جامع المنطقة الكبير، أكبر جامع في المنطقة. حياء: هنا؟ جلال وهو بيخرج من العربية: آه. حياء طلعت طرحة وحطيتها على شعرها. لقيته بيمد إيديه يمسك إيديها. دخلت معه وهي مستغربة. دخلوا الجامع، كانوا بيمشوا في زاوية من الجامع ناحية شيخ قاعد على الأرض، وأمامه كتاب الله القرآن الكريم، وبيقرأ منه. جلال قعد قدامه. حياء فضلت واقفة مستغربة لحد ما الشيخ خلص قراءة وتصدق. ابتسم لجلال بود وبص لحياء. الشيخ
مصطفى بابتسامة ودودة: اقعدي يا بنتي. حياء أخدت نفس بتوتر وقعدت جنب جلال. الشيخ مصطفى بنظرة غريبة: أخيراً شفتك يا بنت الهلالي. حياء باستغراب: هو حضرتك كنت منتظر إنك تشوفني؟ جلال ابتسم وهو بيبص لإيديها وتوترها الواضح. الشيخ مصطفى: أكيد منتظرك من زمان عشان أسلم الأمانة اللي ليكي معايا. مش إنتي بنت شريف الهلالي الكبير؟ بنت شغف الحسيني؟ حياء هزت راسها بـ"آه". الشيخ مصطفى بابتسامة: مالك متوترة كده ليه؟
متخافيش. أنا بس هسلمك أمانة ليكي معايا من قبل ما والدك يتوفى. الأول، تعرفي أنا مين؟ حياء: لا. الشيخ مصطفى: أنا عمك مصطفى، شيخ الجامع ده، وصديق والدك الله يرحمه. وأنا برضه اللي جوّزت أبوكي لأمك رحمها الله. زمان، من خمسة وعشرين سنة، شريف جالي وهو متوتر. كنا أصحاب. جه قعد قدامي وفضل ساكت، وأنا ساكت. بعد شوية لقيته بيقولي: "أنا بحب بس خايف أظلمها. أنا متجوز نوارة...
انت عارف يا مصطفى أنا اتجوزت نواره عشان ابنها، وكانت لوحدها. مش رجولة أسيب واحدة تتبهدل كدا وهي معاها أولادها، كان لازم أتجوزها. وسليمان البت الغجرية لحس دماغه، ومكنش راضي يرجع ليها وهي حامل. بس أنا دلوقتي متلخبط أوي، أنا كل ما أشوف شغف قلبي بيدق أوي. خايف يا مصطفى أحبها وعلاقتنا متنفعش. هي لا يمكن تقبل تتجوز واحد متجوز ومراته معاها طفل. أنا خايف، أنا حبيتها.
وقتها أنا قلتله: "روح يا شريف اطلب إيديها. وفقت، يبقى دي إشارة من ربنا إنه عايزك تبدأ حياتك مع البنت اللي أنت حبيتها." في نفس اليوم راح أتقدم لوالدتك. بعد أسبوع، جاله الرد إن أهلها موافقين. اتجوزوا بعد كام شهر. شريف كان فرحان أوي لدرجة أنا نفسي استغربتها. بعد سنتين. كترت المشاكل وفجأة اتطلقوا، وهي سافرت مع والدتها بعد وفاة والدها.
شريف حاول كتير يوصلها، لكن للأسف معرفش. وبعدين الحاجة اللي كان ممكن تقوي علاقتهم ماتت، وعرف إن والدتك أجهضت. طلقها بعد إصرارها. لكن فضل يحبها طول السنين دي. كان ييجي الجامع هنا ويفضل بالساعات يتمنى يشوفها ولو لمرة واحدة. يشوفها مرة قبل ما يموت، تكون آخر حاجة يغمض عينيه عليها. عرف بعد سبع سنين إنها في لندن. وقتها قرر يسافر يشوفها من بعيد، وحتى ميقربش منها، على الأقل يودعها.
حياء بمقاطعة: "ماما، فعلاً وأنا صغيرة كانت بتشتغل في شركة في لندن." الشيخ مصطفى بابتسامة: سافر لندن وفضل يدور عليها لحد ما عرف عنوانها. وقتها يمكن كان أسعد إنسان. شريف كان شاب بيعشق مراته، وفجأة حياتهم اتغيرت مية وتمانين درجة، ومراته سابته وطلبت الطلاق. كان بيرقبها من بعيد، شافها مع بنت صغيرة حوالي خمس سنين أو ستة، وفي شخص معاهم دايماً. شك إنها اتجوزت وخلفت البنت دي. حياء دموعها نزلت وهي سامعة
نبضات قلبها بطيئة وبقهر: "بس البنت دي كانت أنا بنته... الشيخ مصطفى: شريف مسألش مين دي، وهو عارف إن شغف أجهضت الجنين. حس إنه مبقاش ليه مكان معاها. وغير كده، كان خلف من نواره أختك شهد. حياء لنفسها: "دلوقتي عرفت أنا طلعت متسرعة لمين، ليه كدا يا بابا، ليه؟ الشيخ مصطفى بهدوء كأنه عارف اللي بيدور في دماغها:
"دا قدرك يا بنتي، وقدر الأب إنه يشوف بنته قدامه ومايعرفش إنها بنته. قدره يرجع مصر وهو حاسس إنه بلا روح أو نبض. دا كله كان مكتوب على جبينك وجبينه." عدت السنين وفضلت عنده نفس الأمنية إنه يشوفها قبل ما يموت. عمره ما بطل يحبها غصب عنه. لكن ربك أراد إنه يحققله الأمنية دي، وإنه يشوف شغف فيكي لأنك نسخة منها.
شغف فضلت طول السنين دي برا مصر، بعيدة عن بلدها وحبيبها. ولما رجعت، ماتت فيها. وأنتي ظهرتي. تعرفي أول مرة جيتي المنطقة، أنا شفتك وأنتي ماشية في الشارع بتدوري على البيت. وقتها حسيت إني شايف شغف قدامي. حياء بحسرة: "ويفرق إيه حبه ليها مادام سابني أعيش لوحدي طول السنين دي؟ لو كان قرب منها شوية وسأل، كان هيعرف إني بنته، وساعتها يمكن كنت اتربيت هنا في مصر." جلال بهدوء:
"محدش يقدر يقف قدام المقدر والمكتوب يا حياء، ودا قدرنا كلنا." حياء عيونها اتجمعت فيها الدموع، وبصت للشيخ مصطفى وهو بيطلع من جيب عبايتها ورق ومفتاح، واضح إنه قديم وغريب عن المفاتيح العادية. بيمسك إيد حياء وبيحط الورق في إيديها. حياء: "إيه دول؟
الشيخ مصطفى: "دي الأمانة اللي ليكي عندي. دا ورق بيت الحسيني القديم، بيت والدتك. لما جدتك جت تسافر برا، كانت محتاجة فلوس. شريف حاول مع والدتك كتير إنهم يتفاهموا ويرجعوا، لكن محصلش نصيب، فقرر يساعدها."
"وبعت شخص يشتري منهم البيت برقم خرافي، لدرجة إن الكل استغرب إنهم باعوا البيت بالسعر دا. بس شريف كان نفسه يساعدها من بعيد. بعد ما أنتي جيتي وقبل وفاته بكم يوم، جالي. وأدالي الورق دا وقالي إنه حاسس إن دي نهايته، حاسس إنه هيروح لها قريب، والبيت دا من حق بنتي. ولو ربنا أراد وأنا روحت لشغف، سلم الورق دا لحياء بنتي. خلي جلال ياخدها للبيت القديم." حياء باستغراب: "طب ليه استنيت كل الشهور دي عشان تسلمني الورق؟
الشيخ مصطفى: "عارف إني اتأخرت، بس أنا كنت تعبان وفي المستشفى، وأول ما فوقت كلمت جلال، وهو جالي المستشفى. وقتها قالي إنك لازم تسمعي الكلام دا مني. يالا يا جلال، خدها يا ابني وصلها لبيت أمها. على فكرة البيت قديم أوي زي بيوت العثمانيين، جميل." جلال: "يالا يا حياء." قامت معاه، والاتنين راحوا البيت وهي ساكتة وباصة للفراغ. كانت واقفة في منطقة قديمة، كان فعلاً البيوت بتصميم العثمانيين.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!