الفصل 27 | من 70 فصل

رواية اطفت شعلة تمردها الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم دعاء احمد

المشاهدات
23
كلمة
10,108
وقت القراءة
51 د
التقدم في الرواية 39%
حجم الخط: 18

في منزل يوسف دلف يوسف إلى منزله لأول مرة بعد عودته من السفر، نظر للمنزل باشتياق وهو يعيد ذكرياته معها. كان مرتباً، كل شيء فيه أنيق، يعود ذلك لعودتها منذ ساعتين للمنزل بمفردها. بينما طلبت منه أن يفعل أي شيء بالخارج حتى تفعل بعض الأشياء. ورغم إرهاقه منذ يومين لم ينم، لكنه وافق، تاركاً لها الحرية.

دلف إلى المنزل شاعراً بالدفء، وجد السفرة مرتبة بأشهى الأصناف، تضع شموع ليبدو الأمر في غاية الجمال. يشعر بداخله بحلاوة الحلال. ابتسمت وهي تخرج من غرفتها، تنظر له. كانت جميلة، ربما أجمل امرأة رآها. ترتدي ثوباً أسود يصل لركبتها، ضيق من الخصر قليلاً، متسع بعد ذلك. تضع بعض لمسات المكياج. تقدمت نحوه مرتبكة من نظراته المتفحصة لها، وكأنه يراها لأول مرة. إيمان: "چو... بطل تبص لي كدا...

ياله، أكيد واقع من الجوع. بصي، هو الصراحة ماما هي اللي عملت الأكل دا، أنا ملحقتش أعمل حاجة ولقيتها بعتت لي الحاجة دي مع عفت. انت بتبص لي كدا ليه؟ "وحشتيني... اتسعت شفتيها، ترتسم بأجمل ابتسامة ورثها من والدتها، قائلة: "ياله، ادخل اغسل إيديك وتعالى نتعشى. أنا واقعة من الجوع." اتجه نحو الحمام دون كلمة واحدة.

بعد مدة، تناول الاثنان وجبتهما في حين دلف يوسف للحمام ليأخذ حماماً بارداً يزيل به عناء اليوم، بينما لملمت إيمان السفرة. ودلفت لغرفتهما لتجد هاتفه يصدح. نظرت نحو الحمام لتستمع لصوت جريان المياه. نظرت للهاتف، عاقدة ما بين حاجبيها من اسم المتصل (قدري الأسود) . حاولت أن تكون عقلانية ولا ترد، لكن لم تستطع مقاومة فضولها وهي تفتح الخط لتجد الرد المتلهف. عهد: "يوسف، انت فين؟

برن عليك من امبارح بليل، ازاي ترجع مصر من غير ما تكلمني." ثم تابعت (عهد) بحنق وغضب: "وبعدين انت بتقفل السكة في وشي. انت فكرني برمي نفسي عليك؟ أنا بس كنت عايزة اتكلم معاك عن المشروع." حاولت السيطرة على أعصابها وهي تستمع لتلك المرأة ولهفتها القوية. ابتسمت إيمان بحدة لترد بصوتها الأنثوي الناعم قائلة بدلال لتسمعه الأخرى لتستشيط من الغضب: "ياله يا حبيبي، اتأخرت ليه... وحشتني يا چولا. لا عيب يا يوسف... يوسف...

أنهت المكالمة بدلال وتغنّج، وكأنه تخبر المتصلة بأنه مرتبط بأخرى غيرها. أغلقت الهاتف بوجه عهد، وهي تلقي الهاتف على الفراش. بينما على الجهة الأخرى، شعرت عهد بالصدمة وعقلها يرسم لها سيناريو له مع زوجته لتشعر بالغيرة والغضب. بينما وقفت إيمان تود لو تنقض عليه بقوة لمعرفة من هي تلك الغبية. وجدته يخرج من الحمام وهو يرتدي التيشيرت قائلاً بابتسامة: "أخيراً الواحد حاسس إنه بقاله سنة بعيد عن البيت." إيمان بحدة وهي تمسك هاتفه:

"مين دي يا يوسف؟ وليه بتتكلم بعشم أوي كدا؟ دفع رأسها ليرى عهد، قامت بالاتصال عليه. ضغط على شفتيه بغيظ قائلاً بحدة: "وانتِ ليه بتقلبي في موبايلي؟ إيه مش واثقة فيا للدرجة دي؟ إيمان بغيرة: "لا واثقة، بس مش واثقة في الناس. وبعدين بلاش تتهرب وتغير الموضوع. البنت دي بتقول إنها مش بترمي نفسها عليك ومتعصبة... انت في بينك وبينها حاجة؟ يوسف بضيق:

"إيمان، بلاش تخليني أندم إني نزلت. وبعدين كلامها معناه لو هي بترمي نفسها عليا ومتعصبة كدا يبقى أكيد دا من ناحيتها هي، فبلاش تقلبيها نكد لأن أنا هلكان وربنا." إيمان: "عندك حق. اتفضل يا بشمهندس نام، عندك السرير واسع أهوه." لتقترب من السرير تسحب أحد الوسائد والشراشف لتضعهم على الأرض وتستلقي عليها وهي تتمتم بغضب: "اشبع به... يارب السرير يقع علشان تبقى تفرح به أوي." يوسف بضيق: "بطلي لعب عيال يا إيمان، وقومي ضهرك هيوجعك."

إيمان بحدة طفولية: "مالكش دعوة بيا... ل تتمتم بغضب لنفسها: "حتى الكنبة يا أخي جايبها مش مريحة. يارب السرير يقع." وقف ينظر لها ولعنادها. تجاهلته مغمضة عينيها لتستغرق سريعاً في نوم عميق، فقد كانت تشعر بإرهاق شديد بعد عمليتها الأولى. لينهض يوسف من فوق الفراش بعد تأكده من نومها. لهم برفعها بين ذراعيه ووضعها على الفراش ليتذكر أنها إذا استيقظت ووجدت نفسها على الفراش بجواره سوف تقيم القيامة. ليقرر أنه يجب إيجاد حل آخر.

استلقى يوسف بجوار إيمان على الأرض ليسحبها حتى تستلقي على صدره، محاولاً توفير لها أكبر قدر من الراحة ليحتويها بين ذراعيه، مقبلاً رأسها بحنان وهو يهمس لها: "أنا محبتش ولا هحب حد في الدنيا قدك." ليدفن وجهه بعنقها يقبله بشغف وهو يتنفس رائحتها الخلابة، مغمضاً عينيه ليستغرق هو الآخر في نوم عميق. في الصباح

فتح يوسف عيناه ببطء ليبتسم بسعادة عندما شعر بأنفاس إيمان الدافئة فوق عنقه، حيث كانت تدفن رأسها به. لينحني مقبلاً جبينها برقة، وهو يتنفس بعمق رائحتها التي يعشقها. ليشدد من ذراعيه التي تحيطها مقرباً إياها منه أكثر، ليظل على هذا الحال عدة دقائق. ليقرر النهوض فقد تجاوز السادسة صباحاً. قد تستيقظ في أي وقت، وإذا رأته بجانبها بهذا الوضع سوف تعلن عليه الحرب، فهو يعلمها جيداً.

لينهض ببطء محاولاً عدم إيقاظها، لكنه تأوه بصوت منخفض عندما شعر بألم شديد في ظهره. ليستلقي على الفراش محاولاً إرخاء ظهره ببطء. فظهره قد تشنج بسبب استلقائه على الأرض وحمله لجسدها فوق صدره طوال الليل في محاولة منه لتوفير لها أكبر قدر من الراحة. تنهد يوسف بألم وهو يغمض عينيه محاولاً النوم قليلاً لعل هذا يخفف من ألم ظهره قليلاً.

استيقظت إيمان من النوم وهي تشعر براحة غريبة، لتنهض ببطء تقف بجوار الفراش وهي تتأمل النائم بعمق، لتهمس بغيظ: "بارد... سيبني نايمة على الأرض وهو نايم على السرير." لتتنهد وهي تجلس على عقبيها بجوار الفراش تتأمل بشغف ملامحه الوسيمة المسترخاة بسبب النوم. تتشرب تفاصيله بهيام، فلم تشعر إلا وهي تمد يدها تمررها في خصلات شعره الحريرية بحنان وهي تهمس بصوت متحشرج وكأنها تتحدث معه:

"أنا آسفة يا يوسف، والله ما قصدي أقلبها نكد، بس أنا حسيت في صوتها بحاجة غريبة." ابتعدت عنه ببطء، لكن عينيها كانت لا تزال منصبة عليه تراقبه بشغف، لكنها شهقت بصوت منخفض عندما شعرت به يستيقظ. لتتجه على الفور نحو المرآة تدير ظهرها له وهي تمسك الفرشاة بين يديها تتصنع بتمشيط شعرها. لكنها استدارت نحو يوسف سريعاً عندما صدرت عنه شهقة ألم، لتقترب منه قائلة بلهفة: "مالك يا يوسف؟

أجابها وهو يحاول النهوض لكنه فشل عندما شعر بالألم يعصف بظهره، ليرجع برأسه إلى الخلف مستنداً على ظهر الفراش: "مش عارف، حاسس بألم رهيب في ضهري." إيمان لنفسها: "شكل الدعوة استجابت ولا إيه... لتهتف بجدية: "ثواني، عندي مرهم كويس. على ما أتذكر كان هنا. استني... كان يوسف لا يزال مستلقياً على السرير عندما اقتربت منه وهي تحمل بين يديها إحدى المراهم الطبية قائلة بحزم: "المرهم ده كويس، هدهنلك ضهرك بيه وهتبقى كويس على طول."

شعر يوسف بالدماء تعصف بداخله عندما تخيل يديها تمر على ظهره، فهو لن يستطيع تحمل ذلك. فهو يجد الصعوبة في السيطرة على ذاته، ليهز رأسه بالرفض قائلاً بحزم: "لا، مش محتاجة... أنا هبقى كويس." تجاهلت إيمان اعتراضه لتصعد فوق الفراش بجواره وهي تحاول جعله يستدير حتى تتمكن من وضع العلاج وتدليك ظهره قائلة بتصميم: "يلا يا يوسف، بلاش شغل العيال ده. ضهرك لو معالجتوش الوجع هيزيد أكتر."

ليزفر باستسلام وهو يستدير ببطء محاولاً نزع قميصه حتى تستطيع تدليك ظهره. لتساعده على الاستلقاء مرة أخرى، لكن هذه المرة على بطنه. حاولت إيمان نفض جميع الأفكار حتى تستطيع التركيز على ما تقوم به، لتضع القليل من المرهم فوق ظهره وتبدأ بتدليك ظهره تحت يديها المرتجفة بشدة. بينما كان يوسف مستلقياً وهو يحبس أنفاسه بقوة، فالشعور بيدها فوق ظهره أثاره، مما جعل الدماء تغلي بداخله، ليجز على أسنانه بقوة جاذباً إياها أسفله قائلاً:

"بذمتك دي مقابلة تقابلي بيها جوزك بقاله أربع شهور مسافر؟ طب أنا مبصعبش عليك؟ ولا هو أنتم بتحبوا النكد وخالص؟ أولاً دي واحدة شغالة معايا، لكن أقسم لك بالله ما في حاجة بينا. ثانياً بقى انتي وحشتيني أوي." إيمان بارتباك: "يوسف، أنا عندي شغل." انحنى قليلاً قائلاً بجدية وصوت متحشرج أجش أثر مشاعره: "كلمتهم في المستشفى وخدت لك إجازة، يعني مفيش حجج." شهقت إيمان بضيق قائلة: "حجج...

لم تكمل جملتها لتجده يحتضنها بقوة، يأخذ نفس عميق قائلاً: "نامي يا إيمان، لسه بدري، وأنا كمان عايز أرتاح... لأن لو منمتش دلوقتي مش هيحصل. طيب." ابتسمت بخجل وهي تدس جسدها بداخل أحضانه، تغمض عينيها محاولة النوم. في وقت سابق (ليلة أمس)

دخل صالح إلى غرفته مع زينب بعد عودته من فحص الطبيبة وشجارهم معاً. ليجدها تجلس فوق الفراش تضم ركبتها إليها تنظر بشرود أمامها، حتى أحست بدخوله، لتسرع في النهوض من الفراش تحاول التقدم منه، ليرفع سبابته يوقفها قائلاً بجمود: "خليكي مكانك. تقدري تنامي على السرير، أنا هنام هنا على الكنبة." تحشرج صوتها بالبكاء تحاول التحدث إليه، ليتجاهلها تماماً متجهًا إلى خزانته يخرج منها ملابس نومه يتجه بها إلى الحمام.

لتقف زينب مكانها تنساب دموعها بصمت فوق وجهها، حتى خرج من الحمام لا يرتدي سوى بنطال قطني ليذهب إلى الفراش يسحب من فوقه الأغطية يتجه بها إلى الأريكة متجاهلاً تماماً زينب الواقفة. يستلقي فوق الأريكة محاولاً النوم، واضعاً يده فوق وجهه ليقول بعد عدة دقائق عندما رآها مازالت واقفة في مكانها دون أن تتحرك قائلاً بجمود: "هتفضلي واقفة مكانك كتير؟ عايز أقفل النور وأنام."

لينقلب على جنبه معطياً لها ظهره، ليسود الصمت حتى تحركت زينب بخطوات بطيئة تجرجر قدميها حتى الفراش تستلقي هي الأخرى، تغلق الأنوار ليسود الظلام، لكن دون أن يطرق النوم جفونها، ليمر بها الوقت وهي على هذه الحالة. ساد الصمت المكان لتشعر به وكأنه غرق في نوم عميق. نهضت عن الفراش تتقدم من الأريكة ببطء، جلست بجواره، واضعة يديها على صدره العاري موضع قلبه تستشعر حرارة جسده. زينب بعتاب:

"صالح، انت قلت مش عايز يجي اليوم اللي أحط فيه راسي على المخدة جانبك وأنا زعلانة. وأنا دلوقتي زعلانة، بس مش منك، من نفسي. أنا آسفة والله العظيم ما كنت أعرف إن ده اللي هيوصلك من تصرفاتي. أنا أكتر واحدة في الدنيا بحبك ونفسي أحس بنبض ابننا جوايا. أوعى تتخيل إني كارهة ده، أنا لو هموت عشان حملي يكمل ويجي للدنيا مش هتستخسر فيه عمري. عشان ده حتة منك انت. أوعدك هصلح اللي عملته، لأن بعدك عني هو فعلاً عقاب ليا. كنت متخيلة إني لما أزعل وأنكد عليك وعلى نفسي هبقى كدا أحسن، بس أنا بتعافى بوجودك جانبي."

انحنت قليلاً لتطبع قبلة بطيئة خجولة على شفتيه، مغمضة العينين. توجهت للفراش تحمل غطاء خفيفاً وتسللت بهدوء حتى وصلت إلى جانبه وقامت بتغطيته والدماء تضج في وجهها من شدة الخجل وقلبها يقفز في داخل صدرها بعنف شديد كلما تذكرت أنها قبلته. تمنت لو بادلها، لكن كيف وهو نائم؟ وضعت يديها على شفتيها تعنف نفسها على أفكارها المنحرفة ووجهها مشتعل. لم تشاهده وهو يبتسم ويواصل التظاهر بالنوم.

توجهت للفراش وهي مقررة مصارحته والاعتذار منه. غمضت عينيها تحاول النوم، إلا أنها فشلت، وأحداث اليوم تهاجمها بقوة، فشعرت بالبرودة تجتاح جسدها بقوة. فسحبت الغطاء تحاول تدفئة نفسها وهي تشعر بالخوف والوحدة تجتاحها بشدة ودموعها تغرق وجهها وصوت من داخلها يوبخها بشدة على ما فعلت.

فأغمضت عينيها تزرف دموع ندم عما فعلت، والذي أوصلها في النهاية لتلك المرحلة، ليتركها تنام بمفردها، ولأول مرة بعد زواجهم تفتقد دفء احتضانه لها. أسنانها تصطك من شدة الخوف والندم.

فتح عينيه ببطء ينظر بعيون عاشقة لهاتمنى لو تسعفه عنوة مشاعره على الاقتراب منها الآن واحتضانها بقوة والاطمئنان عليها هي وطفلهما. كاد أن يحملها بداخل حضانته مراضياً لها، وصوت بكائها المكتوم يدمي قلبه الغارف في عشقها. ولكن، انتفض ينهر نفسه ويعنفها من ضعفه ذلك. مقرر ألا يقترب لعلها تتعلم الدرس. لكن!! لكنها اعترفت بمشاعرها الآن... أخبرته أنها تحبه...

يا الله، لما تأتي أجمل الأشياء بأسوأ الظروف. يا الله، لما يخفق قلبه بكل هذا الجنون. نظر لها سريعاً بداخله بعض المخاوف أن تستمع لدقات قلبه السائرة. ما هذا الجنون؟ لماذا تستمع لدقات قلبك؟ نظر لها مرة أخرى ليجدها قد غفت، أو كما يبدو أنها تجاهد في سبيل الاستغراق في النوم. صالح لنفسه: "يارب تتعلمي تثقي فيا يا زينب، وقبلها تمحي بينا الأسرار والخوف. بس لازم تفوقي وتعرفي إن البُعد بيولد بُعد...

وتحكي ليا عن اللي مخبية. بس اصبري عليا عشان شكلك عايزة تتربى على إيدي." جذب الغطاء عليه يحاول النوم هو أيضاً، ولكن بداخلها سعادة عارمة وبعض الارتياح. *** گ احتلال دخل قلبي بكامل قوته، فتحول إلى نور بداخله يزيل عتمته. في الصباح

اقترب صالح بهدوء من زينب المستغرقة بعمق في النوم، وجلس بجانبها يتأملها بعشق، ويده تمر بحنان في خصلات شعرها الأسود الناعم والغزير وهو يتأمل ملامحها الفاتنة بعشق شديد. لترتفع يده بدون إرادته وتتلمس ملامح وجهها بافتتان وولع شديد. فتنهد بألم وهو يشاهد بقايا آثار دموعها على وجنتيها، فحاول الابتعاد عنها وهو يشعر بالندم، تمنى لو آفاق بالأمس يحتضنها بقوة يسمعها للنهاية.

تفاجأ بها تفتح عينيها وتبتسم له بفتنة تهمس باسمه. فلم يعد يستطيع السيطرة على مشاعره الملهوفة إليها، فاقترب منها وهو يهمس بعشق شديد فوق شفتيها يقبلهما برقة شديدة.

فتنهد بألم وهو يحاول الابتعاد عنها، إلا أن مشاعره الغارقة في عشقها والشوق إليها تغلب عليه وهو يقتحم شفتيها ويقبلهما بنهم شديد، وكأن روحه معلقة على شفتيها، خاصة وهو يشعر بها تستجيب بلهفة بين ذراعيه. يده تتشابك في شعرها تضم رأسها بعشق إليه، واليد الأخرى تضمها إليه بقوة ولهفة شديدة، وكأنه يحاول زرعها بين أضلعه.

ليمر بعض الوقت عليه حتى ابتعد عنها على مضض، وهو لا يشعر بالوقت الفعلي الذي مر عليه وهي بين يديه. فمرر يده بحنان على شعرها يعيد ترتيبه برقة خلف أذنيها، في حين ابتسمت وهي تنظر إليه برقة وتعود للنوم مرة أخرى براحة. نهض صالح من جانبها وهو يمرر يده بتوتر في شعره، وهو يشعر بالارتباك، لتعود النوم مرة أخرى، لم تعِ ما حدث، لكن كانت تتمنى.

دخل إلى الحمام للاستحمام والاستعداد لبدء يوم جديد، ثم خرج وهو يراقب استغراقها الشديد في النوم بدهشة وقلق، فارتدى ثيابه ودخل إلى المطبخ وقام بتحضير طعام الإفطار لها. اقترب منها بعد أن وضع صينية الطعام بجانبها ومرر يده على شعرها وهو يقول بحنان: "زينب... زينب، ياله اصحي ياله قومي." فتحت زينب عينيها ببطء وهي تنظر إليه، لتنهض فوق الفراش سريعاً: "صالح، لازم نتكلم، والله، أرجوك." جلس بجوارها ببرود زائف ليقول بجدية وحدة:

"طب ياله افطري الأول عشان تاخدي الدوا." زينب بضيق: "صالح، أرجوك." صالح بحدة: "هنتكلم يا زينب، بس مش هنا. خلينا نوصل المنصورة الأول وهناك تهدي وأنا كمان أهدي أعصابي. ياله افطري." حاد... بارد... يستمتع بعذاب قلبها العاشق. قرب من شفتيها كوباً من الحليب الدافئ وهو يقول بحنان: "يلا يا عشان تاكلي." زينب بحزن وضيق: "انت لسه زعلان مني، مش كده؟ مرر صالح يده في شعرها وهو يقول بجدية:

"أيوه لسه زعلان منك، ومش عارف إزاي هتقدري تخليني أسامحك. المفروض إننا واحد وأي حاجة تزعجك لازم أكون أول واحد يعرفها، لكن حضرتك ماشية بدماغك العبقرية دي لحد ما هتلبسينا في حيط سد. بس دلوقتي مش وقته. المهم دلوقتي تفطري وتاخدي دواك." هزت زينب رأسها ترفض الطعام وهي تقول ببكاء: "خلاص مش عاوزة أكل. وبعدين انت مش عايز تسمعني، بتعاقبني وخلاص. واحد بارد." صالح بتسلية وابتسامة ماكرة: "والله... عقدت ساعديها أمام صدرها بضيق:

"والله... تفاجأت به يقترب وعلى شفتيه ابتسامة لعوبة. كادت أن تبعده ظناً منها أنه سيقبلها، لكن وجدت أنه يميل على بطنها يقبلها بحنان وكأنه يحدث طفله: "عجبك كدا يا أستاذ جلال؟ أمك متعبة أوي الصراحة وتعباني معاها." زينب بابتسامة: "جلال؟! ابتعد قليلاً ليغمز لها سريعاً بطريقة جعلت عينيها تشع بالقلوب قائلاً: "ابننا... تقسم أنه لو لم يبتعد قليلاً عنها لكن قبلته بترحيب وسعادة. تشعر وكأن أفكارها تنحرف مؤقتاً.

"ياله يا زينب، هو ملوش ذنب بزعلك." زينب بحزن: "قصدك إني مش مهتمة بيه؟

على فكرة دي ابني وأنا بحبه أكتر منك، عشان هو جوايا أنا وأنا اللي بحس بيه رغم إنه لسه بيتكون في جسمي وبيكبر. ودا الفرق والسبب اللي يخلي الجنة تحت رجلي أنا الأم، واللي بتحمل كل الوجع. أنا بحس بيه وبأول نبضة وحركته. ربنا لما حب يكرم الست خلاها تحس بابنها جوا بطنها وتحس بنبضه وتتوجع، فاوْعى تتخيل في يوم إني مش عايزاه أو مش بحبه. وعلى فكرة هو مش بيتأذى. متخافش، أنا سألت الدكتورة امبارح وقالتلي حتى لو أنا مكلتش البيبي بياخد اللي هو محتاجه من جسمي، يعني لو مكلتش هو مش هيتأذى من حاجة."

مرر صالح يده على وجنتها بحنان وهو يقول برفق: "عارف إنه هياخد احتياجه منك، بس أنا كمان خايف عليكي وعاوزك تحافظي على صحتك. إحنا لسه في أول شهرين، لازم تهتمي بنفسك، لأن مش هسامح نفسي لو جرالك حاجة. ياله، بسم الله، خدي بقى اشربي كوباية اللبن دي." "زمت شفتيها بحنق طفولي قائلة: "مش بحبه." صالح: "طيب لو قلتلك عشان خاطري وخاطر ابننا."

هزت رأسها بطاعة وهي تأخذ منه الكوب لتضع أصابعها على فتحتي أنفها وهي تتجرع الكوب بسرعة حتى لا تشعر بطعمه في فمها. ضحك وهو ينظر لتصرفاتها الطفولية والعفوية. ما إن شربت كوب اللبن وجدته ينظر لها ويبتسم برفق، أخذ قطعة من الخبز الشهي وقربها من فمها وهو يقول بحب: "افتحي الشفايف الحلوين دول عشان حبيبي ياكل." اصطبغ وجه زينب باللون الأحمر القاني من شدة الخجل، ثم فتحت فمها برقة وتناولت الطعام من يده وهي تكاد تذوب من شدة الخجل.

فهمست برقة قائلة: "طب وانت مش هتفطر؟ حاول التهرب منها وهو يضع قطعة أخرى في فمها قائلاً: "ماليش نفس، هعمل فنجان قهوة عشان أفوق قبل ما نتحرك." زينب بضيق وإصرار: "لا، وهتفطر معايا ياله." ابتسم ليجدها تأخذ قطعة من خبز تضع بها الجبنة وقطعة من الزيتون وضعتها في فمه، لم تترك له المجال للاعتراض.

بعد مدة، أخذت حماماً صباحياً دافئاً وارتدت ثيابها، وجدته يقف أمام المرآة يهندم قميصه الأسود الذي يبرز أناقة جسده الرياضي في غاية الوسامة. غرّزت أسنانها بشفتيها السفليتين بغضب وغيره. زينب ببلاهة وحنق: "على فكرة انت متجوز، فتنة. أنا مبقفش كل ده قدام المرايا، مش خايف تتلبس بجنية؟ لاحت ابتسامة لعوبة على شفتيه وهو يضع زجاج عطره أمام المرآة قائلاً برضا وهو يتفحصه من رأسه حتى أخمص قدمه: "جنيه... مش كفاية انتي يا مجننتي؟

ياله ننزل لأن مضمنش نفسي." تقدم وهو يمسك بيديها برفق، تمشي خلفه. توقف أمام شقة والده وهو يحيط خصرها بحماية، ليجد والدته تقوم بفتح الباب تبتسم لهم. حياء بحب: "صباح الخير يا ولاد، تعالوا ياله افطروا قبل ما تنزلوا. زينب عاملة إيه دلوقتي يا بنتي؟ ابتسمت برقة وهي تحتضن حياء قائلة برفق: "بخير الحمد لله، أخبارك إيه يا ماما وبابا فين؟ حياء: "بيفطر جوا، ياله تعالوا." دلف الاثنان إلى الصالون برفقتها. جلال بابتسامة:

"صباح الخير يا ولاد... ازيك يا زوبازينب بود: "بخير الحمد لله." جلال: "الحمد لله، ياله اقعدوا افطروا." صالح: "تسلم يا حج، بس فطرنا مش شوية. بالهنا والشفا. ياله، أنا قلت آجي أسلم عليكم قبل ما نمشي. هطلع على إيمان ويوسف قبل ما نتحرك." جلال بجدية: "خلي بالك على نفسك وعلى مراتك." قبل يد والده بتبجيل قائلاً: "متقلقش علينا يا حج، زينب في عيوني." حياء: "ربنا يحفظكم يا حبايبي. ياله يا عفت، كل دا بتجهز؟

عقد صالح ما بين حاجبيه باستنكار قائلاً: "عفت؟! حياء بجدية: "عارفة إنها رغبة بس لازم تبقى معاكم عشان تخلي بالها على زينب، ولو حصل أي حاجة هي خلفت قبل كدا وعارفة." لولا أن مينفعش أسيب البيت كنت جيت معاكم. عفت بسرعة: "خالص، أنا جهزت يا مدام حياء. هنزل الشنطة أحطها في العربية." أومأ لها صالح بجدية قبل أن تخرج من الشقة تجر حقيبتها وراها. صالح: "ياله، في حفظ الله." جلال وحياء: "في حفظ الله." بعد عدة ساعات

وقفت زينب أمام باب أحد المنازل الريفية الفاخرة، تنظر بانبهار إلى ما حولها. لتشهق بصوت منخفض عندما رفعها صالح بين ذراعيه حاملاً إياها إلى الداخل وهو يهمس لها: "نورتي البيت يا زبدة." ابتسمت له بخجل وهي تخبئ وجهها بعنقه. ظل صالح حاملاً إياها حتى وصل إلى البهو لينزلها ببطء. وقد قام صالح بتعريفها بالخدم (كرم وخديجة)

الذين قاموا بالترحيب بها بحرارة، وخلفهما عفت. والتي نظرت بجشع وطمع لذلك القصر الريفي، ليس منزلاً عادياً. لم تكن تتوقع أن عائلة الشهاوي تملك قصراً كهذا، ربما لأن جلال وحياء يعيشان في شقة عادية كبيرة ومتسعة، لكن ليست كذلك القصر، والذي أقسمت أنها لم تر مثله من قبل غير ذلك بالأفلام. خديجة بحب وود: "نورت يا صالح بيه، بقالي كتير مشفتكش ولا بتيجي البلد." صالح بابتسامة ودودة: "معلش بقى ظروف الشغل والجواز." خديجة

بطيبة وهي تتطلع لزينب: "المنصورة كلها نورت يا قمر، لا والله دي بدر ليلة تمامه. أنا قلت برضو أكيد مرات صالح الشهاوي أكيد زي القمر، بس الصراحة طلعت أجمل ما كنت متخيلة. ألف مبروك يا مرات الغالي. بصي، أنا بقى خديجة، بس أنا أكبر منك بيجي عشر سنين. المهم هنبقى صحاب حلوين أوي." زينب بود وقد شعرت بالارتياح لتلك الفتاة: "إن شاء الله يا خديجة."

خديجة: "أنا بقى مجهزة لكم غدا، هتاكلوا صوابعكم وراه، ومتقلقش يا بيه الأكل اللي عملته مظبوط وصحي. مدام حياء اتصلت عليا وقالت لي كل حاجة. صحيح، ست (بيلا هانم) سألت على حضرتك كتير أوي طول ما انت كنت مسافر ونفسها تشوفك." صالح بجدية وابتسامة: "بيلا، أنا كمان وحشتني أوي أوي. ماشي يا خديجة، هنطلع نرتاح شوية ونبقى ننزل. بلغيها إني وصلت وهعدي عليها كمان ساعة كدا." قام كرم (زوج خديجة) بلكزها حتى تكف عن الثرثرة. كرم بجدية:

"طبعاً يا بيه، اتفضل، وأنا موجود عند البوابة لو احتجت أي حاجة، والغفر موجودين مأمنين البيت." صالح بجدية وهو يحاوط خصرها مقرباً إياها لصدره، بينما هي أخذت تفكر في اسم بيلا ذلك، شعرت بالغيرة مع نطق اسمها. ليقول صالح: "ماشي يا كرم... ياله بينا يا زينب." نظرت خديجة بضيق لتلك المرأة التي تقف وراء زينب، ويبدو الطمع والذهول جلياً على وجهها، في حين صعد صالح وزينب لأحد الغرف بالقصر، وصعد كرم خلفهما يحمل الحقائب.

خديجة: "وانتي اسمك إيه يا شابة؟ بضيق: "عفت." خديجة بسخرية أنثوية: "يا أختي، بطلي تبحلقي في البيت كدا. أعوذ بالله من عينك... قل أعوذ برب الفلق." عفت بضيق: "في إيه يا أختي؟ هو أنا هحسدهم؟ خديجة: "يمكن. ياله بطلي رغي، ورايا على المطبخ." استغلت زينب انشغال صالح بالعمل على اللاب توب، خرجت من الغرفة بعد أن بدلت ثيابها بأخرى مريحة.

وقفت تتأمل بإعجاب القصر الريفي الرائع الذي يحيط به من كل اتجاه، الأشجار والزهور رائعة الجمال والممتدة على مرمى البصر، والتي أشعرتها أن لا نهاية لها، خصوصاً أنها متداخلة مع حدائق الفاكهة الغناء والتي تمتد لمئات من الأفدنة، مريح للأعصاب حقاً. ابتسمت بحماس وهي تنظر للمكان بسعادة، حتى توقفت على صوت خديجة. خديجة: "تؤمريني بحاجة يا زوبا؟ آه، إحنا لازم ناخد على بعض... وبعدين نزلتي ليه؟ كنتي ارتاحي." زينب بضيق:

"أنا من ساعة ما عرفت إني حامل وأنا معملتش حاجة، وصالح لو شافني بعمل حاجة بيزعل، والصراحة تعبت من النوم على السرير. قوليلي مين بيلا هانم دي؟ خديجة بحب عفوي: "ياااه، دي ست طيبة أوي، اسمها بيلا سالم الدمنهوري، صاحبة القصر اللي في الناحية الشرقية، عندها يجي خمسة وأربعين سنة كدا، بس يا حسرة عليها، ربنا مبيديش حد كل حاجة." زينب بفضول: "ليه؟

خديجة: "بيقولوا إنها دخلت مصحة نفسية سبع سنين. كانت أصلاً عايشة في إسكندرية، لكن أختها مريم هانم جابتها المنصورة بعد ما خرجت من المصحة. نفسيتها كانت وحشة أوي، والسبب حاجة حصلت لها في إسكندرية لدرجة إنها بقت تكره تروحها. ومن وقتها وهي جت هنا ودايماً لوحدها. حتى مريم أختها حاولت تخليها تشتغل معاها في أملاكها وترجع لحياتها، لكن هي عمرها ما خرجت. تعرفي دي ملكة جمال، كان بيتخانق عليها رجالة بشنبات وكل واحد يتمنى توافق

تتجوزه، لكن الغريب إنها كانت بترفض كل العرسان بطريقة غريبة. أمي الله يرحمها كانت شغالة في قصر سالم بيه أبوها، وبتقول إن أبوها في مرة ضربها لدرجة إنها دخلت المستشفى وكان جسمها كله بينزف وحصل مشكلة كبيرة، وبعدها لما خرجت من المستشفى دخلت المصحة، ومحدش يعرف السبب الحقيقي لحالتها. ودلوقتي عايشة لوحدها في القصر. أبوها مات، وأخوها محمود بيه هو اللي بيدير الشغل بتاع العيلة، والصراحة هو راجل محترم. بس محدش بيجي يزورها إلا كل

فين وفين، ومفيش غير مدام حياء اتصاحبت عليها، وكل ما تيجي هنا لازم تروح لها، وإيمان وصالح كانت بتعتبرهم زي ولادها. على فكرة أنا كلمتها وقلت لها إن صالح بيه والمدام بتاعته هنا، وهي قالت نفسها تشوفك."

زينب بحزن: "ربنا يكون في عونها. إن شاء الله نتقابل بس صالح يوافق." خديجة: "وهو هيرفض ليه؟ والله العظيم صالح بيه ده ما في منه دلوقتي. بيعتبرها أمه، ربنا يفرحكم يارب بابنكم." وقفت "عفت" من بعيد تتابع ما يحدث بضيق، كانت تعتقد أنها ستستطيع التقرب من زينب في تلك الفترة، لكن جاءت تلك المرأة ورفقتها. عفت بضيق: "أبو شكل دي شغلانة بس خالص، أنا زهقت. الواد ده لازم ينزل...

وبعدين الخطّة بتاعة سي زفت بقالنا تلات شهور بنرتب فيها، لولا الحمل الزفت ده كان زمانا خلصنا. بس خالص، أنا جبت آخري. باي باي زوبا." في وقت لاحق ترجل صالح من سيارته يدلف إلى قصر ضخم، وبجواره زينب. شعرت بالتوتر قليلاً من رغبته في التعرف عليها. زينب: "صالح، استنى بس، هي ممكن متبقاش عايزة تشوفني؟ طب انت، وعرفت إنها، إنما أنا... طبع قبلة سريعة على وجنتها وهو يحيط خصرها بتملك قائلاً:

"متقلقيش، بيلا مفيش أطيب منها، وبالعكس يمكن تزعل لو مشفتكيش." ابتعلت ما بحلقها وهي تدلف لذلك القصر الضخم، تنظر للحرس بارتياب وهي تتمسك به بقوة. ليبتسم. مرت ثوانٍ وهو يدور بعينيه في الحديقة، ليجد امرأة أنيقة في منتصف العقد الرابع من عمرها، جميلة الوجه، شعرها مرتب في كعكة أنيقة. تجلس على أحد المقاعد بجوار شجرة كبيرة وتدون شيئاً ما في مذكراتها، يبدو عليها الحزن جلياً. صالح بحماس: "بيلا، وحشتني."

ابتسمت بطيبة وهي تراه يقترب، احتضنها قائلاً: "القمر عمل إيه؟ بيلا برفق وحزن مصطنع: "زعلان منك يا بكاش... مش بتسأل عليا. لا، أنا زعلانة منك." "وأنا ميرضيني زعلك، أصلحك إزاي؟ بيلا بطيبة: "مش محتاجة حاجة غير إنك تطمني عليك دايماً." رفعت عينيها البنية تنظر لتلك الجميلة بجواره، تمعنت في النظر لها، أسلبت عينيها عنها وعن رماديتها قائلة: "دي مراتك؟

أومأ لها بالإيجاب، لتشعر زينب بالحرج قليلاً، لكن فاجأتها بيلا وهي تحضنها. قد شعرت بهالة غريبة من المشاعر، لكنها ابتعدت أيضاً فجأة كما اقتربت قائلة: "زي القمر يا صالح، ألف مبروك يا زينب، انتي محظوظة. الواد الشقي ده على فكرة مش تربية حياء بس... ده حبيب قلبي." ابتسم صالح بود قائلاً: "خالص يا بيلا، يبقى نقضي معاكي اليوم بكرة في البيت عندنا." بيلا بحزن: "معلش يا صالح، انت عارف إن أنا مبحبش أخرج." صمتت للحظات شارده،

لتكمل بلا إدراك: "العالم برا مخيف... كادت زينب أن تبكي، وكأن تلك الكلمة لمست صميم أوجاعها. اقتربت منه بضعف وهي تلف يديها حول خصره، ومازالت تنظر لتلك المرأة الجميلة رغم كبر سنها، لكن تبدو جميلة جداً. صالح بمحاولة وإصرار على خروجها:

"لا طبعاً، لازم نقضي اليوم سوا، انتي وحشتيني، وكمان وحشتني القعدة معاكي، وبعدين زينب حامل ومش هعرف أجيبها ونخرج كل شوية، وانتِ عارفة لازم ترتاح. حاجي بكرة آخدك ونقضي اليوم كله في الفيلا عندي." بيلا بابتسامة وهي تنظر لزينب: "تتربى في عزكم يا حبيبي، ماشي يا صالح عشان خاطرك انتي بس يا زينب، إنما أنا أصلاً زعلانة منك." زينب بسعادة: "وأنا هكون مبسوطة جداً وانتِ معانا يا مدام بيلا." بيلا بنظرة حزينة وابتسامة جميلة:

"قوليلي يا بيلا على طول، أو ماما." زينب بود: "ماشي يا بيلا، بس هستناكي بكرة، مفيش أعذار." بيلا: "أكيد طبعاً." بعد مدة رحل صالح وزينب، أما بيلا فكانت تنظر لطيف زينب بشرود، ولعينه الرماديتين تتذكر رماديتين أخريين قد رأتهما بالماضي. *** فلاش باك *** قبل سنوات في قصر الدمنهوري الريفي، تجلس بيلا بجانب أختها مريم تتمسك بيديها برجاء وحماس: "مريوم، وافقي بقى، والله ما هتأخري." مريم بخوف: "لا يا جميلة، لا، انت اتجننت صح؟

عارفة لو روحتي قصر الرشيدي هيحصل إيه؟ بابا هيضربها فوق دماغنا، وبعدين هو مش قالك اقطعي علاقتك بصفاء بنت الرشيدي." بيلا برجاء ومحايلة: "يا مريم، صفاء صحبتي الوحيدة، لو مروحتش الفرح هتزعل مني، لأن أنا معرفتش أروح خطوبتها، ودلوقتي الفرح كمان. والله وافقي بقى عشان أبقى أداري عليكِ لما تحبي تخرجي انتي وعيسى خطيبك. والله ما هتأخر ولا هكلم حد، هسلم على صفاء وأبارك لها." مريم بقلة حيلة: "طب هتخرجي إزاي؟

وافرضي حد شافك من عيلة الرشيدي هناك؟ احتمال لأ، دا أكيد إنهم هيضايقوكي." بيلا بحماس: "بصي، هطلع من باب الخدمين، وهاخد عباية من بتوع البت نعمة، وهيخليها تلاغي الواد الحارس بتاع البوابة الوراني، وهخرج، وهي صحبتي هتوافق." مريم باستخفاف: "دي آخرة صحبة الخدامين، كملي يا أختي." بيلا بابتسامة رائعة:

"أولاً، أنا لسه جاية من إسكندرية وبقالي هناك أكتر من سنة، ومحدش يعرفني في عيلة الرشيدي، وكمان أنا هبقى داخلة القصر بالعباية، وإن شاء الله أعمل نفسي واحدة من الخدم. بس لازم أبارك لصفا، دي هتسافر بكرة تقضي شهر العسل وبعدها هتستقر في القاهرة، هنشوفها إزاي تاني. انتي مهمتك تداري عليا، وبابا كدا كدا بينام بدري. شوفي بقى أخوكي محمود لو عرف إني برا، قوليله بيلا بتقولك يا بتاع كاملي." مريم بحماس: "انتي ماسكة عليه ذلة."

صدحت ضحكتها الجميلة قائلة: "ذلة واحدة، ده أخوكي عامل بلاوي." مريم: "ربنا يستر يا بيلا، أنا مش مرتاحة." نهضت بيلا بحماس وثقة: "هي موتة ولا أكتر، ياله استعنا على الشقى بالله. سلام يا مريوم." بعد حوالي ربع ساعة، توقف التاكسي أمام منزل عائلة الرشيدي. نزلت بيلا وهي ترتدي ثوب ريفي قديم أزرق اللون منقوش بورود وردية. ترفع شعرها الأسود لتبدو كفتاة قروية بسيطة، تضع وشاح أسود خفيف على شعرها.

لفت بين المعازيم دون أن يلمحها أي شخص، نظر لتخفيها بينهما، وقصر قامتها بالنسبة للرجال الموجودين. ابتسمت بحماس وهي تنظر لترتيبات الفرح فائقة الجمال والزينة بكامل القصر. كانت تتحرك بينهم في الخفاء، حتى صعدت الدرج لتصبح بالدور الثاني. تذكرت حديث صديقتها حين أخبرتها (الدور الثاني آخر الممر، الأوضة التالتة) بيلا بضيق:

"ثواني، دلوقتي فيه ممر على إيدي اليمين وعلى إيدي الشمال، منك لله يا صفاء، حتى وصف الأوضة مش عارفة توصفيه، وأنا اللي عاملة فيها المفتش كرمبو... وخارجة من ورا بابا. بصي، خير الأمور اليمين." اتجهت في ذلك الممر، وما إن وصلت الغرفة الثالثة شعرت بأحدهم يقترب. دلفت سريعاً لداخل الغرفة دون الاهتمام. دلفت للغرفة، لكن لم تكن غرفة صديقتها، ولا بها أي صوت. كادت أن تخرج، إلا أنها ابتسمت وهي تنظر للطعام على السفرة.

بيلا: "حتى أنا كمان جعانة. إيه النحس ده؟ كان لازم أمثل على بابا إني تعبانة. طب كنت آكل الأول، وكمان ما أكلتش طول النهار عشان أعرف أمثل الدور. أووف." بللت شفتيها وهي تقترب من تلك السفرة ببلاهة. انحنت قليلاً تشم رائحة أطيب وألذ الأصناف. بيلا بحدة: "بيلا مش من الذوق إنك تاكلي من أكل حد، بس أنا أصلاً قليلة الذوق." ضحكت وهي تتذكر كلمات والدها وهو يعنفها، لكن هي تضرب تلك الكلمات عرض الحائط.

وضعت الملعقة بفمها وبدأت تأكل بنهم. شعرت بحرارة ودفء غريب، عقدت ما بين حاجبيها بتوتر وفمها ممتلئ بالطعام. استدارت ببطء لتصطدم بحائط بشري. وسعت عينيها بصدمة وهي تنظر لرماديتيه بذعر. سعلت بقوة وهي تحاول ابتلاع ما في فمها. نظرت له بارتباك قائلة وهي تنظر لذلك الشاب الوسيم ذو الملامح الحادة قوي البنية: "انت... انت مين؟ عقد ساعديه أمام صدره بغيظ ووحدة قائلاً: "أنا اللي مين؟ حضرتك في أوضتي وبتسألِ أنا مين؟

المفروض أنا اللي أسأل، انتي مين." ثم ألقى نظرة سريعة عليها: "مع إن مش مستاهلة إني أسألك، انتي من خدم القصر." بيلا بضيق: "وانت مالك؟ وبعدين كنت جعانة، ممكن أدفعلك تمن الأكل." رد عمرو بضيق: "واضح إنك قليلة الذوق كمان، بس دلوقتي نعرف لما أجيب البهايم اللي واقفين عند البوابة." فزعت بقوة وهي تقول بجدية: "هش، خلاص خلاص اسكت، هتودينا في داهية. الله يخربيتك انت وصفاء في يوم واحد. أنا آسفة."

ثم تابعت وهي تكاد تبكي إن انكشف أمرها وأنها ابنة عائلة منافسة لعائلة الرشيدي في السوق الاقتصادي: "والله لا يسامحك يا صفا... أنا خدامة... خدامة جديدة في القصر، بس وحياة أبوك، وطّي صوتك. أنا همشي، ممكن أدفعلك تمن الأكل اللي أكلته بس، والله كنت جعانة و... ابتسم بتسلية ليقول: "واسمك إيه بقى يا شاطرة؟ بيلا بضيق وغضب: "إيه شاطرة دي؟ ما تحترم نفسك." رفع هاتفه وكأنه يحدث الحرس ليثير خوفها باستمتاع:

"ادخلي هنا يا بهيم منك له... جذبت منه الهاتف سريعاً بخوف وارتباك قائلة: "خلاص يا عم انت، مبتصدق. اسمي بيلا... جميلة." "بيلا... بيلا." تردد الاسم بتسلية واستمتاع قائلاً بحدة: "اطلعي بره." بيلا بضيق: "افندم." عمرو بخبث وهو يقترب ببطء ليصبح أمامها: "أظن مش هتحبي تقفي وأنا بغير هدومي يا قطة." كادت أن تصرخ بوجهه، لكن توجهت نحو الباب تغادر الغرفة وهي تشعر بنبضاتها الخائنة كلما تذكرت اقترابه الضار.

تنفست الصعداء تقسم أن تهورها ذلك سيجعلها تقع بالكثير من المشاكل. *** نهاية الفلاش باك *** أفاقت بيلا من شرودها، وكان صالح وزينب قد غادرا. بيلا: "عمرو الرشيدي... في منزل نور كانت تجلس في غرفتها بذلك الثوب الرائع الجمال ومكياج متقن أنيق يبرز جمالها، تفرك يديها ببعضهما بتوتر. ابتسمت نيرة وهي تجلس بجوارها قائلة: "خايفة؟ ده طبيعي." نور: "لا ابداً، بس ابنك ميضمنش." نيرة بضحك:

"والله لسانك ده هيوديكي في داهية مع باسل. ربنا يستر عليكم." نور بارتباك: "طب بقولك إيه؟ ناجل الفرح لبكرة عادي." نيرة: "باسل واقف برا لو سمع ممكن يروح فيكي في داهية. ده انتي دوختيه معاكي." نور: "لازم يدوخ لو عايز حاجة." نيرة: "وانتي مش أي حاجة يا نور، لازم دايماً وانتي معاه تغلي نفسك. اوعي تقللي منها. أنا عارفة ابني. بلاش الضعف ده." نور: "هو انتي كدا المفروض بتطمنيني؟

نيرة: "بصي يا نور، انتي داخلة على مرحلة جديدة، ودلوقتي خالص لازم تثقي في باسل وتديله شوية اهتمام. صدقيني، هو افتقد ده طول عمره. يمكن هو قريب منه، لكن أبوه لأ، ودائماً حاسس بفقد حاجة. دلوقتي انتي دورك تحتويه وتحترميه، وهو هيشيلك فوق راسه. صدقيني، ولو محصلش أنا اللي هقف لها." احتضنتها بسعادة واطمئنان. لتجد الباب يفتح ويطل منه بهيمته الفاقدة لأي ثبات بداخلها. لا تنكر ذبذبة المشاعر التي تحتل جسدها منذ أول مرة رآها.

ابتسم باعجاب وهو ينظر لتلك الثوب الأنيق والذي يبرز رشاقة جسدها. شعر بالغيرة لأول مرة. هل سيراها الآخرون وهي بكل هذا الجمال؟ يتمنى لو يدفنها بداخل صدره لتصبح ضلعاً من ضلوعه. نهضت تقف أمامه تنظر بارتباك. ابتسم وهو يقترب منها، طبع قبلة حنونة على قمة رأسها، ثم حاوط خصرها بذراعه، يخرج من الغرفة لتتعالى الزغاريد من حولهم. بينما تتعالى الأغاني والمباركات لهم. توجه نحو تلك الأريكة المزينة لهما، جلست برفق وهو بجوارها.

يمر الوقت ببطء شديد، تمنى لو ينتهي كل ذلك ويأخذها لعالمه الخاص. بعد مرور ساعة ونصف، تحركت نور بتمهل وحرص، وهي مرتدية ثوب الزفاف الأبيض الأنيق... والذي كان غاية في الرقي والعصرية عليها... حيث كانت كالأميرة متوجة. فكانت تسير بجوار الجيران وأبيها وأخيها الصغير (سيف وعبد المنعم) . يمسك بيدها برفق، يدفعها للسير بدون خوف أو تردد.

كانت جميلة اليوم، أجمل من أي يوم رآها فيه. فكانت بثوبها الأبيض أجمل نساء العالم في عينيه. وزينة وجهها كانت تلمع بإشراق. من وضعت لها ألوان الزينة أرادت بروز جمالاً. من لفت لها حجابها بهذا الشكل، تبدو محترفة، لتجعلها بهذا الجمال فوق رأسها تاج متلألأ بهذا الشكل البراق. أرادت أن تثبت له أن العروس ملكة تستحقه هو فقط لأنه أميرة.

ترددت نور في رفع عينيها إليه وهي تنظر له في الخفاء، وهو واقف عند الباب ينتظرها حتى ترحل معه. بعد حفل الزفاف البسيط في ذلك الحي البسيط التي تقطن به. أخيراً رفعت عينيها البنية عليه حينما اقتربت منه. وكان هو في غاية الأناقة ببذلة كلاسيكية بعصرية رفيعة... باللون الأسود كانت رائعة عليه، وكأنها صممت إليه خصيصاً. وقد صفف شعره الأشقر الغزير للخلف فأصبح جذاب بدرجة مهلكة. مما جعلها تخفض عينيها وهي تتذكر قبلاته على شفتيها...

وجنونه يوم كتب الكتاب، وهو يكاد يبتلعها في تلك الدقائق التي مرت عليها كدَهر. شعرت بالخوف والتوتر مما هي مقبلة عليه. تشعر بتجمد أطرافها... من مجرد قبلة كان جامحاً، وكاد أن يفقد صوابه وهي في أحضانه. ماذا سيحدث حينما تكون في بيته وفي نفس الغرفة؟ ينبغي عليها... تشعر بالاضطراب، وكأن تلك الدروس التي كانت تحفز نفسها عليها قد تلاشت في لحظة، وحل التردد والخوف من وجودها معه وحدهم. لأول مرة ستكون معه وحدهم!

شعرت بيده توضع خلف ظهرها ودفعها نحوه برفق، لتجده يطبع قبلة فوق رأسها أمام الجميع. وهذا جعل وابل من التهنئة تهبط عليها ودعاء والدته وأبيها وبعض الجيران بسعادة إليهما. رفعت نور عينيها إليه بخجل، بلمحة من التردد. فوجدته يبتسم بجاذبية تليق بالوسامة الساطعة التي يتمتع بها هذا الرجل، قائلاً بصوت مليء بالمشاعر: "مبروك يا شبح... جف حلقها وما زالت عيناها متعلقة بعينيه بتردد. ثم هتفت باعجوبة من بين هذا الاضطراب:

"الله يبارك فيك... تعالت الزغاريد من حولهما، فوجدته يثني ذراعه ويرفع مرفقه لها... كي تتأبط ذراعه. أحاطت مرفقه بكفها الشبيهة باللوحة الثلجية بسبب ما يحدث لها. أسبلت عينيها بعيداً عنه، وكأنها تطالب بالأمان من خلالهم. هبط معها على السلالم القديمة والجيران خلفهما، يطلقون الزغاريد وصياح الفرح. تمنت الآن أن تجد زينب بجوارها، لكن من أين تأتي زينب الآن؟ هناك فرقة موسيقية شعبية تحيط بهما تقوم بزفافهما بالعود والطبل البلدي.

بعد أن أنهت الفرقة الزفة التي بدأت من أول درجات السلم حتى أعتاب باب البيت الكبير. بعد انتهاء الفرقة، علمت أنها على وشك الرحيل. لم تشعر بنفسها إلا وهي تلقي نفسها بأحضان أبيها بحزن على افتراقه. لتجد أخيها عبد المنعم يبكي بعنف. حاولت الانحناء قليلاً بتعثر من ذلك الثوب، تحتضنه قائلة: "عبدو، انت بتعيط؟ "انتي كمان بتعيطي ليه؟ نور: "عشان هتوحشني يا لمض. خلي بالك من نفسك." استقامت ترمي بأحضان والدها تبكي بعنف وهستيريا.

سالم يحب: "نورهان، اهدي يا قلبي، وبعدين أنا هاجي أزورلك، وانتي كمان هتيجي، مش كدا؟ أومات له برأسها قائلة: "خالي بالك على نفسك يا بابا، وأنا هكلمك، اوعي متردش عليا، والله هزعل. بلاش تخوفني عليك." ابتسم بحنان وهو يقبل رأسها بود: "بطلي يا هبلة، هكلمك." ثم نظر لباسل بجدية قائلاً وهو يربت على ظهرها بحنان: "خلي بالك عليها... باسل بهدوء: "في عيوني." "هتوحشني أوي يا بابا... رد والدها بحنان:

"وانتي كمان يا حبيبتي. هبقى أجي أشوفك، وانتي كمان تعالي زورينا." أومات له نور وهي تخرج من أحضانه، وقد تلوث كحل عينيها قليلاً من البكاء، لكنها لم تهتم. قد أخذت يد والدها وقبلتها، ثم رأسه، وودعته بعدها بقلب ملتاع. نظرت لباسل بكحلها المنساب وعينيها الحمراء وشفتيها المنتفخة... وثوبها الأبيض يبرز جمالها الفاتن. سالم بخوف: "خالي بالك عليها يا مدام نيرة، نور غلبانة والله." نيرة بود:

"متقلقش يا حج سالم، نور في عيونا وقلوبنا." فتح لها باب السيارة بصمت، وكان وجهه جامد التعبير. خطت نور خطوتين نحوه، ثم قبل أن تستلقي السيارة الفارهة، وقفت بجواره، وكان يفصلهما الباب المفتوح بيد باسل، والذي بادلها النظرات بهدوء أقرب للبرود. بعد لحظات من تبادل النظرات التي تحمل مشاعر عميقة مبهمة... أوقف باسل حرب النظرات وهو يقول: "ياله يا عروسة...

بعد جملته، أدارت رأسها عند أبيها تنظر له تودعه. نظروا إليها بابتسامة رغم دموع أشقائها. عادت عينا نور إليه، ثم للسيارة، وجدته يربت على ظهرها باهتمام قائلاً بابتسامة: "ياله يا نوري... "كلماته حنونة لأبعد الحدود، وكأنه ليس ذلك المنحرف." لفظت تنهدت ببطء وهي تصعد للسيارة، يساعدها برفق، ثم أغلق باب السيارة ليتجه للناحية الأخرى يصعد بجوارها. وبالسيارة الأخرى خلفهما صعدت نيرة وزينة (أخته)

. انطلقت السيارة في طريقها للمجهول. التفت تنظر لابيها وأشقائها، هطلت دموعها مرة أخرى، فلاول مرة تشعر بالغربة وهي تبتعد عنهما. وجدته يحيط خصرها جاذباً إياها بين أحضانه، لتتمسك ببذلة حلته، تبكي. باسل بنبرة مبهمة: "كفاية يا نور، كفاية." رفعت عينيها إليه قائلة بخوف وخجل وهي تبتعد قليلاً: "هو... هو إحنا هنروح فين دلوقتي؟ ارتجفت شفتيها من نظرة عينيه، لتخفض رأسها وقد سيطر عليها الارتباك. "بطل تبصلي كدا...

ابتسم وهو يرفع رأسها بأنامله، ينحني مقبلاً إياها، بينما حاولت دفعه بغضب وخجل. بينما يوجد ستار فاصل بين الأريكة الخلفية والأمامية لا يراهم السائق. لكزته بغضب وخبث في صدره، مبتعدة عنه قائلة من بين أسنانها: "مش ناوي تحترم نفسك؟ صدح رنين ضحكته الخلابة قائلاً بخبث: "احترام... مش ملاحظة إن الكلمة دي عيب أوي النهاردة." شهقت بقوة وهي تبتعد قائلة:

"لا يا شبح، فوق وبلاش ترفع سقف توقعاتك عشان أقسم بالله هتلاقي نفسك متشرح لو حاولت بس تقرب ليا، انت فاهم يا حيلتها؟ اقترب وعلى شفتيه ابتسامة خبيثة قائلاً: "ما بلاش الثقة دي... على العموم، مش ضروري النهاردة، كدا كدا مسافرين، بس ممكن بكرة أو بعده، أنا مش مستعجل." نور بهمس: "اللهي وابور جاز يولع في وشك يا بعيد، يخرب بيت جمال أمك." باسل للسائق: "على الأوتيل الأول يا ابني." نور بحماس: "هنروح فين؟

باسل بجدية وعيناه الضاريتان مصوبتان على بنيتها: "هتعرفي بعدين، المهم تثقي فيا." نور: "هحاول يا باسل، بس أتمنى متخذلنيش." في المنصورة دلفت زينب إلى غرفة النوم، بينما خرج من المنزل ليزور بعض الأشخاص كان على صلة جيدة بهما. زينب بهدوء: "هو أنا لازم أصلحه وأبطل هبل وخوف؟ أنا بحبه، يمكن مش عارفة أقولها في وجوده، لكن هو عمره ما عمل حاجة تضايقني عشان كدا لازم أصلح اللي حصل."

ابتسمت بحماس وهي تتجه نحو الخزانة، ابتسمت وهي تخرج فستان أحمر اللون، لكن توقفت فجأة وهي تسمع صوت طرقات على الباب. وضعت الثوب على الفراش لتتوجه نحو الباب تفتحه. عفت: "مدام زينب، صالح بيه اتصل على تليفون البيت وبيقول إنه احتمال يتأخر شوية، مفيش داعي إنك تستنيه، وبيقول إن موبايلك مقفول." دلت زينب للغرفة وخلفها عفت وهي تلتقط هاتفها:

"آه صح، ده كان فصل شحن، بس أكمن مش بمسكه كتير نسيت أشحنه. ماشي يا عفت، خالص، روحي انتي نامي، الوقت اتأخر." عفت بخبث: "انتي هتلبسي الفستان ده؟ ده حلو أوي، ده يمكن صالح بيه يتجنن لو شافك بيه." زينب بحدة: "عفت، بطلي تحشري نفسك في اللي ميخصكيش، فاهمة؟ وياله روحي أوضتك." عفت بخبث: "طب هتتعشي؟ أجهزلك العشاء." زينب: "لا، مش جعانة، ياله أمشي." عفت: "ماشي يا مدام زينب."

خرجت من الغرفة تاركة خلفها زينب تشعر بالإحباط، تمنت وبشدة أن تلتقي به لتعترف له. زينب: "هستناه، مش هيحصل حاجة يعني، لازم نتكلم." بعد حوالي ساعة، دلفت صالح إلى الغرفة بعد أن قام بجولة في الخارج ليعيد الوصال بينه وبين بعض أصدقائه.

يحاول التوقع لما قد يحدث الليلة، متقلبة المزاج، فهي تارة غاضبة، حانقة، لا تتحمل منه حتى الاستماع لكلمة منه، وتارة أخرى باردة، متجاهلة إياه تماماً كما لو كان هواء من حولها لا تراه ولا تسمعه، لتشعره تلك المحاولات بالتسلية. يدخل كل ليلة، مخمناً في أي حالة قد يجدها، متوقعاً لأي شيء، ليصاب بالذهول، ليقف متسمراً مكانه وهو يراها تجلس على الأريكة تضم جسدها بيديه.

ترتدي فستان أحمر اللون ذو حمالات رفيعة وفتحة صدر منخفضة، ينساب فوق خصرها ثم يتسع حتى ركبتيها. شعرها الأسود ينساب حتى أسفل ظهرها، يراها برقتها، بجمالها الخلاب، ليظل متسمراً بذهول، محاولاً الكلام أكثر من مرة دون نجاح، ليتقدم بخطواته منها. يجلس بجوارها على الأريكة، يقف أمامها، مد أنامله يتلمس وجهها بحنان. فتحت زينب عينيها بابتسامة جميلة، مرددة اسمه بهمست.

أكلتها نظراته، لتخفض رأسها خجلاً وارتباكاً من نظراته تلك، ليضع أنامله أسفل ذقنها يرفع وجهها إليه يقول بصوت متحجر من أثر المشاعر التي تموج بداخله: "انتي عايزة تجيبلي القلب صح؟ إيه الجمال ده كله؟ ابتسمت بمرح لتشرق ملامحها كلها بسعادة أمام عينيه، لتتجمد نظراته عليها، يبتلع ريقه بصعوبة، وأنامله تتلمس بشرة وجهها بنعومة، لتتوقف فوق شفتيها متابعاً إياها تتحرك أسفل إصبعه وهي تتحدث بهمس ناعم خجول: "صالح... أنا...

أنا آسفة على اللي حصل الأيام اللي فاتت... و... ممكن متزعلش." صالح بخبث: "لا، أنا زعلان الصراحة، ولازم تصلحيني." زينب بابتسامة: "وأنا موافقة، ها عايز إيه؟ صالح... صالح... أفاق من شروده على همسها الناعم، هامسة باسمه بقلق، لينفض رأسه من أفكاره تلك، ليرفع إصبعه ممرراً إياه فوق ذراعيها بنعومة، ثم ليقوم بإحاطة وجهها الرقيق بكفيه هامساً: "قلب صالح يا زوبا."

ابتسمت بخجل من كلماته، ليميل يقبلها بشغف وجنون، غير قادر على مقاومتها لثانية أخرى، ليشعر بها، ولأول مرة منذ زواجهم، تبادله شغفه وجنونه دون تردد أو قلق، ليزداد جنوناً بها، مشدداً من احتضانه لها. تمر به الدقائق دون وعي بما حولهم، حتى توقف يهمس: "زينب، المرة دي مش عايز يبقى في أسرار." أومأت له بخجل، ليقول بجدية محاولاً السيطرة على نفسه حتى لا يؤذي طفلهما: "طب ياله ننام، أخدتي دواكي؟ زينب بضيق: "آه."

طبع قبلة حنونة على رأسها قائلاً: "ياله يا زينب، بلاش تفكري كتير، وربنا يعدي الليلة دي على خير، لأن الصراحة شكلك مش ناوية على خير خالص." زينب بلامبالاة زائفة: "أنا برضه." وابتسم صالح قائلاً: "إن كيدهن عظيم."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...