حسنك أغوي تائب عن الحب.. وفي لقاك ينبض القلب قيل أن أبلغ الأحاديث هو حديث العيون واعترض أحدهم قائلا: بل القلوب حتى أتت هي لأعلم أن أبلغ الأحاديث هو حديث روحها الذي لا يسمعه سوي روحي وصلت سيارة عمر إلى قصر الدمنهوري بعد سنوات طويلة من الفراق والبعد مازال يذكر آخر مرة دخل إلى ذلك القصر قبل أكثر من عشرين عامًا قام الحارس بفتح البوابة سامحًا له بالدخول القى نظرة يأسه إلى جنينة القصر وشريط ذكرياته يمر عليه مرة أخرى
تذكر حينما رآها تجلس في ذلك المكان منشغلة برسم أحد رسوماتها لأحت ابتسامة بسيطة على شفتيه مزينة وجهه الوسيم تغير قليلاً زادت ملامحه هيبة ووقار بعض التجاعيد وشعره الأبيض الممزوج بالأسود لم يقلل من وسامته أبداً فهو عمر الرشيد... صف السائق السيارة ليترجل عمر بخطوات ثابتة واثقة رغم رجفة قلبه سيلتقي بها مرة أخرى استقبلته فردوس ممرضة أرسلتها مريم لتعني ببيلا منذ أكثر من ثمان سنوات تبدو في نهاية العقد الثالث من عمرها
ملامحها صارمة فردوس بلباقة وعملية عمر بيه الرشيد.. اتفضل معايا تقدم خلفها وهي تشير لغرفة الصالون ولج عمر الغرفة الشاسعة والمليئة بالتحف والرسومات القديمة نظرت له بهدوء قائلة اتفضل حضرتك ومدام بيلا هتنزل لحضرتك.. وضع ساق على الأخرى وهو يخرج علبة السجائر خاصته ولكن ما إن وضعها بين شقي شفتيه عادت له إحدى الذكريات يا عمر أنا مبحبش ريحة السجاير.. وبزعل منك لما بتدخنها لأنها بتاذيك ابتسم ببرود وهو يشعل سيجارته هامس لنفسه
أعتقد مكنش في حاجة مؤذية قد علاقتنا وحبي ليك... في الطابق العلوي كانت تجلس أمام المرآة بقلب منتفض من الخوف والكثير من المشاعر المتناقضة بعد أن أخبرتها فردوس بوصوله بيلا بهمس وارتباك =انزلي ياله قبليه.. هيحصل إيه يعني ولا حاجة أنتم دلوقتي مش الاتنين اللي قابلوا بعض زمان في حاجات كتير ماتت واتغيرت صمتت للحظات لتكمل بخفوت الا حبك له يا بيلا نهضت وهي تسير بخطوات مرتجفة لتصل للباب
وضعت يديها على المقبض وهي تأخذ نفس عميق ثم خرجت نزلت الدرج بهدوء كعادتها رفع رأسه ينظر لها بينما لاحت ابتسامة جانبية على شفتيه وعينيه تفترس وجهها وقسماته الرقيقة شعرها الأسود يتخلله بعض الخصلات البيضاء رشاقتها في الحركة ترتدي بلوزة سوداء شتوية وجيب زرقاء واسعة ترفع شعرها في كعكة فوضوية وقفت بجواره وهي تتنحنح بحرج اهلا يا عمر بيه نورت... استقام ليجيب ساخراً صارم بيه؟! بخير الحمد لله فين صفا وإيه اللي حصل؟
ردت بيلا بهدوء زائف هي في اوضتي فوق.. الدكتور بيقول إنها نسيت تاخد دواها علشان كدا تعبت وخصوصاً إنها ما أكلتش هي نايمة دلوقتي وضع السيجار بالمنفضة ليستقيم مرة أخرى قائلاً بتلقائية تمام يا بيبو أقصد بيلا هانم بكرا الصبح هاخد صفا بس لما تصحى وهروح قصر الرشيد متشكر لضيافتك لأختي... جلست على الأريكة بهدوء قائلة حاني أظن قصر الرشيد مقفول بقاله سنين وتجهيزه هيكون صعب في وقت قصير الييت هنا في أوض كتير ممكن تستريح في أي غرفة
جلس بهدوء وعينيه تتشرب ملامحها الحزينة قائلاً بنبرة حزينة بيلا انتي لسه مقتنعة إني السبب في موت ملك.. تجمعت الدموع في مقلتيها لتجده يعقب سريعاً بلهفة مبرراً بيلا أنا كنت هموت معاها مفيش أب ممكن يكون سبب في موت بنته وأنت أكتر واحدة عارفة قد إيه أنا كنت نفسي البنت دي تيجي للدنيا أنا حكيتلك أحلامي لبيتنا ولبنتنا انتي أكتر واحدة عارفة إني حبيتها لأنها كانت منك...
تساقطت دموعها وتصاعد الألم لصدرها تشعر بثقل ما تحملته قائلة بحدة بلاش تفتح في الماضي يا عمر لو سمحت كفاية أنا تعبت ماتت عرفت إنها ماتت كفاية بقى حرام عليك أنا أم مشوفتش بنتي غير مرة واحدة بس وبعدها بعدها انت عملت إيه؟ أخدتها رد عمر بانفعال وغضب مكبوت منذ سنوات كنت واخدها لأبوكي.. كنت عايز لها حياة في النور..
كنت ناوي أعمل أي حاجة، قلت يمكن لما يشوف حفيدته قلبه يحن ويبطل يعند، لكن العربية فجأة انقلبت وأنا دخلت غيبوبة أكتر من ست شهور. وضعت يديها على عينيها الحمراء أثر بكائها وهي تستمع لمبرراته. "عمر، مالوش داعي نقلب في اللي فات، الله يرضى عليك. بعد إذنك أنا هطلع أرتاح." اللمعت الدموع في عينيه ليزفر بغضب وشراسة وهو يخرج من المكان، يشعر وكأنه يختنق ويختنق.
كان يقف في جنينة القصر ينفث سيجارته بغضب يحاول كظم غيظه وغضبه، بينما وقفت "بيلا" تنظر له من وراء زجاج الشرفة. أغمض عينيه قائلاً: "لا يا عمر، عارفة إن مالكش ذنب في موتها ونفسي أقولك إني مش زعلانه منك، بس للأسف أهلنا زمان عملوا أخطاء، بقيت واقفة بينا زي السور اللي مالهوش نهاية، لا أنت هتقدر تهده ولا أنا هقدر أتخطاه." أغمضت عينيها تتذكر ما حدث وقلب كل الموازين. **********فلاش باك********** قفزت من فوق
الفراش بحماس وسعادة قائلة: "بجد يا تيتة، يعني بابا وافق على عمر؟ بس إزاي ده زعق ليا عشان قابلته؟ معقول وافق كدا بسهولة؟ ابتسمت "نبيلة" بارتياب قائلة بهدوء حاني: "مش مهم إزاي، المهم إنه وافق. مبروك يا قلبي، ألف مبروك يا بيلا، أخيرًا هشوفك عروسة." احتضنتها بفرحة كبيرة قائلة: "أنا فرحانة أوي يا تيته، كنت أتمنى لو ماما تحية تكون معايا." ربتت "نبيلة" على ظهرها بحنان قائلة:
"هي أكيد حاسة وفرحانة عشانك. باباك هيكلمه ويحدد معاد معاه، بس مش عايزة مكالمات بينكم يا بيلا، فاهمة؟ أومأت لها بالإيجاب، وهي تصعد لغرفتها، في حين شعرت نبيلة بالارتياب من تغير "سالم" المفاجئ لتشعر بعدم الارتياح قائلة بهمس: "ربنا يستر، مش مرتاحة لك يا سالم، حاسة إنك بتفكر في حاجة. ربنا يهديك يارب ومتكسرش بخاطر بنتك." بعد أسبوعان. في قصر آل "الرشيدي". وقفت "عصمت" بغضب وغيرة قاتلة قائلة بشر:
"الخطوبة النهارده يا ماما، هيتجوز بنت الدمنهوري، لا لا دا أكيد حلم مش حقيقة، عمر بتاعي أنا مش هي، لا يمكن أقبل بالمهزلة دي تحصل على جثتي." جلست "تفيدة" على كرسيها بغضب وهي تنظر لابنها قائلة: "إنتي اللي خايبة ومعرفتيش توقعيه، أهو راح يخطب بنت سالم الدمنهوري اللي جدك الرشيدي رفض زمان إنه يجوزه لعمتك كوثر الله يرحمها.
ودلوقتي سالم موافق بسهولة يجوز بنته لعمر عشان ينهي العداوة، وإنتي غبية معرفتيش تعملي حاجة. ودلوقتي هتلبسي وتتشيكي عشان تروحي خطوبته." زفرت بحنق قائلة: "اصبري عليا يا بيلا الكلب، لو فاكرة إنك هتكوني حرم الرشيدي تبقي بتحلمي. هلبس وأتشيك وهشوف المهزلة دي بتحصل، لكن لا يمكن أوافق بيها أبداً." في مساء الليلة.
وقف "عمر" بسعادة أمام المرآة يهندم حلته السوداء الأنيقة، فهي ستصبح خطيبته بعد ساعات قليلة. رغم شعوره بوجود شيء مريب سيحدث، لكن حاول تجاهل شعوره. ارتدى ساعة أنيقة ليضع عطره وهو ينظر للمرآة بثقة. وجد الباب يُفتح لتدخل والدته "مرام" بسعادة وطيبة قائلة:
"أخيرًا هشوفك عريس يا حبيبي. ربنا وحده يعلم دعتلك قد إيه تكون من نصيبك. رغم إني مشوفتهاش، لكن متأكدة إنها مميزة أوي اللي قدرت توقعك، وكماتصفى حكيت لي عنها إنها بنت لطيفة وجميلة أوي." ابتسم "عمر" وقبل رأس والدته قائلاً: "هي من ناحية جميلة، فهي زي القمر، حاجة كدا رقة وجمال ومرح وطيبة تخطف القلب." شعرت "مرام" بالسعادة قائلة: "ربنا يسعدك يا عمر يا حبيبي يارب. يالا عشان منتأخرش عليهم، وكمان مرات عمك جهزت."
أخذ نفس عميق قبل أن يخرج من غرفته برفقة والدته. أغلق الباب خلفه ينظر لزوجة عمه وابنتها قد تجهزتا لحضور الحفل. سأل هو بهدوء قائلاً: "جاهزين؟ أومأت له "تفيدة" قائلة بسعادة زائفة: "آه، ألف مبروك يا عمر، وأخيرًا هشوف البنت اللي قدرت تكسبك. متأكدة إنها جميلة." ابتسم "عمر" بحماس قائلاً: "شوية وتشوفيها. لازم نتحرك دلوقتي." أومأت له بالإيجاب، بينما غادر القصر متجهًا إلى قصر آل "الدمنهوري".
وصل بسيارته إلى القصر، كان مزينًا بأناقة والإضاءة جذابة. شعر بخفقة قوية بقلبه. ابتسم بحماس وعينيه تكاد تخترق كل الحواجز، يتمنى رؤيتها. ترجلت "عصمت" و"تفيدة" برفقة "عمه" مختار باشا من السيارة الأخرى خلفه. دخلت إلى القصر بلباقة وثقة حتى التقى بـ "محمود". ابتسم محمود برفق وهو يصافح عمر قائلاً: "نورت يا عمر بيه." ابتسم "عمر" بمرح قائلاً بسعادة: "دلوقتي نقدر نشيل الألقاب يا محمود." لاحت بسمة أخيه قائلاً:
"طبعًا. اتفضل. مرام هانم نورتي قصر الدمنهوري." ابتسمت السيدة بسعادة قائلة: "البيت منور بأهله." في غرفة بيلا. وقفت أمام المرآة بتوتر وهي تنظر لثوبها الأنيق والراقي في اختياره، يناسب أجواء حفل الخطبة، فقد اختارته بعناية هي وجدتها بعدما حدد والدها الموعد معه. أخذت نفس عميق وهي تنظر لـ "مريم" قائلة: "شكلي حلو؟ ابتسمت أختها بسعادة قائلة: "زي الجمر يا جمر انتي. وبعدين انتي قلقانة كدا ليه؟ يا بنتي إحنا معندناش حد وحش."
أردفت "بيلا" بسعادة: "ماما أكيد فرحانة أوي مش كدا؟ أجابتها "مريم" بتأثر عند ذكر والدتها الراحلة: "متأكدة إنها هتكون فرحانة أوي يا بيلا. يالا عشان وصلوا وبابا أكيد معاهم دلوقتي والضيوف كمان وصلوا." نظرت هي لنفسها في المرآة لمرة أخيرة قبل أن تخرج برفقة أختها وجدتها. نزلت الدرج بخطوات ثابتة وابتسامة جميلة تزين ثغرها، وآه من تلك المليحة! نظرت لها "عصمت" بصدمة قائلة:
"لا لا أكيد مش هي دي اللي عمر جاي يخطبها. مش معقول. لا لا بقى الخدامة دي تبقي اللي عمر عايز يخطبها." سألت والدتها باستغراب: "انتي قابلتيها قبل كدا ولا إيه؟ عصمت بشر: "هفهمك بعدين يا ماما." بعد مرور بضع دقائق. اتجه "عمر" نحو "سالم" قائلاً: "مش نعلن الخطوبة بقى ولا إيه؟ ابتسم "سالم" بخبث قائلاً: "طبعًا يا عمر بيه." شعر بشيء مخيف في نبرته تزامناً مع سؤال أحد الضيوف قائلاً:
"لسه مش عايز تقولنا أي سر الحفلة دي يا سالم باشا؟ اتجه سالم نحو الدرج وهو ينظر لـ "عمر" ووالدتها وكل أفراد عائلة الرشيد بكره قائلاً: "الحفلة دي مهمة جدًا عندي. السنة دي شركات الدمنهوري حققت مستوى أفضل من رائع الحمد لله، وطبعًا قلت لازم نحتفل سوا." ضيق "عمر" المسافة بين حاجبيه وهو ينظر له بدهشة ليتابع "سالم" بهدوء:
"والنهاردة عيلة الرشيد قررت تحتفل معانا وبيمدوا لينا إيديهم بالصلح، لكن للأسف أنا مش قابله. عمر الرشيد طلب إيدي بنتي بيلا، وأنا وعدته إني هرد عليه. وأمام الضيوف أنا معنديش بنات للجواز يا عمر يا رشيد." نظرت "بيلا" لجدتها باستغراب وعدم فهم، بينما شعرت نبيلة بالغضب اتجاه "سالم" لتجده يكمل بمنتهى الحقد:
"جدك الرشيد زمان من أكتر من خمسة وعشرين سنة قال لا يمكن يقبل بوجود أي علاقات بين العيلتين، وفعلاً كان عنده حق، وأنا مقبلش بيك زوج لبنتي." كاد "عمر" أن يتحدث لكن قاطعهم صوت "بيلا" المهزوز: "بابا إنت بتقول إيه؟ إنت مش هتعمل كدا صح؟ رد سالم بقوة: "مريم خدي اختك من هنا."
شعور الصدمة سيطر على كل عائلة الرشيد، وشعور الانتصار سيطر على "سالم" ظناً منه إنه انتصر عليهم وإنه رد لهم ما فعلوه به في الماضي عندما رفضوه. لم يكن يعلم إنه بذلك الكره بداخله دمر ابنته وليست وحدها. بينما ابتسمت "تفيدة" بشماتة وسعادة. نظر "عمر" لسالم قائلاً: "من حقك ترفضني، دا طبيعي، ويمكن جدي كمان غلط لما رفضك بنفس الطريقة. يمكن حاسس دلوقتي بالانتصار، بس صدقني دي خسارة لك."
نظر لها مرة أخيرة بسخرية وكره قبل أن يغادر ذلك القصر. بعد الحفل. نبيلة: "ليه يا سالم؟ ليه؟ حرام عليك، ذنبها إيه بنتك اللي كسرت فرحتها دي؟ ها، ذنبها إيه؟ انت وابوك والرشيد بينكم مشاكل والولد والبنت كانوا نفسهم يكونوا سوا في علاقة هادية ينهوا بيها المشاكل، ليه عملت كدا يا سالم؟ رد سالم بضيق قائلا: معرفش يا نبيلة، من البداية لا يمكن يبقى في بينهم علاقة. ردت نبيلة بغضب:
حتى لو ما كانش هيحصل، كان ممكن تبلغه رفضك مش تجيبه وتحدد معاه معاد الخطوبة وبعدها تعمل اللي عملته دا. وصدقني هتتحمل نتيجة أي حاجة تحصل. تركته وغادرت وهي تصعد لغرفة بيلا. كانت تضم نائمة وهي تضم جسدها بوضعية الجنين، انسابت دموعها بحزن تشعر الآن بالانكسار وكأنها لعبة يحركها والدها كما يشاء، لكنه لم يحس لقلبها أي حساب. جلست نبيلة بجوارها على الفراش قائلة:
بيلا أنا عارفة إنك مش نايمة، علشان خاطري قومي بلاش تعملي في نفسك كدا. وضعت رأسها على فخذ جدتها وهي تبكي بصمت مرير. نبيلة وهي تمسد بحنان على شعرها: عارفة إن أبوكي غلط وعمل فيلم عربي وفاكر إن كدا بيرد اللي اتعمل فيه زمان، لكن أوعدك عمر هيكون لك. همست بيلا ببكاء: ليه يعمل كدا يا تيته؟ كان ممكن يرفض من الأول وساعتها ما كانش في حد هينجرح، ليه عمل كدا؟ تنهدت نبيلة قائلة برفق:
يمكن فاكر إنه كدا بيرد كرامته، رغم إن الموضوع فات عليه سنين واتنسى، لكن نعمل إيه بقى؟ سالم دماغه ناشفة، بس مش هسيبه يضيعك. لم تستطع التحدث وهي تحتضنها بوجع، حاولت وحاولت إغواء النوم لكنه كان يجافي عينيها. في الصباح الباكر. انسحبت من الفراش بارهاق وعينيها حمراء لتنظر لجدتها النائمة. أخذت هاتفها، خرجت من الغرفة. كانت تسير بشرود في الجنينة الواسعة، لتجري اتصال برقمه بتوتر عدة مرات متتالية، لكن في كل مرة لا يرد.
في قصر آل الرشيد. كان يجلس ينفث سيجارته في مكتبه المظلم، لم يستطع النوم بعد تلك الإهانة، وهو يتذكر كل مقابلة بينهم وكل ضحكة وشجار، الذكريات تداهم عقله بقوة. نظر لهاتفه بنذق ليجيب تلك المرة قائلا بحده مخيفة: عايزة إيه؟ مش كفاية اللي أبوكي عمله؟ ياترى كنتم متفقين سوا ولا... قاطعه صوتها الباكي معتذرة: أنا آسفة، أنا ما كنتش أعرف اللي بابا ناوي يعمله. صمت عمر وهو يسمع شهقاتها الممزقة لقلبه قائلا بضعف:
بيلا اهدي، خدي نفسك براحة، اهدي. حاولت التحدث قائلة بصوت مهزوز من بين شهقاتها: أنا عارفة إن اللي حصل غلط، وبس مش عايزة إياك تزعل، أنا كدا كدا هسيب المنصورة، مش هتشوفني تاني. أغلقت الهاتف قبل أن يعترض أو يرد على حديثها، بينما جلست أرضا وهي تنظر لمجرى المياه تلمع عينيها بالدموع. ***عودة للوقت الحالي*** دلفت زينب برفقة صالح. إلى منزل بيلا بابتسامة جميلة كعادتها. الآن أصبحت بطنها بارزة بشكل ملحوظ. ابتسم صالح مداعبا
وهو يضع يديه على بطنها: هو الواد دا هيفضل كتير جوا؟ مش ناوي يجي بقى؟ زينب بسعادة قائلة: لسه يا بابا، لسه هبدأ في الرابع، بس المشكلة إني تخنت وبقيت مفجوعة أوي. ضحك بخفة وهو يميل عليها مقبلا رأسها هامسا: مين دي اللي تخنت يا هبلة؟ دا انتي كدا مهلبية يا مهلبية انتي. لكزته زينب بخجل في كتفه قائلة: صالح، إحنا مش في بيتنا، احترم نفسك. حاوط خصرها قائلا: بتحسسيني إني شاقطك يا بنتي؟ اجيبلك القسيمة وربنا مراتي.
ابتسمت بسعادة قائلة: عارفة على فكرة، شكرا على المعلومة الهايلة دي، مش عارفة من غير كنت هعمل إيه يا باشا. نظرت لترى ذلك الرجل يقف ينفث سيجارته، لم تستطع رؤيته جيدا، لكن كلما اقتربت زادت الرؤية، لتشعر بنبضات قلبها تتعالى وهي تنظر له عن قرب. رآهما عمر وهما يدلفان إلى داخل القصر يضحكان بمرح، كانت تقترب برقة وهدوء بجمالها السرمدي الناعم وعيونها اللامعة وبشدة وجهها الأبيض وحجابها الأسود.
اقتربت وبدأ يدقق النظر لها وهي تضحك دون النظر له، شعر بالتخبط للحظات وهو يتأمل ملامحها والتي إن تحدث عنها أنها أنثوية طفولية جميلة. لكن تشبهه!! عيونها، ضحكتها... بس شيء يجعل قلبه ينتفض كلما اقتربت، لكن ليس انتفاضة مشاعر كتلك التي يشعر بها بجوار بيلا، لا، هي شيء مختلف. صالح بجدية وهو ينظر لعمر: مين دا؟ "مش عارفه." استقبلتهما بيلا بسعادة وهي تنظر لزينب: وحشتوني أوي؟ ها الجميل عامل إيه؟ ردت زينب بسعادة:
بخير الحمد لله، بس للأسف ماشيين. تلاشت ابتسامة بيلا بحزن قائلة: معقول بالسرعة دي؟ دا إنتوا لسه جايين من أسبوعين، ما لحقتش. ابتسم صالح قائلا بحنان: معلش بقى، عندي شغل مهم وبعدين بابا لوحده، لازم نرجع. تنهدت بيلا بحزن قائلة: هفتقدكم أوي يا صالح... رد صالح بجدية قائلا: والله وانتي كمان... بس إن شاء الله نِجي تاني أو تيجي انتي معانا. بيلا: أنا؟ إن شاء الله.
نظر صالح لعمر الذي يقف على بعد خطوات وهو ينظر لزينب بطريقة غير طبيعية، ليسألها بخنق وغيرة: مين الأفندي اللي هناك دا يا بيلا؟ ابتسمت بهدوء قائلة: دا عمر الرشيد أخو صفا... ردت زينب بعفوية وسعادة قائلة: اللي إنت حكيت لي عنه بجد؟ لازم أسلم عليه، إنتوا هترجعوا لبعض؟ تركت صالح لينظر لها بدهشة وهو يراها تقترب من ذاك الرجل مبتسمة بفرحة كبيرة. وقفت زينب أمامه وعينيها تلتمع بسعادة قائلة: إنت بقى بطل الحدوته؟
أنا صحيح معرفش باقي الحكاية، لكن فرحانة أوي إني شفتك.. آه، آسفة إني دخلت كدا فجأة، اسمي زينب وبيلا حكت ليا عنكم. ابتسم عمر تلقائيا وهو ينظر لها: أهلاً يا زينب، تعرفي إنك جميلة أوي. هنا لم يستطع صالح الصمت أكثر من ذلك ليصيح بغيرة: إيه يا جدع إنت؟ أنا محترم بس إنك قد أبويا، غير كدا كنت خزقت عينيك اللي مبحلقة فيها من ساعة ما دخلنا، وإنتي يا هانم تعالي كدا شوية، إيه يا أم الهبل دا؟ حسابنا في البيت. وضع عمر يديه
بجيب بنطاله قائلا بجدية: حضرتك مين؟ وبعدين إيه الغاغة اللي عملها دي؟ البنت فعلا جميلة وزي القمر كمان. لم تستطع زينب كتم ضحكتها العفوية وهي تنظر لهما وخصوصا صالح الذي اشتعل من الغضب. وهو يجذب عمر من ساقه قميصه قائلا بحدة: إنت بتستهبل يا جدع إنت؟ إنت بتعاكس مراتي وأنا واقف؟ ما تحترم سنك. ابتعد عمر بهدؤ قائلا بجدية:
أولاً أنا مش بعاكسها، أنا بقول الحقيقة، ثانياً دي من عمر بنتي الله يرحمها، يعني لا يمكن أبصلها بنظرة مش تمام، ثالثاً أنا عذرك لأن عارف معنى إنك تغير على حد بتحبه. نظر لبيلا التي ابتسمت وكادت أن تضحك وهي تتذكر شيئاً ما، ليقول صالح بحدة: بيلا شوفي ضيفك دا كمان، أنا لازم أمشي دلوقتي وهكلمك في الموبيل. أومأت له بالإيجاب، وهي تسلم عليه، بينما احتضنت زينب لتودعهما وهي تغادر معه، بينما علقت نظر عمر بها.
همس عمر بصوت هادئ قائلا: البنت دي بتشبهني، جميلة أوي. ردت بيلا بهدوء قائلة: أنا كمان حسيت كدا أول ما شفتها، سبحان الله. ابتسم عمر بخبث مراوغا: بس صحيح، إنتي حكيتها عني ليه؟ احمر وجهها وهي تنظر له بارتباك قائلة بتشتت: عادي يعني مفيش حاجة، كنا فاضيين وهي... هي سألت و... آه، صحيح، صفا زمانها صحت، لازم نطمن عليها. غادرت المكان بسرعة، لينظر له بابتسامة واسعة وشعور بالارتياح لم يشعر به منذ سنوات. _في فيلا رشاد.
جلس على كرسيه بغضب قائلا: يا ابن الـ... يتصالح يعني هو اللي فضحني في السوق؟ وهو نفسه اللي اشترى أسهم الشركة بالتمن دا... إنت متأكد يا خالد؟ رد خالد بجدية قائلا: الخبر انتشر إن أسهم الشركة بقت ملك له، وكلمت البت عفت وسألتها، قالت إنه كان بيكلم واحد وقال له إن هو مش عايز يظهر في الصورة غير لما ياخد منك كل حاجة، ما كانش يعرف إنك هتقدر تغطي الخسارة. رد رشاد بغضب وحدة:
بقى أنا مشغول طول الفترة دي في تغطيت الخساير، ويطلع هو اللي عمل كدا؟ ابن... لا، مش هسيبه. في الأول ابنه مماتش و دلوقتي بيخسرني كل حاجة. خالد: انت تؤمر بأيه؟ ليكمل بخبث وغضب: "أول ما اتجوزوا عفت كانت بتصور زينب بهدوم البيت والقمصان من غير ما هي تاخد بالها، وعملت أكونت فيك على موبايلها وكلمت شخص على الماسنجر وكانت بتبعتله الصور دي علشان نقول إنها بتخونه، لكن دلوقتي لو وقفنا على صوابعنا لا يمكن يصدق إنها ممكن تخونه."
رد رشاد بسرعة: "لأ لأ، موضوع الخيانة ده سيبك منه. وتكلم عفت تخليها تاخد الموبيل وتحذف الأكونت ده خالص وتمسح الصور. رغم إنها مفيهمش حاجة مغرية، لكن خليها تمسح كل حاجة. صالح لو شاف الصور دي والأكونت ده هيعرف إننا كنا بنخطط لكده وهيفهم إني حطيته في دماغي. وأنا عايزه يحس بالأمان خالص علشان أقدر أعمل اللي أنا عاوزه. هما هيرجعوا؟ انتي رايحة إسكندرية؟ رد خالد قائلاً: "في الطريق دلوقتي." رشاد:
"عايزك تعرفي كل حاجة عن شغله وكل العمليات الكبيرة اللي بيقوم بيها، لو بيدخل مناقصات في أي حاجة تبع المصانع بتاعته، أي حاجة هيعملها... أنا عايز أحسر قلبه على كل مليم معاه وبعدها هقتله أو أرميه في السجن يعيش فيه زي الكلب. وتخلي البت عفت عينها عليهم وأي معلومة تبع شغله تعرفها لازم تبلغنا بيها، انت فاهم؟ أنا لازم أعوض خسارتي." رد خالد قائلاً: "اعتبره حصل يا باشا." *** في فيلا باسل العلايلي، صباح اليوم التالي.
داعبت الشمس عينيها، زفرت بملل وهي تستلقي على ظهرها. هتفت نور بنوم للخدامة: "اقفلي البلكونة دي وخرجي." سمعت صوت خشن يرد قائلاً ببرود: "أنا شايف إن كفاية عليكي كده، قومي يالا."
انتفضت في نومها بفزع فوجدته يجلس على الأريكة، ينفث سيجاره ويتصفح شيئاً على هاتفه. يبدو من هيئته أنه استيقظ باكراً، فيبدو مرتباً عكسها تماماً. آثار النوم مطبوعة عليها، شعرها مشعث، عينيها حمراء منتفخة بعض الشيء، آثار نومها متأخر ليلة أمس حتى داهمه النوم بعد فترة ليست وجيزة. لم يرفع عينيه عليها وهو يقول بهدوء: "صباح الخير."
أشاحت نور بوجهها عنه وهي تنهض بحنق لتدلف للحمام. صفت الباب مرة أخرى بقوة وكأنها الرد على جملته. إنها لا تزال غاضبة ومتمسكة بعنادها. هز رأسه وهو يعود للهاتف ليرى كم الإشعارات الآتية له. ترك الهاتف بعد فترة، في حين وجد طرقاً على باب غرفتهم. اتجه إليه وفتحه. أخذ صينية الفطور من الخادمة وأغلق الباب بعد أن شكرها بلطف على غير المعتاد.
وضع الطعام على منضدة صغيرة بجوار الأريكة، ثم رفع عينيه على باب الحمام ليجدها تخرج منه كما اعتاد أن يراها مرتبة أنيقة، رذاذ رائحة الورد منبعث بأنفه بلطف واستحياء. ظل ساعتين يتأملها وهي نائمة. وحين يئس من استيقاظها، داعبها بشعاع الشمس. وكانت هيئتها الطبيعية عند الاستيقاظ أكثر فتنة من الآن. يبدو أنه يفضل رؤيتها بجميع حالاتها، وبذات تلك الحالات التي رآها قبل قليلاً. غريب!! لم يشعر بذلك تجاه أي أنثى رآها.
وقفت تصفف شعرها بالمجفف وهي تتعمد تجاهله تماماً. وجدته بعد مدة يقول بهدوء: "يلا عشان تفطري." استدارت له ببرود، ثم لمحت صينية الطعام وأعادت بنيتها عليه وهي تقول بسأم: "مش عايزة. تقدر تفطر لوحدك." ردد ما قاله مرة أخرى بهدرء مخيف: "لازم تفطري معايا." "لأ." "نور." نظرت باتجاهه وهي تقول بعناد: "قولتلك لأ. إيه مبتفهمش؟ في لحظة لا تعرف كم أخذت وهي تراه أمامها يلوي ذراعها وهو يعيد كلماتها بعنف غاضباً: "مين ده اللي مبيفهمش؟
تلوت بين يديه وهي تئن بوجع: "سيب إيدي هتكسرها. آآه." "ياريت أكسرها وأخلص، وبالمرة أقُص لسانك اللي عايز أقطعه ده." لكزته بيدها الأخرى وهي تقول بوقاحة: "ملكش دعوة بيه، ابعد عني ياخي. آآه." صرخت بتاوه وهي ترى يديه تزيد الضغط على ذراعها. "بلاش تتحديني يا نور، وبطلي عناد واسمعي الكلام." من بين كل الألم المداهم لذراعها هتفت بجزع: "اسمع الكلام ليه؟
إيه اللي يجبرني أسمع كلامك بعد اللي عملته وبعد إهانتك ليا. انت فاكر إن لما اتكلمنا امبارح ده كان شفاعة لك عندي؟ لأ يا باسل، للأسف انت غلطت في حقي ودي حاجة مقبلهاش على كرامتي." صمتت للحظات لتتابع بنبرة هادئة مهتمة: "باسل، انت مبسوط وانت كدا؟ مرتاح وانت بتأذي اللي حواليك؟ حتى والدتك؟ ترك ذراعها وكاد أن يغادر الغرفة، إلا أنها تمسكت بذراعه بقوة قائلة برجاء:
"باسل، ادي نفسك فرصة أرجوك. وصدقني لو قررت تعمل كدا هتلاقيني معاك بقلبي. يمكن دا مش محفز قوي بالنسبة لك، وإن وجودي من عدمه مش هيفرق معاك، لكن فكر في أمك، هي أكيد نفسها تطمن عليك. عشان خاطرها حاول تدي نفسك فرصة يا باسل." ابتسم بغموض وهو يمسك يديها الملتفة حول ذراعه، يحرر نفسه منها قائلاً: "افطري وغيري هدومك، هنخرج بعد شوية." سألته نور بفضول قائلة: "هنروح فين؟ زفر بهدوء قائلاً: "اعتبرها مفاجأة."
جلست على فراشها تتمنى لو تعرف كيفية التصرف مع شخصيته المعقدة. فهو متناقض، لكن بداخله شيء نقي، تشعر بذلك وكأن قلبها أخبرها بذلك. همست نور لنفسها بهدوء: "لازم أديله فرصة وأدي لنفسي فرصة. بس قبلها لازم يتعافى من العقدة اللي عنده من أبوه، وإلا هبقى برمي نفسي في النار. الموضوع محتاج تفكير."
زفرت بنذق وهي تنظر للطعام بفتور لتبعد الصنية وتتجه نحو الخزانة. أخذت ثوباً ذا اللون الكستنائي طويل وحجاباً من اللون الفضي، وأخذت تبدل ثيابها. خرجت من الفيلا تبدو في غاية الاحتشام والأناقة. اتجهت نحو مرآب السيارات لتجده يشغل المحرك. رفع عسليته ينظر لجمالها الخلاب. بينما صعدت بجواره بدون حرف واحد. انطلق في طريقه.
بعد مدة، أوقف السيارة أمام مكان سياحي على البحر يحتوي على جسر خشبي تسير من عليه لتصل لعدد كبير وفخم من باخرات الرحلات. خرجت نور من السيارة وهي تنظر حولها باستغراب قائلة: "احنا إيه اللي جابنا هنا يا باسل؟ ابتسم لها بمكر مرح: "مالك مقلقة كدا ليه؟ خايفة؟ ابتسمت بخفوت لتطمئنه قائلة بهدوء: "هخاف إزاي وأنا معاك؟ لأ طبعاً. أنا بس مستغربة." "متستغربيش، هي دي المفاجأة."
تقدم منها ومسك يدها بين كف يده وهو يسير معها على هذا الجسر الخشبي الأنيق. نظرت حولها مرة أخرى بتأكيد ثم له: "هي فين المفاجأة دي؟ أنا مش شايفة حاجة على فكرة." كتم ضحكته قائلاً: "اصبري شوية، وكفاية فضول." قابل باسل في طريقه رجلاً ما يبدو أنه يعرفه، فقد أشار له بتهذيب أن يلحق به. سارت نور بجوار باسل ويدها بيده حتى رأت قارب بخاري ينزل إليه. باسل ومن ثم جذب يدها برفق لتصعد عليه لتسأل بارتياب قائلة: "أنا مش فاهمة حاجة."
أجلسها على أحد المقاعد وهو بجوارها محيطاً بخصرها بحنان، وأمامهم هذا الرجل الذي يقود القارب بصمت. سمعت باسل يرد على حيرتها بهدوء: "كفاية أسئلة يا نور. واستمتعي بالمنظر اللي قدامك ده." نظرت بعينيها إلى زُرقة المياه من حولها في بحر عميق صافي اللون ومتقلب المزاج. تبحر معه في هذا القارب الصغير الذي يسير بقوة على سطح المياه، مخرجاً من خلفه رذاذاً بارداً يداهم وجهها وينعش روحها بسحر كل شيء بهذا المكان. ابتسمت بنعومة
وهي تنظر لباسل بتسأل: "هي دي المفاجأة؟ وضع قبلة على وجنتها وهو يقول بنفي: "مش بالظبط. شوية وهنوصل." أشاحت بوجهها وهي تتأمل ذلك السحر من حولها. وقف القارب تحت عند يخت كبير أنيق عصري الشكل وطراز كذلك. نهض باسل ومسك بيدها وهو يقول: "يلا يا نور، وصلنا."
لم ترد عليه بل ظلت تتأمل هذا اليخت بفم فاغر، ولم تستوعب أبداً أن تكون المفاجأة في هذا المكان الرائع. أقل كلمة تقال عليه أنه رائع. سارت على متن هذا اليخت لتتأمل كل شبر به بإعجاب أكبر. به مقصورة أنيقة ذات مساحة موزعة بذكاء، حيث يحتوي الطابق السفلي على ثلاثة أجنحة فسيحة، بما في ذلك كابينة رئيسية تتمتع بسرير كبير وحمام داخلي خاص، بالإضافة إلى مطبخ مجهز بشكل جيد. وأيضاً، يتمتع بجاكوزي على سطحه في الهواء الطلق. وهناك في أحد الأركان تجد عدة أرائك بيضاء مستطيلة، ومكان للمشروبات. كل شيء به راقٍ وعصري ومفعم بالجمال.
عقد باسل ساعديه وهو يقف على سطح هذا اليخت عالي الطراز. متأملاً سعادتها وإعجابها بكل شبر بهذا المكان. "إيه رأيك عجبك يا نور؟ صاحت بعفوية وهي تقترب منه: "عجبني، دا تحفة. بجد جنان، يابخت صاحبه." عليها بعبث وسعادة مخفية: "فعلاً، يابخت صاحبه ومراته." نظرت له ببراءة متأملة ملامحه لتسأله بفضول: "هو متجوز؟ ازاي مراته توافق إنه يتاجر؟ في حد يسيب المكان ده؟ لا وياجره كمان. أولته ظهرها وهي تنظر للبحر من حولها.
"يسلام لو نعيش في مكان زي ده ونبعد عن كل الناس. آه يا باسل بجد هتبقى حياة أفضل." قبل باسل خصرها وهو يشاهد معها هذا المنظر الخلاب بطبيعته الطاغية. "زي ما تحبي، خلينا هنا دايما. على فكرة أنا بتكلم بجد، أنا بحب البحر أوي. تصور تصحى من النوم عليه وتنام وأنت سامع صوته وشامم ريحته. بجد دي متعة تانية." قبلها باسل من وجنتها وهو يفك ذلك الحجاب، بينما همست بإعجاب: "تعرف أنا كان حلمي أعيش في مكان زي دا."
"إيه لازمة الحلم يا نور؟ عيشي هنا زي ما تحبي. اليخت بتاعي على فكرة، أنا كل ما أحب أريح أعصابي باجي هنا." استدارت نور له بصدمة وهي تسأله باستفهام: "يعني ده ملكك؟ مش ماجره؟ رد بفتور: "لا أنا مبأجرش، أنا بشتري على طول." صاحت بسعادة لم تقدر على كتمانها وهي تسير براحة أكبر بداخله: "قول إن اليخت ده بتاعك بجد؟ ضحك على عفويتها وسعادتها الغريبة وهو يصحح الكلمة بحب: "بتاعنا إحنا الاتنين."
توسعت البسمة على شفتيها وهي تجري عليه لتلقي نفسها بداخل تلك الغرفة وهي تتأمل المكان بانبهار قائلة: "يخربيت جمالك. يااه إيه الحلوة دي." ابتسم باسل على عفويتها وهي تتأمل المكان بسعادة طفولية ليقول بمرح: "نفسك في إيه تاني دلوقتي حالا؟ ابتسمت نور وهي تقترب منه قائلة بحماس: "أنزل المياه دلوقتي حالا." "سهلة." تقدم من حافة اليخت السفلية القريبة من مياه البحر. شهقت نور وهي تحاول تحرير يديها من بين يديه محاولة منعه:
"بتعمل إيه يا باسل؟ أنا بهزر على فكرة." ضيق عينيه وهو بداخله كان لا يود فعلها الآن على الأقل. "بتهزري بجد؟ ولا... مال قليلا بظهره نحو المياه. أمسكت به وهي تقول بسرعة: "بهزر يا باسل، أنت مبتصدق." أخرجت هاتفها من حقيبة اليد وهي تقول بابتسامة ناعمة والحماس بعينيها يشع: "يلا بقى صورني، المكان هنا حلو أوي." ضحك بسعادة لأجلها، أخذ منها الهاتف والتقط لها عدة صور بثوبها الناعم الجميل.
أشارت إليه أن يتقدم ويقف بجوارها، وكان ظهرها للبحر مباشرة وقدميها على الحافة السفلية لهذا المكان. اقترب منها وهو يقول: "عايزة إيه؟ أحاطت بذراعيها مرفقة وهي ترد عليه بجرأة: "هكون عايزة إيه؟ نتصور سيلفي سوا. يلا بوسني." مال على شفتيها ليقبلها بعبث. أبعدته بضيق وهي تقول بجدية: "لا يا بابا مش هنا. هنا." أشارت على وجنتها ببساطة. أغاظته: "هنا فين؟ أنت بتصور مع ابن أختك؟
أنا جوزك على فكرة، وأصلا مفيش حد هيشوف الصور دي غيرنا." أدار وجهها بيده بحزم حتى يقبلها من شفتيها. قالت أمامه عينيه بتردد: "زينب ووالدتك هيشوفوا الصور على فكرة." "وماله يشوفوها. معاد الصورة دي." حاوط وجهها بين يديه مقبلاً إياها وتم التقاط الصورة بعد وقت محدد على كاميرا.
ابتعد أخيراً بعد أن شعر ببرود جسده وهي بين أحضانه. فتح عينيه ليفيق سريعاً من تلك الغيبوبة ليجد نفسه بقلب البحر. جذبها من يدها حتى يصعد بها على سطح المياه. سعلت نور بقوة وهي تحاول أخذ أنفاسها بصعوبة. اقترب منها باسل وبدأ يمرر يده على ظهرها وهو يقول بقلق: "خدي نفسك براحة يا نور، على مهلك." هدأت انفاسها ثم ألقت على وجهه المياه وهي تقول بضيق: "كل ده بسببك يا باسل. عجبك كده؟
الفستان اتبل حتى التليفون وقع. زمانه وقع في المياة." نظرت لسطح المياة من حولها وهي تقول بغباء: "أنا هنزل أجيبه." ضحك عليها وهو يمنعها بقوة: "تعالي هنا يامجنونة. تجيب إيه؟ ما فداه التليفون. هجبلك غيره." قالت بجزع: "طب والصور اللي اتصورناها." قربها منه في المياة الباردة وهو يقول ببساطة: "مش مشكلة نتصور تاني." حملها على ذراعه متجه بها لإحدى الغرف. صاحت وهي ترى هاتفها ملقياً أرضاً: "التليفون يا باسل!
الحمد لله. استنى أجيبه." "ادخلي غيري بس هدومك يا نور وأنا هجبهولك." أومأت له وهو ينزلها في تلك الغرفة الشاسعة والأنيقة. "غيري هدومك." ردت بحنق وغضب: "أغير هدومي؟ بس أنا مجبتش حاجة معايا." "أنا جبتلك." سألته بعدم تصديق: "بجد؟ أومأ لها بجدية وهو يخرج من الغرفة تاركاً لها بعض المساحة. ابتسمت بسعادة وتوردت وجنتيها قائلة: "إيه اللي أنا بهببه ده؟ بعد قليل.
سارت حافية الأقدام على متن ذلك اليخت وهي تنظر له يجلس على الأريكة يتأمل المكان من حوله. كما هو رائع حقاً. ترتدي ثوباً بنياً يصل لبعد الركبة يبرز قوامها الرشيق. ابتسم وهو ينظر لها ليجدها تقترب بخطوات مترقبة. جلست بجواره في حين ساد الصمت بينهم للحظات وأعينهما تتأمل إبداع الخالق في سماء صافية. والبحر العميق الصافي صفاء يسحر الأعين، ولكن بداخله لوعة الغدر لا يكتشفها إلا السباح الماهر.
شعرت نور بكف يديه يعانق كتفها جاذباً إياها. ابتسمت برقة وهي تجده يقبل وجنتها قائلاً: "تحبي نعيش هنا دايما." تنهدت وهي تقول بتمني: "ياريت يا باسل، أنا وأنت نفضل هنا ونبعد عن الدنيا كلها." ابتسم وهو يقول: "تعرفي يا نور نفسي يجي اليوم اللي يكون عندي فيه مكان خاص في قلب حد. عيلة تفتقد وجودي." توسعت البسمة بأمل أكبر:
"صدقني تقدر يا باسل. أنت ربنا أدالك حاجات كتير حلوة زي أمك وأبوك اللي مهما عمل هيفضل أبوك. أختك وكمان معاك فلوس يمكن مش أهم حاجة بس تقدر توفر حياة زي دي لنفسك أنت والبنت اللي هتكون معاها. بس صدقني أنت محتاج تدي نفسك فرصة والله العظيم. بلاش تربط نفسك بالماضي لأنه هيوجعك ولما تتوجع هتاذي اللي حواليك." مال عليها مقبلاً وجنتيها قائلاً:
"وأنا عايزك أنتِ اللي تكوني معايا يا نور، وعايزك أنتِ تساعديني أتعافى من العقد اللي جوايا." ابتسمت بهدوء قائلة بتحفيز: "هفضل يا باسل، بس أول خلي في علمك لو جرحتني في يوم همشي وقتها يمكن مرجعش تاني." ضمها بقوة وهو ينظر للمياه. قال بعد لحظة: "كان نفسي نفضل هنا دايما، بس انتي عارفة إن مينفعش. بس أوعدك إن المكان ده هيشهد على أجمل أيام عمرنا، وهنيجي هنا دايما أنا وأنتي بس." استدارت له وأصبحت أمام وجهه وهي تسأله باستغراب:
"يعني إيه؟ محدش هيدخل المكان ده؟ قاطعها وهو يكمل جملتها: "محدش هيدخل المكان ده غيرنا، ولا حد هيعرف بيه. وكل ما أتوحشيني وبقا عايز أستفرد بيكي هجيبك هنا. وأنا لو وحشتك هتعملي إيه؟ هو ممكن أوحشك في يوم؟ أحاطت بذراعيها مرفقة وهي تقول: "ليه لا؟ وبعدين مش محتاجة سؤال. لو وحشتني هجيلك أنا." قربها أكثر منه وهو يقول بجدية: "معتقدش إن هيجي اليوم اللي أستنى فيه إني أوحشك." داعب أنفه بأنفها بينما سألته بجدية: "ليه بقى؟ قرب
وجهه منها أكثر وهو يقول: "عشان أنا مش هديكي الفرصة دي أبداً." صمتت للحظات مع ابتسامة بسيطة تزين ثغرها لتجده يقطع الصمت قائلاً: "على فكرة أنتِ أول واحدة تيجي معايا المكان ده." نظرت هي له بفضول وكأنه قرأ ما يدور بعقلها قائلة: "على فكرة مش لازم تكذب يعني. عادي إنك تكون جبت زوجاتك السابقات هنا، على الأقل بنت الوزير." رد باسل بجدية قائلاً:
"أنا مش مضطر أكذب عليكِ، وأظن مش هيفرق معايا كتير. أنا بس مكنتش بحب حد يشاركني في الأماكن الخاصة." شعرت بصدق ما تحدثها به. هو حقاً لا يجيد التعامل بالكذب، رغم أنه مستفز إلا أن سبب ذلك هو صراحته المبالغ فيها به بعض المميزات. _هل يمكن أن تعطينا الحياة ما نريد دون أي مجهود يصدر منا؟ هل كل ما يدور بالعقل من أحلام يتم تحقيقه في الواقع؟ كيف يأتي من يتقبلك كما أنت حتى وإن كان لا يعلم شيئاً عنك؟
كل هذه الأسئلة تدور برأس نور الآن. فهل حقاً يمكن أن يأتي اليوم الذي تشتاق إليه وهل سيأتي يوماً ما ويبتعد؟!! _في يوم الجمعة. في منزل آل الشهاوي خرج جلال من غرفته مبتسماً وهو يستنشق رائحة البخور وصوت القرآن الكريم في كل أنحاء المنزل. يرتدي جلباباً أسود أنيقاً جداً. رائحة المسك تطيب منه. أبتسم وهو يرى حياء تخرج من غرفة إيمان. ترتدي ايسدالاً أزرق واسع وخماراً أسود تلفه حول رأسها بأناقة وجمال. رفعت حياء
رأسها ابتسمت برفق قائلة: "عارفة إني شكلي وحش باللون الأسود، بس أنا جايبه اللون ده من زمان وملبستوش خالص، حرام يعني فلوسك تضيع على الأرض كدا." أبتسم جلال من ردة فعلها قائلاً: "على فكرة شكلك مميز. تعرفي إن الأسود لون غالي أوي وأي حاجة بتبان حقيقتها جنبه. لأنه على طول باين ومعروف. وأجمل غزل اتقال فيه." ضيقت حياء المسافة بين حاجبيها قائلة: "إيه ده؟ هو في حد بيتغازل في اللون الأسود؟ غريبة! طب وقال إيه
نظر هو في عينيها البنيه ثم تتبع قسمات وجهها بخمارها الأسود الذي وضعته بأناقة فوق رأسها تخفي به شعرها عن العيون. ثم تنهد بعمق، تنهيدة عاشق، تبعها بقوله: "قل للمليحة بالخمار الأسود ذات الجمال النادر المتفرد ماذا فعلت بناسك متعبد لينال فرد خير باب موصد! تاهت دروب العالمين.. لتهتدي! وظفرت وحدك بالجمال السرمدي ما اخترت غيرك يا فتى من بين من كانوا على دين النبي محمد قل للمليحة بالخمار الأسود ماذا فعلت بناسك متعبد"
كادت أن تبكي من جمال كلماته ومشاعره الفياضة، تتمنى لو تلقي نفسها بداخل أحضانها، تحمد الله ألف مرة في كل لحظة على وجوده بحياتها. كيف يكون الرجل عندما يعشق؟ مخلصًا، وفيًا، عاشقًا، مؤمنًا بحبه. وكيف يكون عشق ابن "الشهاوي"؟ ردت بحشرجة متأثرة من فيض عشقه قائلة: "ربنا يحفظك ليا" تهرب جلال من فيض المشاعر ذلك قائلاً: "أنا هدخل أتوّضأ تاني... ابتسمت برفق وهي تنظر له يغادر الصالة: "أي دعوة يا أمي دعوتيها لأحظى برجل مثل هذا...
بعد صلاة الجمعة، خرج من المسجد الكبير، نظر لمنفذ السيدات وعيناه لا ترى أي امرأة أخرى، وكأنه ينتظرها هي فقط. خرجت بخطوات بطيئة على استحياء، حقاً تغيرت على يديه. ترجّل نحو سيارته ليقوم بتشغيل المحرك، يقف ينتظرها. ألقت "حياء" التحية على رفاقها وهي تخرج من البوابة الجانبية لتصعد بجواره. لاحت ابتسامتها قائلة بهدوء: "هنعمل إيه دلوقتي؟ ابتسم "جلال" مجيباً بحنان: "شهد وحليم عزمونا على الغدا، هنروح لهم، الولاد وحشوني...
هزت رأسها بإيماءة بسيطة وهو يتحرك متوجهاً نحو منزل شقيقته... وصلت سيارته إلى الحي التي تقطن به شهد، صف سيارته بجوار المنزل، ترجل منها وهو يصعد وبجواره "حياء". استقبلهم "حليم" بود قائلاً: "نورت يا أبو نسب... احتضنه "جلال" وهو يربت على ظهره: "بنورك يا غالي، أومال فين الولاد وشهد؟ أجابه "حليم" بهدوء: "جوا، اتفضلوا، إزيك يا "حياء"؟ ابتسمت بهدوء قائلة: "بخير الحمد لله...
دلفت للمنزل، ساعدت "شهد" في تحضير المائدة، بينما جلس "جلال" برفقة "حليم" في شرفة المنزل المطلة على البحر وأخذ يتحدث في بعض الأشياء. بعد وقت طويل بين المرح والهدوء، جاءت "ياسمينة" ابنة شهد الكبرى. ابتسم "جلال" قائلاً: "مالك يا قمري زعلانة ليه؟ ابتسمت "ياسمينة" بحزن قائلة بنبرة متوترة: "خالو ممكن تعملي ضفيرة زي اللي كنت بتعملهالي زمان أنا وأيمان، من وقت ما اتجوزت معملتهاش، نفسي تعملهالي"
ابتسم هو لها ثم حرك رأسه موافقاً، بينما ركضت من أمامه بعدما أدلى بموافقته حتى أتت بفرشاة الشعر. طالعتهما "مالك" زوجها بتعجب فوجدها تأتي نحوه من جديد ثم أعطت الفرشاة لخالها وهي تقول بنبرة مرحة: "خد بالك يا خالو علشان شعري طول عن زمان... حرك رأسه موافقاً ثم وجه حديثه لزوجها: "تعالى أعلمك علشان تعمله أنت بعد كده، ياله ما أنا مش هاجي أسرح شعر بنت اختي كل شوية" رد "مالك" بتعجب وطيبة: "هو أنا المفروض أسرح لها شعرها؟
ابتسم "جلال" قائلاً: "يا ابني مراتك ضلعك التاني ولازم تدللها وتعاملها كأنها بنتك، وافتكر إن ده مش بيقلل منك لا سمح الله، بالعكس بيرفعك في نظرها، ومتنساش إن خير الرفيق سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام موصينا على زوجاتنا" ابتسم "مالك" ثم جلس بجواره على الأرض وهي أمامه، بينما قام "جلال" بفك شعرها ثم شرع في تنفيذ ما طلبته هي.
وهو يعلم زوجها كيفية صنع جديلة، بينما ابتسمت "حياء" بفرحة، في حين قام "جلال" بصنع الجديلة لمنتصفها ليخبر "مالك" بإكمال هو البقية بعدما تعلمها. وفي النهاية وجد "مالك" يضع الرباط حتى يمسكها بمرح قائلاً: "اتعلمتها يا ياسمينة" ركضت هي من أمامهم نحو الخارج. نظر "مالك" أثرها بدهشة، فوجد "حليم" يقول بنبرة ضحكة: "راحت تشوفها في المراية وهتيجي تاني" بعد انتهاء جملته وجدها تأتي إليه تركض لهما تقول بنبرة مختنقة من تأثرها:
"شكلها جميلة أوي، تسلم يا خالو" نظر لها زوجها عاقداً ساعديه أمام صدره يكظم غيظه قائلاً بمشاكسة: "وأنا كيس جوافة... ابتسمت بخجل قائلة بسعادة: "لأ طبعاً إزاي تقول كده... متشكرة يا مالك بجد حلوة أوي" رفع رأسه بحركة مسرحية مرحة قائلاً: "العفو" قاطعهم صوت "شهد" وهي تخرج من المطبخ تحمل صينية موضوع عليها عدة أطباق من الحلويات الشرقية: "ياله الحلو ومتقلقوش سكر مظبوط" وضعت الصينية على المائدة لتعطي كل فرد طبق قائلة بهدوء:
"صحيح يا حياء كلمتي إيمان النهاردة... عاملين إيه؟ ابتسمت "حياء" برفق قائلة: "كلمتها النهاردة الصبح، بتقول إنهم تمام وإن يوسف جابلها شغل كويس قريب من الشركة اللي شغال فيها وهتبدأ من بكرة إن شاء الله" "شهد" "إن شاء الله خير" *** ظفرت بكِ لتصبحين قمري.. فغدوتِ خير ما مر في عمري في بيت "يوسف" بلندن، جلست "إيمان" على الفراش وحولها صور لها في طفولتها، وقع بصرها على صورة لها مع أخيها وهي تمسك من فروة رأسه وهو يصرخ في وجهها.
ولج "يوسف" إلى الغرفة وهو يسألها بتعجب: "بتحكي على إيه يا هبلة؟ انت ملبوسة صح. ردت عليه بنبرة ضاحكة: "تعالي يا يوسف، شوف صورنا وإحنا صغيرين، تعالي اتفرج معايا." أقترب منها يجلس بجانبها، فوجدها تقول بمرح: "قبل ما نيجي ماما حطت ليا الصور دي وإحنا صغيرين عشان أخدهم معايا." ابتسم باتساع. خطف صورة من بين الصور الموجودة، طالع الصورة بنظرة هائمة. حركت رأسها وهي تطالعه فوجدته يقول بنبرة خافتة:
"الصورة دي عمري ما هعرف أنساها يا إيمان، هتفضل أقرب صورة ليكي على قلبي. لسه فاكر يومها كنتي منهارة في العياط بعد ما ختمتي القرآن إنتي وصالح. عمي جلال وقتها خدك في حضنه وفضلتوا لوقت طويل." ابتسمت هي برفق وهي تضع رأسها على كتفه قائلة: "لسه فاكر يا يوسف؟ دا فات أكتر من عشر سنين عليها." اخفض رأسه يطالعها وهو يقول بنبرة هامسة:
"كل حاجة خاصة بيكي يا إيمان محفورة في قلبي. أنا كبرت وعشت على أمل إنك تكوني ليا في يوم من الأيام. كفاية وجودك معايا." اخفضت رأسها بخجل. ثم أخرجت صورة أخرى تجمعها بصالح ويوسف. "الصورة دي هتفضل قريبة لقلبي عشان كنا فيها إحنا التلاتة." طبع قبلة على قمة رأسها قائلاً: "ربنا يحفظك ليا يا رب." صاح فجأة بمرح قائلاً: "يالا هفرجك على المدينة. البسي هنخرج سوا بكرة أول يوم شغل لينا بعد الإجازة لازم نستغل الفرصة." ابتسمت
إيمان ونهضت بسعادة قائلة: "فوريرة وأكون جاهزة." اتجهت نحو الخزانة بحماس لتأخذ ثيابها تبدل ثيابها. ابتسم يوسف وهو ينظر للصور الموضوعة على الفراش بفوضوية، وكأن أيام الطفولة تعاد مرة أخرى. وجد صور له برفقة حياء وهي تحمله وهو يحتضنها. وصورة أخرى برفقة جلال وأيوب. تبدلت ملامحه للحزن وهو ينظر لصورة والده الراحل. خرجت إيمان من الحمام وقد بدلت ثيابها لأخرى. وجدته يجلس كما تركته. نظرت لصورة عمها. انحنت لتجلس أرضاً أمامه تمسكت
بيديه بقوة وسعادة قائلة: "ادعيله يا يوسف، أكيد محتاج دعواتنا." لاح الحزن على وجهه قائلاً: "تفتكري كان بيحبني يا إيمان؟ عارفة أنا لولا عمي جلال مكنتش هبقى كدا. تخيلي تتربى في بيت مفيهوش أعمدة أساسية ولا أب ولا أم." تنهدت إيمان مجيبة برفق: "أولاً كان هو حبك أكتر من أي حد، لأن مفيش أب بيكره أولاده يا چو. ثانياً عمي الله يرحمه يمكن اختار في بداية حياته غلط لكن اتعلم من تجربته. وبعدين هو ربنا خلقنا ليه؟
مش عشان نتعلم. يمكن جه عليك إنت ونيران شوية لكن حبكم أوي وندم. إنت ونيران كنتم سبب في إنه يفكر يتغير عشانكم ودا معناه إنه بيحبكم أوي كمان." ابتسم يوسف قائلاً برفق: "تعرفي أنا نفسي في إيه يا إيمان؟ يكون عندي أولاد منك وتكوني إنتي أمهم وتربيهم على أخلاقك. وقتها هكون مطمن عليهم." ردت هي بهدوء قائلة: "إن شاء الله يا حبيبي، إن شاء الله. وبعدين مش يالا بقى العصر المفروض يأذن، عايزة أتفرج على المكان كله."
إيماءة بسيطة ثم استقام تمسك بيديها وهو يخرج من الغرفة والمنزل. بيبدأ يومهم، حيث أخذ جولة في المكان لتشتري بعض الأشياء التي تنقصها وبعض المستلزمات المنزلية. في بيت علي. في منتصف اليوم وقبل عودة علي من عمله، كانت حبيبة تجلس في المطبخ برفقة هدى تقوم بتحضير الطعام بينما يتحدثا. "أنا هطلع لخالتك أم أحمد بيقولوا تعبانة." أومأت لها حبيبة بهدوء قائلة:
"طب ثواني أنا هحط الأكل على الصينية وخديه معاك، وأنا هجهز باقي الغدا على ما علي يجي من المصنع." تنهدت هدى وهي تربت على ظهرها بحنان قائلة: "ماشي يا حبيبتي. ربنا يسعدكم يا حبيبة يارب. هدخل أغير هدومي على ما تحطيه." أومأت لها حبيبة بالإيجاب. بينما خرجت هي من المطبخ لغرفتها. بعد مرور دقائق. سمعت صوت الباب يفتح. انتظرت ثواني ثم رفعت صوتها وهي تقول: "ماما هدى إنتي جيتي؟ أشراب هو رأسه وهو على عتبة المطبخ ثم قال بمرح:
"لا مش ماما هدى بس ابنها. ينفع معاكي؟ ضحكت هي بسعادة بالغة حينما رأته ثم ركضت إليه وهي تقول بهدوء: "طبعاً ينفع ونص كمان. هو إحنا نطول." نظر لها متعجباً ثم قال بطريقة مضحكة تشبه طريقتها: "لمي نفسك يا بيبة. أنا بقولك أهوه عشان متندميش بعد كدا." شهقت هي بقوة ثم التفتت توليه ظهرها فوجدته يضحك وهو يميل عليها مقبلاً وجنتها وهو يقول بمرح:
"بقالي في البيت دا أربع سنين وأول مرة أشوف كل الحلويات دي. مطبخنا فيه كل الحلويات دي تتأكدي أكل." التفت إليه تقول بفرحة عارمة: "أنا وماما اللي عملنا كل دا مع بعض. ها إيه رأيك؟ تلاشت بسمته شيئاً فشيئاً وهو يقول بحنق من عدم استيعابها لما قاله: "هي حلويات بس غبية." ضيق جفنيها وهي تنظر له بشك فوجدته يتابع حديثه قائلاً: "أنا أقصد إنتي الحلويات يا حلويات قلبي. نو استيعاب خالص كدا."
ابتسمت حبيبة بخجل. وقبل أن ترد معقبه على حديقه، وجدت والدته تمسكه من الخلف وهي تقول بغضب: "بتعمل إيه في المطبخ يا جزمة؟ لم نفسك وابعد عن المنطقة دي خالص." رد عليها ببساطة بعدما أبعدت يديها عنه: "أنا واحد راجع من الشغل تعبان. ببص لقيت المطبخ حلويات من حقي أدوق برضه." ردت عليه والدته بحنق: "دا في أوضتكم يا حيوان. لكن المطبخ تقعد بأدبك." رد عليها هو بضيق قائلاً: "بس...
أنا أروح أوضتي آكل فيها براحتي لحد يطردني من المطبخ ولا حد يقفشني بأكل حلويات. معايا يا حلويات." قال جملته وهو يمسك يد زوجته يكاد يغادر المطبخ بها إلا أن صوت والدته الحاد قاطعه: "بتعمل إيه يا معفن؟ جاي من الشغل والشارع وداخل المطبخ بتمسك إيديها. جاتك القرف بصحيح. اطلع برا يا علي وبعدين إحنا لسه مخلصناش. يالا روح غير هدومك على ما نخلص... أومأ له ثم غمز لزوجته قائلاً بمرح: "راجعالك يا حلويات."
اخفضت حبيبة رأسها خجلاً وهي تتهرب من النظر لوالدته. بينما ضربت هدى كفيها ببعض قائلة: "عوض عليا عوض الصابرين. الواد اتهبل. بس بيحبها." بعد ربع ساعة. خرج من غرفته ليجدها تجلس على كرسيها في المطبخ تقوم بعمل السلطة. ابتسم بخبث وهو لا يرى والدته. ليعلم أنها خرجت لتأدية فرضها. دخل المطبخ لتبتسم قائلة بحماس: "خليك زي ما إنت. متتحركش." توقف علي بتعجب فوجدها تذهب نحو أحد الصواني الموضوع على الترابيزة.
أخذت ملعقة لتملئها بالطعام وهي تقول بنبرة هادئة: "دوق كدا وقولي رأيك. استوت ولا لاء." نظر لها باندهاش حقيقة. فوجدها ترفع نفسها حتى أطعمته وهي تسأله عندما عادت لوضعها من جديد: "ها حلوة ولألأ. واستوت ولا لاء." "هي حلوة بس إيه دي أصلاً. مش قادر أحدد." ردت عليه بنبرة متحمسة قائلة: "مش مهم اسمها وصفة جديدة اتعلمتها." ابتسم طابعاً قبلة أعلى رأسها قائلاً: "تسلم إيدك يا بيبة." ابتسمت بحب وهو تتجه نحو الفرن بحماس وفرحة كبيرة.
تمنى لو يركع لله فوراً. فالله أعطاه كل ما تمنى. خرج من المطبخ وتوجه لغرفته وقد شعر في النهاية أن الله أرضى قلبه المتيم بعشقها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!