الفصل 63 | من 70 فصل

رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الثالث والستون 63 - بقلم دعاء احمد

المشاهدات
18
كلمة
7,662
وقت القراءة
39 د
التقدم في الرواية 90%
حجم الخط: 18

في منزل "الشهاوي" دلف "صالح" لشقة والده بجسد مرهق وأمارات الحزن جاليه عليه. لكن وجد المنزل هادئ تماماً، فكان خالياً. علم أن والدته من المؤكد أنها الآن مع "عائشة"، ليشعر بالأسى اتجاه تلك الفتاة. اتجه نحو غرفة والده بخطوات بطيئة، متيقناً من حزن والده على شقيق عمره، وكيف لا يحزن عليه وهو الأخ والصديق وضلعه الثاني. صفق عدة طرقات على الباب ليأتيه الرد بعد لحظات. "ادخل"

وضع يديه على مقبض الباب وهو يأخذ نفساً عميقاً لتمتلئ رئتاه بالهواء، شاعراً بألم وحزن. لكن حاول رسم ابتسامة صغيرة على ثغره، وهو يدلف للغرفة قائلاً بهدوء: "عامل إيه يا حج دلوقتي؟ كان "جلال" يجلس على فراشه ممدد الساقين، الغرفة مظلمة إلا من أشعة الشمس التي تداهم الغرفة، بينما هو يسبح على يديه بهدوء تام. والأبشع أن الذكريات الجيدة بينه وبين "جمال" تعصف بعقله وقلبه ليجيب: "بخير الحمد لله"

جلس "صالح" بجواره على الفراش بحزن قائلاً: "هون عليك يا بابا، ما هي دي النهاية لينا كلنا. مين فينا هيخلد في الأرض؟ أنت نفسك علمتنا إن البقاء لله وحده" تنهد "جلال" بحزن ولمعة دموع صادقة ليجيب بهدوء: "ونعم بالله، لكن عارف إيه اللي بيوجع يا ابني؟

إنه فجأة حد بنحبه ينخطف من وسطنا، وعلى قد الحب بيكون الوجع من الفراق. أنا وجمال صحاب من ابتدائي. لسه فاكر إزاي اتصحبنا. في رابعة ابتدائي كانت أمي الله يرحمها اتخانقت مع الحج شريف جدك ربنا يرحم أمواتنا وأموات المسلمين. وقتها جدتك معملتليش سندوتش، ولما الصبح قبل ما أمشي زعقت ليا وأنا زعلت. رحت المدرسة وأنا مضايق، وأي حد يكلمني كان ممكن أتخانق معاه. كنت طفل لسه. في الحصة الرابعة تقريباً قبل الفسحة كان قاعد في نفس التختة

جمال. لقيته بيفتح شنطته ومطلع كيس السندوتشات بتاعه، وكان فاضي هو كمان. وقتها ضحكت رغم إني كنت متضايق. اللي هو اتلم المتعوس على خايب الرجا. لكن جمال وقتها اتضايق مني ونزل الفسحة وهو زعلان. كانت أول مرة أعرف يعني إيه كسر الخاطر. روحت أخدت الشنطة بتاعتي ونزلت أنا كمان. لقيته قاعد جانب العلم وزعلان. روحت قعدت جنبه وهو متكلمش. روحت فتحت شنطتي وطلعت كيس السندوتشات بتاعي.

وقلتله: أنا كمان مجبتش أكل ومش معايا غير النص جنيه ده. على فكرة العملة وقتها كانت غير دلوقتي. لقيت بيبصلي وقام مطلع من جيبه نص جنيه هو كمان. قالي: إيه رأيك نشتري سندوتش من محل الفول اللي جنب المدرسة ونقسمه سوا، أنا كمان جعان. قلتله: ماشي، بس أنا هنط من على السور وأنت تراقب علشان لو المدرسة شافتنا هتاخدنا للمدير.

لقيته ابتسم وقالي: ماشي. وساعدني أنط من على السور وأطلع أجيب سندوتش، وحطيته في كيس وربطته كويس وقمت حدفته لجمال وهو واقف جوا، ونطيت تاني دخلت للمدرسة. كنت شقي برضه. قعدنا كلنا سوا وقسمنا الأكل مع بعض. كانت حياتنا بسيطة أوي. من وقتها وإحنا صحاب وكبرنا سوا، ابتدائي، إعدادي، ثانوي، حتى كلية التجارة جمعتنا سوا. حتى لما أجيب بنت جه وقالي إنه عايز يخطب، كنا لسه متخرجين وبنشتغل، وهو كان بيحب فاطمة بنت شيخ الجامع. وقتها أبوه كان توفاه الله. أنا قلت للحج شريف وروحت أنا وجمال وجدك نخطبهاله."

ابتسم "صالح" بود قائلاً: "كان بيحبها وهي كمان صبرت معاه سنين في الفقر لحد ما كبروا وربنا رزقهم من الوسع. ولما ماتت مستحملش وراح لها. ودي سنة الحياة ومحدش هيفضل. الذكريات هتتعبنا، لكن ربنا كريم. "واستعينوا بالصبر والصلاة". هون عليك يا حج الله يرضا عنك. أمي مش هتستحمل لو جرالك حاجة." ابتسم "جلال" برفق قائلاً:

"أمك. تعرف أنا وحياء مع بعض بقالنا واحد وتلاتين سنة، مفيش مرة شفتني زعلان إلا وعيطت. سبحان الله، يزرع الحب في قلوبنا بلا مقابل. علشان كدا يا صالح وصيتي ليك يا ابني. أمك ومراتك وأختك وبناتك في المستقبل إن شاء الله، اوعي يا ابني تكسرهم أو تقلل منهم. علمهم إن الحب الأول الأصدق لله وحده، وإن ربنا بيغير على قلوب عباده. لو حسوا إن في حب دنيوي ملأ قلوبهم، خليهم أول مكان يهربوا ليه هو خلوتهم مع ربهم. يمكن حبيته في أمك، بعد

ما خلفنا كانت دايما أنتم الأول عندها، ولما تتعب مكنتش تيجي تشتكيلي. كانت بتدخل أوضتها وتفضل تصلي وتدعي ربنا، وأحياناً كانت بتعيط وأنا بسمعها، لكن عمري ما اتدخلت في اللحظات دي، لأنها كانت بين العبد وربه. كلنا فينا أخطاء وكلنا مقصرين، لكن ربنا بيحب اللي يسعى له ويتلهف على رضاه."

ابتسم "صالح" قائلاً: "ربنا يحفظكم لينا يارب. أنا هدخل أجهزلك أكل لأن انت من امبارح مأكلتش حاجة، ولسه بليل العزاء مينفعش تفضل من غير أكل." ابتسم "جلال" بحزن وهو يومئ له بالموافقة ليتركه "صالح" يدلف للمطبخ يقوم بصنع وجبة خفيفة، ثم عاد مرة أخرى للغرفة، حاملاً بين يديه صينية موضوع عليها الأطباق. ليهتف بمرح:

"عمايل إيديا وحياة عينيا. وتحية لأجدع رجالة، يعني جلال الشهاوي، يعني القماش والمقاسات المظبوطة علشان هو الصح والتمام. يعني عم المحاسبين كلهم." ابتسم "جلال" وهو يهز رأسه قائلاً: "بطل صياح يا ابن حياء." اقترب منه واضعاً الصينية على الفراش ليقبل رأسه: "ياله يا حجيج خلينا ناكل لقمة سوا، لأن شوية والمغرب يأذن." _في منزل "صالح" بعد أذان المغرب

كانت الفتيات ترتدي الملابس السوداء، الأجواء كئيبة وحزينة. تجلس زينب على الفراش بجوار "عائشة" النائمة وملامحها متشنجة، وكأنها في كابوس مزعج يداهم عقلها، لا تتقبل الأمر. وبجوارها غرام التي تقرأ القرآن الكريم من المصحف بيديها. أخذت "زينب" تمسد بحنان على شعرها، شاعرة بألم طفيف. نهضت من فوق الفراش تتجه نحو الخزانة لعلها تجد دوائها، لكن وجدت الأدوية قد نفذت، تزامناً مع دخول "حياء" الغرفة. سألتها برفق قائلة: "نامت؟ ابتسمت

زينب بحزن وهي تنظر لها: "لسه نايمة حالا، ربنا يكون في عونها." تنهدت بحزن وظهرت طبقة طفيفة من الدموع بمقلتيها قائلة: "الله يرحمه، كان الكل كان بيحبه. الجنازة كان فيها ناس من كل حتة، واللي جايين ياخدوا الخاطر من الصعيد. يارب حسن الخاتمة." التفت تنظر لما بين يديها من أدوية قائلة: "أنت لسه ماخدتيش الدوا، معقول يا زينب." زينب بهدوء وابتسامة: "أنا كويسة الحمد لله، بس انشغلت مع عائشة وغرام، وكنت هاخده دلوقتي، بس شكله خلص."

"لا طبعاً مينفعش يا زينب، لازم تاكلي وتاخدي الدوا. هاتي الروشتة، أنا هنزل أجيبه من الصيدلية." أعطتها زينب الروشتة الطبية لتنظر حياء نحو غرام الشاحب وجهها قائلة: "أنتم مينفعش تفضلوا كدا من غير أكل، وعفت مع الحريم اللي بيجهزوا الصواني. هجيب لكم أكل." ثم اتجهت نحو غرام التي تبكي بصمت قائلة بحنان وهي تربت على كتفها:

"غرام، في حريم عايزين يعزوكي. ياله يا حبيبتي تعالي نروح سوا، وبعدين مينفعش كدا، أنت بترضعي. الزعل وحش عليكي." أغلقت المصحف لتزداد شهقاتها وعيونها حمراء منتفخة أثر البكاء. تنهدت حياء بحزن وهي تحتضنها:

"يا حبيبتي، أكيد هو في مكان أحسن. ادعيله، عارفة إنه صعب عليكي. أنا كمان جربت الشعور دا وقتها، رغم إني معشتش مدة كبيرة مع أبويا إلا إن اتوجعت أوي. ياله يا حبيبتي لازم تقفي تاخدي العزاء من الحريم. عماتك وخالتك كلهم في البيت من الصبح." أومأت لها بهدوء وأصابعها تمسح دموعها بحزن قبل أن تخرج مع حياء.

سحبت حياء نفسها من بين النساء ثم نزلت من المنزل لجلب المشتريات. نزلت بهدوء حتى لا يراها أي من الرجال، لكن صالح كان يقف أمام بوابة المنزل بجوار علي ونبيل زوج غرام يستقبلان الناس سوياً. انتبه صالح لوالدته التي خرجت للتو من المنزل فانسحب من جانب صديقه، بعدما أشار لوالدته حتى تسبقه. أومأت له في هدوء ثم ابتعدت قليلاً عن البيت. وبعد خروجها من مقدمة الشارع وجدته خلفها يقول بهدوء: "استنى يا ماما، رايحة فين؟ حصل حاجة ولا إيه؟

التفتت له وهي تقول بجدية حانية: "رايحة الصيدلية، الدوا بتاع زينب خلص، وكمان مفيش حد في البيت يعمل أكل. كنت هشتري شوية حاجات لزينب وعائشة. غرام أنا خليتها تاكل، مكنش ينفع تقف وهي كدا، كان ممكن تقع من طولها، بس يدوب أخدت معلقتين ومرضتش تاكل." أومأ لها بتفهم قائلاً:

"ربنا يكون في عونها. خالص، روحي انتي وأنا هروح أجيب الدوا وأجب لهم أكل وهروح أطمن عليهم. صحيح، الحج في العزا، أنا جهزتله لقمة كدا قبل ما نصلي المغرب ونزلنا سوا." حياء بلهفة وخوف: "يعني أكل صح؟ زفر بتعب محاولاً الهدوء: "أيوه. ياله ادخلي انتي وأنا هروح أجيب الحاجة." أومأت له بجدية وهي تدخل للحي مرة أخرى، بينما اتجه هو نحو السوبر ماركت يشتري بعض الأغراض ثم توجهه للصيدلية ليبتاع دواءها. بعد مرور نصف ساعة

دلف صالح إلى منزله بهدوء وجسد منهمك. تنحنح بصوت مسموع وهو يدلف للمنزل. خرجت زينب من الغرفة مغلقة الباب خلفها برفق حتى لا توقظ عائشة. ابتسم بحنان وعيناه تفترس ملامحها قائلاً: "كويس إنك خرجتي. ياله تعالي ناكل لقمة سوا علشان تاخدي دواكي." استاءت ملامحها بضجر قائلة: "الصراحة ماليش نفس يا صالح، ممكن آخد الدواء على طول وأنت كل وسيب أكلي لعائشة لما تصحى."

زفر بغضب وهو يتجه نحوها ممسكاً يديها برفق يجذبها لتجلس فوق الأريكة قائلاً: "لازم تاكلي قبل الدوا، مينفعش تاخدي على معدة فاضية. وبعدين أنا جايب أكل لعائشة لما تصحى وجايب لينا أكل، وأنا أصلاً أكلت مع الحج، بس ياله افتح نفسك." ابتسمت بينما وضع الطعام على الطاولة، بللت شفتيها بجوع وهي تنظر لعلب الكشري. زينب بحماس وجوع: "انت أكلت صح؟ خالص يعني مش لازم تاكل مرتين." حاول كبح ضحكاته وهو يراها تأخذ الملعقة وتأكل بنهم، بينما

تضيف الدقة ليقول بمرح: "وربنا كنت عارف إنك هتضعفي قدام الكشري. وبعدين استنى استنى، هاتي دا." ابتلع ما بفمه في حين حاظت عينيها وهي تراه يأخذ العلب الصغيرة الموضوع بها (الدقة والشطة) كادت أن تختطفها من بين يديه لينظر لها محذراً: "مينفعش كدا، هتبقى حامية أوي عليكي، غلط." زفرت باستياء قائلة بعفوية وبراءة: "إزاي آكل من غير الشطة؟ طب حط شوية صغيره قد كده." أشارت على اصبعها بلطف وهي تنظر له بخبث بريء. اقترب من وجهها قائلاً

بخبث: "لو عيطتي حتى يا زبدة مش هتدوقيها." كادت أن تحرقه بتلك النظرة النارية، وهي تأكل بهدوء. مرت دقائق وهو ينظر لها، قبل أن يدلف للحمام تاركاً إياها تكمل وجبتها بنهم. ما إن غادر حتى التقطت العلبة الصغيرة لتسكب أكثر من نصف محتواها بالعلبة، وضعتها مكانها مرة أخرى قبل أن يخرج. في حين تأكل هي بتلذذ مع شعور بالسخونة أثر كمية الشطة التي وضعتها.

خرج صالح من الحمام بعد أن توضأ. تفتقد الغرفة ملياً، يبحث عنها لكن لم يجدها. سمع صوتاً صاخباً بداخل المطبخ ليتجه نحوه وهو ينادي عليها. كادت أن تبكس وهي تضع زجاجة المياه على فمها ترتشف منها أكبر قدر ممكن ووجهها أحمر قاني. نظر لها باندهاش قائلاً: "أنتِ عملتي إيه يا زينب؟ وضعت يديها على فمها والأخرى على بطنها: "بوقي آه." اقترب منها بغضب وهو يمسكها من ذراعها قائلاً بهدوء: "لو تسمعي الكلام، تعالي."

جذبها خلفه ليجلسها على الأريكة. أخذ أحد الأكياس التي جلبها ليخرج منها علبة من اللبن الرايب، أعطاها لها بجدية حتى أنها كادت أن تعترض، لكن نظراته في تلك اللحظة أخبرتها أنه لا مجال للنقاش. جلس ينظر لها تأكل بهدوء. ما إن انتهت أعطاها الماء. أخذت دوائها بهدوء دون التحدث، ليحدثها قائلاً: "لما عائشة تصحى بلاش تخليها تنزل وخليها تاكل، خالي بالك على نفسك."

انحنى يطبع قبلة على قمة رأسها، أخذ مفاتيحه وولج لخارج المنزل، في حين ابتسمت هي برفق وهي تنظر له. *** في لندن، وبالتحديد شقة يوسف الصاوي، وفي نهاية اليوم. ولج يوسف إلى داخل المنزل ليجده هادئاً تماماً. نادى عليها بجدية وهدوء: "إيمان، يا إيمان." "أنا هنا يا يوسف، في أوضة النوم." اتجه نحو مصدر الصوت ليفتح باب الغرفة، ناظراً لها باندهاش حيث كانت تمسك المقص بين يديها تجلس أمام المرآة بحيرة.

وقف خلفها وهو يضع يديه على خصره بارتياب بعد أن وضع حقيبته جانباً، قائلاً بحدة: "أنتِ بتعملي إيه يا إيمان، ممكن أفهم؟ نظرت له في المرآة بهدوء قائلة: "بص، أنا شعري طول أوي ومن زمان عايزة أقصه لأنه بيضايقني و... كادت أن تكمل جملتها، لكن لدهشتها وجدته يلتقط المقص منها، قاطعاً إياها بنبرة صارمة: "تقصي إيه يا حيلتها، أنتِ بتستهبل صح؟ شعرك كدا حلو أوي ولايق لونه وطوله معاكي مخلياكي زي القمر." كان يعنفها أم يغازلها؟

لم يدرك ذلك إلا عندما اتسعت ابتسامتها قائلة: "يعني هو حلو كدا؟ ابتسم بمشاكسة قائلاً: "حلو أوي أوي، ممكن أعرف إيه اللي خلاكي تحطي فكرة قصه في دماغك؟ أخفضت رأسها قائلة: "مش عارفة أعمله ضفيرة وبيضايقني لما برفعه كحكة، وكمان مبحبش ديل الحصان." صك يوسف على أسنانه قائلاً بحدة: "تقومي تقصيه يا أذكى أخواتك؟ وبعدين عندك خمسة وعشرين سنة مش عارفة تضفري شعرك؟ ابتسمت برفق قائلة:

"بابا هو اللي كان بيضفرهولي، باجي أضفره أنا بيطلع مش زي بتاعت بابا." "طب ومرات عمك ماكنتش بتضفره لك ولا علمتك؟ " سألها برفق بينما يديرها نحو المرآة يلتقط المشط بهدوء ليمشط شعرها. "ماما أصلاً مكنتش بتضفر شعرها لأنه غجري، وبابا هو اللي كان بيعرف يعملهولي ويعملي أنا كمان." ابتسم يوسف بفخر وإعجاب قائلاً: "والله الواحد محظوظ إن جلال الشهاوي يبقى عمه." ردت إيمان بارتياب وطبقة رقيقة من الدموع بنيتيها قائلة: "هو أنت كلمته؟

آخر مرة أنا كلمته كانت امبارح بليل، وبعدين رنيت عليه كذا مرة، الأول كان مقفول ولما اتفتح مش بيرد عليا. وكلمت ماما يدوب قعدت دقيقة واحدة أطمنا عليا وقفلت، قالت إنها مشغولة وصوتها متغير، حاسة إنها مخبية عليا حاجة." زفر يوسف بهدوء وهو ينظر لها قائلاً: "أنا كلمت صالح النهاردة العصر وهو قال إن عمك جمال توفى امبارح في نص الليل." نهضت بفزع وصدمة لتقف أمامه قائلة بانتفاض: "عمي جمال؟

لأ هو أكيد كويس، أنا قبل ما نيجي روحتله وهو كان كويس وسلم عليا، دعا ليا. أنت بتهزر يا يوسف صح؟ قول إنك بتهزر وهو كويس." انصدم من دموعها التي انسابت دون إدراك والتي شوشت الرؤية أمامها. مد أنامله يمسح دموعها برفق وحنان قائلاً: "اهدي يا إيمان وادعيله ربنا يرحمه ويرحمنا، هو كان غالي علينا كلنا، لكن دي أمانة واتسلمت للي خلقها." ضمها بين ذراعيه وهو يربت على ظهرها بحنان وهي تبكي ليقول بحنان:

"ادعيله يا إيمان وادعي لأهله ربنا يصبرهم." ردت إيمان بخوف وبكاء: "بابا أكيد زعلان أوي، هو كان بيحبه علشان كدا مردش عليا. أنا عايزة أكلمه يا يوسف، والله ما هرتاح إلا لما أشوفه. كلمهولي." تريث قليلاً في رده قائلاً: "اهدي يا إيمان دلوقتي أكيد مشغولين، وأكيد أول ما الحركة تهدأ هيرد علينا. وبعدين صالح طمني، فهدي لو سمحتي." ردت إيمان بعقلانية من بين شهقاتها ودموعها: "إن لله وإنا إليه راجعون." *** في فيلا باسل العلايلي.

دلف باسل إلى بهو المنزل برفقة نور، قد خرج من المطار ليعود برفقتها إلى فيلته، لكنه اندهش بوجود جو من الضجة والإضاءة تلمع بالأرجاء في أجواء حفل. زفر بحدة ليقطعه صوت نور مستفسرة: "هو إيه يا باسل؟ أتاها الرد بحدة مخيفة كادت أن تنساها منذ فترة، فتعامله معها مؤخراً كان هادئاً: "واضح إن زيدان بيه عامل حفلة وبيحتفل." جف حلقها وهي تمسك بذراعه توقفه: "باسل... أنا...

"متخافيش يا نور، زيدان بيه مش هيعمل فيلم هندي وهو أكيد مش بيفكر فيكِ. صحيح هو كان عايز يتجوزك، لكن أنا برضو عارف كويس، وبعدين أنتِ متوترة ليه؟ أولاً دا بيتي وأنتِ مراتي." عضت على شفتيها بحنق قائلة: "باسل، متخليني أنا أروح لبابا دلوقتي، وكمان عبد المنعم وسيف وحشوني أوي." تنهد قائلاً بجدية: "بكرة ياستي هاخدك ليهم، أنا كدا كدا عندي شغل كتير في الشركة، هوديكِ وابقى أروح شغلي. يلا بقي." كانت تسير معه،

لكن توقفت فجأة ليقول بحنق: "في إيه يا نور تاني؟ "لالا اطمن، دا موضوع تاني. ممكن أطلب منك طلب لو سمحت من غير ما تتعصب عليا." "اتفضلي." فركت كفيها ببعضهما قائلة: "والدتك يا باسل، أرجوك ممكن تقولها يا ماما عادي، ولا نيرة هانم دي، علشان خاطري؟ أنا عارفة إنه في مشاكل بينك وبين والدك، لكن والدتك ذنبها إيه؟ دي أم يا باسل، بلاش تتجاهل وجودها، هي استحملت كتير أوي، من حقها دلوقتي إنها تلقى الاهتمام منك على الأقل."

أومأ له بجدية حانية قائلاً برفق: "ماشي يا نور، يلا بينا بقي." سارت معه ليدلف لداخل المنزل، يرحب به بعض رجال الأعمال، تزامناً مع نظرات بعض الفتيات لنور بغيرة وهن ينظرن ليد باسل التي تتشبك بيديها بجدية، بينما هي لا تبالي بنظراتهن. في حين أتت والدته، لتبتسم نور بحنان وهي تحتضنها. ابتسمت نيرة بسعادة قائلة: "ألف مبروك يا حبايب، يارب تكونوا انبسطتم في شهر العسل. إيه أخبارك يا نور؟ ابتسمت بود قائلة بهمس:

"هحكيلك لما نبقى لوحدنا، بس في المجمل كانت رحلة لطيفة." نظرت نيرة لباسل بهدوء حزين قائلة: "حمدلله على السلامة يا باسل." تنهد وهو يقترب منها يحتضنها وهو يربت على ظهرها قائلاً: "بخير الحمد لله، أخبارك إيه يا ماما؟ ابتسمت نيرة بسعادة، مدت أناملها تلامس ذقنه برفق، ولمعة دموع، ربما منذ عدة سنوات لم يناديها كذلك: "بخير طول ما أنت بخير."

تهرب باسل من نظراتها تلك بسرعة، يشعر وكأن المشاعر لا تليق به، فهو دائماً ذلك الشخص البارد. ترك نور برفقة والدته واتجه نحو شقيقته التي تقف بعملية تتحدث مع أحد رجال الأعمال. نيرة بدموع، ناظرة لنور بسعادة لتحتضنها: "شكراً يا نور بجد شكراً، أنا بقالي كتير أوي مسمعتش الكلمة دي، أول مرة من سنين يقولها." ابتسمت نور بسعادة قائلة:

"على فكرة بقى، هو آه بارد ومستفز، بس طيب شوية يعني. باسل عنده عقدة من والده، الموضوع كبير ومحتاج قاعدة طويلة نتكلم سوا." هزت رأسها موافقة قائلة: "تعالي بقى أعرفك بزينة أخته والفت." لوت نور شفتيها يمين ويسار قائلة: "قصدك أم أربعة وأربعين؟ بعد مرور وقت. ولج باسل نحو الجنينة ليجري اتصال، وما إن انتهى وجد إحدى الفتيات التي كان له علاقة بها مسبقاً ومن الحاضرات لتلك الحفلة. ترتدي ثوب أسود لامع طويل، تقترب منه مستغلة

خلو ذلك المكان هامسة: "وحشتني يا باسل." انتفض باسل من لمستها وعاد للوراء مجيباً بطريقة سوقية تعلمها من نور مؤخراً: "وحشتك عقربة يا بعيدة، بتعملي إيه هنا يا بت؟ عقدت ما بين حاجبيها بنفور قائلة: "بت وعقربة؟ باسل أنت كويس؟ هكون بعمل إيه يعني، بحضر الحفلة يا خاين.. بقى هو دا اللي مبتحبش الجواز ولسه راجع من شهر العسل.. بذمتك مش أنا أحلى من مراتك دي؟ رد بصراحة فظة صدمتها: "وربنا ما حصل.. أنتِ بتقارني نفسك بمراتي؟

بقولك إيه ابعدي عني علشان أنا... قاطعته مقتربة منه أكثر ويديه تسير على وجهه مرددة: "علشان أنت إيه يا حبيبي؟ وبعدين أنت وحشتني أوي... ازدرد ريقه وهو يبتعد عنها دافعاً إياها بعنف: "بقولك إيه يا حيلتها ابعدي عني، أنا حالياً راجل متجوز، فاهمة يعني إيه؟ يا ماما متجوز. وبعدين اتهدي بقى ربنا يهدك، لا هيبقى في حاجة بين لا في الحرام ولا في الحلال يا عنيا." جاحظت عينيها بصدمة وهي تراه يغادر المكان: "حيلتها؟! في غرفة باسل

تقف على الفراش وهي تصرخ مستغلة الموسيقى العالية تحاول إفراغ طاقة الغضب والغيرة بداخلها تصدح بالارجاء سانحة لنفسها بإخراج شحنة غضبها. منتشلة ما تقع عيناه عليه وتقوم بتسديده نحو باسل بعد أن دخل الغرفة. بعدما بحث عنها بالحفل فأخبرته والدته أنها صعدت لغرفتها.

فهل هي الآن على استعداد تام لقتله بعدما رأت تلك الفتاة تتود له وتحتضنه متغزلة له بوقاحة فتركت الحفل بهدوء دون تخريبه بمسك تلك الفتاة من شعرها واتجهت لغرفته متوعدة له. صرخ باسل بذهول قائلاً: "ما تهدي يا بت المجنونة هتيجي فيا وتسيحي دمي." قالها بفزع وهو يتفادى مزهرية متطايرة في الهواء بفضلها. علقت وهي لا تتوقف بل حان الدور على أغراضه ملتقطة زجاجة عطره تقذفها بقوة جامحة عليه.

"مش أحسن ما دمي أنا يتحرق يا بارد يا عديم الذوق والأدب والأخلاق يا خاين." حجظت عين باسل وتحرك سريعاً وبخفة ينفذ الزجاجة من التهشم. صاح بعدم فهم وانفعال قائلاً: "ما تفهميني حصل إيه يا مجنونة بدل المرمطة دي." اقتربت منه بشر هاجمة عليه: "مش فاهم، طبعاً ما أنت متعود على المسخرة وقلة الأدب نقول إيه بقى، تحضن في دي وتبوس في دي."

احتقن وجهه بالدماء مستنكراً كلماتها، زفر بحرارة مقترباً منها، فمنذ أن رآها وهو لم يحدث سواها أو يتغزل بأخرى فقد ملئت عيناه. "أنت بتخرفي تقولي إيه يا نور، شوفتيني كلمت حد." توقف عن المتابعة مدركاً مشاهدتها لمحاولة الفتاة في التقرب منه. أغمض عينيه زافراً بحدة، مقترباً منها في لحظة لم تدركها محتضناً إياها رغم رفضها وغضبها ومحاولتها لصدّه ليقول بهدوء:

"أهدي بقى، والله ما عملت حاجة هي اللي كانت بتحاول تقرب مني وأنا صدتها وده مش كلام وخلاص أنا بجح وممكن أصرحك بأي حاجة عملتها لأن مبحبش الكذب." هدأت أنفاسها وهي تدفعه لتبتعد عنه قائلة: "ماشي يا سي باسل أما نشوف آخرتها معاك." اقترب بخبث هامساً بوقاحة. "والله العظيم أنتِ بنت حلال أصلاً أنا كنت هموت وأسيب الحفلة الزفت دي، أنا كباسل لازم أستغل الفرصة دي." نظرت له مدركة نيته بينما صرخت بوجهه قائلة: "ده أنت بتحلم."

هربت بسرعة من أمامه راكضة نحو الحمام قائلة: "تصبح على خير يا بيبي." عض على شفتيه يحاول كظم غيظه منها قائلاً: "هتباتي في الحمام يعني ولا إيه." بعد مرور أسبوع في إحدى شركات المعمار بلندن. في منتصف اليوم دلفت "إيمان" إلى الشركة لمقابلة يوسف وتناول الغداء معه كما اقترح عليها بالأمس فقد قامت بتجهيز الطعام في المنزل وأخذت استراحة صغيرة من عملها بالمشفى وذهبت إليه.

كانت تسير بخطوات هادئة في حين نزلت عهد الدرج بتعب تمسح قطرات العرق عن وجهها بمنديل ورقي تنظر لإيمان بكره وغضب. صمتت للحظات وفكرة شيطانية تهيج برأسها لتغيب لدقائق ثم عادت. اتجهت نحو إيمان بهدوء قائلة: "أهلاً يا مدام إيمان نورتي الشركة، أنا عهد اللي زورتكم في البيت أول ما جيتوا لندن." نظرت لها إيمان بجدية وضيق لترد: "أهلاً يا بشمهندسة... ردت عهد بابتسامة:

"بخير الحمد لله، هو حضرتك بتدوري على يوسف.. أقصد بشمهندس يوسف معلش أصلنا قريبين من بعض فواخدين على بعض شوية." صكت إيمان على أسنانها قائلة: "آه بسأل عليه هو فين؟ عهد: "مكتبه في الدور العاشر الإسانسير عندك على إيديك اليمين." نظرت لها إيمان بحنق وهي توعد لزوجها ذلك بينما اتجهت نحو المصعد. صعدت بداخله مرت لحظات وهي تفكر به وبكلمات تلك الحية. في لحظة واحدة نزل المصعد بقوة لتقع أرضاً مرتجفة.

توقف مهتزاً، انطفأت الإضاءة، ابتلعت ما بحلقها بخوف وهي تحاول فتح الباب لكن ابتعدت عنه برعب مدركة أنها بمنتصف الدور. للحظات سرقت أنفاسها برعب شاعرًة باهتزازه. أتاها صوت من الخارج قائلاً بالإنجليزية: "المصعد معطل لماذا صعدتي به ألم تري اللافتة." هبطت دموعها لتتحدث بتعلثم وصعوبة وجسدها يرتعش برعب: "لم.. يكن.. هناك أي لافتة.. لو سمحت ساعدني أخرج."

اجتمع بعض الأشخاص في الخارج بينما حاولت استجماع شتات نفسها وهي تخرج هاتفها من حقيبة يديها بيد مرتجفة. كان يجلس على مكتبه هو وأحد أصدقائه يتناقشان في أمر ما ليقطعه رنين هاتفه ليجيب بعد أن رأى اسمها. "آيوة يا إيمان بقولك كنسلي الموضوع متجيش أنا هاجيلك ونتغدا بره." ردت بصعوبة وخوف من بين شهقاتها: "يوسف الإسانسير عطل أنا خايفة."

لم يدعها تكمل حديثها في حين قطع الخط، اندفع حيث يأخذه قلبه الذي هلع بمجرد سماع أن مكروه قد أصابها. نزل الدرج ينظر للحشد المجتمع أمام المصعد الذي حدث به العطل. اخترق صفوف الحشود كان ما بين الطابقين الرابع والخامس ليجعل ذلك استحالة فتحه، فصار صدرها يعلو ويهبط من فرط الصدمة الممزوجة برعب حقيقي شاعرًة بأن نهايتها أصبحت وشيكة أخذت تردد بعض الآيات القرآنية. فجعل الدمع يتقاذف من مقلتيها.

غير مدركة أن هناك شخصاً آخر يقف يرتجف رعباً من فكرة فقدانها فصار ينزل الدرج بخطوات سريعة. ليجد صديقه عدنان يقف مع عامل التصليح فتحدث بجدية. "ماذا حدث." أتاه رد عامل التصليح بلباقة. "الآنسة طلعت بالإسانسير وده وقت الصيانة في حبل اتقطع فخلي الإسانسير ينزل بسرعة وأول ما نزل البارشوت تلقائي اشتغل وواقفة بين الدور الرابع والخامس يعني حتى لو فتحناه مش هنعرف نخرجها." ارتجف بقوة ورعب قائلاً: "في أي حل نخرجها بيه."

ارتبك العامل قليلاً ليجيب بهدوء: "هو إحنا ممكن نطلعها من فتحة الإنقاذ بس المشكلة إن دي زي الانتحار وخصوصاً إن هيبقى في ثقل على الإسانسير ومن المستحيل حد يقبل يخاطر لازم نستنى عمال المساعدة وممكن يقع... أتاه رد يوسف بحدة قائلاً: "أخرس... أظن في تليفون في الإسانسير صح." رد العامل بجدية: "أيوه يا فندم... تركه يوسف واتجه نحو غرفة المراقبة وقام بالتواصل مع الهاتف الموجود بالمصعد بعد أن أعاد الإضاءة مرة أخرى.

في البداية ظنت أنها تتوهم لتتفاجأ بصوته المرتعب عليها. "إيمان... إيمان أنتِ سمعاني." حاولت الوقوف لتشعر باهتزازه بسيطة لتجلس مرة أخرى تبكي بفزع. "يوسف أنا خايفة وحاسة إني مش عارفة أتنفس." رغم قلبه الذي ينزف ألماً وهو يستمع لصوتها الباكي الممزق له إلا أنه حاول بث الطمأنينة بقلبها قائلاً بهدوء حانٍ: "أهدي يا إيمان متخافيش، أنا معاكي وعمري ما هسيبك ولا هسمح إن يجرالك أي حاجة وحشة، عشان خاطري أهدي وحاولي تاخدي نفسك."

هدأتها تلك الكلمات فكان مفعولها كالسحر بالفعل بدأت أنفاسها تنتظم بهدوء. لتردد قليلاً قبل أن تحدثه ببكاء. "يوسف." رد بخوف قائلاً: "عمر يوسف يا إيمان." "لو جرالي حاجة ابقى سامحني." رغم عدم فهمه ما تقصد إلا أنه رد بعفوية: "مش هيحصل حاجة انتِ فاهمة." أغلق الهاتف وهو ينظر للعامل قائلاً: "أنت مش قلت في فتحة إنقاذ في الإسانسير للحالات دي." أومأ العامل بجدية ليجد يوسف يخلع معطفه وساعته. ليقاطعه بصرامة.

"بشمهندس في خطورة كبيرة." رد يوسف بحدة قائلاً: "اسمعني أنا هربط نفسي بالحبل وأنتم هتمسكوه وهتنزلوني بيه لحد ما أفتحه من فوق وبعد كدا هترفعونا لفوق." رد عدنان بفزع قائلاً: "يوسف كده ممكن يقع بيكم." رد بنبرة قاطعة صارمة: "المهم إنها تخرج سليمة من جوه أنت فاهم وحتى لو حياتي قصاد حياتها، مراتي مش هتخلى عنها." كل هذا أمام عين عهد والتي بكت مدركة أن لا مكان لها في قلبه العاشق لتلك الفتاة.

غادرت الشركة قبل أن ترى مساعدته لها ومخاطرته بحياته لأجل زوجته وكنزه الثمين. وبالفعل قاموا بتجهيز الحبال وتعليقها في حزام بنطاله لتحاوط خصره وقاموا بإنزال الحبل خطوة بخطوة. إلى أن وصل فوق المصعد لتنتفض إيمان من شعورها الغريب بحركة المصعد فقال بصوت مسموع: "متخافيش يا إيمان أنا جنبك." "أنت بتعمل إيه يا مجنون." أتاها صوته مهداً قائلاً بحب يفوق ما كان يتخيله فهو الآن مدرك كم هي غالية جداً على قلبه المتيم بعشقها.

"إيمان أهدي أنا هفتح الإسانسير متخافيش من الصوت اللي هتسمعيه." إلا أن شهقاتها ازدادت برعب جالي في حين اتبع يوسف تعليمات العامل في إزالة غطاء فتحة الإنقاذ قام بإزالته بعد بضع دقائق ناظراً لها باطمئنان ليقول بصوت جهوري ليسمعه عدنان ورفاقه. "أنا فتحته هنزل وأدخلها خليكم جاهزين."

أتاه صوت من الأعلى بالموافقة ليقوم بإدخال قدمه أولاً ثم يقوم بهز الحبال بفهم الجميع فوق وقاموا بإنزال الحبل خطوة بخطوة إلى أن لمست قدمه أرضية المصعد. نهضت برفق وخوف ترمي بين ذراعيه مشددة على احتضانه ليبدلها هذا العناق بقوة وخوف. "إيمان أهدي أنا معاكي والله ما هسمح إن يحصلك حاجة." أبعدها عنه وهو يفك الحبال من حول خصره ولفه بإحكام حول خصرها محاولاً تثبيت الجهاز حول خصرها. لتسأله بجدية وحدة: "أنت بتعمل إيه...

انت عايزني اسيبك يوسف، متهزرش. أنا لو على موتي مش هطلع من هنا من غيرك. رد يوسف محاولاً إقناعها: "مفيش وقت لكلامك دا يا إيمان. يالا علشان يطلعوكي من هنا وأنا هتصرف، متقلقيش عليا." "لا يوسف، لو على موتي مش هطلع من غيرك." تجاهل حديثها صارخاً بحدة: "اسحبوا الحبل لفوق يالا." انصدم عدنان وأصدقاؤه، فقال عدنان صارخاً: "انت مجنون يا يوسف؟ وانت هتعمل إيه؟ "بقولك اسحبها، مبتسمعش."

عض عدنان على فتيه بغضب، مستجيباً له. لكنه توقف عند صراخ إيمان وهي تحتضنه بقوة تتشبث به: "لو عرفت تبعدني عنك، ابقى خليهم يطلعوني." حاول التحدث، لكنها هزت رأسها بنفي قائلة: "لا مش هسيبك ولا هبعد، ومش هتخلي عنك." استجاب لحديثها ونظرات عيونها الباكية، ولكنّه استسلم. وكيف يصمد أمام تلك العينان؟ يا الله، إن عرف الهزيمة يوماً، فسيكون ذلك بسببهما. "اسحبوا الإسانسير...

اتجه كلاهما من عدنان ورفاقه نحو مكان الماكينة لتنفيذ التعليمات، وسحبهم وهم يدعون الله أن يمر بسلام. شعرا باهتزاز المصعد، ونظرات الخوف جالية في عينيها. حاول التخفيف عنها ليحتضنها برفق، متشبثاً به هامساً: "دايماً واجع قلبي... الحب وجع قلب، وأنتي وجعي وعشقي." لم تشعر بشيء، تحاول كبت دموعها، إلى أن توقف المصعد أمام الطابق الخامس. ما أن فتحه، حتى كادت أن تسقط مجدداً، لكن وجدته يحملها ويخرج من بين هذا الحشد.

وضعها بسيارته بهدوء، ليجلس بجوارها محاولاً بث الطمأنينينة في قلبها، لتصرخ بوجهه بغضب: "انت مجنون صح؟ كانت عايزني أسيبك؟ دا لو فيها موتي مش هسيبك يا يوسف." "من إمتي يبعد القلب عن الجسد ويفضل ينبض؟ ربت على ظهرها بحنان قائلاً: "حمدلله على سلامتك يا إيمان، حمدلله على سلامتك... صمتت وهي تنظر للفراغ، ليسألها بفضول: "صحيح، كنتِ بتقوليلي أسامحك على إيه؟ صمتت وهي تنظر له، كيف تخبره بذلك الشيء؟

كانت تظن أنها النهاية، فأرادت عفوه عن أمر أخذها لتلك الحبوب المانعة للحمل في فترة ما قبل مجيئهم إلى تلك البلد الغريبة عنها، لكن الآن كيف ستخبره؟ "يوسف، أنا تعبانة، ممكن تروحني؟ أبتسم قائلاً: "ماشي، هنعدي على المستشفى نطلب إجازة باقي اليوم وأخدك البيت... -في أحد المباني الراقية حيث تقطن عهد. كانت تبكي وهي تحتضن والدتها قائلة بانفطار: "بيحبها يا ماما، بيحبها. بيخاطر بحياته علشان يلحقها. هو ليه بيحبها كدا؟ ليه يا ماما؟

أبعدتها والدته عنها قائلة: "لا يا عهد، انتي غلطتي غلط كبير. بتعرفي شو اسمك هالا؟ ... خاطفة رجال. انت ما بتحبي يوسف أبداً. انتي بس لقيتِ فيه كل المميزات اللي بتتمناها كل بنت." "شاب ذكي وناجح جداً بمجاله، مرح مع أصدقائه، وفي لحبه ولأهله.. متدين، وسيم، في كل المميزات. اه فيه عيوب متل كل البشر، لكن مميزاته طاغية لأن إيمانه قوي... "وهادا مو حب يا بنتي، هادا اسمه إعجاب، مو حب أبداً." ردت عهد بخوف قائلة:

"أنا مش عايزة أكون وحشة يا ماما. أنا بس عايزة ألاقي الحب... عايزة ألاقي قلب يفهمني." "أنا خايفة من نفسي. إيمان كان ممكن تموت بسببي. حاسة إني بتغير أوي، مكنتش كدا." أبتسمت والدتها وهي تربت على كتفها باهتمام: "حبيبتي، انت مو وحشة أبداً، بس انتي إنسانة غلطتي، وغلطك كبير كان هيتسبب في موت إنسانة مالها ذنب بأي شيء." "بتعرفي شي؟

روحي واطلبي منها السماح، واخرجي من التيم اللي شاغلة فيه مع المهندس يوسف، وانسيه. وإذا إنسى حنين طلبت منك أي شيء بيخص يوسف، ارفضيه فوراً، وخبريها إنك موجودة في الشركة بس منشان الشغل، مو أكتر من هيك." "بدوا يضل أو يرحل، منا ها شي بيخصه لواحده، ونحنا مالنا علاقة يا قلبي." "وخليكِ واثقة برب العالمين، يمكن وقتها يرزقك بشب يعطيك كل الحب اللي بقلبه. المهم قلبك يكون صادق وصافي... فهمتيني؟

أومأت له عهد وهي تحتضنها بندم وخوف مما كان سيحدث. -في مصر، وبالتحديد الإسكندرية. انتهت زينب من ارتداء ثيابها بعد أن اختارتها بصعوبة، فمعظم ثيابها أصبحت ضيقة بسبب بروز بطنها الواضح على غير المعتاد لأي امرأة في منتصف الشهر الرابع. نظرت للمرآة بحزن، تشعر وكأن وزنها زاد. زفرت بحنق، بينما مد يديه يعانق خصرها وهو يقف خلفها مبتسماً: "الجميل متضايق من إيه؟ "هو أنا تخنت أوي صح؟ لازم أعمل ريجيم بعد ما أولد." سألته بفضول وخوف.

ابتسم، يميل عليها، يختطف قبلة من وجنتها بحب قائلاً: "تخنتي إيه يا هبلة؟ والله دا انتي بقيتي ملبن." ابتسمت زينب برضا وهي تتابعه يتجه نحو زجاجة عطره ليضع منه، قبل أن يمسك يديها ويخرج من الغرفة: "خالي في علمك، هنروح للدكتورة وعندنا مشوار تاني هنعمل سوا." سألته بفضول قائلة: "مشوار إيه؟ رد باختصار: "لما يجي وقته هتعرفي." بعد مرور نصف ساعة.

جلست زينب أمام الطبيبة تفحصها بابتسامة جميلة، بينما يقف صالح خلف تلك الستار بقلق، يتمنى لو يدلف لهم، لتنادي عليه الطبيبة بجدية: "اتفضل يا بشمهندس صالح." سار نحوهما، لتجد الطبيبة تحدثه بابتسامة: "مش عارفه أجبهالكم إزاي، بس ألف مبروك يا مدام زينب، انتي حامل في تؤام ثلاثي ولد وبنتين." فغرت زينب شفتيها بذهول، بينما اندهش صالح ولم يستطع كبح تلك البسمة الواسعة. أيرزقه الله بثلاثة أطفال؟

بينما نزلت دموع زينب، وكأنها لم تستوعب ما قالته الطبيبة. ستكون أم لثلاثة أطفال! يا الله، أي جمال هذا!! عانق وجهها بين يديه بسعادة قائلاً: "شش، متخافيش، هنكون سوا وهنربيهم سوا، متخافيش، هكون معاكي." لم تشعر بنفسها سوى وهو يحتضنها، بينما زادت شهقاتها ونحيبها. يا الله، يا الله. ستكون أم لثلاثة أطفال... ابتسمت الطبيبة بسعادة لهم قائلة: "مش عايزين تسمعوا نبضهم؟

أخذت منها السماعة لتضعها على أذنه بهدوء، في حين تزداد ضربات قلبه بعنف. شعر بها، أقسم أنه سمع نبضهم. للحظات شعر بالخوف والسعادة والقلق. ما هذا؟ ما كل تلك المشاعر المتضاربة الآن؟ أيخاف من فكرة كونه أب؟ لا والله، إن الرجال يتحملون المسؤولية. لكن خوفه الآن، هل سيسطع أن يربيهم كما ينبغي؟ هل سيعلمهم أصول دينهم؟ هل سيكون قادر على نشأتهم كما يحب ويرضى الله؟ أسئلة كثيرة تدور بعقله، بينما يستمع لنبضات أطفاله...

"أنا كمان عايز أسمعهم يا صالح." نظرت له برماديتها البريئة، ليبتسم برفق وهو يسمح لها بذلك. أغمضت جفنيها برفق، وهي تضع يديها على موضع قلبها، شاعرة بارتجاف قوي. عاشت حياتها البائسة، لم تكن تتوقع أن يعطيها الله كل ذلك... يعوضها عن كل ما هو مر ومؤلم. زوج حنون وصالح، وعائلة جميلة. حتى أنها لديها أب، صحيح هو ليس والدها الحقيقي، لكنه كان حنوناً معها. رغم ما رأتها من قسوة بذلك العالم، إلا أنها لديها الآن كل ما تتمناه.

شعرت للحظات بأن نبضاتها امتزجت بنبضاتهم، لتشهق ببكاء. احتضنها وهو يتنهد بارتياح. بعد قليلاً. قامت بتعديل ثيابها وهي تجلس على كرسيها أمام الطبيبة، تبتسم لهم. "دلوقتي يا أستاذ صالح، المهمة الكبيرة عليك." انتبه لها جيداً، منصتاً بجدية. "اتفضلي." "الحمل في تؤام ثلاثي بيكون صعب شوية، وخصوصاً مع اقتراب فترة الولادة... شوف، أنا هكتبها شوية فيتامينات، ولغي خالص اللي كانت بتاخدها. والأكل مهم جداً جداً جداً."

"مفيش فيها كلام. نبعد عن أكل الشارع، وأنا متأكدة إن مدام حياء بتعمل كدا، بس ارجوك دا ضروري." "وبلاش أي مواد حافظة ممنوعة. راحة دي من أهم المراحل طبعاً. شوية تمشية هتفرق معانا، بس وقت محدد." "ولو لاقدر الله حسيت بأي وجع ولو بسيط، لازم تكلمني فوراً، وأنا تحت أمركم في أي وقت. اه صحيح يا زينب، الشطة لا هتتعبك، واحنا بنحاول نتجنب دا علشان تعدي الفترة الجاية على خير." أومأ لها بجدية قائلاً بصرامة:

"متقلقيش يا دكتورة، هيتم زي ما قلتي." "تمام، وإن شاء الله معادنا الجاي كمان أسبوعين... خرجا معاً من العيادة، في حين عانق خصرها بحماية قائلاً: "هتيجي معايا مشواري وتقعدي، مش عايز كلمة واحدة، فاهمة؟ زفرت بحنق قائلة: "بلاش شغل الأوامر دا يا سي صالح، علشان خلقي بقى بيضيق الفترة دي كتير." تجاهل تذمرها وهو يساعدها في صعود السيارة. بعد مرور وقت. أوقف سيارته أمام مكان كبير يبدو كمصنع أو شيء كذلك.

ترجل من سيارته وهي بجواره، تدلف معه لذلك المكان، بينما تنظر له بدهشة. حيث يوجد الكثير من الكراسي، وفي المقدمة منضدة عالية. في ذات الوقت، دلف الكثير من الأشخاص ليحضروا ذلك المزاد العلني. ومنهم رشاد وجالد مساعده. ابتسم رشاد بغل وهو ينظر لزينب ولبطنها بغضب، متمنياً لو كانت تنجح خطته. شعرت زينب بالخوف من نظراته تلك، لتتمسك بيد صالح بقوة.

ابتسم بحنان وهو يساعدها على دخول ذلك المكان، لتجلس على أحد الكراسي وهو بجوارها، في حين انضم لهم "علي". ابتسم بخبث وهو يغمز لصديقه ليطلق ضحكة خافتة. مر بعض الوقت، وبدأ المزاد على: "مجموعة من ماكينات إحدى المصانع القماش." بدأت الأرقام من مليون ونصف، بينما أخذ الرقم يتصاعد. صالح بجدية، محاولاً إظهار الاهتمام قائلاً: "تلاتة مليون." "تلاتة مليون... ها تلاتة مليون عند صالح بيه، مين يزود؟ مين يزود؟ رد رشاد بخبث قائلاً:

تلاتة مليون ونص... يالا يا جماعة، لسه في الأول، مين يزود؟ رد شخص آخر بهدوء: تلاتة مليون وتمنيت ألف. صالح بجدية وهو يمسك بيديها بقوة: أربعة مليون... رشاد بسرعة: ستة مليون... ابتسم صالح بخبث قائلاً: سبعة مليون جنيه. ابتلعت زينب ريقها بصعوبة وهي تتخيل ذلك الرقم قائلة: صالح، أنت معاك الرقم ده؟ افرض المزاد رسى عليك، ما تيجي نمشي الله يرضى عليك. غمز لها بشقاوة وقحة قائلاً: اصبري، دي اللعبة بدأت تسخن.

ذلك الوقت رد رشاد بتردد: عشرة مليون. أظهر صالح وجه عابس حزين قائلاً بحزن واضح وبطريقة متقنة: عشرة مليون وخمسمية ألف... ابتسم رشاد بانتصار وهو ينظر لها قائلاً بلهفة غير مدركاً عواقب فعلته: اتناشر مليون. نظر له صالح بشماتة وانتصار قبل أن ينحني ليقبل رأس زوجته هامساً: المكن ده كان هيتباع بتلاتة مليون بمنتهى السهولة، ودلوقتي خليه يشربها الدغف. همست زينب بارتباك قائلة: وأنت عرفت منين؟ أنا مش فاهمة حاجة يا صالح.

"الا اونا الا دو الا ترى." انتهى المزاد عند تلك الكلمات الشهيرة. في حين نظر خالد لرشاد بصدمة قائلاً: أنت عملت إيه؟ عمال أقولك بلاش، هتدفع الفلوس دي منين؟ دا إحنا دوب خلصنا من الخساير اللي عليك بالعافية، واللي معاك بالكتير خمسة مليون، دا أنت غبي. أنا ماشي. خرج من ذلك المكان بغضب، بينما همس صالح لعلي قائلاً: مش عايزه يمشي، تجيبه على المخزن، خلينا نصفي الحسابات. *** في سيارة صالح: زينب بحدة:

ممكن أفهم إيه اللي حصل دلوقتي يا صالح؟ الله يرضى عنك، مش عايزين مشاكل. إحنا هيكون عندنا أولاد ورشاد مؤذي. فهمني، أنت عملت كدا ليه؟ ما كان سبنا في حالنا. ابتسم برفق وهو يطبع قبلة أعلى رأسها قائلاً بمرح: تعرفي إنك هطلة، وأنا بقى نقطة ضعفي الهطل. نظرت باستياء قائلة: اتكلم بأسلوب أحسن من كدا. ضحك قائلاً:

طب اسمعي بقى يا هبلة، علشان لما أقولك إنك على نيتك تصدقيني. اللي عامل نفسه ابن عمك ده كان عايز يموت الجنين، وكان عايز يخليني أشك فيك إنك بتخونيني، ومراته السابقة كانت هتشوه وشك. وجيتلي الوكالة وقالت إنك على علاقة بجوزها. كادت أن تتحدث بصدمة مبراءة نفسها، لكن وجدت أنه يبتسم وهو يربت على يديها باطمئنان: أنا عمري ما أشك فيك يا زينب... المهم. بعت البنت اللي اسمها عفت دي، وكانت بتلعب بدماغك.

قال تلك الجملة من بين أسنانه بعتاب ليكمل بهدوء وهو يرى صدمتها الواضحة: عفت كانت بتحاول تصورك صور وأنتِ في البيت وبلبس البيت، وأحياناً كانت بتصور هدومك وقمصان نومك...

والهانم حضرتك علشان مغفلة، كنتِ بتسيبي موبايلك قدامها، وهي فتحته بسهولة، وكمان عملت أكونت باسمك، وفتحت كلمت شخص وبعتت الصور، وطبعاً كتبت كلام زبالة، ميخرجش إلا من واحدة مشفتش بربع جنيه تربية. وكأنها بتكلم شاب وبتقول إنك بتحبيه ومستغفلاني وبتصوري هدومك له. وفي صورة ليكِ واضح إنها خدتها وأنتِ تعبانة بعد ما عرفنا خبر الحمل، لما كانت بتطلع تنضف وأنتِ كنتِ بقميص النوم. وبعتت الصورة للاكونت ده. المهم، علشان أنا دمي محروق لوحدي...

انسابت دموعها بخوف وحزن قائلة: في حد شاف صوري دي يا صالح؟ أغمض عينيه بألم وهو ينظر لدموعها قائلاً: لا يا قلب صالح. الموبايل اللي اتبعتت له الصور معايا، واتمسحت. وطلع ده اكونت بتاع عفت باسم راجل، وكانت بتبعت الصور لنفسها بس باسم راجل. صمت لبرهة ليكمل بجدية قائلاً:

لما روحنا المنصورة، حطيت لكِ مادة سامة في العصير تأذي الجنين وتخليه ينزل، لكن أمر الله وإرادته كانت فوق الكل، ودب الروح فيه. وقتها خديجة كانت خايفة، وأنا بثق فيها هي وكرم، لأنهم معانا من زمان أوي. وقتها طلبت من خديجة تراقب عفت، لحد ما مرة سمعته بتكلم رشاد وبيطلب منها تراقبني...

وقتها عرفته إنه ورا اللي حصل، فحبيت أرد له اللي عمله. زرعت ناس يشتغلوا في مصنع البسكوت اللي عنده، وعرفت إن فيه مواد منتهية الصلاحية، وطبعاً جبت دليل ونزلت بيه في الأخبار، وأسهم شركات وقعت في الأرض. بعدها اشتريت الأسهم بالسعر اللي يخليه ما يعرفش يعوض الخسارة، لكنه فلت منها، وأنا اشتريت أسهم شركاته. وبعد كدا بعتها بالسعر اللي أنا عايزه، وأعلنت إن أنا اللي اشتريتها. رشاد طبعاً لما عرف حب ينتقم، فخلى عفت تراقبني أنا عن قرب وتنسـاكي شوية. كلمت علي وحطينا كاميرات مراقبة في بيتنا وبيت بابا، علشان اللي اسمها عفت تكون تحت عينينا...

عملت تمثيلية كدا وخلّيت علي يقول في السوق إن وكالة الشهاوي بتخسر وفيه مشاكل مالية. بعد كدا خليت عفت تسمعني وأنا بقول إني داخل مزاد مهم هيعوض خسايري، وإن فيه خسارة كبيرة بتتعرض لها. وقتها كنت واثق إن رشاد هيدخل المزاد ده، ولما كنت بعلي عليه، كنت متأكد إن حقده وغله هيخليه يزود لحد ما استوى. ردت زينب بذهول مستفسرة: طب لو كان رسى عليك المزاد، كنت هتدفع المبلغ ده كله منين؟ ضحك بخفة زادت وسامته قائلاً:

أولاً الحمد لله، الخير كتير. ثانياً، أنا جدي شريف الهلالي وسليمان الشهاوي، وأبويا جلال الشهاوي، يعني دماغ توزن بلد. وناس يعرفوا يعملوا القرش بتعبهم وشقاهم، ولازم نتعلم منهم. ثالثاً والأهم، حتى لو المزاد رسى عليا، مكنتش هخسر كتير، لأن المكن ده بتاعي أصلاً. والفلوس كنت هبقى بدفعها لنفسي، يعني مخسرتش حاجة. عقدت ما بين حاجبيها قائلة: مش فاهمة إزاي يعني. زفر صالح بجدية قائلاً: شوفي، ده مكن خردة بتاع مصنع القماش.

"اللي كنت شغالة فيه؟ " سألته بفضول، ليومي لها بجدية. أيوه، هو...

المصنع ده كان فيه مكن كتير خردة. جالي فكرة من مدة إني أبيعه في المزاد العلني. مكنش هيتباع بأكتر من تلاتة مليون. لكن اللي حصل إني اتفقت مع واحد اسمه فتحي، وبعتله المكن ده على الورق، وبعدين خليته يعلن إنه بيتباع في المزاد العلني. وخلّيت علي يدفع رسوم المزاد ويدخله، وبعد كدا رشاد يلبس فيها، وأنا أبيع الخردة اللي في المخازن وألبسه في خساير وأحبسه، والمكن يبقى بتاعه وأنا ليا الفلوس. صمتت زينب محاولة استيعاب كل ما حدث

من وراء ظهرها قائلة بذهول: ده أنت عندك حق، ده أنا طلعت هبلة بجد. لم يستطع كبح ضحكاته وهي تضع يديها على رأسها ببراءة محاولة استيعاب كل هذا، لتصيح فجأة قائلة: ده أنت ذكي... يارب يطلعوا ليك. تنهد قائلاً بحب: أنا نفسي يبقوا فيهم منك وطيبة قلبك، بس طيبة القلب محتاجة عقل يا زينب يفكر في كل حاجة بتحصل، لأن لو مفكرناش هيتضحك علينا. ابتسمت براحة، في حين انطلق هو نحو المخزن.

ترجلت معه للداخل، ولكن انصدمت وهي تنظر لرشاد يترنح أرضاً يصرخ من الألم، بينما بجواره عفت وجهها متورم، وبجوارها امرأتان تعرفت على واحدة منهما، حيث كانت تلك المرأة التي ضربتها بالسوق وكادت أن تسكب حمض الهيدروليك (مياه النار) على وجهها. وبجوارها امرأة تبدو أنيقة ثرية، "صوفيا". صالح بصوت عالٍ: أهلاً أهلاً بالحبايب. أمسك بيديها يجلسها على أحد الكراسي قائلاً:

تعالي بقى اعرفك على الحبايب. رشاد بيه الشافعي، اللي حاول يخرب حياتنا علشان هوس جواه وحقد وغِل طمع في كل حاجة... واحد زبالة يفكر في مراتي وهو في حضن أي واحدة من الشمال بتوعه. وده بقى أنا ناويلك على نية سوداء. أتاها صوت رشاد بضعف قائلاً باستفزاز: فاكر إن كدا هتقدر تسجني؟ كلها كم سنة وأطلع لك. في تلك اللحظة صدحت ضحكة صالح قائلاً: تطلع... تطلع مين يابا... ده على جثتي. أنت فاكر إنك هتدخل السجن علشان الكم مليون دول؟

توتو... انت هتدخل علشان أوراق التزوير والرشاوي والشغل المشبوه والفلوس اللي عليك. دا أنا مجهزلك حاجات تخليك تقعد في السجن العمر كله. تيجي بقى لعفت الكلب اللي دخلت بيتنا واعتبرناها واحدة مننا، قامت عضت اليد اللي اتمدت لها وحاولت تقتل ابننا وتشكك في مراتي وتزرع جواها خوف وقلق. حاولت عفت التبرير لتجد كفًا ينزل على وجهها من تلك المرأة التي تقف وراها. ابتسم صالح قائلاً: متقلقيش يا فوفا، هما هيأدبوكي في السجن إن شاء الله.

نيجي لصوفيا هانم بنت الحسب والنسب، والله أنا حزين عليكي، واحدة زيك تؤدي نفسها في داهية علشان ده، يا خسارة بجد. حاولتي تشوهي سمعة مراتي وتحرقي وشها علشان جوزك النتن ده يبطل يبصلها. كان أولى إنك تحرقيه، حبيتي وهو سارق فلوسك ومرمطك. بعتي الستات دول علشان يضربوها، لكن متعرفيش إن بعد الحادثة بأسبوعين الستات دول كانوا مرميين هنا، والكاميرات جابتهم. نفسي أفهم استفدتوا إيه من شركم ده.

عايزك تروقلي الكلب ده، وعفت دي لازم تتوصي بيها. ساعدها في النهوض ليغادر المكان، بينما شعرت هي لأول مرة بحجم ما كان يعرض حياتها. لما كل هذا الشر؟ *** في المنصورة. فتحت بيلا عينيها بتثاقل لتقع عينيها عليه ينام بجوارها محتضنًا إياها برفق. ابتسمت بشرود وهي تمرر يديها على ذقنه الخفيفة، معطيه إياه وسامة جذابة. أحقا هو معها الآن، يحضنها بعد كل تلك السنوات، وبعد كل هذا الألم، هو الآن معها.

انسابت دموعها بخوف متذكرة إحدى الذكريات البشعة التي تعرضت لها في تلك المصحة النفسية. تشبثت ببجامته بقوة وهي تدس نفسها بداخل أحضانه. نظر لها بهدوء يمد أنامله يمسح دموعها المنسابة على وجنتيها قائلاً برفق وحزن: حقك عليَّ يا بيلا، حقك عليا أنا. ياريتني ما كنت طلقتك ولا مشيت في اليوم ده. ياريتني كنت خطفتك منهم وأخذتك بعيد عن الكل. رفعت عينيها تنظر له عن كثب قائلة بارتباك: عمر، انت مش هتسبني صح؟

بالله عليك متمشيش تاني. أنا خايفة أوي يكون حلم. زمان وأنا في المستشفى كنت بحلم دايماً بيك بتيجي تاخدني ونفضل سوا وفجأة يصحوني من النوم. متمشيش علشان خاطري. قبّل وجنتها بافتتان قائلاً: مقدرش أمشي المرة دي حقيقي يا بيلا، حتى لو اتأخرت. أنا دلوقتي معاكي. عارفة كل يوم كنت بقعد مع نفسي وأفتكر لحظاتنا سوا، وأول مرة لما شفتك في أوضتي وإنتي بتاكلي من أكل، ولما حدفتيني بالطوب، ومقابلتنا، والـ 1000 جنيه بتاعتك.

اعتدل في جلسته وهي معه ليتجه نحو محفظته يجلبها. جلس بجوارها مخرجًا من المحفظة الـ 1000 جنيه، ذلك المبلغ القديم الذي أعطته له. كادت أن تبكي وهي تمسك ذلك المبلغ وتبتسم: لسه معاك؟ كنت وقتها فاكراك بتستغلني علشان الفلوس دي، مكنتش عارفة إنك هتحتفظ بيهم. ابتسم بسعادة وهو يخرج تلك السلسلة ليضعها بعنقها، فكانت مطبوعًا عليها صورة قديمة لهم بعد زواجهما. كانت تحتضنه وتقبّل خده بينما يحيط خصرها.

مفيش ذكرى كانت بينا نسيتها يا بيلا، لأن محبتش غيرك في حياتي. كنت فاكر إني هقدر أتخطاكي وأتجوز وأخلف، لكن براءتك وضحكتك وشغفك للحياة كان دايماً بيطاردني. ابتسمت بسعادة قائلة وهي تحاوط وجهه: أنا بحبك وبموت فيك. لم تكمل جملتها، بينما انحنى يقبلها بسعادة ولهفة، وقد عاد لروحه ما فقد منها، يبثها عشقه ويعزف ألحانه على أوتار قلبها العاشق له. *** في القاهرة. جلست عصمت تتحدث إلى والدتها قائلة:

آهيه يا ماما، دي صورتها. تصدقي شبه عمر. اللي عرفته إن في واحد اسمه منصور أخدها وهي طفلة ورباها، ودلوقتي متجوزة وحامل. بس في مصيبة كدا أنا مش عارفة أفسرها. ردت تفيدة بتعب قائلة: مصيبة إيه؟ ردت عصمت وهي تخرج هاتفها تفتح معرض الصور لتعطيه لوالدتها: شوفي دي صورة عمر وهو في قصر الدمنهوري، وواقف معاه بيلا والشاب ده، ودي... تبقى زينب اللي هي ملك الرشيد.

أنا لحد دلوقتي مش فاهمة زينب إزاي مع عمر وبيلا، وبيتعاملوا معاها عادي. طب هما عارفين إنها بنتهم؟ البت دي لو ظهرت هاتورث عمر بكل ثروته دي. أنا بس مش عارفة إيه اللي جمعهم ببعض، ويترى عمر بيفكر في إيه. ردت تفيدة قائلة: الموضوع لازم فيه تفكير بعقل وهدوء ونشوف هنعمل إيه. *** في إحدى العيادات الخاصة. كان يجلس باسل أمام الطبيبة يضع ساقًا على الأخرى بتعالٍ بينما ينفث سيجارته. الطبيبة بحدية: باسل، إنت ليه عايز تتعالج دلوقتي؟

إيه اللي غير وجهة نظرك وليه شايف إنك مريض نفسي؟ رد بهدوء وحيرة ممزوجة بتنهيدة حزن: هتصدقي يا هدى إن مش عارف. أنا بس تعبت. عارفة أنا نفسي أكون إنسان عادي. جايز أنا خايف أكون مؤذي للي حواليا، يمكن عرفت دا لما قابلت نور. عارفة يا هدى.

أنا بقالي سنين بشوف نفسي بقيت شخص بارد إلا قدام نور، يمكن كل حصوني ضعفت وبقيت أحس. خوف إني أفقدها. إحساس بالذنب تجاه والدتي. رغبة في تغيير حياتي، لكن برضو حاسس إن في شخصية جوايا مسيطرة عليا إن لازم أكون دايماً مستعد لأي خسارة، لأي خيانة، وخايف الشخصية دي تدمر حياتي، علشان كدا أنا هنا. أنا خايف أكون زي أبويا وأخسر كل اللي حواليا، أنا مش عايز أكون زيه. ابتسمت هدى بلباقة قائلة:

خوفك وإحساسك باللي حواليك دا لوحده إنجاز يا باسل، لأن أهم خطوة في العلاج إنك تكون متصالح مع نفسك. حقيقي أنا فرحانة لك، وواضح إن نور دي ليها تأثير قوي. ابتسم باسل بهدوء عند تذكره لتلك المجنونة. في حين نظرت له هدى بجدية قائلة: شوف يا باسل، كلنا في حياتنا بنمر بنكسات، وقتها بيحصل حاجة من الاتنين: يا بنقوم ونكمل رغم العقبات.

يا بنحبس نفسنا في قوقعة خوف وألم، وإنت للأسف حبست نفسك فيها طول السنين اللي فاتت. عقدتك من أفعال والدك كان ممكن تخسرك نفسك وينتهي عمرك بدون ما تحس، بس دلوقتي لازم يكون عندك دافع. زي إنك تكون زوج كويس وحبيب ليها، وإن شاء الله في المستقبل أب واخ مقرب من زينة وابن كويس مع أمك. وأنا واثقة إنك هتقدر تتعافى. ابتسم باسل بهدوء شاعراً ببعض الراحة النفسية وهو ينظر لها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...