الفصل 64 | من 70 فصل

رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الرابع والستون 64 - بقلم دعاء احمد

المشاهدات
17
كلمة
7,510
وقت القراءة
38 د
التقدم في الرواية 91%
حجم الخط: 18

هل تظن أنك وصلت للنهاية حيث الحياة الوردية التي كنت تتمناها ولطالما حلمت بها؟ يؤسفني أن أتسبب في سقوط آمالك أرضًا، لأن السبيل لتلك الحياة ممزوج بألم ربما لن تتحمله وتتمنى لو تراجعت وكان هذا كله كابوسًا مزعجًا. في منزل آل "الشهاوي". ساعدت "حياء" "زينب" في الجلوس على الفراش بعد أن بدلت ثيابها، وما زالت تشعر بالاضطراب بعد كل ما اكتشفته اليوم. سؤال يدور بعقلها: لما كل هذا الحقد؟!

أغمضت جفونها بينما وضعت يديها على بطنها بخوف على أطفالها من هذا العالم. ابتسمت "حياء" وهي تربت على كتفها باهتمام قائلة: "سرحانه في إيه يا زينب؟ تنهدت بارتياب وخوف قائلة: "خايفة أوي من وقت ما الدكتورة قالت إني حامل في تلات أطفال، الموضوع مخوفني أوي. أنا أسمع إن الولادة بتكون صعبة في طفل فما بالك بتلاتة.

هو أنا فرحانة بس خايفة. وكمان خايفة معرفش أهتم بيهم، أو أحب واحد أكتر من التاني وساعتها هبقى بظلمه. وكمان ياترى فعلاً هقدر أكون داعم ليهم... خايفة أوي يا ماما." ابتسمت "حياء" بسعادة ممزوجة بطيبة وهي تقترب من "زينب" تحتضنها بحنان، بينما أغمضت عينيها. شعور جميل هو العائلة. تلقي كل همومك بين أحضانها. شعور بالدفء والأمان. حياء بحب:

"بصي يا زينب، الخوف بصراحة طبيعي في الحالة اللي زي دي. أنا كنت حامل في صالح وإيمان، والصراحة كنت مرعوبة في فترة الحمل لإن مكنش معايا حد. يعني هو جلال وشهد. جلال كان مشغول في الوكالة وشهد عندها بيتها، وهي كانت معاها ياسمينة. آه كانت معظم الوقت معايا، لكن مش دايماً، وأنا كنت خايفة أولد في وقت. جلال كان دايماً بيحاول يخفف عني، والصراحة عشان مظلمهوش هو عمل كل اللي عليه.

بس أنا اللي كنت شايلة هم الولاد والمدرسة ودروس القرآن ومذاكرتهم وشغل المطعم. لدرجة إن أوقات كنت بعيط لما أحس إني تعبت. بس سبحان الله، كل ده يهون قدام إني أشوف ضحكة أو فرحة أي واحد فيكم. عارفة إنك هتتعبي. بس أوعدك لو ربنا طوّل في عمري، هكون معاكي خطوة بخطوة. عارفة يا زينب، أول ما شفتك والله قلبي ارتاح لك وحسيت إنك طيبة وتستاهلي كل خير. كفاية إنك ساعدتي صالح من غير مقابل، وسبحان الله طلع من نصيبك."

تشبثت "زينب" بثوب "حياء" وهي تبتسم برفق قائلة: "أقولك سر؟ أنا بحبك أوي. يمكن معرفش مين أمي، لكن لما بنتكلم سوا وتحضنيني بحس إني فعلاً في حضنها. بحب اهتمامك بيا وأنك بتيجي كل يوم تحفظيني القرآن. يعني أنا عمري ما كنت اتخيل إني أحفظ عشر أجزاء في فترة الحمل. سبحان الله، كل كلمة في كتاب الله العزيز فيها راحة نفسية غريبة... تعرفي صالح وعدني إني لو ختمت القرآن هينفذ لي أي طلب أطلبه منه.

لما حفظت العشر أجزاء، وقتها كان فرحان أوي أكتر مني أنا شخصياً. هداني السلسلة دي، شكلها حلو صح؟ كانت تمسك بين يديها سلسلة من الذهب على شكل مجسم صغير لمصحف مكتوب عليه اسم "الله عز وجل". ابتسمت "حياء" وهي تقبل رأسها بحنان قائلة: "ربنا يبارك فيك يا زينب يارب. طبعاً جميلة جداً. وبعدين أنتِ عشان شاطرة قدرتي تحفظيهم في الفترة الصغيرة دي، أنا الصراحة قعدت فترة أطول منك.

وكمان صوتك ما شاء الله جميل ومريح للسمع. تعرفي إن جلال بيعرف يقلد بعض الشيوخ، مفيش مرة يقرأ قرآن إلا لو خلاني أعياط، سبحان الله." ابتسمت "زينب" بخبث وهي تغمز بشقاوة: "يا وعدي يا وعدي على الحب. هو صحيح مين اللي حب التاني الأول؟ وإيه حكايتكم وإزاي بدأت؟ وليه دايماً اسم بابا لازم لما ينذكر يتذكر اسمك أنت كمان؟ يعني لما كنت شغالة في المصنع دايماً كنت أسمع الاسمين مربوطين ببعض، اشمعنى؟ ابتسمت "حياء" وتوردت وجنتيها

بحمرة الخجل قائلة بهمس: "علشان أنا محظوظة وربنا عوضني عن سنين عمري في بلد غريبة بحب جلال ودفء قلبه. الصراحة جلال هو السبب الأهم في نجاح علاقتنا. يمكن لأنه اتمسك بيا رغم عيوبي، دعمني يا زينب وأنا لوحدي، كل الناس كانوا بيشكوا فيا. أبويا وشهد ونوارة الله يرحمها وأيوب، مفيش حد منهم سمعني إلا جلال. حتى لو في لحظة اتخلى عني، فهو رجع ورد لي كرامتي... أقولك سر ومحدش يعرفه؟

أنا عشت عشرين سنة في بلد غريبة. آه كنت متأقلمة فيها، لكن زي أي حد كنت حاسة بالغربة والوحدة، مكنش عندي صحاب في الكلية إلا قليل جداً. عارفة أنا يعتبر كنت من الطبقة الفقيرة، وفي الكلية أحياناً كنت بتعرض للتنمر، مش من الأجانب لا، من بنات مصريين. افتكر جيس وجميلة. دول الاتنين كانوا أسوأ بنتين ممكن أي حد يقابلهم، كانوا مؤذيين بكل المعاني، عشان كده مكنش عندي صحاب. هي ماما بس كانت جميلة أوي أوي وكنا صحاب جداً. لدرجة

إني كنت بكلمها عن كل حاجة ممكن أي بنت تخجل تتكلم فيها مع والدتها، زي مثلاً الكلام عن الحب... موتها وجعني أوي، وخصوصاً إني كنت لوحدي وما كنتش عارفة أعمل إيه. بس ربنا بيوقف لك ولاد الحلال اللي يساعدوك. تعرفي أنا مكنتش بطيق جلال، سبحان الله، لكن مع الوقت محبتش غيره وبقى هو كل حياتي." ابتسمت "زينب" بحماس:

"طب أنا عايزة أشوف صور فرحكم، أصل سمعت إنه كان كبير أوي وفضل تلات أيام في دبايح شغالة والكل حكى إنه مش هيشوفوا فرح زي ده تاني." تنهدت "حياء" بارتياح وهي تجلب هاتفها: "تعالي، أنا معايا شوية صور على الموبايل، والألبوم تحت، لما أنزل هجيبه نتفرج عليه سوا. أبويا الله يرحمه هو اللي أصر إنهم يفضلوا تلات أيام فرح، كان أكبر فرح اتعمل في إسكندرية. بصي من الآخر كده، عوض ربنا بيجي حلو أوي أوي أوي كمان."

احتضنت زينب لتجلس بجانبها وهما ينظران للهاتف ويتحدثان عن كل تفصيلة حدثت يوم زفاف "جلال وحياء". دلف "صالح" إلى شقته بعد يوم عمل مرهق، وخصوصاً بعد تسليمه رشاد للبوليس، وفتح قضايا تزوير قام بها ذلك المدعو رشاد الشافعي. استمع لصوت ضحكات عالية آتية من غرفة النوم، وصوت والدته وزوجته تتحدثان بمرح. اتسعت ابتسامته وهو يتجه نحو المطبخ. صنع كوباً من القهوة. طرق على الباب عدة طرقات قبل أن تسمح له والدته بالدخول.

"كنتم بتتكلموا في إيه كده وبتضحكوا؟ " سأل والدته بفضول وهو يضع الكوب جانباً، بينما تمدد على الفراش. ليضع رأسه على فخذ "حياء" مغمضاً العينين يستريح من عناء اليوم. ابتسمت برفق وهي تمرر يديها في خصلات شعره السوداء لتجيب: "كنت بفرج زينب على صورك أنت وإيمان وأنتم صغيرين." في لحظة انتفض "صالح" بذعر قائلاً: "صور إيه؟

لم تستطع "زينب" كبت ضحكتها، تنظر له بطريقة مغيظة وضحكتها تتعالى وهي تعطيه الهاتف ليرى إحدى الصور له وهو طفل، يبدو حينها كمتشرد وليس طفل أبداً. كانت "إيمان" تمسكه من شعره وهو يقضم وجنتها بغيظ وأسنانه تكاد تأكل وجنته أخته. خطف الهاتف من بين يديها بسرعة قائلاً بحرج:

"دي صورة قديمة، مينفعش كده على فكرة، إيه الإحراج يا جماعة، كنت طفل، وهي ما كانتش عاملة الواجب وأنا خفت المدرس يضربها، روحت مديها كراستي، قام المدرس ضربني أنا. لما رجعنا البيت يومها كنت في المطعم يا ماما، وإيمان غظتني بالكلام، روحت ماسكها من خدها وعضيتها، لقيتها بتمسك شعري وبتشدني. يومها بابا زعق لي، ويا أختي على دا يوم منيل بستين نيلة... "استنوا أرن عليها، خلينا نطمن عليها، مكلمتنيش النهاردة خالص."

أخرج هاتفه من جيب بنطاله ليجري اتصالاً بأخته. في لندن... كانت تجلس بجوار "يوسف" وذكريات اليوم تعود عليها، أحست بالأمان معه في تلك اللحظات العصيبة التي مرت عليهما في داخل ذلك المصعد. تنهدت براحة وهي تضع رأسها على كتفه بهدوء. بينما يشاهدان أحد أفلام ديزني. "بيتر بان" -بينما يأكل الفشار. وهو يضحك وهو يرى أفعال "تنة ورنة" أثر غيرتها على "بيتر". جذبت الغطاء عليها وهي تتمسك بذراعه تستمد منه الأمان. أيمان:

"غريبة، مكنتش متخيلة إن فيه ولاد بيحبوا الكرتون. كنت فاكرة إن دي حاجات بنات وبس." رد عليها وهو ما زال ينظر للتلفاز: "والله يا بنتي مش عارف، بس والدتك كانت دايماً تتفرج عليه. متنسيش إنها هي اللي ربتني، فكنت بحب أتفرج على الحاجات دي." ابتسمت لتردف بنبرة ممتنة: "شكراً يا يوسف إنك في حياتي. النهاردة كنت خايفة أوي، لكن لما سمعت صوتك حسيت إني مطمنة، حتى لو كنت مت... قاطعها قائلاً بحدة:

"أيمان، ممكن تسكتي وبلاش تعصبيني لو سمحت. أنا لما أبوكِ واقف على جوازنا، أخد مني عهد إني أحفظك، وأنا عمري ما أخلف بعهودي. لأنك مش بس مراتي، أنتِ حبيبي وقلبي وروحي يا جميل أنتِ. بقولك إيه، ما تسيبك من الفيلم وتعالي أقولك كلمة على انفراد." هزت كتفها قائلة ببراءة مصطنعة: "أنا شايفة إن الفيلم عجبك." ابتسم بخبث مقترباً منها، وما كاد أن يقبلها حتى صدح رنين هاتفه ليزفر بغضب قائلاً: "مين الغتت اللي بيتصل دلوقتي؟

التقط هاتفه ليرى اسم "صالح" ليجيب قائلاً بتملق: "حبيبي وأخويا وعم عيالي، عامل إيه يا برنس؟ رد صالح بمراوغة: "شكلي عطلتك عن حاجة مهمة يا ابن أيوب. أنت فين... زفر "يوسف" بحرارة ينظر لها بغيظ وهي تحاول كبح ضحكتها على تقلبات وجهه ليجيب بحنق: "مع أختك في الشقة." عض "صالح" على شفتيه بغضب وغيظ قائلاً: "عارف إنها مراتك، يا ريت تنقي ألفاظك يا حيوان." ابتسم "يوسف" بمرح قائلاً: "هو أنتَ اللي فرصة أستفرد بيها؟

يخربيتك يا جدع. قولي عاملين إيه؟ عرفتم نوع الجنين ولا لسه؟ ابتسم "صالح" بسعادة ورضا قائلاً: "آه الحمد لله، الدكتورة بتقول حامل في توأم ولد وبنتين." فغر "يوسف" شفتيه بصدمة قائلاً بحب: "تلات أطفال، بسم الله ما شاء الله. يتربوا في عزك يا صالح يارب وتفرح بيهم يارب. مع إن كنت عامل حسابي أجوز ابني لبنتك، بس ياله نعكس الأدوار مش مهم." رد صالح بتعالٍ زائف: "وأنتَ فكرك أنا هقبل أجوز بنتي لابنك؟

ده أنا أخاف عليها، ماهو هيطلع لمين؟ لو طلع محترم لأختي، ممكن أفكر، لكن للأسف لو طلع لك هيبقى صايع." مثل وجه الحزن المصطنع قائلاً: "لا بجد شكراً يا غالي، شكراً... خد كلم أيمان، البت ناقص تقوم تزرغط من الفرحة." أخذت الهاتف قائلة بسعادة عارمة: "ألف مليون مبروك يا صالح، بجد فرحتني بالخبر ده أوي. يتربوا في عزك يا رب يا حبيبي."

"الله يبارك فيكِ يا أيمان، ويرزقك الذرية الصالحة يارب. بس خلي في علمك، إنتي لازم تنزلي وقت الولادة، أنا بقولك اهو، مينفعش عمتهم متكونش موجودة." تنهدت "أيمان" براحة قائلة: "طبعاً يا صالح. إن شاء الله هاخد إجازة أنا ويوسف وننزل مصر. حقيقي وحشتني أوي، وبابا كمان وحشني أوي. هو معاك؟ رد بهدوء قائلاً:

"لا، نزل مع عائشة، كانت عايزة تروح البيت، بس هو رفض وأخدها يتمشوا شوية بره ويتكلموا. ادعي لها يا أيمان. عائشة كانت قريبة أوي من عمك جمال الله يرحمه، ومن وقت الوفاة وبابا مصمم تفضل قاعدة معاهم، والصراحة عنده حق. هترجع البيت تعمل إيه؟ تقعد لوحدها، وأنتِ عارفة غرام عندها بيتها وأولادها، لكن هي معندهاش حد وبتعتبر الحج زي أبوها، ربنا يطولنا في عمره يارب." "اللهم آمين. طب هو عرف الخبر ده؟

بجد هيفرح، أهي حاجة تخرجه من جو الحزن." رد بابتسامة صغيرة تشكلت على ثغره قائلاً: "فرح أوي يا أيمان، وكمان عدينا على الحج منصور وبلغناه الخبر، وهو كمان كان فرحان أوي. ربنا يعدي الأيام الجاية على خير، لأن الدكتورة بتقول هتبقى صعبة شوية." "إن شاء الله خير، متقلقش، والله ربنا كريم أوي يا صالح، والله العظيم كريم وهيجبر بخاطر زينب، هي طيبة ومتستاهلش غير كل خير." ابتسم برفق قائلاً: "طب خديها أهيه معاكي."

تناولت زينب الهاتف لتتحدث مع "أيمان" لوقت طويل، وأيضاً "حياء". *** في مساء اليوم جلست "بيلا" بجوار "عمر" في سيارته يقودها السائق في طريقه لفيلا عمر بالقاهرة حيث مقر شركته. حدقته بنظرات متوترة وهي تفرك يديها ببعضهما بتوتر ورهبة من الابتعاد عن تلك البلدة التي أفنت بها عمرها. الأمر لا يتعلق بالمكان، لكن منذ وقت طويل أصبح لديها رهاب الخروج من ذلك القصر. أخذت تتنفس بتوتر، ترتجف جفونها من شدة التوتر.

حدق "عمر" بها ملياً، متفقداً توترها الواضح للعيان، زفر بحرارة مربتاً على كتفها باهتمام. التفتت نحوه ليهديها أجمل وأبسط ابتسامة لديه قائلاً بجدية حانية: "إيه اللي مخوفك يا بيلا... أنا معاكِ، متخافيش." أخذت نفس عميق تعد الأرقام بالتصاعد كما اعتادت قبل عدة سنوات في المشفى لتجيب بعد صمت مرير:

"عمر، أنا خايفة، بلاش، أنا أسافر، مش هقدر صدقني. أنا اتعودت على البيت ومن وقت الحادثة وأنا مخرجتش ولا سبت المنصورة، خلينا هنا أحسن." مد يديه ليغلق تلك الستار الفاصلة بين الأريكة الخلفية والأمامية حتى لا يراهم السائق، جاذباً إياها ليستكين جسدها بين ذراعيه قائلاً:

"بيلا، عارف إنك عديتي بحاجات كتير بشعة، خوف وقلق ووجع، لكن خلاص يا حبيبي، كل ده انتهى ومش هيتكرر تاني. خلينا نعيش اللي فاضل من عمرنا بعيد عن الخوف والقلق. وأنا معاكي يا بيلا، هترجعي أحسن من الأول، أوعدك. بس لازم نعمل حاجة مهمة جداً." حدقته بفضول لتسأله مستفسرة: "حاجة إيه؟ رد باختصار مربتاً على ظهرها بحماية: "لما نوصل هتعرفي." نظرت له بضيق واستياء قائلة: "تموت في جو الساسبنس ده."

عض على شفتيه بحركة مفاجئة لها وهو يقترب منها يفترس ملامحها بوقاحة، بينما تورّدت وجنتاها بحمرة صارخة ناظرة له بتلك العيون التي أسرته. اتسعت ابتسامة الآخر قائلاً بخبث: "أموت أنا في جو الساسبنس يا بيبو، وكلمي إحنا في العربية، أحسن وعزة جلال الله نتمسك بفعل فاضح في الطريق العام." خرجت شهقة مذعورة منها وهي تدفعه بعيداً عنها قائلة ببراءة لم تستطع الأيام أن تقتلها: "أنتَ قليل الأدب يا عمر."

امتلأت رئتاه بالهواء ولم يبعد نظره عنه وعن وجهها البريء الذي تيم به، متمنياً الآن أن يخطفها ويبتعد عن العيون حتى لا يراها غيره. مر أكثر من عشرين عاماً، وما زال يحدق بها بنفس النظرة العاشقة يتمنى لو يفترس تلك الملامح قائلاً بمشاكسة: "على فكرة بقى، إنتي اللي تفكيرك بيروح لحتت شمال." لكزته بغضب في جانبه قائلة من بين أسنانها بشراسة: "متخرجنيش عن شعوري يا ابن الرشيد... ابتسم بخبث متمتماً بنبرة متحشرجة أثر مشاعره:

"أموت فيك وأنت شرس بقى... وضعت يديها على فمه تمنعه من متابعة حديثه: "عمر، بطل وقاحة وقلة أدب، علشان أنا مجنونة وممكن أصرخ وأقول متحرش وخطفني وألبسك في حيطة يا بيبي." عض على شفتيه يحاول كظم غيظه وهو يعتدل في جلسته: "ماشي يا بيلا، لما نوصل الفيلا هنشوف مين هيرحمك من تحت إيدي." أخرجت لسانها بحركة طفولية تثير غيظه وسعادته مقلدة إياه بنبرة جادة: "ماشي يا بيلا، لما نوصل هنشوف مين هيرحمك من تحت إيدي...

بتحلم يا عمر بيه لو طولت مني حاجة. نظر لها بتحدي وخبث ليجيب: متأكدة؟ عندما ثيابها بحركة كبرياء: طبعاً. لم يستطع كبح ابتسامته مغمغاً بخبث: هنشوف يا بيبو. بعد مرور ساعتين. وصلت سيارة عمر إلى فيلته بالقاهرة. ترجل من السيارة وهي معه رغم توترها الدائم، حيث كانت تتعرض لنوبات اضطراب وضيق التنفس من الابتعاد عن منزلها. عمر بخوف وجدية: بيلا اهدي وخذي نفسك براحة، متخافيش أنا معاكي مفيش حاجة تخوف. تماسكت به بقوة قائلة:

ودا اللي مطمني بس متبعدش. شعر بألم يعتصر قلبه وهو يراها بتلك الحالة من الذعر، واضعاً اللوم على نفسه، فما كان سيحدث كل هذا لو لم تحبه. أغمض عينيه بإرهاق قائلاً: مش هبعد صدقيني، يالا بقى. مش عايزة تشوفي المفاجأة اللي أنا محضرهالك. أومأت له بالموافقة، بينما ابتسم برفق متوجهاً للداخل، في حين استقبلتهم فريدة مديرة المنزل. فريدة بجدية ولباقة: حمد الله على السلامة يا عمر بيه. نورت بيتك يا هانم.

ابتسمت بيلا بهدوء، بينما رد عمر قائلاً: مدام بيلا الدمنهوري مراتي. فريدة، بيلا أي حاجة تطلبها في غيابي مجاب، مش عايزها تشتكي منك أو من حد من اللي شغالين هنا، لازم تفهميهم دا. أومأت له السيدة بهدوء: طبعاً يا عمر بيه، كل اللي طلبته هيتنفذ. صحيح الجماعة اللي كانوا بيجهزوا أوضة الجنينة خلصوا من ساعتين وأنا أشرفت عليهم، كل حاجة جاهزة. تمام يا فريدة تقدري تتفضلي دلوقتي. خليهم يجهزوا العشاء.

أمتثلت لأوامره رغم اندهاشها من رغبته في العشاء على عكس عادته السابقة، فكان معظم الأيام لا يتناول تلك الوجبة. غادرت المكان متوجهة نحو المطبخ. في حين أمسك بيديها ليخرج من المكان نحو الجنينة لتقول بجدية: واخدني لفين يا عمر؟ اصبري على رزقك. أندهشت من منظر الجنينة، فكانت أقرب في الوصف لحديقة واسعة من الفاكهة، وخصوصاً شجر العنب الذي يظلل المكان بمنظره الجميل، ليذكرها ذلك بجلوسها الدائم أسفل تلك الأشجار تقوم برسم لوحاتها.

نظرت له لتجده يتوقف فجأة قائلاً: يالا ادخلي. ضيقت المسافة ما بين حاجبيها وهي تنظر لتلك الغرفة الكبيرة المزينة من الخارج بقطع من الزجاج الناعم المصقول ذات الألوان المتعددة، ليعطيها لمعاناً مميزاً بالأخص في وقت النهار عندما تسطع أشعة الشمس. فتحت ذلك الباب لتدخل تلك الغرفة المظلمة، بينما قام بتشغيل الإضاءة.

فغرت بيلا شفتيها بصدمة وإعجاب صارخ وهي تنظر لترتيب تلك الغرفة وكل هذه الأدوات الموضوعة بعناية في أماكنها المخصصة، لتقوم بدهشة وهي تتحرك بالأرجاء بانبهار وكأن شغفها قد عاد: دي فيها كل أدوات الخزف. ثواني دا تقريباً كل الألوان موجودة هنا، ومواد الطلاء. تنهد بأريحية وهو يحتضنها من الخلف، محاوطاً خصرها بذراعه، مائلاً عليها ليطبع قبلة على وجنتها قائلاً:

بصي بقى يا بيبو أنا عارف إنك أشطر حد يعمل خزف، وكان حلمك تفتحي أكتر من معرض في كل مكان في العالم صح. ابتسمت بحزن وهي تمسك بين يديها أحد الفرشات: كان يا عمر، من عشرين سنة فاهم يعني إيه عشرين سنة، وفيه تطورات كتيرة حصلت في فن الخزف وأنا بقالي كتير ما اشتغلتش فيه.

وماله يبقى لازم ترجعي في أسرع وقت. بصي بقى يا ستي أنا طلبت مدرسة متخصصة من جامعة إنجليزية طبعاً متخصصين في فن الخزف، هي هتساعدك تعرفي وتتعلمي كل التطورات اللي حصلت، ولو إني متأكد إن إيديك دي لسه عندها خبرة كبيرة أوي في المجال دا. الدورة التدريبية هتكون تلات أسابيع، مش هنخسر حاجة. وخلي في علمك إننا هندور سوا على مكان مناسب لأول معرض ليك. واثق فيا أوي انت. مين قالك إني هقدر أرجع أشتغل تاني عشان ندور على مكان المعرض؟

رد ببحة عميقة واثقة: واثق فيك أكتر ما ممكن إنك تتخيلي يا بيلا، وعارف إنك قد الثقة دي. إيه رأيك تعلميني أنا كمان أشتغل في الخزف؟

تركتْه لتجلس على كرسيها تنظر لتلك المواد دون إدراك. وجدت يديها تتحركان لتمسكا بمواد الصلصال والطين لتبدأ بالعمل عليه بسلاسة، بينما جلس بجوارها يتابع ابتسامتها الرقيقة تلك ويديها تعمل بهدوء على تلك القطعة. تنظر له من الحين للآخر، تشرح له الخطوات الأساسية باندماج ومرح، متذاكرة ما كانت تفعله بصديقتها في الماضي وكيف تفوقت على الجميع. مر حوالي ساعتين، لم يمل من الجلوس معها والاستماع لحديثها. لتنتهي

من صنع قطعة جميلة قائلة: كنت بحب أعمل الأشكال دي أوي. إيه رأيك؟ حلو؟ رد بعفوية محببة لقلبها: أنت أحلى. يااه، ده عدى ساعتين، أنا محسيتش بالوقت. إنت مزهقتش؟ هز رأسه بمعنى لا. بينما وضعت يديها على بطنها قائلة بجوع وهي تنظر لذراعه: بس أنا جوعت أوي كمان، لدرجة إني متخيلة ذراعك دلوقتي فرخة مشوية. بللت شفتيها ليشعر بالارتياب. مرح: إيه يا بت، إيه الفجع ده؟ الواحد يخاف ينام جنبك. عايزاه آكله يا عمر، إيه ده؟

إنت مش سامع عصافير بطني؟ يخربيتك. بس بس، فضحتني. تعالي هناكل. *** في صباح اليوم التالي.. استيقظ عمر بكسل على عكس عادته. فكان دائمًا نشيطًا، أو بالأصح كان يشغل كل وقته حتى لا يفكر لها أو لأي شيء يخصها. لكن ها قد عادت له ليحظى بحبها من جديد. نهض بضيق وهو يتفقد الغرفة مليًا، متفقداً إياها، لكن أين ذهبت؟ فُتح الباب لتدخل بيلا بنعومة ورفق كعادتها، تحمل بين يديها صينية موضوع عليها عدة أطباق. ابتسمت وهي تنظر له قائلة:

كويس إنك صحيت. ياله قوم خد شاور وتعالى نفطر سوا. ابتسم بسعادة ودهشة قائلاً: بيلا، أنتِ اللي محضرة الأكل ده بجد؟ أومأت له بالإيجاب. في حين استقام هو يأخذ منها تلك الصينية ليضعها فوق الفراش. ثم نظر لها، كانت في غاية الجمال. ترتدي ثوبًا ذا اللون الأحمر الداكن يصل لبعد ركبتيها بحزام خصر أسود بارزًا رشاقتها التي لم تختفِ مع الزمان.

رافعة شعرها في كعكة فوضوية، تاركة بعض الخصلات على وجهها برقة ملائكية. ابتسم وهو يغمز لها بمزح، بينما يضع ذراعيه على كتفها مقربًا إياها منه قائلاً: إيه الجمال ده كله؟ أنا أمي كانت داعيالى والله. رفعت رأسها بغرور مبتسمة: عشان تعرف إنك محظوظ بس إني حبيتك... مغرورة أوي يا أوزعة، انتي مبتطوليش ليه يا بنتي انت؟ إنت اللي طويل على الفاضي. غمز لها قائلاً بشقاوة: أنا بقول ناجل شغل النهاردة وتولع الشركة. ضحكت

بخفة وحب قائلة باشراق: طب ياله بقى نفطر، علشان أنا الصراحة نفسي أختار لك بدلتك، ممكن؟ مال عليها يختطف قبلة سريعة قبل أن يدلف للحمام: طبعًا ممكن. تنهدت بارتياح متجه نحو غرفة الملابس، لتقف تشعر بحيرة لثوانٍ قبل أن تبتسم مختارة حلة سوداء أنيقة مع قميص رمادي داكن ورابطة عنق ذات ألوان الأسود. بعد دقائق.. خرج عمر من غرفة الثياب يبدو في غاية الأناقة ليأسر قلب تلك المليحة. حقًا يبدو الاثنان ثنائيًا مميزًا.

أمير ظل لسنوات يبحث عن أميرته المفقودة وها قد وجدها... بيلا بحماس: ياله اقعد خلينا نفطر بسرعة. مر بعض من الوقت.. صدحت عدة طرقات على باب الغرفة لتردف الخادمة بهدوء: عمر بيه، في ضيوف تحت طالبين يقابلوا حضرتك. أتاها صوته بجدية قائلاً: مين؟ محمود الدمنهوري ومريم الدمنهوري. خليهم ينتظروني في المكتب. التمعت الدموع بعين بيلا، لا تعلم أهو اشتياق لأشقائها أم حزن منهما على تركهما لها. فمنذ أكثر من ثلاثة أشهر لم يزرها أي منهما.

كانت تجلس على الكرسي تنظر أرضًا. انحنى عمر يجلس أرضًا، مد أنامله يرفع رأسها له. رأى عينيها التي أصبحت محمرة أثر دموعها، ليهمس بتأثر وحزن: بتعيطي ليه دلوقتي يا بيلا؟ أنتِ مش عايزة تشوفيهم؟ أنا ممكن أمشيهم لو وجودهم يضايقك. خرج صوتها بحزن وتحشرج قائلة:

بقالهم أكتر من تلات شهور يا عمر، محدش منهم رفع سماعة تليفون وكلمني. ولما كنت أشتاق لمحمود وأجي أكلمه، كانت بنته ترد عليا وتقولي إنهم مشغولين. ولما أكلمه في الشركة السكرتير يقول مش فاضي. عارف أنا إيه اللي بيوجعني؟ إن الوجع مجاليش إلا من الناس اللي بحبهم يا عمر. رغم إن بابا كان موصيهم عليا إنهم ميسبونيش. عارف أنا مرة شفت بنت مريم كان عندها سبع سنين وقتها البنت خافت مني وقالت إنها مجنونة وشريرة.

وإن مامتها قالت لها إنها دمرت حياتي والسبب في موت بنتي. وقتها انصدمت من مريم ولما سألتها قالت كدا ليه للبنت. ردت وقالت إنها فعلاً السبب، يمكن لو كنت اخترت أي حد غيرك كان ممكن أبقى أم وعندي بيت زيهم. بعدها أنا تعبت وكل اللي بيدور في دماغي إنها فعلاً عندها حق. مكنش لازم أسمع كلام تيتة نبيلة. مكنش لازم نتجوز. أنا بس... أنا بس مش كويسة. لأ، أنا زعلانة بجد.

احتضنها لتشهق ببكاء يتقطع له نياط القلب. ربما كانت ستتعافى بوجود أشقائها وأولادهم. لكن أين هم الإخوة؟ فرقتهم الحياة ليتركوا أختهم بأصعب محنة مرت بها طوال تلك السنوات. رغم أنها لم تحب غيرهم. أين وصية الأب؟ رد عمر بتحشرج وحزن وعيناه تلمع بطبقة من الدموع قائلاً: مش أنتِ السبب في موتها يا بيلا، وإحنا مغلطناش. أنا اتجوزت على سنة الله ورسوله، وأخوكِ واختك دول كانوا شاهدين على جوازنا.

يمكن الغلط الحقيقي عليا أنا، كان لازم أحاول ألف مرة مع أبوكي قبل ما نتجوز من غير علمه. وملك مش أنتِ السبب في موتها ولا أنا. ربنا كان كاتب إن دا كله يحصل، صدقيني خير. اصل ربنا ما بيعملش حاجة وحشة. وخالص انسى أي حاجة فاتت، وأديني فرصة بس أعوضك عن اللي فات. وبالنسبة لأخواتك..

لازم يدفعوا الثمن وياخدوا قرصة ودن تفوقهم. طول السنين اللي فاتت كنت بنسحب من أي شغل شركاتكم شغالة فيه. مكنتش عايز أي احتكاك، لكن دلوقتي لازم أحط حد للمهزلة اللي عملوها. خليكِ هنا ومتنزليش، فاهمة؟ أومأت له بالموافقة ليمد أنامله يمسح عبراتها، قبل أن ينهض ليهندم بدلته ويخرج من الغرفة، يقسم بداخله أن يعلم أشقائها درسًا حادًا. نزل الدرج بثقة وها قد عاد عمر الرشيد إلى طبيعته الحادة والباردة.

دلف إلى المكتب لينظر لمحمود ومريم التي نهضت تنظر لها بابتسامة راقية قائلة: ألف مبروك يا عمر، حقيقي لما فردوس قالت لي إنكم كتبتوا الكتاب فرحت لكم من قلبي. هي فين بيلا؟ أبتسم ببرود يتجه نحو كرسيه خلف المكتب ليجلس ويضع ساقًا على الأخرى بكبرياء قائلاً بقهر يغلفه الحزن: بيلا؟ امم، أخيرًا فكرتي تسألي على أختك يا مريم هانم؟ آه صحيح، هتسألي فيها ليه، وإنتي شايفة إنها مجنونة وشريرة؟ مش ده اللي كنتِ بتقوليه لبنتك؟

ذنبها إيه بيلا عشان تتهميها إنها السبب في موت ملك؟ ذنبها إني حبتني مثالاً؟ طب تمام، ده السبب بالنسبة لك. طالما كدا جاية تباركي لينا ليه؟ لما يفوت أكتر من تلات شهور متسأليش عن أختك، ولو مرة تتنازلي وترفعي سماعة الموبايل تكلميها، دا اسمه إيه؟ سالم بيه الله يرحمه مش وصاكِ عليها؟ أختك عاشت عمرها في ضياع، بين الأدوية والعلاج بصدمات الكهربا، وحرمانه من بنتها وموت أبوها وجدتها، وكمان تخليكم عنها!!

أظن أبسط حاجة مكالمة تليفون تطمنيني عليها. مرة تروحوا تزوروها أنتم وأولادكم، تساعدوها تتعافى. أول ما عرفت الحقيقة قلت إنها غبية، إزاي تخبي عني كل اللي تعرضت له. بس النهاردة عرفت السبب. بيلا لقت اللي من دمها تخلوا عنها وسابوها. بيلا لحد دلوقتي وحتى بعد خروجها من الصحة مكنتش اتعافت. ومكنتش محتاجة مصحة أصلًا. هي كانت محتاجة كم جنبها. للأسف أنتم أول ناس سبب في حالتها دي. جاي تباركي لأختك؟

هي مش عايزة تشوفك، أو بمعنى أصح أنا مش عايزكم تأذوها أكتر من كدا. بيلا دلوقتي عارفة إنكم هنا. علشان بس عمر الرشيد وعشان متخسروش فلوسكم، وده وجعها أكتر. صحيح يا محمود بيه، أنا كنت بنسحب بإرادتي من أي مناقصة بينا، دلوقتي أحب أقول لك استعد لخراب شركاتك. انتفض محمود بذعر وكاد أن يتحدث إلا أن دخول بيلا قاطع حديثهم. عمر بحدة: بيلا، اطلعي أوضتك. تحدثت بنبرة حزين وعيونها تذرف الدموع:

أسفة يا عمر، مش هقدر أنفذ طلبك ده. في كلمتين محبوسين في قلبي بقالهم سنين وأنا متعودتش أمثل. بعدها ممكن تعاقبني زي ما تحب، بس لازم أقولهم. كادت أن تسقط أرضًا لتتمسك بالكرسي واضعة يديها على عينيها. لينتفض عمر من مكانه متجه نحوها ليساعدها في الوقوف محاوطًا خصرها. ريم، أنا بحبك أوي أوي. عارفة وإنا صغيرة لما أنتِ وقعتي اللوحة وكسرتي البرواز بتاعها وجزيتي عشان محدش يشوفك ويقول لبابا.

أنا قلت لبابا إني السبب، مع إني شفتك. وقتها بابا عقبني وفضلت محبوسة في أوضتي. رغم إن كان عيد ميلادي وقتها مزعلتش وفضلت ألعب في أوضتي طول اليومين دول لوحدي... رغم إني كنت خايفة، كنت صغيرة أوي. ولما كبرنا، كنت دايماً نفسي أختار لك فستان الفرح، لدرجة إني لما كنت مع تيتة نبيلة في فرنسا حجزت فساتين كتيرة كانت عجباني، بس كانت ليك انتِ وكنت ناوية لما معاد الفرح يقرب أعرضهم عليكِ ونختار سوا. أنا بس مقهورة أوي أوي يا مريم.

هقولكم سر محدش يعرفه. أنا في مرة سرقت شريط حبوب من الصحة وكنت ناوية أنتحر. عارفة ليه؟ أنتِ عارفة صح؟ فاكرة الزيارة اللي قبلها قولتي لي إيه؟ قولتي إنك بتكرهيني لأني كنت هتسبب في فرحك يتلغي لما خطيبك عرف اللي حصل، لكن الفرح حصل واتجوزتوا. أنا كنت عايزة أريحكم مني لأني بحبكم أوي. ولحظات ضعفت وكنت هنتحر. وإنت يا محمود... انت بجد كنت أقرب حد ليا في حياتي، حتى علاقاتك بالبنات كنت أنا أول واحدة بتحكيلي عنها. إيه اللي حصل؟

احكيلي يمكن الوجع اللي جوايا يبرد. أقولك إيه اللي حصل. انشغلت بالشركات والمصانع والفلوس. ومع ذلك أنا لسه بحبكم، وده اللي وجعني. لم تستطع الوقوف، شعرت بانقباض أنفاسها. ليحملها عمر متجهًا لغرفتها، بينما وقفت مريم تنظر لأخيه والدموع تنذرف من عيونهما. ليشعر بمدى غبائها. رحلا سويًا وهما يعيدان حساباتهما. في غرفة عمر. وضعها على الفراش، بينما أعطاها كوب ماء لترتشف منه القليل لتهدأ قليلًا. ليقول بعتاب: ليه نزلتِ يا بيلا؟

ليه دايمًا تروحي لوجع القلب برجليكِ؟ لا يا عمر، أنا ارتحت دلوقتي، قلت اللي كان جوايا. يارب يفهموا إني ما جبتش غيرهم ولا عندي إخوات غيرهم، بس صدقني أنا كويسة. يالا قوم روح شغلك. هز رأسه برفض وهو يجلس بجوارها. لا، أنا مش رايح شغل النهارده، هخليني معاكي. اعتدلت في جلستها لتنظر له بجدية وهدوء قائلة: لا هتنزل يا عمر، اتفضل بقى ومتعصبنيش. وبعدين مش قلت في مدرسة هتيجي تساعدني في تعليم الخزف؟

أنا أصلًا شوية وهنزل، وخلي في علمك إني هحضرلك الأكل بأيدي النهارده، لازم تيجي على الغدا، فاهم يا بيه. ابتسم قبل أن يميل عليها مقبلًا إياها برفق: ماشي يا بيلا، بس لما أكلمك تردي على مكالماتي، فاهمه. أومأت له بالموافقة، ليبدي قبلة حانية أعلى رأسها قبل أن يغادر الغرفة والمنزل بأكمله. بعد مرور ساعة. جلس عمرو بمكتبه يتابع بدقة عملية شراء أسهم شركات إسماعيل وخليل (زوج عصمت)

التي انهارت بعد انتشار الأخبار بكثافة بتورط خليل وإسماعيل في عمليات غير مشروعة وعدم قدرته على سداد ديونه التي تقدر بالملايين للبنوك. وذلك بعد أسابيع قليلة من إعلان اندماج شركاته مع شركات إسماعيل المنيري. وهو أحد منافسي عمر المتورطين في عمليات مشبوهة ولديه أدلة على ذلك، وأيضًا متورط مع خليل في تجارة المخدرات. ليتخلص من الاثنين سويًا، زوج عصمت بأفعاله وإسماعيل المنيري. لتصبح شركة واحدة بعد الدمج.

ليقوم عمرو بعملية شراء جماعية لأسهم المجموعتين، لتصبح ملكًا له رسميًا. ليتراجع بهدوء في كرسيه وهو يغلق عينيه ويبتسم بقسوة بعد تأكده من إتمام عملية شراء الأسهم وانتقال ملكية مجموعة شركاتهم إليه. وها قد تخلص من أعدائه. ثم اعتدل في جلسته ينظر إلى باب الغرفة الذي فُتح بهدوء ودخلت إليه مديرة مكتبه التي قالت باحترام: خليل بيه وإسماعيل بيه ومدام عصمت بره وعاوزين يقابلوا حضرتك. ابتسم عمرو وهو يتراجع بكرسيه للخلف

بسخرية ثم قال بصوت صارم: دخلوهم. لتمر أقل من دقيقة ودخل خليل وعصمت وإسماعيل إلى الغرفة وقد احتقن وجههم بشدة. عصمت بلهفة: عمر شفت اللي حصلنا. إسماعيل بغضب شديد: قصدك اللي حصلكم أنتِ وجوزك. أنا أصلًا كنت غلطان إني شاركتكم، وخلاص هفض الشراكة اللي خربت بيتي دي. خليل بغضب: وهو إحنا كنا ضربناك على إيدك عشان تشاركنا؟ ما أنت اللي كنت...

تراجع عمرو في كرسيه للخلف يتابع باستمتاع مشاجرتهم الحامية التي بدأت تتطور لاشتباك بالأيدي. فلطم إسماعيل خليل في أنفه الذي تراجع للخلف وهو يترنح، إلا أنه تماسك وهو يرد الضربة لإسماعيل الذي انهار على المقعد. وعمر يتابع بصمت واستمتاع ما يحدث بينهم ليقرر بعد لحظات التدخل وإيقافهم. فضرب بيده على سطح مكتبه بقوة وعنف. وهو يقول بصوت قوي وصارم:

لو عاوزين تضربوا وتقطعوا هدوم بعض، اتفضلوا على بره، المكان ده له سمعته واحترامه، وشغل الحواري اللي بتعمله ده ميلقش بيه. فتوقفوا على الفور عما كانوا يفعلونه، بينما نظرت له عصمت بحقد متمنية لو كانت تزوجته هو بالماضي. لكن قلبه ظل معلقًا مع تلك الحمقاء من وجهة نظرها. نهض إسماعيل وهو يقول بلهفة:

الحقني يا عمر بيه، كل حاجة راحت، شقى عمري كله راح. الشراكة اللي أنت صممت أنها تكون بيني وبين شركات خليل خربت بيتي، أسهم خليل انهارت وخدت أسهمي وشركاتي معاها في الرجلين. لو فضلت في المصيبة دي هعلن إفلاسي. عصمت بغضب شديد:

الشراكة دي زي ما وديتك في داهية، وديتنا إحنا كمان في ستين داهية وكشفت مركزنا المالي للبنوك بعد ما ضموا ديونك على ديوننا وبقى الدين أكبر من الحد المسموح به للاقتراض. وعشان كده طلبوا رد كل القروض اللي خدتها مرة واحدة، وانكشفت في السوق وقدام البنوك. ثم تابعت بغضب: أنا مش عارفة عقلي كان فين لما طاوعناك يا عمر. تراجع عمرو بكرسيه للخلف وهو يقول ببرود:

عقلك كان بيحسب المكاسب الخرافية اللي كانت هتعود عليكي لو كانت شراكتنا كملت وأنا دخلت معاكم شريك. وعموما أنا مش فاهم أنا إيه داخلي بكل مشاكلكم دي. صرخت عصمت بغضب شديد.. "يعني إيه انت هتسيبنا كده من غير ما تساعدنا؟ هو ده مش كان شرطك عشان تقبل إنك تشاركنا؟ إننا ندمج شركتنا مع بعض؟ نهض عمر فجأة عن كرسيه وهو يقول بغضب شديد:

"صوتك ما يعلاش يا عصمت وأنتِ بتكلميني. أنا صبرت عليكي كتير، وكثير أوي كمان، وبس عشان بنت عمي. والشغل الحواري اللي أنتم بتعملوه ده ما ياكلش معايا. وإلا هتلاقي نفسك في ثانية مرمية في السجن مع جوزك وشريكك." قال خليل بصدمة: "سجن إيه يا ابن الرشيد؟ فكرك تقدر تدخلني السجن تبقى بتحلم." قال عمر بصرامة شديدة:

"لا، أنت اللي مش عارف أنت بتكلم مين. عمر الرشيد ما بيقولش كلمة إلا لما يكون متأكد منها. الظاهر صبري على كل المصايب اللي عملتوها معايا ومع عيلتي جرّأتكم عليا ونستوا بتتعاملوا مع مين." ثم أضاف بغضب شديد: "أنا، عمر الرشيد، لو كنت نسيت. عمر الرشيد اللي بكلمة منه ترفعك أنت وشركاتك لسابع سما، وبكلمة مني أخسف بيك وبيها لسابع أرض." امتقع وجه عصمت بحقد وشر، ليقول زوجها بارتباك: "مصايب إيه اللي بتتكلم عنه يا عمر؟

اندفع عمر واقفاً وهو يقول مقاطعاً بغضب شديد: "اصبر على رزقك تاخد حاجة نضيفة." قال إسماعيل بارتجاف: "لو.. لو غلط معاك، طيب أنا ذنبي إيه؟ وليه شركاتي تتباع برخص التراب في السوق؟ قال عمر بتهكم ساخر: "والله دي حاجة ما تخصنيش، ما أنا بقولك في السجن تقدروا تحلوا مشاكلكم." قال خليل بغضب: "اللي بتقوله ده مش هيحصل، لإما ننجو مع بعض أو نغرق مع بعض. ما أنا مش هضيع لوحدي، وأنا مش هدخل السجن، أنت فاهم؟ قال إسماعيل بغضب مجنون:

"يعني إيه؟ أنت مصمم تضيعني معاك؟ دا أنا كنت اقتلك! قال خليل بتهكم: "تقتل مين؟ أنت فاكرني لقمة طرية ولا إيه؟ تابع عمر مشاجرتهم باحتقار وسخرية، ليقاطعهم بصرامة شديدة متحدثاً في الهاتف: "تقدر تدخل يا حضرة الظابط." ثم تابع بسخرية شديدة: "ورايا أسهم وشركات عايز أشتريها." لم يتقع وجه خليل وإسماعيل بشدة وهم يرون البوليس يدلف لداخل المكتب. ليقول عمر ببساطة: "اتفضل يا سليم بيه، يا ريت تاخد الزبالة دي من هنا." قال سليم

(ضابط شرطة) "مطلوب القبض عليكم، اتفضلوا معانا بهدوء وبلاش شوشرة." رد خليل بفزع وذعر قائلاً: "أنا ما عملتش حاجة! هتدخلونا ليه؟ إحنا لسه بنحاول مع البنك." رد سليم بجدية وحدّة: "لا يا خليل بيه، دي قضية تانية. أنا هنا عشان قضية المخدرات، ودلوقتي حالا العساكر في مخزنك لقوا كمية المخدرات كبيرة." رد عمر بهدوء قائلاً:

"قلت أسيبلك المخزن ده هدية مني واشتريت أسهم شركاتك. وطبعاً متقلقش، أنا بـ راقبك من مدة طويلة أنت وإسماعيل لحد ما الشحنة وصلت المخزن، وأول ما استوليت على الشركات بلغت البوليس." كان يصرخ ويسب عمر، حتى زوجته الآن قد كشف سره الذي سيجعله يدفع الثمن من سنوات عمره بالسجن. خرج العساكر من الشركة وقد تم القبض على الاثنين. لتنظر له عصمت بشر وهي تقترب منه بكره: "فكرك اللعبة انتهت كده يا عمر؟

تبقى غبي. اديني أسهم شركاتي وأنا هسيبك في حالك، بس اديني الأسهم يا عمر." أنهت جملتها بتوسل، ليجيب الآخر بهدوء: "شركتك؟ هو أنا نسيت أقولك إني ما بحبش الفلوس الحرام؟ مش شركتك دي أنتِ وجوزك أسستوها بفلوس حرام برضو؟

الصراحة يا عصمت، شركتك هتتصفى والفلوس اللي هتطلع منها أنا ناوي ما أحطش منهم قرش في جيبي، وناوي بقى أصرفهم في حاجة تفيد البلد دي. أي مشروع للشباب، أي حاجة. لكن تاخديها مش هيحصل يا بنت عمي. أصل أنا نسيت أقولك، لما كنت في نيويورك وأنتِ بتديري الشركة دي وبتختلسي منها مع مدير الحسابات، أنا كنت عارف، بس قلت أسيبك تلعبي براحتك. أنا مش ناسي إنك بنت عمي، عشان كده كل شهر هيوصلك مني مبلغ يكفي كل احتياجاتك أنتِ ووالدتك، ولو حابة تبدأي أي مشروع ممكن أساعدك."

نظرت له بصدمة للحظات وتحولت لضحكات هستيرية، لتجيب بشر:

"لا يا عمي، مش عايزة منك حسنة. ما بقاش عصمت الرشيد أما خليتك تيجي لحد عندي وتبوس رجلي عشان أرحمك. هتدفع التمن غالي أوي يا عمر. هتلبس السواد من تاني وهتعيش طول عمرك ندمان على اللي عملته. أوعدك هتخسر أغلى حد في حياتك. والحلوة اللي أنت اتجوزتها أوعدك هترجع مستشفى المجانين من تاني، بس المرة دي هتتحبس بحق، وابقى قول عصمت قالت. وساعتها هتيجي تبوس إيدي عشان أقبل بكل شركاتك، وأنا اللي هقرر يا إما أرحمك أو لأ." تراجع

عمر للخلف بهدوء واضح: "فرعون برضو كان مغرور وشايف إنه الأمر الناهي. عمر، نظرتي فيكِ ما خيبت يا عصمت. طول عمري متأكد من حقدك وكرهك للي حواليكِ، وأمك السبب. فوقي يا عصمت أحسن لك." "هنشوف يا عمر." قالت جملتها وخرجت من مكتبه، وبداخلها تنوي الدمار له ولابنته التي لم يعرفها بعد. _في منزل "صالح" جلست نور برفقة زينب مبتسمة بهيام، لتلاحظ زينب ذلك مردفة: "يا عيني يا عيني، دا إحنا بنحب ولا إيه." ردت نور بصراحة وهدوء:

"زينب، أنا بحب باسل. عارفة إن يمكن تستغربي، بس أنا فعلاً حبيته. اكتشفت حاجات كتير في الفترة اللي فاتت، زي إنه مش شخص وحش زي ما كنت متخيلة. بالعكس، جواه إنسان طيب، بس خايف دايماً، عشان كده بيتعامل مع اللي حواليه بحذر وبرود. أخته بقت صاحبتي هي كمان، طيبة أوي، بس مش زيه ولا معقدة. عارفة في السفرية دي، رغم إنه كان أحياناً ضايقني، إلا إنه صريح، ودا لوحده بيطمني، لأنه ما بيعرفش يكذب." ابتسمت زينب بحب قائلة:

"والله فرحتلك أوي يا نور. إن شاء الله ربنا يهديه ويهديك له ويرزقكم الذرية الصالحة." تنهدت نور براحة قائلة: "احكيلي أنتِ عامله إيه والحمل تعبك؟ أومأت لها بالإيجاب بحزن، لتجيب بابتسامة:

"بس متقلقيش عليا، يعني شوية تعب وبيروحوا لحالهم. لسه بنفكر في أسماء الولاد. بصي، هو كان في الأول خالص بيقول هنسمي جلال. لكن بابا قال نختار اسم تاني، مش لازم اسمه. فإحنا بنقول هنسمي فارس. والبنات لسه مش عارفين. ادعيلي يا نور بالله عليكِ. أحسن أنا خايفة أوي." احتضنتها برفق قائلة: "خايفة من إيه يا هبلة؟ بكرة يجوا بالسلامة ويطنطوا حواليكِ كده لحد ما تقولي حقي برقبتي، أنا اتربيت من أول وجديد." تنهدت براحة قائلة:

"يارب يا نور. يارب. إخواتك عاملين إيه، وأبوكي؟ "بخير الحمد لله. صحيح، أنتِ بتروحي لبابوكي تطمني عليه؟ ردت زينب بهدوء قائلة: "أيوه، كنت عنده أول امبارح. روحت أبلغه، وهو فرح أوي. تعرفي صالح جايب له واحد بيقوم بكل طلباته، ولحد النهارده، أول ما اتجوزنا كنت فاكرة إن دي فترة مؤقتة، لكن لسه بيطمن عليه. بس أنا من بعد الحمل زيارتي ليه قلت، مش بخرج كتير." "كده أحسن يا زينب، لازم ترتاحي وبلاش حركة كتير."

"والله ما بعمل حاجة يا نور. صالح ساعات هو اللي بينضف البيت قبل ما يروح الشغل، ود ا بيحسسني بالذنب إني ببقى نايمة وهو يقوم يعمل شغل البيت." ردت نور بجدية قائلة: "بيحبك يا زينب، واللي بيحب حد مش لازم يقولها. اللي يشتري بجد ما يفرطش بسهولة. وصالح ابن حلال وربنا هيعوضكم خير، صدقيني." _بعد مرور ثلاث أشهر "تحسنت العلاقة بين نور وباسل جداً. زينب في منتصف الشهر السابع. علي وحبيبة حياتهم مستقرة جداً.

بيلا وعمر، عادت لهم الحياة بقربه، تتعافى. إيمان ويوسف، لا يوجد أي شيء جديد، مستقرة ومليئة بالدفء. جلال وحياء، تحسنت حالته بعد وفاة صديقه. رغم حزنه، إلا أنه حاول تخطي الأمر، ففي النهاية "البقاء لله وحده". ومع ذلك يهتم بعائشة وبكل ما يخصها. ينتظر أحفاده بفارغ الصبر. أما عصمت، فشرها سيؤذيها هي قبل أي شخص آخر." _في إحدى الليالي

أنكمشت قسمات وجه زينب أثناء نومها، مما تراه من كابوس مزعج جعلها ترغب بالاستيقاظ منه، فقد رأت بأن زواجها من صالح كان وهماً، خيالاً، وأنه ليس بحياتها... صارعت وصرعت محاولة الخروج والاستيقاظ من ذلك الحلم. وبعد عدة محاولات نجحت بفتح عينيها والاستيقاظ أخيراً.

وكان أول شيء تفعله هو تفرس الغرفة من حولها، وتحويل أنظارها وتسليطها على النائم بجوارها كي تتأكد من تواجده بجوارها، وتتأكد بأن ما رأته لم يكن سوى كابوساً، والحقيقة هي بأنه معها. التفتت برأسها أمامها وتنهدت براحة ومسحت على وجهها مرددة بخفوت شديد: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم."

معللة سبب ما رأته بأن خوفها من البعد والفراق وتفكيرها به هو من تسبب بهذا الكابوس. فرغم كل ما حدث وحديثهم الجميل، العقلاني، ورغم حبه لها، إلا أن هناك بداخلها جزء صغير يهاب ويرتعد من فكرة الفراق. بللت طرف شفتيها وعادت تنظر نحو صالح النائم بجوارها. تمعن النظر بملامحه التي تحفظها.

وبعد لحظات من هذا التركيز معه، كانت تنسى ما رأته بل وتتخطاه، وانشغلت بالتفكير به هو فقط، وبتلك السعادة التي تغمرهم وتملئهم، متمنية من الله عز وجل دوامها. اقترب موعد ولادتها، ورغم خوفها من اقتراب ذلك الموعد، إلا أنها كانت تتمنى قربه لترى أولادها. يا الله كم ستحبهم. ابتسامة صغيرة داهمت شفتيها، ثم نهضت بهدوء رغم شعورها بالتعب، مقررة تبديل ملابسها وإحضار الطعام لهم.

خرجت من الغرفة بعد أن بدلت ثيابها لأخرى مريحة. اليوم تريد أن تقوم هي بتحضير الفطار لهما. مؤخرًا كان يفعل كل ذلك ويذهب لعمله ثم يعود يساعدها في كل شيء. رغم إرهاقه في العمل، إلا أنه أخذ عهدًا على نفسه أن يحاول أن يكون أبًا جيدًا لأولاده، يريد ذلك ولا يتخلى عن عهده أمام الله. بعد مرور وقت. نهض صالح من فوق الفراش يتفقد الغرفة، لكن لم يجدها. "كنت فين؟ ردد صالح تلك الكلمات ما أن رأى زينب تدخل الغرفة.

فقد استيقظ ولم يجدها بجانبه، وهو الذي كان يرغب برؤيتها ما أن يفتح عينيه. أشارت بعينيها إلى ما تحمله من طعام، قائلة ببسمة محبة أسرت قلبه: "كنت بحضرلك الفطار. صحيت ولقيتك نايم فحبيت أعملهولك وناكل سوا." أخذه من يدها واضعًا إياه على الفراش، ثم عاد إليها، ملتقطًا يدها مقبلًا إياها، متمتمًا بنبرة عاشق ولهان: "تسلم إيديك. بس متعمليش كده تاني. ممكن؟ عقدت حاجبيها وسألته: "معملش إيه بالظبط؟

"متقوميش من جنبي طول ما أنا نايم. أصلي مش هفرح بالأكل قد ما هفرح بشوفتك أول ما أفتح عيوني." شعرت بالتاثر ليجيب بمزاح قالت: "من قلبك الكلام ده؟ بادلها إياه وهتف: "ده من قلبي، ومن كبدتي، ومن طحالي ومن أيدي ورجلي، وعيني وبقي و... قاطعته مرددة: "بس بس خلاص. مكنش سؤال." ضحك معها، واقترب منها معانقًا إياها للحظات، ثم حررها مغمغمًا بحب: "قوليلي إيه اللي صحى الجميل بدري؟ عاملة إيه دلوقتي إنتي والقمر بتاعي."

هزت كتفيها وهي تجيبه: "عادي. شفت كابوس قلقني من النوم. بس كويسة الحمد لله مفيش وجع ولا حاجة." سألها صالح بجدية: "خير اللهم اجعله خير. شوفتي إيه؟ "مش مهم. واصلًا حصل معايا كده عشان لسه جوايا حتة خوف أننا نبعد معرفش ليه جيه في بالي. المهم خلينا نفطر." قالت الأخيرة وهي تتحرك وتذهب نحو الطعام. لم يتركها ومسك بمرفقيها، متبادلًا معها النظرات، يطمئنها ويبعد عنها تلك الفكرة:

"مش عايزك تخافي من البعد يا زينب لأن عمري ما هسمح بيه أبدًا. لا إنتي هتبعدي ولا أنا هبعد. إنتي مراتي وحبيبتي وأم عيالي. أنا ما صدقت بقينا مع بعض. وأنا مش غبي عشان أوجع نفسي تاني. أنا جربت وجع ربنا ما يكتبه على حد. وجع مكنتش قادر استحمله وكان بيموتني بالبطيء. وجع خلاني أعرف أني تخطيت مرحلة الحب معاكِ. وأي كلام أو حاجة أعملها معاكي مش هتديله قيمته وحقه. عارفة أنا اتوجعت أوي لما كنتي في المستشفى وبتوجع لما أشوفك تعبانة ولو شوية صغيرة."

ردت عليه بدون أن تبعد عينيها عنه: "غصب عني يا صالح جوايا خوف مش عارفة أتخلص منه ولا عارفة سببه." "لازم تتخلصي منه. لو سبتيه جواكي هيكبر. والوضع هيسوق. فكري في اللحظة والوقت اللي إنتِ عيشاه. متفكريش في بكرة ولا تحطي احتمالات هتعكر عليكي وملهاش أي داعي. عيشي اللحظة. وعيشي السعادة. فكري فينا إحنا وبس. وسيبني بكرة واللي جاي على ربنا وإن شاء الله اللي جاي كله خير وسعادة." ابتسمت بسعادة بينما اتجهت للفراش قائلة:

"طب يالا خلينا نفطر لأن واقعة من الجوع وريحة الطعمية مجنناني." "والله ما في حد مجنني غيرك يا زينب." *** في فيلا باسل. كان ينظر لها وهو يبتسم بسعادة، فالثلاث أشهر الماضية قد شعر بسعادة عارمة معها، رغم جنونها وغيرتها، إلا أنها ذبذبت مشاعر لتسقط حصونه أرضًا. من كان يظن أنه سيقع في الحب؟ وحب مين؟ تلك الفتاة. رغم أنه لم يتمم زواجهما بعد، إلا أنه أصبح يحبها هي ولا يفكر برغبته نحوها كأنثى. نعم يريدها، لكن بإرادتها هي.

تنهد براحة قبل أن ينحني يطبع قبلة على وجنتها، لينهض من جوارها ليقوم بتجهيز نفسه للعمل، تاركًا إياها تنام. نزل الدرج بعد مدة، نظر لوالدته التي اجلس في الصالون ترتشف من فنجان قهوتها. أبتسم بهدوء وهو يذهب نحوها قائلاً: "صباح الخير يا ست الكل، صاحي بدري ليه؟ ردت نيرة بسعادة قائلة: "الصراحة الجو ده مغري أوي إني أصحى بدري. قولي إنت عامل إيه مع نور؟ رد بابتسامة واسعة: "مبسوط أوي أوي، هي آه متهورة ومجنونة لكن طيبة."

"ربنا يسعدك يا باسل يارب وتفرحونا بطفل قريب يارب." غمز لها بشقاوة وقحة، فلم تتغير بعض خصاله قائلاً: "متقلقيش عن قريب إن شاء الله. يالا أنا لازم أنزل الشغل، مع السلامة." "الله يسلمك يا حبيبي." *** في مكتب عمر. جلس وأمامه "ثائر" رئيس فريقه الأمني. عمر بجدية: "ها يا ثائر، مراقبتك لعصمت فيها أي حاجة غريبة؟ رد صديقه بهدوء وارتياب:

"من تلات شهور من وقت ما طلبت إننا نأمن القصر ونراقب عصمت. وهي هادية مفيش أي حاجة تخلينا نخاف. بس في حاجة كدا لفتت انتباهي." اقترب عمر من المكتب قائلاً بهدوء: "حاجة إيه؟ "عصمت مخلية شخص يراقب مكان معين في إسكندرية. وشخص محدد. بعد وقت لما كثفنا المراقبة عرفنا إن الشخص اللي بتراقبه اسمه صالح الشهاوي. شاب متجوز ومن عيلة غنية ومعروفة في إسكندرية. بس اكتشفنا إن اللي بيراقب صالح مش قصده صالح نفسه." عقد

عمر ما بين حاجبيه بارتياب: "اومال مين؟ "لما ركزنا معه عرفنا إنه طول الوقت عند البيت ولما مراته بتنزل مع أي حد بيكون وراها. وتقريبًا عارف خط سيرها لأن بقاله أكتر من تلات شهور بيراقبها." "اسمها إيه مراته؟ معاك صورة ليها؟ أومأ له بالإيجاب قائلاً بتردد: "اسمها زينب منصور. ودي صورتها." أخذ عمر الصور لتترخى ملامحه وهو ينظر لصورة نفس الفتاة الجميلة التي رآها في منزل بيلا بالمنصورة. شعر للحظات برجفة قوية وكان

قلبه ينتفض ليسأله بسرعة: "معاك المعلومات عن البنت دي؟ صمت ثائر للحظات قبل أن يجيب بخوف وتردد متابعًا حركة عمر: "البنت دي عندها دلوقتي واحد وعشرين سنة. متجوزة من يجي سنة أو عشر شهور. حامل في الشهر السابع. لما سألت عنها عرفت إنها بنت لقيطة... هنا شعر عمر بهدوء غريب يستمع لدقات قلبه المرتجف ليكمل ثائر بهدوء: "من أكتر من عشرين سنة بيقولوا في واحد اسمه منصور لقى البنت دي قريب من سلة زبالة...

رباها هو. مخرجتش من إسكندرية من يوم ما اتولدت... صمت عمر لا يعرف ماذا يقول الآن. عقله يحاول ربط الأشياء ببعضها. ما علاقة عصمت بفتاة تشبهه؟ من عمر ابنته المتوفاة؟ ظروف نشأتها مجهولة. ليقطع ذلك الصمت صوت ثائر المرتجف قائلاً: "البنت دي فصيلة دمها AB سالب. فصيلة دم نادرة جدًا جدًا... زيك يا عمر!!! *** خرجت زينب من منزلها بعد أن ضبطت ثيابها. اليوم ذاهبة للطبيبة في موعد الفحص الطبي. أردفت بهدوء لنفسها:

"ماما راحت مع عائشة الكلية يعني مش هتيجي معانا. وصالح كان بيقول نص ساعة ويصل. النهاردة عيد ميلاده." ابتسمت بسعادة تنوي تحضير مفاجأة له لتهمس بهدوء: "أنا هروح السوبر ماركت أشتري الشوكولاتة وكل الحاجات اللي هحتاجها. كويس إني اشتريت هدية عيد ميلاد. يبقى نحضر تورتايه جميلة ونحتفل سوا. أكيد هيفرح. يبقى لازم أنزل قبل ما يجي وأطلب من العامل اللي هناك يبقى يوصل الحاجة...

غادرت المنزل بسعادة، كانت تسير في الطريق وهي تخطط لما ستفعله. دلفت للشارع الضيق قبل أن تخرج للطريق العام. لكن قبل أن تدرك ما حدث، وضع أحدهم منديلًا على وجهها مقيدًا يديها. كادت أن تصرخ وهي تحاول إبعاده، لكن ارتخت بالتدريج أثر تلك المادة المخدرة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...