الفصل 67 | من 70 فصل

رواية اطفت شعلة تمردها الفصل السابع والستون 67 - بقلم دعاء احمد

المشاهدات
16
كلمة
5,883
وقت القراءة
30 د
التقدم في الرواية 96%
حجم الخط: 18

أنا هنا تائهة وحدي، كل الذكريات السيئة تلاحقني، كيف لقلب ملئ بالغبار أن يزهر عند رؤيتك؟ *** تركض في تلك الغابة المظلمة وحدها، تركض بأقصى سرعة لديها نحو شعاع النور، الغبار يملاء المكان، تلك الأشجار السوداء تدب الرعب بقلبها، حتى تلك البركة ذات المياة الملوثة، تلك الأصوات تجعلها تزيد من سرعتها، شعرها الاسود يتناثر حول وجهها، دقات قلبها و أنفاسها الحارة تتعالى الأصوات، تركض بأقصى سرعتها.

حاولت زينب الهروب من ذلك الظلام الذي يلحقها، ما أن أقتربت من النور وجدت نفسها تقف في صحراء خالية من البشر، أمامها البحر و خلفها تلك الغابة، وهي بينهما تقف مذعورة خائفة. وضعت يديها على اذنيها و هي تصرخ من شدة الألم الذي تشعر به و الوحدة الذي تعم ذلك المكان. جلست أرضا على تلك الرمال، وجدت يدي تمد اليها، رفعت رأسها تنظر له.

ملامح حزينة وعيون خضراء مطفية، ظلت تتمعن النظر اليه بارتياب، رفعت يديها لتمسك يده لكن تناثر رماده فجأة و اختفى تلاشي كأنه لم ياتي. شهقت زينب فجأة بذعر في تلك الغرفة المطلية بالون الأبيض، كانت تتنفس بسرعة و ذعر و هي تحاول استيعاب ما يحدث، قبل أن تقوم بإزالة جهاز التنفس الصناعي منافذ تنفسها، دموعها هبطت و هي تدرك انها نائمة في تلك الغرفة و كل ذلك كابوس. دلف الممرضة الي الغرفة بسرعة، ابتسمت بسعادة قائلة:

-حمدالله على السلامه يا مدام زينب، كلهم كانوا قلقنين عليك. حاولت زينب النهوض الا أنها تأوهت بألم لتصع يديها على بطنها قائلة بفزع و دموع: -أولادي؟ ربتت الممرضة على كتفها قائلة باهتمام لتهدء من روعها: -متقلقيش هم كويسين، احنا دخلنهم الحضانة بعد الولادة بس الحمد لله كويسين. سألتها زينب بارهاق و تعب: -هو ايه اللي حصل؟ فين بيلا؟ و صالح و الولاد؟ ردت الممرضة بهدوء قائلة:

-الولاد بخير الحمد لله و هما مع بشمهندس صالح في الاوضة اللي جانبنا دي مع الولاد، أنت جيتي المستشفى من اكتر من اسبوعين في حالة ولادة مبكرة، كنتي خلفتي في مستشفى المنصورة و للأسف لان الولادة كان فيها إجهاد كبير فقدتي الوعي و اتشخصت غيبوبة مؤقته، مدام بيلا كانت هنا لكن نزلت الكافتيريا مع عمر بيه والد حضرتك. التمعت عيون زينب بالدموع قائلة بلهفة: -بابا؟ أنا عايزه اشوف صالح و الاولاد. اومأت لها الممرضة

بالموافقة قائلة بهدوء: -هروح اقول للدكتور و لصالح بيه. كادت ان تغادر الا ان زينب قالت بجدية: -خديني لصالح، أنا كويسة و هقدر اقوم. ساعدتها الممرضة في النهوض، كانت تتحرك ببطئ و تعب، لكن رغم المها كان قلبها متلهف لرؤية أطفالها و زوجها و كم اشتقت له، كانت بين كوابيسها المظلمة تفتقده و تفتقد دفء احضانه، تفتقد شعور الأمان. في نفس التوقيت.

دلف عمر الي ذلك الممر الطويل متجه نحو غرفتها رغم شعوره بالحزن و قلبه الذي يتألم، كم يتمنى ان يغمرها بحبه الذي افتقدته طوال حياتها. خرجت زينب من الغرفة رفعت رأسها تنظر لذلك الذي يقترب منها بخطوات ثابته واثقة و هيمنة شخصيته تغلفه. ازدادت نبضات قلبها حتى كادت ان تسمعها، افلتت يديها من يدي الممرضة و هي تتجه نحوه و عيناها الرمادية التقت من رماديته الجميلة.

شعر عمر بارتجاف اوصله كلما اقتربت المسافة بينهما، ايا ليت لم يكتب علينا الفراق، تراكمت طبقة طفيفة من الدموع بمقلتيهما. وقفت زينب أمامه و عيناها تشمله بنظرة متالمة، عيونها ذرفت الدموع على غير هدي و هي ترى عمر يفتح ذراعيه لها، ألقت بجسدها بين ذراعيه تشهق بذعر و هي تتشبث به بقوة. ظلت يديه معلقة في الهواء وهي تتمسك به بقوة، انسابت دموعه قبل أن يضمها بقوة حتى كاد أن يدفنها بين ذراعيه قائلا ببكاء و قلبه يكاد يبكي:

-حقك عليا يا ملك و الله العظيم حقك عليا و على قلبي، يشهد رب العالمين اني كنت بتعذب، عمري ما تخيلت ان أقرب الناس ليا هم اللي يطعنوني في قلبي و ياخدوك مني، لسه فاكر اول مرة شيلتك فيها بعد ما اتولدتي وقتها حضنتك و قلبي ارتعش هو نفس الشعور اللي انا حاسس بيه دلوقتي، فاكر اول مرة سمعت نبضك وقتها كنت خايف معرفش ابقى اب كويس ليك لكن ربنا حرمني منك قبل حتى ما اشوفك، حقك علي عيني وثقت في ناس موتى كان حلمهم و فلوسي كانت امالهم، لو كنت اعرف ان الفلوس قصدها بعدك عني والله كنت رميتهالهم بدون لحظة تفكير.

اغمضت زينب عينيها بتثاقل و تعب قائلة: -عارف انا كم مرة احتاجت ليك بجد، عارف كم مرة خفت من كلام الناس، عارف كم مرة خوفت اكون بنت حرام. صرخ عمر بحدة و هو يربت على ظهرها يحنان:

-كدب و افتراء اي واحد يقول كلمة وحشه في حق بيلا يبقى معندوش دين، يعلم ربنا ان مقربتش منها الا وهي على ذمتي و بعلم أهلها و أخواتها و جدتها و أدام ربنا و الناس كانت مراتي و حبيبتي و أنت كنتي أغلى ما عندي و هتفضلي حبيبتي الحقيقة، أنا تعبت لسنين طويلة اوي، كنت لوحدي لا عرفت انسى بيلا و قدرت اتخطى بعدك و فكرة انك مت كانت بتقتلني بالحياة، لكن خالص معدش في بعد تاني و لا وجع خالص هنرجع تاني أنا و أنت و هحضنك و اطبطب على قلبك لما تزعلي و أنت هتفضلي معايا و مش هتبعدي تاني ابدا.

رفعت ملك رماديتيها تنظر له مررت يديها على ذقنه الخفيفة قائلة بدموع و خوف: -انا عندي أم و أب مش لوحدي و مش هبقي لوحدي تاني مش كدا؟ سألته بخوف ورجاء يجعل القلب ينفطر لأجلها. حاوط عمر وجهها بين يديه مقبلًا قمة رأسها بحنان: "مش هتبعدي تاني ولا هتكوني لوحدك مهما حصل، كفاية كل السنين دي، كفاية أوي."

كادت أن تسقط مع شعورها بالدوار، بينما قام عمر بحملها. كم رسم بعقله ذكريات جميلة بالماضي، بنى عالمًا بأكمله لها، كان يحلم بأن يكون أبًا لها، تمنى حملها واللعب معها، تمنى أن يحيي معها شبابه وطفولتها، إلا أن القدر كان له رأي خاص. أسندت برأسها على صدره لا تخشى شيئًا، وكيف تخشى بعد أن وجدت عائلتها. كل الدموع التي انهمرت على وجنتها كانت سبيلها للراحة، لكن الآن تلك الدموع ما هي إلا سعادة.

وضعها عمر بالفراش وجذب الغطاء عليها قائلًا بسعادة: "بيلا هتفرح أوي أوي لما تعرف إنك فوقتي." ردت زينب بسرعة وفزع: "بابا أنا عايزة أولادي." تنهد براحة ثم مال عليها مقبلًا وجنتها قائلًا: "هجيبهم لك." أومأت له ليخرج من الغرفة. وضعت يديها على عينيها وهي تبكي، لا تعلم لماذا، فقط هو شعور بالسعادة يغمرها بضراوة. في الغرفة المجاورة.

كان صالح ينام على كرسي بجوار الفراش ويستند برأسه على حاجز الفراش الذي عليه أطفاله الثلاثة ينامون بهدوء. ثلاثة أطفال وكأنهم ثلاث ملائكة، النظرة لوجوههم تعطيك الكثير من السعادة والراحة. بينما وضع يديه على الفراش، فأخذت فتاة منهم تمسك بإصبعه وهي نائمة براحة، وهو كذلك.

فتح عمر باب الغرفة ودلف إليها بهدوء. اخفض بصره ينظر لصالح بنظرة مبهمة. شعر ببعض الارتياح نحوه رغم شعوره بالغضب منه فيما قبل، ربما لأنه تمنى أن يختار زوج ابنته بنفسه، يختار شخصًا يثق به ويعرفه، لكن ذلك المشهد الذي يراه أمام عينيه، وخوفه عليها في الفترة الماضية واهتمامه بها جعله يشعر ببعض الارتياح نحوه. رفع يديه ليوقظ صالح قائلًا بجدية: "صالح، صالح." عقد ما بين حاجبيه بنوم وهو يفتح خضراوتيه قائلًا بفزع:

"زينب حصلها حاجة؟ "بعيد الشر، الحمد لله فاقت." خفق قلبه بضراوة، والتعت عيناه بلهفة ليقول برجاء: "فاقت... أخيرًا." سحب يديه برفق من قبضة الصغيرة ثم غادر الغرفة دون تمهل. دلف بسرعة إلى الغرفة المجاورة حيث توجد زينب (ملك) ، كانت مغمضة العينين تبكي كلما تذكرت ما مضى.

إلا أن دخوله المفاجئ جعلها تفتح عينيها، وما أن فتحتهما وجدته يجلس بجوارها، جذبها نحوه محتضنًا إياها بقوة، لتندس بين ذراعيه تشعر بالأمان والحب، رغم أنه لم يعرف هويتها، إلا أنه أحبها كما هي، أحبها هي، لم يحاسبها على شيء ليس له يد به كما فعل الناس، هو أحب روحها البريئة، لم يكتثر بكلام الناس عنها، فقط أرغم قلبه على حبها.

لم يعايرها يومًا بأنها لقيطة أو ما شابه، فقط انغمس في عشقها وأحب الحياة برفقتها، عاملها وكأنها فعلاً وصية الرسول صلى الله عليه وسلم. كادت أن تختفي بين ذراعيه ليقول بصوت متحشرج أثر مشاعره: "هونت عليك وهان عليك قلبي توجعيه." لم تستطع الإجابة، في حين دفنت وجهها بعنقه وشعرها يتناثر، بينما لطخت الدموع وجهها، تشبثت بعنقه بقوة حتى أنها لم تستطع قول كلمة واحدة من بين شهقاتها. رد صالح بطريقة لم تعهدها من قبل قائلًا بلهفة:

"قبل أن ألقاكي ظننت أني أغلقت على قلبي ألف باب، ولكن أتيتِ أنتِ فجعلتيه متمردًا عليّ وأعلن الخضوع لكِ، كأنك قد أرويتِ ضلوعي عشقًا فبات قلبي متيمًا بكِ." مر الوقت دون الاهتمام كم مر عليهما. فتحت زينب رماديتيها قائلة بلهفة: "لا هان عليا قلبك وهان عليا أنك تتوجع، لكن أنا تعبت يا صالح، وخايفة، خايفة من الدنيا اللي عمالة تديني فوق دماغي، وخايفة من اللي جاي." وضع يديه على فمها يمنعها من الاسترسال قائلًا بثقة:

"مش مهم والله مش مهم، مش مهم أي حاجة أيًا يكن اللي جاي مش مهم، مش مهم لو طلعتي بنت ذوات ولا بنت بلد، لأن القلب دق وأعلن عليكِ عشقه، سواء كنتِ بنت عمر الرشيد فهتكوني بنت ذوات، أو سواء كنتِ زينب بنت البلد اللي مفيش زي قلبها. أنتِ مراتي وحبيبتي وأم أولادي، مش هنتكلم في أي حاجة خالص، سيبك من اللي فات ارميه كله وراء ضهرك وخليك معايا. عارفة في الأسبوعين اللي فاتوا كنت خايف أوي، كنت خايف كل ما واحد من الأولاد يعيط ومعرفش

أعمله حاجة وأنا عارف ومتأكد إنه محتاجك أنتِ ومحتاج حضنك. زينب أو ملك أيا كان، أنا وهما مش هنعرف نكمل من غيرك، ولو كملنا هيبقى صعب ومليان وجع. خليك معانا. يشهد ربنا أنك أول واحدة قلبي يدق لها بالطريقة دي، أول واحدة تخطف مني راحتي، أنا عايزك وعايز أكمل معاكي حياتنا ولآخر نفس."

مع كل حرف وكل كلمة صادقة قالها كان قلبها يخفق وبشدة ودموعها تتلألأ. رفعت يديها تمسح دموعها وهي تومئ له بالموافقة. تنحنح عمر وهو يدخل الغرفة يحمل بين يديه أحفاده. أخذت زينب نفسًا عميقًا حتى انحبست أنفاسها وهو يقترب، أعطاها الفتاتين بينما أخذ صالح الولد منه. ظلت تنظر لهم بعيون باكية ولهفة، بينما الصغيرتان يحدقان بها بطريقتهما الطفولية والعفوية. رفعت إحداهما يديها تلمس وجنة زينب. انسابت دموعها قائلة بحنان وهي

تقترب من صالح تنظر لابنها: "بسم الله ماشاء الله، شكلهم حلو أوي يا صالح." ابتسم صالح بسعادة قائلًا: "بيلا وحياء، إيه رأيك؟ رفعت رأسها تنظر إليه، ابتسمت قائلة بحب: "تعرف إن أسماءهم مميزة وجميلة. طب والولد؟ رد بهدوء قائلًا: "اختاري أنتِ اسمه." "يونس، أنا بحب الاسم دا." صمت صالح للحظات ثم اتسعت ابتسامته قائلًا: "يونس صالح جلال الشهاوي. ربنا يبارك فيهم يا زينب."

كان عمر يتابعهما بوجه خالي من التعابير، لكن سعادته حقًا تكمن بقلبه. خرج من الغرفة بهدوء. في الكافتيريا. تجلس بيلا بجوار مريم التي تصالحت معها مؤخرًا وصفا التي كانت تتحدث بينما الأخرى لا تستمع لها. كانت شاردة الذهن وعقلها يسترجع كل الذكريات من بداية لقائها بعمر في قصر الرشيد إلى ذلك الوقت.

تذكرت أول مرة التقت به وأول مشاجبة بينهما. تذكرت تناولهما الطعام معًا، وذلك المبلغ ألف جنيه. تذكرت والدها وجدتها، وحفلة الخطبة التي كسرت قلبها، وأيضًا كيف تزوجته. أول مرة استمعت فيها لنبضات قلب طفلتها، والجزء الأسوأ في الحكاية حين انقلبت حياتها رأسًا على عقب بسبب أفعال تلك الحية. والآن حال ابنتها. لا تدري كيف انسابت دموعها من مقلتيها. لاحظت مريم شرودها لتقول بجدية وخوف: "بيلا أنتِ كويسة؟ فيكِ حاجة؟

لم تستطع التحدث، بينما وضعت يديها على وجهها، في حين علا صوت شهقاتها وازداد توهج وجهها الأحمر، كانت تبكي بفزع، تغمغم ببعض الكلمات غير المفهومة. نظرت صفا لمريم بارتياب، تبادلتها، ثم وجهت نظرهما نحو بيلا. حتى كادت صفا أن تسألها عن سبب بكائها، لكن مع دخول عمر بطلته المسيطرة على الجميع، صمتت صفا وقررت الانسحاب هي ومريم.

عقد عمر ما بين حاجبيه وهو يخرج يديه من جيب بنطاله، وجه بصره نحو تلك القابعة على كرسيها مغطية وجهها بيديها. تلاشت المسافة بينهما ليقف عمر يحاول أن يستشف سبب بكائها، مرت بضعة ثوانٍ فيها كاد قلبه أن يتمزق. جلس أمامها على ذلك الكرسي المقابل لها قائلًا بخوف: "بيلا كفاية دموع الله يرضي عليكِ. كفايه دموع لأن قلبي بقى يوجعني وأنا شايف دموعك." رفعت وجهها له لتقول من بين دموعها واتجاه قلبها:

"إحنا السبب يا عمر. كان ممكن تكون بينا، كان ممكن تكون عايشة حياة أفضل من اللي عشتها. بنتي أنا رغم كل اللي أملكه واللي أنت تملكه اترميت في الشارع. رغم كل حاجة بابا كان عنده حق يبعدنا، جايز كان شايف إن العلاقة دي فاشلة. هو كان عنده حق. يمكن لو مكنش عنادنا كانت كل حاجة هتبقى كويسة. كان ممكن يكون لينا أمل نعيش سوا في النور. كانت هتبقى عايشة دلوقتي مش بين الحياة والموت."

رغم أن حديثها منطقي وحقيقي، إلا أنه شعر بالحزن ليقول بنبرة جامدة عكس ما بداخله: "أنتِ ندمانة على جوازنا يا بيلا؟ رفعت رأسها تنظر إليه مجيبة بصدق:

"خايفة أقول آه تزعل مني وتفكر إني محبتكش، لكن يعلم ربنا إن الحقيقة إني حبيتك وكنت موافقة أكمل معاك الطريق دا بكل مشاكله، لكن في بنت في النص بينا اتأذت واتوجعت. أنا ندمانة على الشكل اللي اتجوزنا بيه. بابا لما رفضك أول مرة كان ممكن يوافق تاني أو تالت، أو على الأقل نبعد ومننجرحش أوي كدا. يمكن لو كان جوازنا بمعرفته مكنتش عصمت تعمل اللي عملته دا." قاطعها عمر بحدة وصرامة مخيفة:

"اللي قلبه مليان سواد ميفرقش معه في النور ولا في الضلمة. عصمت حتى لو كان جوازنا رسمي قدام العالم كله كانت وقتها برضو هحاول تأذينا، وللأسف هي عرفت تأذيني في أغلى ما عندنا. شوفي يا بنت الحلال أنا هفضل أحبك لحد الموت، ولو العالم كله وقف قدامي علشان أبطل أحبك مش هيقدروا. علشان كدا عايزك تكوني معايا بس المرة دي في النور قدام الكل، أنتِ وملك وأحفادنا، فاهمه؟ بدون خوف من أي حد." أبتسم برفق قائلاً بابتسامة عابثة:

-طب ياله بقى مش عايزه تشوفي زينب؟ مش عايزه تقعدي مع بنتك؟ استقامت فجأة قائلة بارتباك: -هي فاقت؟ وضعت يديها على شفتيها بحركة مباغتة له ليقول بهدوء: -فاقت، ياله بينا. نهض هو الآخر أمسك يديها بينما كانت تسير بخطوات مسرعة على غير هدى. قلبها هو من يقودها، تلاشى كل شيء فجأة، كل الحزن، فقط تتمنى لو تلاشت أيضاً المسافة بينهما، والتقيت بها محتضنة إياها. مرت عدة دقائق.

وضعت يديها على مقبض الباب، فتحته بسرعة دون الانتظار لحظة أخرى. تراكمت الدموع في عينيها وهي ترى ملك تجلس بجوار صالح وهي تحمل ابنتها. تمنت للحظات لو كانت تحظى بمشهد كذلك بموافقة أبيها. نهض صالح بهدوء وخرج من الغرفة تاركاً لهما مساحة للتحدث. خرج عمر خلفه يعلم أن تلك اللحظة خاصة من نوعها. فقط هي من حق بيلا التي حُرمت من ابنتها الوحيدة لسنوات. نظر صالح لعمر بهدوء دون أن يتحدث.

اقتربت بيلا من ملك بارتجاف. جلست بجوارها، حتى أن زينب لم تتحدث بكلمة، لكن لم تستطع امتثال الصمت لوقت أطول من هكذا وهي ترى بيلا تبكي وتضع يديها على وجهها كعادتها عند البكاء والحزن. رفعت يديها لتلمس بكف أمها. حاوطت وجهها بابتسامة مشرقة وأنامتها تمتد لتمسح دموعها قائلة بحب:

-ممكن تبطلي عياط علشان أنا كمان هعيط، وأنا عيطت كتير أوي في حياتي من وقت ما كنت طفلة. لكن أنا خالص مبقتش طفلة، كنت مؤمنة أن هيجي يوم وأفرح وألقى بيتي، كنت بس مستنية معجزة في حياتي، محدش كان مصدق إني هلقيها، لكن أنا كنت مؤمنة. معجزتي الحقيقة كانت صالح وفجأة كل حياتي اتغيرت. وبعد كدا عرفتك، إحساسي وأنت واخدني في حضنك كان كفيل إني أبقى كويسة. ودلوقتي أنا وأنت مع بعض. أنا كنت محتاجك أوي يا ماما، أوي. أنا مكنتش عايزة أي

حاجة غير حضنك، ومن بعد كدا مكنتش عايزة حاجة. أنا عارفة أنك اتعذبتي وتعبتي في حياتك، لكن خالص يا ماما علشان خاطري أنا. أنا تعبت من الدموع وقلبي فاض بيه الوجع. أنا بس محتاجك معايا تعلميني إزاي أربي أولادي، أنا مش عايزة أشحت الحب من حد تاني. كفاية أنك تكوني معايا، والله العظيم كفاية عليا.

أنهت حديثها وهي تشعر بدموعها على وجنتيها. أبعدت يديها عن زينب تمسح دموعها وأبتسامتها تزين وجهها. أما بيلا جذبت ملك لحضنها وأغمضت عينيها. ظلت لوقت طويل هكذا. ظلت تفتقدها لسنوات مريرة ومؤلمة. صدح بكاء أطفالها لتبتعد بيلا عنها وهي تنظر لهم بسعادة ممزوجة بالدموع قائلة: -بسم الله ماشاء الله، حلوين أوي يا ملك. هتسموهم إيه؟ ردت زينب وهي تحمل أحداهما قائلة بابتسامة: -يونس وحياء وبيلا.

ابتسمت بيلا بحنان وهي تمرر يديها على وجنة ابنتها، ثم نظرت للأطفال بهدوء ونظرة اشتياق لاحظتها زينب. تنهدت براحة قبل أن تضع طفلها بين يدي والدتها قائلة بحب: -شيليه، هو صغير أوي. اللمعت عينيها بطبقة طفيفة وهي تضع يديها تحت رأسه الصغيرة وهو يغمض عيناه بنعاس. شعرت بانتفاضة قلبها وهي تضم حفيدها لقلبها، هو الشعور الأجمل بالحنان والدفء. اقتربت من زينب تضمها بسعادة وبيديها الأخرى تحاوط يونس. قبلت أعلى رأسه قائلة بحماس:

-لازم نعملهم سبوع كبير ونشتري سوا هدوم ليهم ولعب كتير أوي. هنشتري كل حاجة سوا. أومأت ملك بسعادة وهي تمحي بقايا الدموع عن وجنتيها قائلة: -حاضر، هنعمل كل حاجة سوا. ردت بيلا بسعادة وكأنها عادت لشبابها الضائع: -لازم أعرفك على محمود ومريم أخواتي، وكمان عمتك صفا. هما كمان هيحبوكي أوي أوي يا زينب. في نفس التوقيت. صدح صوت طرقات على الباب لتسمح بيلا للطارق بالدخول. ابتسمت حياء برفق وهي تدخل الغرفة قائلة بمزاح:

-أخيراً، وحشتني أوي أوي يا زينب. كل دي غيبوبة يا بنتي، لو بتختبرينا مكنتيش هتغيبي عننا كل دا. ألف حمدلله على السلامة. قبلت رأسها لتجيب زينب بحب: -الله يسلمك يا ماما. تعرفي إنك واحشني أوي أوي كمان، وكلكم وحشني. إيمان وعمي جلال وعائشة وطنط شهد، كلكم وحشتوني أوي. ردت حياء باهتمام: -المهم إنك معانا خالص يا زينب. إيه الجمال دا يا بيلا، بس مش لايق عليك الدموع خالص. مدت أناملها تمسح بقايا الدموع قائلة بحماس:

-عايزين بقا نقعد مع بعض كتير أوي. في حاجات كتير لازم نتكلم فيها ونعملها سوا، وكمان لازم ننزل نشتري حاجات كتير سوا. ياه، أخيرا أنا وشهد هنلاقي حد كمان نغتت عليه. ابتسمت بيلا قائلة بحب وامتنان: -شكرًا يا حياء. من قبل حتى معرفتي إن زينب تبقى ملك، وأنت كنتي دائمًا تزوريني، ودلوقتي وبعد اللي عملتيه مع ملك، أنا لو طلبتي عمري هديهولك من غير تفكير. ردت حياء ببساطة وهي تهز كتفها بلا مبالاة طفولية:

-سيبك من كل دا. أخيراً هقدر أعمل حماة مفترية عليكي يا زينب. ياااه، منتهي السعادة. قالتها بنبرة مرحة جعلت الاثنان يضحكان، في حين حملت حياء حياء الصغيرة وهي تدندن إحدى الأغاني الأجنبية. في تلك اللحظة شعرت زينب بأن الله جبر قلبها وخاطرها. في أحد المساجد بالإسكندرية. ابتسم باسل بحزن وهو يدلف لداخل المسجد بعد معاناة طويلة مع نفسه، فقد قادته الطرقات إلى ذلك المكان، ربما يكون تأخر لكنه وصل أخيراً.

توجه نحو مكان الوضوء ثم عاد بعد وقت إلى حيث يصلي الناس كلهم في اتجاه القبلة. بدأ في أداء فرضه يشعر بثقل ضخم يطبق على قلبه. يشعر بالحزن والاضطراب، الوحدة فقط. هو فقد نفسه بين دروب الحياة. والآن يتمنى لو جمع شتات قلبه وروحه. أين يذهب، في حين أغلق كل أبواب الماضي. لم يكن أمامه سوى ذلك الباب المفتوح دائماً ولا يغلق في وجه أي شخص، لأن الطريق لا يحتاج لوسيط أو لمفتاح، فقط يحتاج إلى قلب صادق.

أنهى صلاة فرضه ثم جلس. ساد الصمت حوله لكن لم يشعر بذلك، فقط هناك نزاع بين شقي قلبه وعقله وهو بينهما ضائع. ابتسم شيخ المسجد وهو يجلس بجواره، وهو رجل يبدو في نهاية العقد السادس من عمره بشوش الوجه. -اذكر الله. رفع باسل رأسه ينظر لذلك الرجل ليكمل الآخر ببشاشة: -طول ما أنت فاضي اذكر الله. ذكر الله حماية وحصن من أبواب الشيطان. جواب سؤالك موجود جواك وفي كل ركن في المسجد هنا. ضيق باسل المسافة بين حاجبيه قائلاً بارتياب:

-سؤال إيه؟ رد الآخر ببساطة وحلم: -القاعدة اللي أنت قاعدها دي والحيرة اللي جواك واللي جابتك برجليك لحد هنا. الله وحده أعلم بسببها، لكن اللي بيجي هنا بيكون عايز يرتاح. شوف يا ابني، أنت صغير وباب ربك دايماً مفتوح، مبيتقفلش أدام حد شغوف وعنده إيمان بيه. طب تعرف الخير كله موجود في قلب الإنسان زي ما الشر كمان موجود، لكن هو بعزيمته يقدر يوجه نفسه ويقومها. يقع ويقوم. رد باسل بهدوء قائلاً:

-بس أنا تعبت. تعبت، دورت على الدكاترة النفسيين. دورت على الحب، قلت يمكن أقدر أنسى اللي تعبني وأتعافى، لكن لسه تايه وخايف. ربت العجوز على كتفه باهتمام قائلاً:

-الدنيا دار ابتلاء، لازم تتعب علشان لما تقوم تحس بحلاوة ولذة التعافي. مع إن مفيش حد منا كامل، الكمال لله وحده. لكن ربنا بيرزق الإنسان سكينة ولطف في قربه. قرب من ربنا وأنت هتعرف إن الحياة في قربه لذة. سامح اللي وجعوك وبلاش تجرح اللي حبوك من قلبهم. دور بين الدروب على اللي ضايع منك وانسى الكره. سامح وبلاش توجع أو تجرح أو تكسر بقلب حد، لأن ربنا ميحبش كسر الخواطر والقلوب.

ابتسم باسل بهدوء ولاحت عليه ذكرى نورهان. لما يشعر بالحزن اتجاهها. لما شعر بالألم من فراقها. رد العجوز قائلاً بابتسامة: -ابدأ بكتاب الله العزيز، فيه كل الأجوبة على كل اللي بيدور جواك، وإن شاء الله تلقى اللي ضايع منك. تركه ثم غادر المكان، في حين بقى باسل يفكر فيما قاله. ربما هو محظوظ، حتى إن كان الحب يعافي المرء. لكن من وضع الحب في قلوبنا يستحق منا أن نتقرب إليه، لأن المرء يتعافى بقربه من الله. بعد مرور ستة أيام.

عاد صالح وزينب برفقة عمر وبيلا إلى الإسكندرية، وعادت الحياة إلى منزل آل "الشهاوي". أما عمر وبيلا فقد بقيا طوال الفترة الماضية برفقة زينب، حتى أنه أصر بالبقاء معها في منزلها هي وصالح، وأمر صالح بالذهاب لمنزل والده. في البداية رفض صالح الأمر وبشدة ورفض تحكمات عمر، إلا أن جلال أرغمه على الموافقة ليعطي لزينب وبيلا الفرصة للتقرب من بعض.

توجه صالح نحو شقة والديه بملامح وجه هادئة مرتخية. دلف الشقة فوجد والديه يجلسان سوياً وهما يمازحان بعضهما. تبدلت ملامح وجهه إلى أخرى غير راضية، ثم اقترب منهما وفجأة ارتمى على الأريكة، يفصل بين جلوسهما سوياً. طالعه جلال بتعجب وهو يقول بنبرة ساخطة: -دا إيه دا إن شاء الله؟ قوم خش أوضتك يا حبيبي. رد صالح عليه بنبرة مقررة: -مش قايم، وهفضل زي العازول بينكم كدا علشان تحس بيا وأنا مراتي معايا في نفس البيت ومش عارف أشوفها.

تدخلت والدته تقول بنبرة امتزجت بضحكاتها: -يلهوي يا صالح، أنت لسه زعلان؟ خلاص بقى حصل خير وهي مش بعيدة عنك يعني. دي مع أمها في شقتك فوق. طالعها هو بملامح وجه ساخطة وهو يقول بتهكم: -يا سلام؟ طب ما هي كانت معايا في أوضتي لازمتها إيه من الأول بقى؟ مش عارف اللي اسمه عمر دا ظهرلي من أي مصيبة. رد عليه والده بنبرة مشفقة على حال بيلا:

"علشان بيلا يا صالح، كان نفسها تنام في حضن بنتها. أنت بنفسك ما صدقت زينب تبقى معاك، ما بالك هي بقى اللي بقالها سنين بعيدة عن بنتها؟ زفر بقوة، ثم عاد بجسده للخلف فوجد والده يقول مقرراً: -"قوم نام يلا علشان بكرة عندك شغل كتير في الوكالة. أنا هفضل معاهم هنا علشان الحاجات اللي هيحتاجوها للسبوع. يلا قوم." رد عليه هو معانداً: "مش هقوم وهقعد مع أمي وهحضنها كمان. قوم أنت يا بابا." رد جلال بتهكم:

-"نعم يا عين أمك. قوم يالا أدخل جوة." رد عليه هو بنبرة مقررة لا تقبل النقاش: "لأ مش داخل وهو عاند معاك. وكلمة كمان هاخد ماما ونروح بيت جدتي نقعد هناك يومين حلوين ونسيبك تبكي على الأطلال." رد عليه والده بحنق: "خلاص خليك مرزوع لحد ما تنام مكانك. أنا مالي، أنت حر." ابتسم له باستفزاز، ثم رفع ذراعه يحتضن حياء وهو يقول معانداً له: "تعالي في حضني يا حبيبي. هيبقى لا أنت ولا مراتي تيجي تنامي جنبي النهاردة."

قبل أن ترد عليه بوجهها المبتسم رد عليه والده بحنق: "أنت هتستهبل يالا؟ تنام فين؟ شكلك اتهبلت." رد عليه بلامبالاة: "أمي وهتنام في حضني، فيها إيه؟ ولا هو حلو ليك أنت بس يعني." قبلت والدته وجنته ثم قالت تمازحه: "حبيب قلبي يا ناس. ربنا يباركلي فيك ويسعدك يا حبيبي." احتضنها وهو يراوغ حاجبيه لجلال الذي سخر منه وهو يقلد طريقته. وفي تلك اللحظة خرجت إيمان من غرفتها برفقة يوسف الذي قال بتهكم حينما رأى وضع صالح ووالدته:

-"دا إسمه إيه إن شاء الله؟ مش مكسوف على طولك؟ طب حتى يا جدع اعمل حساب إنك عندك عيال." ردت عليها حياء بحنق: "أنت مالك يالا؟ هو حاضن أمه، مزعل نفسك ليه؟ رد عليه بلامبالاة: "أنا مالي، خليه يحضنك. ماهو يعيني من ساعة ما بيلا خدت منه زينب وهو مش طايق نفسه." عليه صالح هو بنبرة هادئة:

-"قول لعمك بقى علشان مش مصدق. قال إيه سيبها يا صالح تبات مع أمها. طب ما أنا بسببها بالنهار وبروح الشغل، خليها معها بالنهار لا بليل كمان لازم تفضل معها." أبتسم يوسف بشماته وحب أخوي نقي: -"ياااه صعبت عليا يا صلوحة، حقيقي هعيط من التأثر. تعالي بقى يا إيمان علشان عايزك في موضوع مهم جدا." عض صالح على شفتيه بغيظ قائلاً: -"عجبك كدا يا حج؟ الواد دا يشمت فيا كدا."

أبتسم جلال بخفة وهو ينهض من فوق الأريكة جاذباً حياء من يديها قائلاً بنبرة مغيظة: -"تصبح على خير يا صلوحة. ياله يا قلبي لأن هموت وأنام." نظر له صالح بحدة وهو يراه يدلف لغرفته. جلس متربعاً على الأريكة قائلاً بنرفزة: -"خدها يا خويا خدها وأنا هفضل قاعد كدا لوحدي كتير. طب أدعي عليك ويقولوا الواد اتجنن بيدعي على أبوه." في شقة صالح

ابتسمت بيلا بسعادة وهي تجلس على الفراش بعد أن نام الثلاث أطفال براحة. وضعت الوسادات من حولهم بحماية، ثم نهضت من فوق الفراش متجهة نحوه الأريكة. قامت بتشغيل التلفاز على أحد أفلام ديزني. في نفس توقيت خروج زينب من الحمام بعد أن بدلت ثيابها إلى بجامة قطنية مريحة وأخذت حمام دافئ تريح أعصابها من عناء اليوم مع أطفالها. ابتسمت بهدوء لتقول بنبرة مريحة: -"أخيراً نامت. أشك إن البنت دي تطلع هادية، حاسسها هتبقى شقية أوي."

ردت بيلا بحماس قائلة: -"وطي صوتك. تعالي نتفرج على التلفزيون سوا." جلست زينب بجوارها قائلة بهدوء وخجل: -"هو صالح نازل ينام تحت؟ لكزتها بيلا في كتفها قائلة بمرح: -"أيوه نزل، إيه زعلانة؟ تورّدت وجنتاها بحمرة الخجل قائلة بخفوت: -"لا أبداً. بس صعبان عليا أصل من يوم ما رجعنا إسكندرية وهو بينام تحت لوحده والولاد حتى مش بيقعد معاهم." ردت بيلا بخبث: -"يعني مش وحشك؟ صمتت واتسعت ابتسامتها لتقول بعد لحظات:

-"بصراحة وحشني أوي يا ماما. بس ياله خليه ينام لوحده علشان يعرف إنه في نعمة." ضحكت بيلا بخفة في حين خجلت زينب. بينما صدحت طرقات الباب ليدخلها عمر بعدها إلى الغرفة وهو يحمل طبق كبير من الفشار وبعض المقرمشات والشكولاتة قائلاً بمرح: -"ياله يا بيلا شغلي فيلم وبلاش الكرتون." ابتسم وهو يغمز لزينب ثم وضع الأطباق على الطاولة ليجلس بجوارهما على الأريكة. مال على بيلا قائلاً بهمس: -"مساء البسبوسة. ممكن بوسة؟

أخفت بيلا ابتسامتها سريعاً قائلة بخجل: -"عمر البنت قاعدة بطل قلة أدب." ثم صاحت بصوت مسموع: -"كويس إنك عملت فشار. ياله اختاروا هنتفرج على إيه." وضع عمر يديه على كتف زينب قائلاً بحب وهو يتناول الفشار: -"أي حاجة تافهة." نظرت له بطرف عينها قائلة بحدة: -"محبط." "بقولك إيه عايزين نحدد معاد الفرح." ردت زينب بحماس وسعادة: -"بجد فكرة حلوة أوي يا بابا. إيه رأيكم بعد أسبوع؟

بكرة سبوع الولاد نخليها الأسبوع الجاي وأنا أعرف بيوتي سنتر جميل جداً وليه أتيليه خاص قريب منه فيه فساتين روعة بجد وسمبل جداً وأنا هكون معاكي في كل حاجة." رفع عمر كفه لزينب بحماس قائلاً: -"هي دي بنت الرشيد." أبتسمت زينب وهي تضرب كفها بكف أبيها. بينما نظرت لهم بيلا بحدة قائلة: -"انتوا بتهزروا صح؟ فرح إيه؟ عمر انت بتتكلم جد؟ رد عمر بجدية وهو يضع ساقاً على الأخرى أخذ منها جهاز التحكم بالتلفاز قائلاً بنبرة مقررة:

-"وأنا ههزر في حاجة زي دي ليه؟ الفرح معاده الأسبوع الجاي واعتبرِ كل حاجة جاهزة وأولهم فستان الفرح دا جاهز من تلات شهور وجاي من دار أزياء في باريس مطلوب مخصوص ليك." أشاحت بيلا بوجهها عنهم قائلة بهدوء وهي تتابع الفيلم: -"بس أنا مش عايزة فرح." نظر زينب بيأس لعمر لتجده يبتسم بهدوء قائلاً برفق:

-"بيلا أنتِ أكتر واحدة يليق عليها الفرح والسعادة. ملامحك بتنور لما تفرحي. وزمان كان حلمك نعمل فرح كبير وتلبسي فستان فرح وتفرحي مع اللي بيحبوك. يبقى خلينا نفرح كلنا يا بيلا ياله بقى فكي. لأن كدا كدا ثائر جهز كل حاجة حتى القاعة والضيوف مش هيكون في غيرنا والناس اللي فعلاً بيحبونا غير كدا لا والصحافة." ردت زينب قائلة بجدية: -"طب وإيه لازمتهم دول؟ دوشة على الفاضي."

"عندك حق. بس في الفرح لازم الكل يعرف إنك بنتي وإن بيلا الدمنهوري كانت مراتي. لازم كل الناس يعرفوا إنك بنت عمر الرشيد فاهمة." أبتسمت زينب قائلة بحب: -"بس دلوقتي أنا مش فارق معايا الناس قد ما فارق معايا وجودكم في حياتي." قبل عمر قمة رأسها قائلاً بجدية شديدة:

-"بس بنت الرشيد لازم الكل يعملها ألف حساب يا ملك. و صحيح أنا بحب اسم ملك لأنه أول اسم اخترته ليك. يبقى ملك عمر الرشيد. وعلى فكرة أنا خلصت الورق كله مع شهادات ميلاد الولاد وشهادة ميلادك الجديدة وبطاقتك موجودة معايا." ابتسمت زينب قائلة بحب: -"تعرف إن أنا وحشني بابا منصور. هتزعل لو قلت بابا." الصراحة هو كان حنين معايا أوي وعمل حاجات كتير أوي وربنا يعلم إنه مكنش منتظر مني حاجة. رد عمر قائلاً:

"متقلقيش، اللي عمله أنا مش هنساه لأنه كبير أوي عندي يا ملك." في صباح اليوم التالي، حوالي الساعة الخامسة صباحًا. ارتدت نور ثيابها بعد أن توضأت. دلفت لغرفة شقيقها الأكبر سيف، وجدت ينام وهو يحتضن أخيه عبد المنعم. دلفت بخطوات هادئة تنادي عليهما: "سيف، عبده، ياله قوموا. ياله يا سيف الفجر أذن، ياله يا حبيبي بدل ما يضيع عليك الفرض." نهض سيف قائلاً بنعاس وهو يبعد الغطاء عنه: "صباح الخير يا أبلة نور." ابتسمت بهدوء قائلة:

"صباح النور. ياله صحّي أخوك وتوضى. أنا هحضرلكم الفطار علشان المدرسة. صحيح، أنت مش هتغيب تاني وأنا كلمت صاحب الورشة قلتله إنك مش هترجع الشغل." نهض سيف بفزع قائلاً: "ليه كدا يا أبلة نور؟ وبعدين أنا بقيت راجل كبير ولازم أشتغل." تنهدت نور بارتياح قائلة:

"طبعاً بقيت راجل، بس الراجل الحقيقي هو اللي يعمل الصح ويسمع كلام الكبار لأنهم عارفين مصلحتك. شوف يا سيف، أنا بشتغل والحمد لله الحاج جلال من ساعة ما رجعت الشغل وهو زود مرتبى. وأنت يا سيف في ثانوي وأنا مش هسيبك تضيع مستقبلك، وإن شاء الله تكبر وتبقى أشطر مهندس فيك يا بلد. وشغل الورشة دا أنساه، أومال أنا موجودة ليه؟ رد سيف قائلاً بحزن:

"بس أنتِ تعبتي يا نور بقالك سنين بتشتغلي، وأنا دلوقتي كبير ولازم تقعدي في البيت وأنا هصرف علينا كلنا." ردت بحدة قاطعة ونبرة مقررة: "سيف، بطل رخامة. أنا قلت اللي هيحصل، أنت هترجع المدرسة وأنا مش صغيرة وعارفة أنا بعمل إيه. ويا سيدي لو اشتكيت لي أبقى سيب المدرسة، ياله بقى صحّي أخوك بدل ما نفضل نرغي ويضيع علينا صلاة الفجر." أومأ لها وملامحه تحولت لليأس والحزن متجه نحو شقيقه الأصغر ليوقظه.

بينما ابتسمت وهي تغادر الغرفة متجهة نحو المطبخ. أخرجت حبات من البطاطس وضعتهم على الرخام البيضاء لتعد الفطار لأشقائها وأبيها. جلست على ذلك الكرسي القديم ولاحت عليها ذكرياتها معه، حتى لمعت عينيها بالدموع لتقول بجدية لنفسها: "خلاص يا نور، خلاص انسيه بقى وشوفي حالك. هي تجربة وأنا غلطت لما جازفت من البداية."

بعد وقت، كانت تجلس على أرضية الصالة على ذلك المفرش، وبجوارها أبوها وأشقائها يتناولون طعامهم. ابتسم سالم بحزن وهو ينظر لها قائلاً: "حماتك كلمتني امبارح يا نور وعايزة تكلمك، بتقول مش بتردي عليها." قضمت قطعة من ثمرة الطماطم قائلة بلامبالاة: "هبقى أكلمها. وبعدين مبقتش حماتي ولا ليا علاقة بيها. أنا خالص أكلت، هقوم أغير وأنزل. هعدي على زينب قبل ما أطلع على المصنع."

كاد والدها أن يتحدث إلا أنها غادرت الغرفة سريعًا متجهة نحو غرفتها، ربما لأنها ترفض أن تسمع كلمة واحدة عنه. بعد دقائق، خرجت من الغرفة وهي تضبط حجابها الأزرق. انحنت تقبل رأس عبد المنعم قائلة: "مصروفك يا جميل، وتاكل سندوتشاتك كلها، مفهوم؟ ابتسم عبده بسعادة وهو ينظر للمبلغ المالي الصغير بحماس: "هاكله كله. خلي بالك على نفسك يا أبلة نور." نظر لسيف قائلاً بجدية:

"سيف، لو ما روحتش المدرسة تقعد تذاكر. أنا عارفة إن مفيش حضور، وشوف عايز تروح دروس في مواد إيه وقولي." رد سيف بابتسامة متفهمة: "لا أنا مش هروح دروس. أنا هقوم ألبس وأنطلهم في المدرسة، ولا هما المدرسين اللي هناك لازمتهم إيه؟ طول ما هو مفيش طلاب بيحضروا هيفضلوا ياخدوا مرتبات على الفاضي، وبعدين مصاريف على الفاضي وخلاص." ردت نور بجدية قائلة:

"لا مش مصاريف على الفاضي يا فالح. أنا عارفة إنك ذكي وشاطر، لكن برضه لو في حاجة واقفة قدامك قولي، ومتشيلش هم الفلوس، ربك بيرزق." دلفت لغرفة والدها لتجده يجلس بارهاق واضح في شرفة غرفته ينظر للشارع والأطفال وذلك الشاب الذي يقوم بتوزيع الخبز على البيوت. لتقول نور بجدية: "سرحان في إيه يا حجيج؟ رد سالم بتعب قائلاً: "فيك يا نور. هتفضلي شايلة المسئولية كلها لأمتى يا بنتي؟ ردت نور بحماس عكس ما تشعر به من حزن:

"مش كتير، كام سنة بس لحد ما سيف يدخل الكلية ويتخرج ويشتغل. وبعدين مالكم يا جماعة، هو أنا اشتكيت؟ "مشتكتيش يا قلب أبوك، بس عمرك اللي بيضيع دا." ردت نور قائلة بجدية: "سيبها على الله يا بابا. وبعدين أنا كويسة الحمد لله، ألف حمد لك يا رب، على الأقل إحنا أحسن من غيرنا بكتير. يارب بس يفضلوا بخير وأنا مش عايزة حاجة تاني من الدنيا." "ربنا يسعدك يا نور ويرزقك بابن الحلال اللي يريح قلبك يا رب." لا تعلم لما شعرت بالسخرية،

لكن لم تبالي قائلة: "حجيج، أنا لازم أنزل حالا. ياله سلام يا جميل." غادرت المنزل حوالي الساعة السابعة مساءً، ثم توجهت لمنزل زينب. ما إن دخلت إلى ساحة منزل آل الشهاوي حتى ابتسمت بسعادة لأجل صديقتها وهي ترى بعض الأشخاص يقومون بتزيين الساحة الواسعة. صعدت لمنزل حياء، ألقت عليها التحية، ثم صعدت لمنزل زينب. كان الباب مفتوح و بداخله توجد زينب وبيلا وإيمان. ابتسمت زينب وهي تحتضن نور قائلة بسعادة:

"وحشتيني أوي يا نور. كنت هزعل منك لو مجتيش النهاردة، لازم تفضلي معايا طول اليوم. أومال فين باسل؟ ردت نور بهدوء قائلة: "معلش يا زينب، مش هينفع أفضل. أنا عندي شغل في المصنع، بس أوعدك هخلص وأجي." عقدت زينب ما بين حاجبيها قائلة بارتياب: "مصنع إيه؟ هو أنتِ رجعتي للمصنع؟ باسل وافق إزاي؟ لمعت الدموع بعين نور قائلة بجدية: "أنا وباسل اتطلقنا من أسبوع لما كنتي في المستشفى." تشنج وجه زينب قائلة بجدية: "اتطلقتوا؟

ليه وإيه اللي حصل؟ أنتِ قلتي إنه بدأ يتغير. وليه مقولتليش لما كنا بنتكلم في الموبيل؟ انسابت دموع نور، في حين مسحتها سريعًا قائلة: "ده موضوع يطول شرحه يا زينب. أنا هكلمك تاني وهجيلك، أنا كمان محتاجة أتكلم معاكي ومحتاجة أحكي، بس دلوقتي مش هقدر حقيقي." احتضنتها قائلة بابتسامة: "متقلقيش، أنا كويسة الحمد لله. هكلمك وهحكيلك، لأن أنا محتاجة دا. خلي بالك على نفسك." ردت زينب بحزن وبكاء: "طب مش عايزة تشوفي ولاد أختك؟ ردت

نور بارتباك قائلة بانكسار: "مش هتخافي عليهم من عينيا، أصل أنا في واحدة في المصنع قالت عليا فقر ووشي نحس على اللي حواليا." ردت زينب بانفعال: "مين بنت الـ... اللي قالت كدا؟ وبعدين أنتِ سكتيلها؟ معقول! ما تبقيش نور. وبعدين أنتِ هبلة، أنتِ أختي يا بت، والله العظيم أنا لو عندي أخت ما كانت هتبقى حنينة عليا أدك. ياله تعالي." ابتسمت نور بسعادة وهي تدخل معها إلى غرفة الأطفال حيث تجلس معهم شهد. "اللهم آمين يا نور."

بعد عدة ساعات، في ساحة المنزل حيث تتوافد نساء المنطقة الذين أتوا لمباركة جلال الشهاوي بأحفاده ومشاركتهم فرحتهم. كان جلال يقوم بتصليح ماكينات الكهرباء حتى صدح رنين هاتفه. التفت يلتقط هاتفه ليجد رقم مجهول، رده ليجد صوت مألوف عليه. "الحقني يا جلال، هيموتني." عقد جلال ما بين حاجبيه بارتياب قائلاً: "شمس؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...