الفصل 66 | من 70 فصل

رواية اطفت شعلة تمردها الفصل السادس والستون 66 - بقلم دعاء احمد

المشاهدات
18
كلمة
5,870
وقت القراءة
30 د
التقدم في الرواية 94%
حجم الخط: 18

في إحدى المستشفيات الخاصة حيث كل شيء يحدث على قدم وساق بجدية ودقة متناهية، خرجت الطبيبة من غرفة "زينب" بعد أن أطمئنت على حالة المريضة الفاقدة للوعي منذ أن جاءت للمشفى قبل أسبوع. تم تشخيص حالتها أنها غيبوبة مؤقتة بسبب الإجهاد الحادث قبل فترة الولادة المبكرة بثلاث توأم. ولد وبنتان. فقد تم نقلها للمشفى منذ أربع أيام لم يحدث أي تحسن.

دلف "صالح" إلى الغرفة بعد أن تم تعقيمه. الإرهاق بادٍ على معالم وجهه. نظر بتعب وحزن إلى وجهها الناعم نائمة لا تعي ما يحدث حولها. كنت تردد تلك الجملة دائمًا: أنها ترغب في النوم دون أن يوقظها أحد. سحب كرسيًا بهدوء ليضعه بالقرب من الفراش. جلس وهو يمسك يديها بين يديه. وضع رأسه على الفراش. لمعت عيناه بدموع لهمس بضعف وهو يغمض عينيه: "زينب لسه مش عايزة تقومي؟ طب أنا صعبت عليك؟

أنا تعبت والله العظيم. عارفة أنا كل مرة أقول أنا مش لازم أحبك أوي عشان مننجرحش منك أوي بس اكتشفت إن كل لحظة بتجمعنا قلبي مبيوقفش يحبك. طب بلاش أنا مش عايزة تشوفي الولاد؟ أنا كمان لسه مشوفتهمش. بابا بيقول فيه بنت لون عيونها زي عيونك وواحدة شبهي والولد عيونه بني. زينب والله العظيم أنا تعبت. أنا مش هعرف أربيهم لوحدي." انسابت دموعه من مقلتيه بحزن وتعب ليشعر بيد تلامس شعره. رفع رأسه فوجد "بيلا" تقف بجواره، ويدها تمسد على

شعره بحنان قائلة بدموع: "هي سمعتنا صح؟ لم يجب بل ظل صامتًا. لتقطع "بيلا" الصمت قائلة: "هي بس عايزة تنام وترتاح بعيد عن الناس وكلامهم. هي حزينة وتعبت بس هترجع. أصل هيبقى حرام لو بعد السنين دي كلها تمشي تاني. ربنا بعدها عني أكتر من عشرين سنة لازم تقوم يا صالح يارب أنا مش عايزة أخسر بنتي تاني آآه." خرجت الآهات من قلب الأم قبل فمها. تمزق فؤادها لسنوات.

نهض صالح من فوق كرسيه محتضنًا إياها لتزداد شهقاتها وخارت قوتها. الفؤاد يتألم ويئن لكن ما باليد حيلة. تعالى صوت تلك الصفارة وإنذار الموت كاد أن يقتلهما من شدة الخوف عليها. ترك "بيلا" برعب وهو يمسك بيد "زينب" بقوة قائلاً بلهفة: "لالا مش هيحصل زينب، في إيه لا." بيلا بذعر وبكاء: "زينب لا يارب مش هتحمل تاني لا." دلفت الممرضة بسرعة فتحت الباب دون سابق إنذار وخلفها الطبيب، بينما أصابه الذعر قائلاً بنبرة خافتة مذعورة:

"زينب." صالح للطبيب بحدة وصرامة: "اطلعوا برا." كاد صالح أن يرفض إلا أن الممرض أخرجه بالقوة. تلك اللحظات كانت فاصلة بين الحياة والموت. كان عمر وصالح وبيلا وجلال يقفوا خلف ذلك الزجاج يتابعوا ما يحدث بقلب منفطر من شدة الحزن. كان الطبيب يباشر عمله لينظر الجميع لبعضهم بقلق، إلا أنه أكمل عمله ببرود تام.

أمسك "الطبيب" صاعق الكهرباء لتضع الممرضة مسرعة ذلك الجيل على سطحه. ثم بدأ بإنعاش قلب "زينب" مرة.. اثنان.. وثلاثة. حتى أمر الطبيب الممرضة بصوت حاد صارم عالٍ نسبيًا: "ارفعي على 200 يا مروة بسرعة." أمتثلت الممرضة لأوامره مسرعة. ومع الضغط الرابعة بدأ القلب ينبض من جديد. تنفس الجميع الصعداء بعد ذلك. ليعود جهاز القلب يعمل بانتظام. هدأت الأوضاع بداخل الغرفة. خرجت الممرضة وخلفها "الطبيب".

نظر "الطبيب" لصالح الذي اقترب منه بخطوات مسرعة قائلاً بلهفة: "زينب كويسة؟ وضع "سليم" يديه على جيب معطفه الطبي قائلاً بابتسامة وهو ينظر نحو "جلال" نظرة ذات مغزى: "الحمد لله قدرنا ننعش القلب بس محدش هيقدر يدخلها. ادعولها تفوق." نظر "عمر" لـ "بيلا" ليجدها تبكي بحزن وانكسار. جذبها نحوه ليحاوطها بين ذراعيه قائلاً بثقة:

"ربنا كريم يا بيلا. قادر يرجعها لينا هو عالم إحنا تعبنا قد إيه. وأكيد في حكمة من رجوعها لينا مش هيوجعنا تاني." اقترب "سليم" من "جلال" مد يديه ليصافحه قائلاً بابتسامة: "مبسوط إني شفتك يا جلال بيه." رفع "جلال" رأسه ينظر لذلك الشاب يبدو في نهاية العقد الرابع من عمره. لكن ملامحه تبدو مالوفة له. مد يديه مصافحًا إياه ليقول بشك: "هو إحنا اتقابلنا قبل كده؟ صمت للحظات ثم قال بجدية: "سليم؟ تنهد الطبيب بارتياح قائلاً:

"الولد اللي كان بيجي كل يوم يوزع العيش في البيوت. ولولا كرمك عليا أنا وأمي وأنك تكفلت بمصاريفي ومصاريف المدرسة بتاعتي مكنتش هبقى دكتور سليم. أنا مديونلك بكثير أوي. اطلب مني أي حاجة وأنا رقبتي سداه." وضع "جلال" يديه بجيب بنطاله الأسود قائلاً بجدية: "أمك عاملة إيه يا سليم؟ عندك ولاد؟ ابتسم الآخر قائلاً بفخر: "أمي بخير الحمد لله. عندي جلال وشروق." ربت "جلال" على كتفه قائلاً بحنو:

"ربنا يحفظهملك يا سليم. لو عايز ترد الدين اللي عليك ربيهم كويس. وعلمهم إن الخير هو اللي بيبقى. مهما حاول الناس يزرعوا شر الخير هيفضل." تنهد "سليم" بود قائلاً: "إن شاء الله. وإن شاء الله هتقوم بالسلامة. بعد إذنك لأن عندي شغل. تؤمرني بأي حاجة؟ "روح شوف شغلك يا ابني. ربنا معاك." _في منزل آل "العلايلي" كانت "نور" تقوم بتحضير طعام الغداء وعقلها منشغل بحالة "زينب" والحزن بادٍ على ملامحها. أفاقت من شرودها على صوت "زينة"

قائلة بابتسامة: "ريحة الأكل تجنن حقيقي. تسلم إيدك يا نور." ابتسمت "نور" بود قائلة على مضض: "بالهناء والشفاء." اقتربت "زينة" من "نور" لتضع يديها على كتف "نور" بود قائلة: "شكرًا يا نور." رفعت "نور" رأسها تنظر بارتياب لزينة قائلة: "على إيه؟ وضعت "زينة" يديها في جيب بنطالها القطني المنزلي قائلة بجدية:

"باسم، تعرفي إنه اتغير كتير. أنا مش قصدي على إنه يروح لدكتورة ويبدأ يتقبل علاج نفسي. باسم اتأذى كتير من علاقة بابا وماما المتوترة وهو كان ضحية العلاقة دي. ماما كانت معتقدة إنها لما تكمل مع بابا في علاقة زي دي هتساعدنا نكون سويين لكن اللي حصل إن باسم هو اللي اتعقد. تعرفي لولاه كنت أنا كمان احتمال كبير يجرالي حاجة.

كان في تانية كلية سياسة واقتصاد. أخد كليته في مكان بعيد عن إسكندرية عشان يبعد عن مشاكلهم. أخدني أنا كمان معاه كان عندي 15 سنة. كان خايف عليا أفضل معاهم رغم إن قراره ده أذاه لأن بابا مكنش موافق." تنهدت "نور" بتوجس قائلة: "أنا مش عارفة أعمل إيه بس أنا تعبت." في ذات الوقت، دلفت إلى المطبخ مديرة المنزل قائلة بحزم: -مدام نور، زيدان بيه عايزك في مكتبه. نظرت نور لزينة بشك. بادلتها النظرة بارتياب، لتقول بجدية:

-خالص يا حجة. شوفي بتعملي أي. نظرت لها السيدة بضيق من طريقتها السوقية قبل أن تخرج من المطبخ بضيق. تمتمت نور ببعض الكلمات غير المفهومة قبل أن تخرج خلفها. وقفت أمام مكتب والده بارتباك. أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تطرق على الباب بخفة. ليسمح لها الآخر بالدخول بعد ثوان. دخلت قائلة بتردد: -نعم يا زيدان بيه، حضرتك طلبتني. أومأ لها بجدية يغلب عليها الحزن والإرهاق قائلاً: -أيوه، ادخلي واقْفِلي الباب وراكِ.

ابتلعت ما بحلقها قبل أن تغلق الباب. كانت تسير بخطوات خافتة وعيناها تدور في المكان وكأنها تحاول استنباط ما يريده، لكن فشلت وكأن عقلها رفض التفكير. جلست على ذلك الكرسي أمام المكتب مخفضة رأسها. مرت ثوانٍ في صمت مريب قبل أن يتحدث زيدان بتمهل قائلاً بصرامة: -أنتِ بتحبي باسل يا نور؟ كان سؤاله واضحًا وصريحًا، وكان موقفًا لا تُحسد عليه. مشاعر مختلطة ما بين الارتباك والغضب والضيق. زفرت بحرارة قائلة:

-ممكن أعرف سبب السؤال علشان أقدر أجاوب على أساسه. رد زيدان بابتسامة ساخرة: -سمعت زمان إن السؤال ده مش مرتبط بأي أسئلة تانية، لأنه حاجة بتكون في القلب، شيء تلقائي. رفعت نور رأسها قائلة بحيرة:

-أنا معرفش إيه اللي أنا بحسه ناحية باسل. أحيانًا بفرح أوي وهو معايا، ويفرح لما يقولي يا شبح رغم إني ببقى متغاظة. بفرح لما بسمعه بيتكلم عن البيت اللي نفسه فيه. بحسه عيل صغير عايز يفرح وسط أهله. بزعل لما بشوفه متضايق وأنا عارفة إنك السبب في زعلانه. أنا معرفش يعني إيه حب، بس أنا ساعات بخاف عليه لما يتأخر. بحسه ابني وأنا المسؤولة منه. في الفترة اللي فاتت عرفت عنه حاجات كتير أوي. عرفت إنه كان بيحبك أوي لكن زعلان منك. رغم إنه بيبان بارد ومستفز، إلا إنه جواه طفل لسه خايف. خايف يخسر الناس اللي حواليه ومع ذلك مستعد لأي خيانة منهم. هو أنت إزاي محستش بيه؟

ده ابنك. معقول مكنتش فاهم إن ابنك الوحيد مريض نفسي بسبب علاقاتك؟ أنت أذيته، باسل ونيرة. هو المفروض أنا أعمل إيه؟ أنا مش عارفة أعمل إيه. -حبيه يا نور. أنا عارف إنه طلب غريب وإن الحب مش بينطلب، بس قربي منه أكتر واقتحمي خصوصياته. هو يبان إنه مش عايز أي حد في حياته، لكن وجودك معاه هيفرق. يمكن علشان كده دخلتك حياته. عقدت نور حاجبيها قائلة بدهشة: -دخلتني حياته؟ مش فاهمة أنت تقصد إيه؟

أقترب من مكتبه ليستند بساعديه على سطح المكتب قائلاً: -أول مرة شفتي فيها باسل كان فين يا نور؟ مش في المستشفى لما كان بيحقق في موضوع صاحبتك؟ أومأت نور له بالإيجاب. ليكمل بهدوء:

-بعد يوم مقابلة المستشفى، ولما اتقابلتوا في النيابة لما ضربتي الراجل اياه. باسل خلى نيروز يجيب عنك كل المعلومات. كان فاكر إنه بيراقبني، لكن ما يعرفش إني كنت براقبه. عرفت إنه عنده فضول ناحيتك. قررت إني أعرف كل حاجة عنك. وعرفت ظروف حياتك. حتى شغلك عندي في المصنع مكنش مجرد صدفة. وصاحبتك اللي اسمها ناريمان لما عرضت عليكِ تشتغلي في أيام العيد كان مقصود. كنت عارف إنه بيراقبني، فقررت آخد خطوة إني أطلب منك الجواز. كنت متأكد إنه هيعمل اللي عمله، والحكاية كملت زي ما أنتِ عارفة.

نظرت له بحدة وغضب. لكن قبل أن تتحدث، فتح الباب على مصراعيه، ليدخل وعسليتاه الضاريتان تشعان بالغضب والكره. خطواته ونظراته الحادة، قائلاً بداخل تشتعل النيران، وعيناه احمرت من الغضب. شعور التحكم به يقتله. فقط تداخل والده بحياته تجعله يجن جنونه. نهض زيدان عن كرسيه وعيناه تبث برودًا عكس ما بداخله من حزن على ما فعله ليجعل ابنه كارهًا له لتلك الدرجة. وقف باسل أمام والده قائلاً بحدة: -كمل يا زيدان بيه. احكيلي إيه تاني مخبيه؟

ولا تحب تسمعني أنا؟ تمام، خليني أحكيلك شوية عن نفسي. نظر نحو نور الواقفة وبنيتها مصوبة عليه. ابتسم ساخرًا. وضع يديه بجيب بنطاله الأسود. كان يتحرك في الغرفة بحركات عشوائية قائلاً بصوت حاد يغلبه الحزن: -تحب تسمع من بداية إيه؟ تحب تعرف إن بسببك عشت حياتي مش فاهم أنا عايز إيه؟ أنا سافرت وبعدت عنك علشان مبقاش زيك. تحب تعرف إني كنت طفل وبسمع أمي كل يوم وهي بتعيط بسبب معرفتها بعلاقاتك؟ طب أحكيلك عن إحساسي إني يتيم؟

إحساسي إني المفروض مسئول عن تصليح أخطائك؟ طب محاولتش تعرف ليه كنت بآخد أدوية اكتئاب؟ أنا حقيقي وصلت لمرحلة إني مبقتش عايز حاجة من حد ولا حتى عايز مساعدتكم. ولا تدخل في حياتي تاني. نظر لنور ثم ابتسم بحدة واقتضاب: -شكرًا لأنك كنتِ في حياتي، وحقيقي أنتِ إنسانة جميلة وأنا بحسد أبوكِ إنه عرف يربيكِ يا نور. وأتمنالك كل خير مع الإنسان اللي يقدر يكونلك عيلة سوية.

أقترب منها بضعة خطوات، مال عليها مقبلاً رأسها ثم ابتعد. ليري تلك الدموع بعينيها والتي انسابت لا إرادة منها، ليطلق تنهيدة حارة: -أنتِ طالق يا نور. لا تعرف لم هبطت دموعها. حاول جاهداً ألا ينظر إليها. ثم نظر لوالده قائلاً بجدية: -أنا مستقيل من شركتك. كل الورق اللي تحت إيدي هسلمه لنيروز. مبروك يا زيدان بيه، أتمنى تكون سعيد باللي وصلنا ليه. ابتلع ما بحلقه وبالقوة أجبر قلبه على ألا ينظر نحوها. ثم غادر القصر بأكمله.

نظرت نور لزيدان قائلة بعدم استيعاب وبكاء: -طب هو ليه طلقني؟ أنا ذنبي إيه؟ هو مجروح ليه يجرحني أنا كمان؟ أنت وجعته، أنا ذنبي إيه؟ هو فعلاً طلقني؟ ليه؟ كاد أن يتحدث، لكنها ركضت خارج الغرفة لتصعد لغرفتهما مسرعة. ما إن دخلت الغرفة حتى أمسكت بتلك الزهرية لتقوم بكسرها قائلة بصراخ: -ليه ليه؟ أنا عملتلك إيه؟ أنت ليه شايف إني البنت الجامدة اللي مفيش حاجة بتوجعها؟

مع إن محتاجة ليك تطمني. أنا كملت معاك علشان أنا كمان كنت محتاجك. كنت محتاجة أحس بالأمان. طب أنا ليه زعلانة؟ ما هو مش معقول أكون حبيته. ليه أنا عايزة أفهم؟ أنا ذنبي إيه؟ خرجت من الغرفة كالعاصفة. الهواء لا تدري لها بداية أو نهاية، فقط تسير مع الرياح العاصفة لروحها. فتحت باب غرفة نيرة دون أن تطرق الباب قائلة بغضب وحدة: -أنتِ طلبتي مني إني أوافق تتجوزه وعمره ما هيوجعني. طب ليه حاسة بوجع في قلبي؟

طب ليه دخلني حياته لما هو ناوي يتخلي عني؟ أنا حاسة بدماغي هتنفجر وقلبي بيوجعني. لم تعرف نيرة بما تتحدث وهي ترى وجه نور الأحمر من شدة البكاء والغضب. لتجدها تكمل حديثها بالألم: -هو عمل كده ليه؟ أنا كده خلاص هخرج من حياته. باسل أناني. أنا حقيقي بكرهه وعمري ما هسامحه. أنا يمكن مش بعرف أعبر عن اللي جوايا، بس هو أذاني أوي. وضعت يديها موضع قلبها تضرب عليه بقوة وهي تصرخ بالألم: -ليه بيوجع؟ ليه؟

أناني وحقير وزبالة، بس أنا زعلانة إني هسيبه. حاولت نيرة التحدث لكن لم تستطع وهي ترى نور تضحك بهستيرية وتبكي بذات الوقت قائلة بصراخ وهستيرية: -ليه؟ ذنبي إيه؟ خرجت من الغرفة والمنزل بأكمله دون الالتفات وراءها، حتى أنها لم تسمع نداء زينة ونيرة لها. كان يقود سيارته بلا غاية أو هدف، يريد الوصول لمكان فقط، يسير في ذلك العالم وروحه لا تعلم ما تريد، دموعه تنساب بحرية.

تمنى لو أفصح عن كل ما بقلبه، لكنه يعلم أنه لو أخبر والده بكم الألم الذي بداخله لجعله يبكي في نفس اللحظة. تمنى لو أخبره أنه يتألم منذ وقت طويل، لكنه لم يخبر أحدًا، فقط كان وجهه واجهة للصلابة والقوة على الرغم من شعوره بالانقاض بداخله. لما أفصح عن تلك الأشياء الآن؟ لما قرر أن ينفصل عنها في لحظة؟ ماذا فعلت له حتى ينهي علاقته بها؟ كل تلك الأسئلة تدور بعقله وتقوده للجنون، فقط بداخله عاصفة قوية تؤلم قلبه.

غيمة الدموع التي تجمعت بعينيه شوشت عليه الرؤية حتى كاد أن يفتعل أكثر من حادث. الآن يريد أن يتحرر من كل آلمه. يريد أن يبتعد ويسير كما هو مقدر له. يأخذه القدر حيث لا مكان ولا هوية ولا أي صلة، حيث لا ألم ولا علاقات مفجعة. أوقف باسل سيارته على أحد الشواطئ الخالية. ترجل من سيارته يتجه في طريقه نحو البحر وأمواجه الهوجاء.

صرخ بأعلى صوته وهو يضع يديه على قلبه، كان يصرخ ويحاول إفراغ كم الغضب الذي بداخله والذي كتمه منذ أن كان طفلًا. طفل رأى مشاجرات والده ووالدته كل يوم. طفل رأى أمه تبكي كل يوم من أفعال والده. طفل كاد أن يموت بسبب والده. شاب شب على الخلافات، الصراعات بداخل عقله تفتك به. يبدو لك وكأنه شخص عادي، لكن بداخل حروب ما بين عقله وقلبه.

تلك الحروب تجعله يتمنى لو يذهب لوالده يخبره أنه كان يحبه. تمنى لو يصبح صديقه، لكنه كان أول شخص تسبب بأذيته. باسل بغضب وصراخ: "كل حاجة كانت هتبقى كويسة، كنت بدأت أنسى وأتعافى ليه، ليه بيتدخل في حياتي؟ ليه عايز دلوقتي يبقى أب مثالي؟ ليه؟ أنا تعبت، دماغي مش قادر أفكر، ليه؟ أخذ يضرب موضع قلبه بقوة وغضب لا يتناسب مع أي شخص بكامل قواه العقلية. هل هو مريض نفسي؟ كيف يتعافى المرء؟

تلك الأسئلة ظلت تدور بعقله دون إجابة، هو فقط يسقط، لم يعد يتحمل. في منزل آل الشهاوي. تجلس حياء في شرفة منزلها، أغمضت عينيها بحزن وألم متذكرة إحدى ذكرياتها مع والدتها الراحلة حينما كانت شابة في بداية العشرينات في تروا -فرنسا. _عودة للماضي

_كانت تجلس حياء ذات البشرة البيضاء المتشربة من أشعة الشمس والشعر الغجري الأسود يلامس وجهها برفق أثر حركة الهواء، تجلس على تلك الحشائش الخضراء في المراعي بينما تجلس شغف على مقربتها وهي تراعي الأغنام. تاففت حياء بضيق وهي تنام على تلك الحشائش، رفعت يديها في الهواء تحركها بطريقة عشوائية وهي تنظر للشمس قائلة ببساطة: -L’Egypte vous a manque؟ "هل اشتقتي لمصر؟ ردت شغف بحدة وصرامة: -اتكلمي بالعربي يا حياء.

ابتسمت حياء بحزن قائلة: -Je n’amie pas parler arabe parce que j’aurais amie y aller. "لا أحب التحدث بالعربية لأني حينها أتمنى لو ذهبت إليها." تنهدت شغف بحزن لاحظته حياء، نهضت تجلس، عدلت ثوبها الأزرق قبل أن تستقيم تمشي حافية الأقدام لتقترب من أمها، احتضنها لتستند برأسها على كتف شغف التي ابتسمت بحنان قائلة:

-تعرفي يا حياء أنا عشت حياتي كلها بتمنى ألقى معجزة تغير حياتي، قابلت باباك وكنت فاكرة إنه المعجزة اللي هتحول حياتي، من يوم فرحنا، لكن لما جيت فرنسا وشوفتك أول ما اتولدت عرفت إنك معجزتي يا حياء. ابتسمت بسعادة وهي تنحني تطبع قبلة على وجنة والدتها لتبتعد ممسكة بيد والدتها تستمع لإحدى الأغاني الفرنسية القديمة، كانت تغني وترقص على أوتار تلك الأغنية تتحرك مع والدتها على تلك الأرض الخضراء قائلة بحماس:

-في يوم من الأيام هينتهي كل الحزن، هتشرق الشمس بحياتنا، هنفضل مع بعض للنهاية، العتمة هتزول، كل العتمة اللي بقلوبنا هتزول بس راح يضل الحب، بين السماء والأرض إحنا موجودين، إيدي بإيدك. ابتسمت شغف قائلة بمرح لتكمل الأغنية بسعادة: -لما الحب يلمس قلوبنا راح تتغير كل حياتنا. ردت حياء ببلاهة وهي تبعد خصلات شعرها عن وجهها قائلة:

-أنا مش بصدق في وجود الحب على فكرة يا ماما بس أنا بحبك أنت، معقول أقابل شخص يحبني زي ما أنا بدون ما يتحكم فيا؟ أنا بحب أعيش زي الفراشة، لا يزول أثر الفراشة أبدًا. ردت شغف قائلة بهدوء وعشق خفي لشريف:

-الحب لما يجي مش هيستأذن يا حياء، هتلاقي نفسك تلقائيًا وقعتي. تعرفي يا حياء دعوتي ليك إنك تلقى شخص يحتوي أي حزن أو خوف جواك. بصي لما تحسي بقلبك بيدق بسرعة أوي حطي إيدك على قلبك واسمعي صوته وشوفي مين أول شخص هيجي على بالك وتبتسبي، هو هيكون حبيبك. ردت حياء بمشاكسة صادقة وهي تحمل حملًا صغيرًا أخذت تلمس شعره الأبيض قائلة:

"أنت حبي الأبدي يا ماما. صحيح الخواجة اندريه قالي أقولك إنه عايز يشتري المزرعة ويضمها لمزرعته بيقول إن بتاعتنا صغيرة ومش هنحتاجها في حاجة بس أنا قولته لأ مش هنبيعها." "ليه بقى يا حياء؟ وقفت تحت شجرة صغيرة قائلة: -علشان المزرعة دي فيها كل ذكرياتنا الحلوة ولو في يوم من الأيام بعدنا لازم نرجع لها تاني. علشان بيلو -خروف

-هو صديقي المقرب، البشر ملهمش أمان علشان نصاحبهم. تعرفي أنا كنت أتمنى يكون عندي أخت، بس انتي أختي وأمي وحبيبتي وكل عالمي. أبتسمت شغف قائلة بسعادة: "وأنت معجزتي يا حياء." _عودة للوقت الحالي _فتحت حياء عينيها وهي تبعد خصلات شعرها الغجري عن وجهها قائلة باشتياق:

-أنت معجزتي يا حياء، بس الحقيقة أنت معجزتي يا ماما. لما بحط إيدي على قلبي وبابتسم أنت اللي بتخطر على بالي. يمكن لأن الحب دائمًا للحبيب الأول وأنت حبي. تعرفي أنا مشتاقة ليك بس لما بشوف جلال بفتكرك وبفتكر المزراعة وبفتكر بيلو والخواجة اندريه. ساعات بحس جلال هو كل حاجة جميلة عديت بيها. كان نفسي أعرفك عليه يا ماما، وأعرفك على زينب وصالح وإيمان ويوسف وشهد. أنا عندي أخت، هي صحبتي الوحيدة هي وإيمان. أنا أم يا ماما وجدة عندي تلات أحفاد زي القمر، لسه في الحضانة إن شاء الله هيكونوا كويسين وكمان واثقة في ربنا إنه مش هيحرمهم من أمهم. هي في القاهرة بس تعبت كتير أوي إن شاء الله هتقوم بالسلامة.

فاقت من شرودها على صوت رنين هاتفها، نهضت لتلتقطه لتجد رقمًا مجهولًا. ردت بهدوء قائلة: -أيوه مين معايا؟ رد شخص ما بصوت هادئ قائلاً: -شيف حياء الهلالي، صاحبة مطعم شغف الحسيني الإسكندراني. ردت حياء بالموافقة: -أيوه أنا يا فندم مين معايا؟ -أنا مراد المصري، من منظمين مسابقات الأكل وسمعت عن حضرتك كتير وعن مطعمك والشهرة الكبيرة اللي حصل عليها وحقيقي استغربت إنه اتقفل رغم إن كان فيه شهرة كبيرة جدًا عليه.

ردت حياء ببساطة وهدوء: -المطعم اتقفل لأني وصلت لمرحلة إني قدمت كل اللي أمي علمته ليا وقدمت كل اللي بعرف أعمله وأنا عندي حياتي الخاصة، بس مش فاهمة حضرتك عايز مني إيه؟ رد مراد بإعجاب قائلاً: -أنا من المعجبين بحضرتك جدًا في المجال ده لأنك بجد موهبة كبيرة. أنا شفتك شخصيًا من عشر سنين وحضرت أوقات كتير في المطعم بس بعدها سافرت ألمانيا بسبب شغلي، المهم دلوقتي حضرتك سمعتي عن مسابقة مواهب المطبخ اللي هتم بعد شهرين؟

ردت حياء وهي ترفع شعرها ذيل حصان قائلة: -سمعت عنها، هتكون في إسكندرية بس أنا إيه علاقتي بيها؟ رد مراد بهدوء قائلاً: -المطعم بتاعك هيكون مكان مميز جدًا لإقامة المسابقة لأنه في مكان مميز في إسكندرية وحابب أقابل حضرتك لو عندك وقت، ممكن بكرة أو النهاردة، حابب نتكلم في التفاصيل، المطعم جميل جدًا وفي مكان رائع حقيقي حرام يتقفل. لو عندك وقت ممكن نتقابل بعد ساعتين في مطعم... تنهدت حياء قائلة:

-بس أنا مشغولة والمطعم غالي عليا، وأكيد مش هحب يحصل فيه أي تعديلات. رد مراد قائلاً بجدية: -مش هاخد من وقت حضرتك نص ساعة، وثانياً إحنا مش هنغير حاجة، بس هنعمل شوية تعديلات بسيطة جداً. لو وافقتي هستنى حضرتك، وصدقيني مش هاخد من وقتك. ردت حياء قائلة بموافقة: -تمام، كمان نص ساعة هكون في المطعم. ابتسم الآخر قائلاً: -في انتظار حضرتك. أغلقت الخط، ثم أجرت اتصالاً بجلال، لكن لم يجب لعدة مرات.

توجهت نحو غرفة الثياب لتبدل ثوبها لآخر عملي، وارتدت حجاباً أبيض. خرجت بعد مدة متجهة لذلك المطعم، والذي يُعد ملكاً لزوجها منذ سنوات. حاسبت سائق السيارة الأجرة، ثم دلفت لذلك المكان. ما إن دلفت للمكان حتى تلقت التحية من العاملين به. وقف أمامها رجل يبدو في نهاية العقد الخامس، ذو لحية بيضاء وقد زحف الصلع لرأسه. ابتسم مراد بلباقة قائلاً: -مدام حياء، أهلاً بحضرتك. أنا مراد المصري. ردت حياء بجدية: -أهلاً يا فندم.

جلست على إحدى الطاولات وهو في مقابلها قائلاً بإعجاب: -حضرتك لسه جميلة زي آخر مرة شفتك فيها في المطعم. أجابت حياء بحدة: -لو سمحت يا أستاذ مراد، تحفظ حدودك وتدخل في الموضوع على طول. رد مراد قائلاً بوقاحة: -أنا آسف يا فندم، بس الصراحة أنا بحسد جوزك عليكي. ضربت حياء على سطح الطاولة قائلة بغضب: -أنت إنسان وقح، وأنا غلطانة إني وافقت أقابلك. كادت أن ترحل، إلا أنه قال برجاء:

-أنا آسف يا فندم، ممكن نتكلم في الشغل، وأنا فعلاً مش قصدي حاجة. زفرت حياء بغضب قائلة: -يا ريت تتفضل تتكلم. -المطعم بتاع حضرتك، أنا عندي استعداد أشتريه لأنه في مكان يعتبر واجهة للسياحة في إسكندرية، والمسابقة دي هيحضرها ناس من أماكن مختلفة في العالم. أنا موافق على السعر اللي تحدديه. صمتت للحظات وعقلها عاد لأول ذكرى لها بذلك المطعم حينما أهداها جلال إياه، لتقول بهدوء قاطع:

-أنا آسفة يا أستاذ مراد، المطعم مش للبيع، وأتمنى لحضرتك تلقى مكان تاني أحسن منه، بعد إذنك. كادت أن تغادر، إلا أنه أمسك يديها قائلاً بجدية: -اسمعيني بس يا هانم. نظرت بحدة بيديه قائلة بغضب وصوت عالي: -ابعد إيدك دي عني. حاولت جذب يديها، لكنه لم يتركها قائلاً بلهفة: -مدام حياء، المطعم حرام يتقفل. أنا ممكن أدفع لك اللي تطلبيه، أي يكن المبلغ. لم تجب عليه، بل جاءت تلك اللكمة على هيئة جواب له، ليسقط أرضاً من شدتها.

رفع رأسه بألم وهو يضع يديه على خده، ينظر لذلك الواقف، وخضراوتيه مشتعلة بحمرة الغضب. أما عن حياء، فشعرت بالخوف، كيف جاء فجأة هكذا؟ متى علم أنها بحاجة إليه؟ لكن هل سيمر الأمر بهدوء هكذا؟ نزل بجزعه بغضب، وهي يستند بيديه على ركبته، قائلاً بغضب أمام مراد: -واضح إنك مش من إسكندرية، أصل اللي ميعرفش إن حياء الهلالي خط أحمر، يبقى ميعرفش جلال سليمان الشهاوي. ابتلع مراد ريقه بصعوبة قائلاً بتوتر: -أنا... أنت...

أمسك جلال بفكه السفلي وهو يضغط عليه بحدة وغيره قائلاً: -أنا جلال الشهاوي، والمدام اللي أنت اتجرت ومسكت إيديها تبقى حرمي، يعني أنت كدا ارتكبت خطأين: عليت صوتك في مكاني ومطعمي. مسكت إيد مراتي بالغصب. عندنا في حاجة اسمها أصول، واللي ميعرفهاش لازم أعلمهاله. ما إن أنهى جملته حتى ضربه مرة أخرى بغضب وشدة. حاولت حياء إبعاده قائلة بخوف: -جلال، محصلش حاجة، ابعد عنه، سيبه. معتز يا فريد.

جاء اثنان من العاملين بعد نداء حياء عليهما. حاولا إبعاد جلال، الذي ابتعد عنه قائلاً بحدة: -لما تبقى في مكان لازم تحترم صحابه، ولما تقف مع واحدة لازم تحترمها. أنهى جملته ممسكاً بيديها بقوة، خرج من المكان وهي تتبعه بغضب من أفعاله اللاعقلانية. فتح باب السيارة قائلاً بحدة: -اركبي. أجابت بتذمر وغضب: -مش راكبة، ممكن أفهم إيه اللي عملته ده؟ جلال، أنت بجد، اوف، أقول إيه بس، فوضت أمري لله. مال عليها قائلاً بحدة:

-اركبي يا حياء، واقصري الشر علشان عفاريت الدنيا بتنطط قدامي. عضت على شفتيها بغيظ قائلة: -لينا بيت نتكلم فيه يا ابن الشهاوي. صعدت السيارة دون أي حرف آخر، وهو كذلك لم يتحدث. وصل للمنزل وأغلق الباب خلفه ليقول بحدة: -ها يا هانم، ناوية تقولي إيه؟ أجابت حياء بغضب: -جلال، أنت شلفطت وش الراجل، مكنش فيه داعي لكل ده. اقترب منها ليقف أمامها مباشراً قائلاً بنبرة خافتة:

-اللي يقرب منك ويضايقك يبقى هو اللي اختار يقف قدامي يا حياء، متلومنيش، لأن الذنب مش عليا، الذنب الأول والأخير عليك أنت. تلألأت عيناها بالدموع وكادت أن تبكي قائلة بعتاب: -عليا أنا؟ "أنا ذنبي إيه؟ غمغم ولم يرتجف جفنه قائلاً بنبرة جادة:

"ذنبك الوحيد إنك خليتني أحبك وأتلهف لرؤية عيونك. ذنبك إنك خليتِ قلبي أسير، وأنا عمري ما حد أسَرني يا حياء، وأكون راضي قد ما بكون راضي معاك. فالذنب ذنبك أنت، وذنب عيونك اللي بتلمع لما بتشوفيني." ردت حياء ودموعها تنساب على وجنتيها:

"وأنا مش عايزة أتوب عن الذنب ده. بس لازم تعرف إن مهما حصل حياء بتحب وتحترم جلال، واللي عملته يدل إنك مش عاوز تفهم إننا مش الاتنين اللي قابلوا بعضهم الشاب والبنت. إحنا كبرنا، لازم تفهم ده يا جلال. أوعى تفكر إني هبقى فرحانة لما تأذي حد وتأذي نفسك بسببي." مال عليها مقبلاً قمة رأسها:

"أنا يا حياء لو كبرت يوم فحبي كبر ليك بحق كل لحظة بينا. وأنتِ أكتر واحدة عارفة إن مش أنا اللي أسيب حقي ولا حق أهل بيتي. يالا جهزي نفسك، هاخدك أنتِ وشهد ونروح لزينب. الأولاد احتمال يخرجوا من الحضانة النهاردة، وبيلا لازم تكوني معاها. النهاردة زينب كانت هتروح مننا لولا ستر ربنا. ادعيلها يا حياء لأن حالتها بتسوق للأسف." تنهدت بحزن قائلة:

"بدعيلها يا جلال، إن شاء الله تقوم بالسلامة لأجل الأولاد وصالح هو كمان صعبان عليا أوي، بس متضايقة إنه مش عايز يشوف الأولاد. مينفعش كدا، دول ولاده." اللمعت عيناه بالدموع قائلاً: "صالح أكتر واحد صعبان عليا من يوم اللي حصل، وهو ضعيف. أول مرة أحس إن ابني ضعيف يا حياء ومقدرش أساعده ولا أقوي قلبه. يمكن لأن قلبه متعلق بيها." سألته حياء بهدوء قائلة: "انت عرفت إني في المطعم إزاي؟

"كنت راجع البيت لكن موبيلي رن ومحمود اللي شغال هناك كلمني وقالي إنك هناك." "طب ليه لما رنيت عليك مش رديت؟ "الموبيل كان بعيد عني وكان معايا حد. يالا بس شوفي هتعملي إيه علشان نروحلها." أومأت له بجدية قبل أن تغادر الصالون. *** في منزل سالم صعدت نور الدرج بخطوات مهتزة وقلب مرتجف، عيونها منتفخة أثر بكائها. جلست على إحدى الدرجات ودموعها تنساب بلا توقف، تشعر بالحزن اتجاهه واتجاه قلبها.

أحياناً يتوجب علينا البكاء، حينها نشعر ببعض الراحة، لكن لما لا يرتاح قلبها؟ في نفس التوقيت نزل سالم الدرج ببطء وإرهاق لتأدية صلاة المغرب في المسجد، لكنه فوجئ بابنته تجلس وتبكي. انقبض قلبه بخوف وهو ينادي عليها. جلس بجوارها بينما أخفضت رأسها. ابتسم بحنان، مد أنامله أسفل ذقنها ليرفع وجهها له قائلاً بحب أبوي ممزوج بخوف: "طب يهون عليك وجع قلبي دلوقتي؟ مالك يا قلب أبوك؟ لم تستطع التحدث بينما احتضنته قائلة بألم:

"قلبي وجعني أوي يا بابا، أوي. هو أنا ليه مش زي باقي البنات؟ يمكن لو كنت بعرف أظهر مشاعري كان عرف إن إني عايزاه، برغم عقده برغم طريقته معايا. أنا حتى مش عارفة لو ده حب ولا مجرد احتياج. أنا زعلانة أوي وقلبي وجعني أوي وتعبت. يا بابا هو أنا غلطت لما وافقت أتجوزه؟ ولا غلطت لما اتعاملت بخشونة مع الدنيا؟

أنا كنت بشتغل وسط رجالة في المصنع، مكنش ينفع أبقى البنت الناعمة، كان لازم أتعامل كدا وأبقى كدا. طب هو كان ممكن يحبني لو حسيته إني مهتمة بيه؟ أنا اتعاملت معاه على إنه ابني وأخويا وصاحبي، حبيت أقرب منه وكأننا صحاب، أخليه يقدر يحكيلي اللي وجعه، لكن هو وجعني معاه. أنا اتعاملت معاه كأنه كل حاجة إلا إنه جوزي، وهو طلقني. عارف يا بابا نفسي أشوفه دلوقتي وأضربه بالقلم على وشه وأقوله إنه غبي أوي أوي يا بابا وإني زعلانة منه."

احتضنها بحنان لتندس بين أحضانه تبكي بذعر دون أن تعلم كم مر عليها من وقت. مر أكثر من ساعة ولم يمل والدها من حديثها وبكائها، فقط ظل يستمع لها باهتمام بينما تبكي بحزن وغضب، لكن لا تستطيع الصراخ مثله. ساعدها في النهوض لتصعد معه السلم ودلفت إلى المنزل، والذي ما إن رآها شقيقها الأصغر حتى صاح بسعادة: "نور وحشتني أوي أوي." اكتفت بابتسامة جميلة وهي تجلس أرضاً لتخرج من جيبها كرات صغيرة من الشوكولاتة قائلة بحب:

"أنت كمان كنت وحشني أوي، وكنت ناوية أجي بكرة وكنت جايبالك الشوكولاتة اللي بتحبها، بس خالص، أنا هفضل معاكم ومش همشي تاني. ويا ريتني ما مشيت." رفع يديه يمسح دموعها قائلاً بحزن وبكاء طفولي: "هو انتي بتعيطي يا نور؟ هزت رأسها قائلة بحماس وسعادة زائفة: "لا طبعاً، محدش يقدر يخليني أعيط. يالا خد الشوكولاتة وادخل ذاكر مع سيف. أنا بس تعبانة شوية، هدخل أنام ولما أصحى هنقعد سوا، ماشي؟

أومأ لها بالموافقة، نهضت تتجه نحو غرفتها. ما إن دخلتها وأغلقت الباب خلفها حتى ارتمت فوق الفراش وعقلها يتذكر كل كلمة بينهما وكل ضحكة وقحة خرجت من شفتيه، كل لحظة حزينة، مشاكسته وضحكاته. وضعت الوسادة فوق وجهها تمنع دموعها من الهبوط، لكن كيف للعقل أن يكف عن التفكير، وكيف للقلب أن يرحمها من ذلك الألم؟ *** في المشفى بالقاهرة

كانت إيمان تقف أمام الحضانة تنظر للأطفال بابتسامة حزينة، تشعر بالنفور من نفسها، تشعر بكم الأنانية التي كانت تنسجم به. "أنانية" هذا ما يدور بعقلها، حتى أنها تشعر بالاشمئزاز من تفكيرها المريض. تمنت لو تركض نحو والدها وتخبره أنها خائفة. اقترب يوسف منها بابتسامة هادئة، لمح تلك النظرة في عينيها، لكن لم يستطع تفسيرها. مال عليها مقبلاً رأسها قائلاً بابتسامة: "شكلهم حلو مش كدا؟ أومأت له ثم تابعت بحزن:

"يوسف أنا خايفة. انت واثق فيا؟ لم يجيبها بل احتضنها مربتاً على ظهرها بحماية وحنان قائلاً: "واثق فيكي يا إيمان وبحبك. عارفة ليه؟ علشان أنتِ العهد اللي أنا أخدته قدام ربنا إني أفضل أحبك طول العمر ومهما حصل هتفضلي في قلبي، وربنا يقدرني وأقدر أحفظ عهدي." رفعت رأسها قائلة: "يوسف هو أنا أنانية؟ أنا بنت مؤمنة إن اللي ربنا عايزه هيكون، لكن خوفي للحظات خلاني آخد حبوب لمنع الحمل. أنا عارف إنك...

"ششش إيمان، أنا بحبك. عارف اللي أنتِ كنتِ مخبياه عليا، لأن شفت الحبوب قبل ما نسافر وعارف إنك وقفتيها. أنا مش غبي، وأنتِ لأنك بريئة مقدرتيش تخليه سر. أنا كنت عارف رغم إني كنت متضايق من إنك خبيتي عليا حاجة زي دي، إلا إني كنت مقدر خوفك. بس أنتِ غلطتي يا إيمان، كان المفروض أنا أول واحد تيجي تقوليلي على خوفك من موضوع الحمل وإحنا برا مصر."

"أنا آسفة يا يوسف، أنا حقيقي اتصرفت بدون تفكير. بس ليه انت مقلتليش إنك عارف الحقيقة وعارف إني أخدت الحبوب دي؟ ابتسم يوسف برفق قائلاً: "تقدري تقولي كدا يا ستي، إني عارفك كويس وعارف إنك هتروحي لوالدتك تتكلمي معاها وهي هتنصحك توقفيها. وكمان عارف إن ضميرك هيأنبك لوحدك. والصراحة كنت عايز أعرف لو هتيجي تحكيلي ولا لأ. والسبب الأهم هو إني غلطت في الأول خالص لما سافرت وسيبت مصر، لكن أنتِ وقتها عملتي إيه؟

كان ممكن توافقي على العريس اياه وتنسيني خالص، لكن اديتني فرصة تانية لأنك بتحبيني، وأنا كمان بحبك وعايز أكمل حياتي معاكي يا إيمان." "طب انت مش زعلان إن موضوع الحمل اتأخر؟ رأسه بمعنى لا ليقول بجدية: "أولاً مكنش أسبوع أخدتي فيه الحبوب دي. ثانياً وده الأهم، دي إرادة ربنا. لما يريد إننا نكون أم وأب ساعتها هيحصل. ممكن بقى تبطلي الزعل والإحساس الوحش ده، لأن مش لايق على عيونك الحزن." ابتسمت قائلة بهدوء:

"أنا ربنا رضاني ورضى قلبي بحبك يا يوسف." تنهد براحة وهو يضع يديه على كتفها ينظر عبر الزجاج لهؤلاء الأطفال بحب. *** دلفت الممرضة إلى الغرفة تحمل بين يديها طفلتنا وأخرى خلفها تحمل ولداً صغيراً. لتقول بجدية وصوت منخفض: "صالح بيه الأولاد." نهض عن ذلك الكرسي وهو ينظر لها، ثم أخفض بصره ينظر للفتاتان. كانتا صغيرتين جداً، ملامحهما بريئة، تخطف العقل والقلب من نظرة واحدة. مد يديه يحملهما بحنان وحب فطري. لتقول

الممرضة بحزن وانكسار: "إن شاء الله هتقوم بالسلامة." وضعت الممرضة الأخرى الولد على الفراش بجوار زينب ثم خرجتا من الغرفة. ظل ينظر لهما بهدوء وخوف طفيف لا يعلم مصدره. شعور أنك أب مسؤول عن أطفال يجعلك ترتجف من الداخل. فتحت إحداهما عينيها لتلمع رماديتها الصغيرة. انسابت دموعه لا إرادياً ليقول بخوف وحنان:

"طب قوللها أنتِ، ما بقوا خلوها تصحى. هي هتسمعكم أنتم. يمكن زعلانة مني عشان كدا مش عايزة تقوم وتكلمني، بس أكيد مش هتزعل منكم لأنها بتحبكم أوي. بتحبكم أكتر من حبها ليا أنا. قوللها إني مش هقدر أربيكم لوحدي وإني ضعيف من غيرها وإني بحبها أكتر من نفسي." وضع الفتاتان بجوارها. أمسك بيدي زينب ليضعها على يدي ابنته وابنه. ما إن وضع يديها حتى قام ابنهما بمسك إصبعها بقوة ضعيفة.

ابتسم صالح وهو يمرر يديه على وجنتها، أطلق تنهيدة حارة بألم، إلى متى ستظل بعيدة عنه؟ *** في إحدى المصحات النفسية دلف عمر إلى داخل المصحة بشموخ وخطوات ثابتة، كان يسير في الممر الطويل ببرود شديد وهو يستمع لصوت الصراخ يأتي من إحدى الغرف. لم يبالي بكل هذا، بل ظل يمشي في طريقه إلى أن وصل أمام غرفة. قام الممرض بفتح الباب قائلاً: "تؤمرني بحاجة تانية يا باشا؟ رد عمر بجدية وكبرياء حاد:

"اصبر على رزقك، لسه في بينا كلام، بس سيبني معاها." أومأ الممرض بالموافقة قائلاً: "بس الله يرضى عليك ما تتأخر يا باشا، الدكتور لو مر على الأوض وشافك هيقلب الدنيا." لم يرد عمر عليه وهو يدلف. دخل الغرفة، كانت ذات اللون الأبيض، كل شيء بها بارد ومخيف. نظر لتلك الجالسة فوق الفراش تضم جسدها بخوف. سحب كرسياً ليجلس بجوار الفراش قائلاً: "موجودة في المكان اللي يناسبك يا عصمت هانم." رفعت رأسها وهي تستمع لذلك الصوت

الذي تبغضه قائلة بسخرية: "عمر الرشيد." أومأ له قائلاً بابتسامة: "عمر الرشيد. ها قوليلي إيه رأيك في الإقامة في مستشفى المجانين؟ ردت عصمت بحقد: "انت فكرك أنا هفضل هنا يا عمر؟ تبقى بتحلم. الدكتور هيثبت إن سليمة ومفيش حاجة، وهخرج حتى لو اتحبست ودخلت السجن مش هيفرق عندي." صدحت ضحكته الرنانة أرجاء الغرفة قائلاً: "تخرجي؟

لا يا عصمت، دا انتي اللي بتحلمي. اوعي تكوني فاكرة إن السجن مصيرك. تؤتؤ، اصل نسيت أقولك إن أنا رشيت الدكتور والتقرير بتاعك جاهز إنك مجنونة. وصحيح، هيعفوكي من السجن اللي ورا القضبان، لكن مش هيعفوكي من السجن بين أربع جدران. سجن جلسات الكهربا، ولا أدوية الاكتئاب. والأهم هو فلوسك. نسيت أقولك، فلوسك أنا اتبرعت بيها لجمعية كبيرة هيعملوا مشروع للشباب. صرخت عصمت بهسترية وعادت للبكاء والصراخ الجنوني:

-لا يا عمر، بلاش الفلوس علشان خاطر بيلا. اديني فلوسي. مش مهم أخرج، بس اديني فلوسي. فلوسي، فلوسي. -فلوسي لا يا عمر، انت قلهم دي حقي أنا. نظر لها باشمئزاز قائلاً:

-إنسانة حقيرة وزبالة. أد إيه الفلوس عمية عنيكي. روحي يا عصمت، ربنا ياخدك. بس لا، مش بسهولة كدا. اللي عملتيه في بيلا وفي ملك، هتدفعي تمنه طاق طاقين. أنا بقى مجهزلك برنامج هيعجبك أوي. بين كهربا وأدوية هلوسة واكتئاب وحبس انفرادي في الأوضة دي. لا لا، متقلقيش، هيعجبك. صحيح نسيت أقولك، أمك ماتت. تفيدة خانم مستحملتش وماتت من يومين. وعلشان أنا بعرف في الأصول، دفنتها في مقابر العيلة. رغم إن اللي زيكم ميستاهلش، بس اللي أمك عملته، انت هتدفعي تمنه. ضيفي عليه حسابك يا عصمت.

كانت تصرخ بهسترية مرددة تلك الكلمات: -فلوسي، لا يا عمر، فلوسي. نظر لها باشمئزاز وكره، بينما ظلت تردد كلماتها بجنون حتى فقدت الوعي. لم يهتم كثيراً وهو يغادر الغرفة، لكنه لن يتركها إلا عندما تتألم وتصرخ كل يوم وكل ليلة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...