كانت نور تصرخ به بغضب وكره من تقلباته المزاجية. هل يعتقد أنها لعبة بيدها يحركها كما يشاء. ردت معنفة إياه بغضب مشعلة نيران الغيرة بداخله: -أنا مش مرات حد، أنت فاهم يا باسل بيه؟ أنت طلقتني خالص، فركش، خلصت الحكاية اللي حضرتك رسمتها. إيه عايز إيه تاني؟ وبعدين أنت مالك، اتجوز وأحب أن شاله، حتى أصاحب... لم تكمل جملتها لتجده يقترب منها بعيونه الحادة والحمراء من شدة الغضب. ابتلعت ما بحلقها بارتباك.
شاعرة بتيار كهرباء يسير بجسدها، لكن لا مجال للخوف منه. هو من آذاها، فعليه تحمل نتائج أفعاله. تركها بدون أي مبرر أو ذنب. حملها سريعا على كتفه كشوال الأرز. صرخت نور بصدمة وهي تركل بطنه بقدميها، بينما هو يخرج من الحفل غير مبالٍ بنظرات الضيوف له: -أنت اتجننت، نزلني يا باسل، بقولك نزلني. صرخت عليه بجنون وهي تحاول النزول عن كتفه الصلب: -أنا مش مراتك، فاهم؟ لو عملت إيه، ما أنا راجعالك. نزلني يا حيوان.
جز على أسنانه من شدة الغضب، مزمجرا بحدة: -هنشوف يا حرمي المصون. قالها هازئاً واثقًا، وهو يخرج من القاعة بأكملها متجها نحو سيارته المصفوفة في الجراج. ألقاها بسيارته في المقعد الخلفي سريعا، أمام أعين بعض الأشخاص المتابعين للموقف. كانت ستصرخ به مرة أخرى، إلا أنه كمم فمها بيديه وهو يرمقها بعسليته الضاريتان: -قسما بالله لو سمعت صوتك، لأكون جايب أجلك، أنت فاهم؟ مش عايز عبط على المساء.
وبعدين في حد يتكلم مع جوزه كدا برضه يا شبح. -شبح لما يلهفك. ردت بتلك الكلمة بداخلها وهي تنظر له عن قرب بعيون تلمع بالشراسة والغضب. قضمت يديه بأسنانها الحادة، فطبعت أسنانها علامات حمراء على يده. كبح باسل التاوه سريعا وهو يبعد يده عن فمها. نظر لها بشر، في لحظة تهور، رفع يديه وكاد أن يصفعها، لكنه توقف حينما رآها تنكمش على نفسها، تغمض عينيها بخوف. منتظرة شيئًا، يقسى قلبها عليه أكثر.
أنزل يده المرفوعة وقبض عليها بقوة، وهو يلقي عليها نظرة معاتبة غاضبة، ثم جذب بعدها حزام الأمان وربطه جيدا بها بقوة، حرصا على ألا تفتعل جنونا أثناء قيادته. خرج من السيارة صافق الباب خلفه بقوة، بينما سار بعدها خط من الألم منتشر بجسدها، ولم تلبث إلا واغمضت عينيها مستسلمة للواقع المرير معه والحروب التي ستقام بينهما من الآن فصاعدا، حتى يتنازل أحدهم ويترك للآخر حرية الهرب منه. دخل السيارة واحتل مقعد القيادة. أدار محرك
السيارة وهو يلقي عليها نظرة محتنقة. بينما هي ساكنة بالخلف تغمض عينيها هربا من نظراته. أثناء قيادته والصمت الأسود بينهما، لاح بعقله وجهها المضطرب والخائف منه. بعد مدة قصيرة، وصل باسل إلى تلك الفيلا الصغيرة بعيدة عن قصر العلايلي. بلعت غصة حادة كشفرة مسننة وهي تراه يخرج من السيارة ويفتح الباب جوارها، ثم أشار لها بمنتهى الهدوء وعيناه تحذرها ألا تفتعل جنونا. -انزلي يا نور. كتفت ذراعيها أمام صدرها ونظرت أمامها بغضب وشراسة.
-أنا عايزة أروح. رد وهو يستند على سقف السيارة ببرود. -مفيش مرواح، أنتِ هتقعدي في المكان اللي أنا عايزه. ردت نور بتمرد وهي تنظر إليه بقوة. -ليه إن شاء الله؟ تكونش اشتريتني وأنا معرفش. أجابها بنبرة صادقة وهو يتمعن النظر لبنيتها. -آه اشتريتك يا نور، بس بقلبك اللي كل ما أقرب منه أحس بأنه بيدق عشان أنا. قالت بعينين نافرتين نحوه: -أنت فاكرني لعبة عندك يا باسل بيه؟ طب أنت عملت إيه لما حسيت بقلبي بيدق عشانك؟
بكل بساطة قلتها أنتِ طالق، وكأني مش بني آدمة، أول ما تحصل مشكلة تكسر قلبها وتيجي عليه بالجزمة. أنت غبي يا باسل، غبي أوي. وبعدين أنت طلقتني. هدر بانفعال بعد تلك النظرة المعاتبة منها وهو يميل برأسه عليها. -مفيش طلاق، سامعة؟ ولو هنيجي لحكم الدين، فإحنا لسه في شهور العدة.
ولو قلتي ملمستكيش، فمفيش عدة. هقولك، إحنا قعدنا مع بعض وقت طويل، حتى لو جوازنا على الورق، فأنا وأنتِ كسرنا حدود كتير أوي، شفتك مثلاً بشعرك وفساتين قصيرة، وأخذت في حضني وأنتِ نايمة، وبوستك. العلماء اختلفوا على موضوع العدة، بس دا لو أنتِ مكنتش دخلتي بيتي وعشنا شهور مع بعض في نفس المكان وشاركنا بعض نفس الأوضة. فكي الزفت ده وطلعي يا نور. حاولت جذب الحزام ولكنها فشلت في خلعه. فسَبت بغيظ وهي تصيح:
-تعالى فك الزفت اللي ربطني بيه ده. ولا كأنك رابط جاموسة. جاتكم قرف، صنف مالوش أمان. حذرها باسل ببرود. -لمي لسانك يا نور وتعدلي. صاحت بتشنج من الخضوع إليه. -إحنا جايين هنا ليه؟ أنا عايزة أروح، روحني. مال عليها وفك حزام الأمان وهو بالقرب منها، أنفاسه تضرب وجنتيها وتوصل الرجفة لجسدها وقلبها الأبله الذي يخفق بالقرب منه بجنون. كان قريبًا منها جدًا، يكاد يلامس شفتيها بشفتيه. إن رفع رأسه قليلاً،
فقد كان منحنيًا أمامها يحل الحزام الذي يأبى بعناد تحريرها، مثل شخص ينحني أمامها الآن وعطره الرجولي يداهم أنفها بقوة وأصابعه تلامس جانبها بين الحين والآخر وهو يحاول حل الحزام. دقت النظر لرأسه المنحني وجانب وجهه الرجولي المتشرب من أشعة الشمس، وخصلات شعره المائلة للأشقر قليلاً، التي تلمع كالذهب بجاذبية فاتنة مع أشعة الشمس. تنفست باضطراب وهي تشعر بالحزام ينساب عن كتفيها ورأسه ترتفع إليها لتكتمل الصورة بشكل مهلك.
ورغم الغضب، تتدفق مشاعر أساسها عاطفي راقٍ، كحبهما تمامًا. تبادلا ذكرى عن أشياء كانت بمثابة الحلم الجميل وقد انتهت بكابوس خذلان، وكلا منهما له وجهة معينة. بلعت ريقها وهي تقول بحنق: -هتفضل تبصلي كده كتير؟ وسع عشان أنزل. تأفف أمام وجهها بغيظ يكبت تلك المشاعر التي انكشفت عن الستار بنظرة واحدة لعينيها. ابتعد عنها وانتصب واقفًا، منتظرًا إياها بصمت. كانت تسير بشرود وبداخلها ينفجر الغضب ويتصاعد، لتجده يتحدث:
-تعرفي إني حفظت سور كتير في القرآن في الفترة الأخيرة. ردت نور بشرود: -مبروك، بس أنا عايزة أمشي يا باسل لو سمحت. أنا وأنت طلقنا، ياريت تفهم دا. رد بعصبية وغطرسة: -والله مش أنتِ اللي تقرري هنا. -ليه لازم أنت اللي تكون متحكم في العلاقة؟ -أنا مقصدش كده على فكرة. أنا أقصد إني غلطت، بس أنا كنت ضايع يا نور. القرار لو هناخده يبقى بينا، مش أنتِ لوحدك اللي تقرري. رفعت حاجبيها قائلاً بخشونة وغضب:
-طب ما عملتش كده ليه يا باسل بيه؟ ولا أنت عجبتك اللعبة اللي أنت عمال تكسر فيها؟ أنا قلت لك إني عايزة أكمل معاك ومش فارق معايا حاجة. عملت إنت إيه بقى؟ كسرتني وبمنتهى السهولة طلقتني. ده معناه إني مستحيل أثق فيك يا باسل، مستحيل. -بس أنتِ بتحبيني. أخذت نفسًا عميقًا قائلة بهدوء: -جايز، بس أنا خالص مش عايزة أكمل بطريقتك دي. أنا ليا حياتي وعايزاها تمشي وتعدي بدون وجع ولا كسرة قلب. لتتابع أمام عينيه الحادة بنفور.
-وي ترى خلصت كده ولا لسه في مصيبة جديدة حضرتك محضرهالي؟ ها، في حاجة جديدة مرتبها علشان تبوظلي حياتي أكتر ما هي متنيلة؟ رد باسل باستهجان: -الحاجة الوحيدة اللي رتبت ليها إني أبعد، وشوف حياتي بعيد عنك. كنت عايزك تدوري على حياتك مع حد يقدر يسعدك. قربت وجهها منه بجرأة، ثم قالت بتشفٍ وثقة لم تتغذى إلا على أفعاله وحبه لها. -وعرف تشوفها يا باسل؟
بص على نفسك. أنت معايا هنا، وكل ما هحاول تبعد هتلاقي نفسك بتقرب. أنا بجري في دمك يا باسل، لأن القط مبيحبش إلا خناقة. فضلت تبعد وأنت عايز تقرب، ومجرد ما حسيت إن في حد تاني عايزني، قلت لا، مستحيل. لأنك مش هتقدر تنساني بأي واحدة من اللي كانوا في حياتك. شعر بالغيظ منها، فأخذ يقترب منها حتى دفعها لأقرب حائط وهو أمامها يحجزها بجسده الضخم. مسك وجهها بين يديه بقوة وهو يقول بجنون من بين أنفاسه اللهثة وجعًا.
وأمام عينيها الجميلة، خضع قلبه عند بابها. كيف حدث كل هذا، وهو من تمرد على أجمل الجميلات؟ كيف حدث، وهو كان دائمًا المتحكم؟ لماذا لا تخضع له مثل الباقية؟ لماذا لا تكف عن عنادها؟ أمامها ومع ذلك تجعله يريد الاقتراب أكثر. -فعلاً، مش هنساكي عشان... بحبك... خفق قلبها سريعًا وتوسعت عيناها بدهشة وهي تراه ينظر لشفتيها بجوع ثم لعينيها بشوق. شعرت بأنفاسه الساخنة تلفح صفحة وجهها الشاحبة.
أغمضت عينيها وهي تشعر باضطراب في كل حواسها بقربه. وقبل أن تصل شفتيه للفاكهة المحرمة وجدها تفتح عينيها بشراسة متذكرة أفعاله لتقوم بدفعه بقوة والصراخ به: -كداب وأنانى مفيش حد يحب ويبقى عايز يأذي اللي بيحبه. أنت آذيتني يا باسل فاهم آذيتني... انسابت دموعها وهي تصرخ به بغضب: -أنت فاكر نفسك مين عشان تجرحني وأسامحك حتى لو كنت بحبك... كانت كلمة قالتها دون إدراك، مجرد كلمة أحيت قلبه لينبض بقوة.
لكن قبل أن يتحدث تركته مهرولة لداخل تلك الفيلا لأنها على يقين أنها إن حاولت الخروج سيمنعها الحرس. *** أخذ باسل نفسًا عميقًا كاد أن يقتلع أزرار قميصه الأبيض، سحب ربطة العنق باهمال فاصبحت متدلية من الجانبين. ثم فتح أول زر من القميص وهو يشعر بالاختناق رغم أنه تخلص قبلها من سترة الحلة وألقاها جانبه.
شعور يتفاقم بداخله، الاختناق، عدم الراحة، عدم السعادة، عدم التكيف مع أمر اختاره بكامل إرادته، عدم التكيف بدونها، عدم البعد عنها. العجز في هجرها ونسيان ما مضى بينهما منذ أول لقاء بينهما. كل شيء يخنقه. يشعر بأن صدره يضيق به لدرجة تجعل سحب النفس مجهود كبير بالنسبة له. تمتم ساخرًا: -مش هسيبك يا نور يمكن لأن القط ميحبش إلا خناقه. دلف لداخل الفيلا ثم صعد الدرج ليجد نور إحدى الغرف مضاء ليعلم أنها بالداخل.
بعد أن أطرق الباب انتظر فتحه على أحَر من الجمر، وحينما طَلَّت البهية وقف عقله للحظات عن العمل وعيناه سافرت على ملامحها الشاجنة الباكية. سافرت على هيئتها وعيونها الحمراء الباكية وكانت تلتف بشالها الأسود كي تخفي نصف ذراعها المكشوف من بلوزة المنامة. كان شعرها الغجري منسابًا حول وجهها بجاذبية حتى بعد أن وضعت عليه حجابها، إلا أنها أخذت حريته. لطالما كان شعرها المتموج شيء يسحره بعد لؤلؤة عينيها الداكنتين.
بلعت نور ريقها بصعوبة وهي تتفقد هيئته الفوضوية غير المرتبة وكأنه عاد منهزمًا من إحدى الحروب. فكانت نظراته جامعة بين الحدة والحزن والانكسار. ظلت النظرات متبادلة بينهما للحظات، وكلا منهم يناظر الآخر بتراقب وتأمل لتفاصيله وكل ما به. وكأنها يتعرفان على بعضهما من جديد. شيء جعلها تسأله بتردد وهي ترمش برموشها المبللة عدة مرات: -في أي تاني يا باسل؟ أي اللي جابك هنا؟ مش خلص خلاص الكلام... -تجوزيني...
تلك الكلمة الوحيدة التي تفوه بها في وقفته الشامخة وعيناه الحادة الضارية. كلمة أخذت وقتًا لتفسر معانيها وكأنها تركت عقلها على الوسادة وفتحت الباب بدونه. أعادا الكلمة بنفاذ صبر وعيون متوحشة النظرات. وكأنه سيفتك بها إن ظلت على صمتها هذا. -تجوزيني يا نور... اشتدت عينيها وهي تصيح بغيظ: -اتجوزك؟ أنت اتجننت يا باسل؟ طلقتني وجاي تطلب إيدي؟ أنت مجنون... أخرسها بخفوت خطر:
-وطي صوتك وتعدلي وأنت بتكلميني، متنسيش أنا اسمي باسل العلايلي. أنا بطلبك للجواز دلوقتي، ردك إيه... -لا طبعًا. مش عايزة اتجوز... كانت ستغلق الباب في وجهه لكنه سحب يدها بقوة لتكن خارج الغرفة، ينغلق الباب قليلًا لتجد أن المكان أظلم ولم يكن هناك إلا ضوء متسلل بسيط من فتحة باب الغرفة المضاءة. توسعت عيناها وهي تراه يحجز وجهها بيداه ثم يميل على شفتيها في قبلة أفقدتها صوابها. كانت تقاومه بغضب وحنق.
سحبها لصدره شاعرًا بخفقات قلبها القوية فوق صدره. لكن قلبها خان عهدها وسلم حصونه إلى حبيب تركها في لحظة ثم عاد نادمًا. أبعد باسل عنها همس بالقرب من وجهها ويداه تحيط خصرها معانقًا إياها بحب وشوق: -أنا بحبك يا نور، بحبك وعايز أتجوزك بس المرة دي بإرادتك وحبك ليا. خلينا نبدأ صفحة جديدة... ضربته في صدره بغيظ وهي تحاول ألا تبكي. -وترجع توجعني تاني وتتجوز تاني وتالت عليا، لا تاني وتالت إيه إذا كان أنا الرابعة.
حجز وجهها بيده وهزه برفق قائلًا ببحة عميقة أرجفت أصولها. -هشش، كفاية معافرة يا نور، انسي اللي فات. أنا عايزك، عايزك تكوني مراتي على سنة الله ورسوله وتنسي أي حاجة فاتت. التلاتة اللي اتجوزتهم صدقيني مفيش واحدة قدرت تهز فيا شعرة يا نور. مسحت عينيها وهي تقول بتهكم: -يسلام... وأنا إيه اللي يضمنلي... عقد حاجبيه قائلًا بخشونة. -كلمتي...
أظن دي ضمان يا نور. أنا لو كنت بستغلك وراجع عشان حاجة كدا ولا كدا كنت زماني خدتها من زمان وبإرادتك. تنهد بثقل وعبث وجهه قليلًا وقال أمام عينيها الجميلة. -أما فكرة الجواز تاني دي... فمتشغليش بالك لأن أنا تبت عن الصنف كله من وقت ما شفتك. وطالما أنا عايزك وأنتي عايزاني يبقى الباقي كله سهل. نظر لعينيها وأضاف بحب وندم. -أنا مش هسيبك تاني يا نور. أنا عايزك، عايز اتجوزك. وكمل معاكي، خلينا ننسى اللي فات.
سألها وهو يرى الدموع تجري على وجنتيها. -قولت إيه يا شبح؟ تجوزيني بذوق. ولا بالعافية أحسن... قالت بحزن وعتاب. -مفيش فايدة فيك يا باسل. فسحبها هو لاحتضانه بقوة وهو يمرر يده على شعرها بحنان محاولًا الاعتذار لها عن قراره الغبي والمتهور في البعد عنها. الأمر صعب وهي تعلم ذلك. لذلك رضخ قلبها إليه ولم يكسر خاطره حينما عاد معتذرًا لها. ضربته في صدره وبكت في أحضانه وهي تقول بوجع. -بكرهك، بكرهك...
ضمها أكثر مبتسمًا بعمق شاعرًا بطيف دافئ من السعادة أخيرًا يتخلل جسده الصلب البارد. -وأنا بعشقك، بعشقك يا نور. ماذا عليها أن تفعل؟ بداخلها شيء يود الإفصاح عنه. يود الراحة والسلام من حرب لم تؤذي إلا كلاهما، وللعجب كلا منهم كان يؤذي نفسه فقط. ضمها أكثر لصدره شاعرًا بجسدها اللين أكثر بين ذراعيه. أغمضت عينيها مستمتعة بهذا العناق. وكان عقارب الساعة توقفت عند تلك اللحظة.
بعد لحظات سمعت أحدًا يقترب وينادي عليه من الأسفل ويبدو وكأنه حارس. ابتعدت عنه سريعًا هامسة بقلق. -في حد بينادي عليك... عادت الحياة لوجهه وهو يشاكسها بحلاوة. -ومالك خايفة كدا ليه؟ احنا في حكم المتجوزين. بس علشان أنا بفهم في الأصول هستنى لبكرة وآخدك لحد بيتك ونكتب الكتاب من تاني. رفعت شفتها للأعلى مستنكرة ثم وضعت يدها بخصرها مدعية الدهشة. -أصول؟ أشك... وبعدين كتب كتاب إيه اللي بكرة؟ أنت اتجننت؟ رد ببساطة ومشاكسة.
-لا يا شبح، لازم تثقي فيا. والفرح بعد يومين، وعليا طلاق بتلاتة ما راجع في كلامي يا نور، والمرَّة دي هنعمل فرح كبير، أنتي فاهمة. رفعت حاجبها بتعجب وهي تزيح كفه عن فمها. -طلاق!!! طلاق من مين؟ أجابها بغلاظة. -طلاق منك مفيش غيرك يعني. احتَدَّت نظراتها وقالت بغضب. -بطلقني من قبل ما تكتب عليا. طب خد في بالك بقى هاجل الفرح شهرين. أصل الصراحة مش واثقة فيك. أشار بعينيه على الباب خلفها وهو يقول بحزم...
-بت ادخلي جوا، دا كلام رجالة ملكيش انتي. -دعوة بيه، وعلى فكرة أنا كلمت أبوكي وقلت إني رديتك، أصل يعني مش هينفع أحكيله عن التفاصيل يا بيبي. مطت شفتيها بسخط. -يسلام، هو عافية ولا إيه؟ وبعدين أنا بقى مش عايزة أتجوّز. أومأ بغلظة... -هي فعلاً عافية، هجوزك ورجلك فوق رقبتك، ادخلي يلا. آخر جملة قالها بقوة، مما جعلها تستدير كي تدخل وهي تمط شفتيها بجزع. أوقفها قبل أن تدخل بخشونة. -انتي يابت استني هنا. -عايز إيه؟
اقتربت منه قبل أن تفتح الباب لتجده يطبع قبلة على وجنتها. أبعدت وجهها سريعاً قائلة بغيظ. -بطل قلة أدب بقا. ابتعدت قبل أن ينال منها ثم أغلقت الباب في وجهه سريعاً، مما جعله يرفع حاجبيه مندهشاً من فعلتها. على الجهة الأخرى، عضت نور على شفتها الحمراء وهي تتمتم ذاهلة. -انتي وفقتي يا بنت المجنونة؟ طب والله بحبه بس لازم أجننه شوية، آه ما هو بنات الناس مش لعبة يا باسل. -يخربيت حلاوة أمك يا جدع. *** في داخل القاعة.
ابتسم عمر بسعادة وهو يقترب من بيلا، يعتقل خصرها بين ذراعيه وهو يرقص معها. الإضاءة خافتة والموسيقى هادئة، لا يوجد غيرهما. رفعت رأسها مبتسمة تنظر له بخفوت وسعادة. -بتبصلي كده ليه؟ همس بحرارة وصوت أجش متحشرج أثر تأثره. -انتي إزاي لسه جميلة كده يا بيلا؟ معقول فيه حد كده؟
عارفة النهارده كأنه نفس اليوم اللي افترقنا فيه، لسه عيونك بتلمع بعد ما سيبنا بعض، شفت بنات كتير منكرش إنهم كانوا حلوين، لكن مفيش ولا واحدة في جمالك. بحسك زي الملايكة، ناعمة أوي. لو هطلب حاجة من ربنا هطلب إني آخر عيون أشوفها قبل ما أموت تكون عيونك. أخفضت بصرها مغمغمة بجدية. -سيب سيرة الموت يا عمر لو سمحت، لأن فيه كتير ماتوا وسابوني. -طب إيه؟ هنفضل هنا كتير؟ أنا ابتديت أزهق. ردت بيلا بهدوء قائلة. -وأنا كمان.
جذبها نحوه وهو يعود للجلوس على تلك الأريكة الناعمة المخصصة للعروسين. مرت عدة دقائق. دلف محمود إلى القاعة برفقة زوجته كاميليا وابنته الوحيدة داليد. صوبت بيلا نظرها عليه مع اقترابه منها بوجه مبتسم يحمل من الندم ما جعله يبدو حزيناً. وقف أمامها قائلاً بحب وحنان. -ألف مبروك يا بيلا، ومبروك رجوع ملك ليك.
ابتسمت بيلا بهدوء يدل على عدم رضاها، وكأن هناك غصة قوية بقلبها. لتجده يجثو على ركبتيه أمامها محاوطاً وجهها بين يديه وعيونه مليئة بالدموع يثير بها حزنها. -حقك عليا يا بيلا، حقك عليا. عارف إني نسيتك يا حبيبتي، رغم إنك كنتي أكتر حد بيقف معايا. بس والله العظيم غصب عني، أنا بس كنت حاسس إننا غلطانين لما وافقنا تتجوزوا بالطريقة دي. كنت حاسس بإحساس وحش أوي.
كل لما أشوفك كنت بفتكر ماما وأداه تعبت في آخر حياتها برضه بسبب الحب، هي اختارت أبونا لكن هو مكنش بيحبها وعاشت معاه. أنا وأنتي ومريم. كل ما أشوفك أحس إنك غبية أوي وأنا شاركت في الغباء ده لما وافقت على جوازكم بالطريقة دي. يمكن لأن وقتها كنت شاب وعندي اندفاع الشباب وقلت يحيي الحب، بس للأسف يا بيلا أنا كنت غلطان.
يحيى الحب لو في النور وأنا اشتركت معاكم في الضلمة. أنا آسف لأني ظلمتك وبعدت عنك، كان مفروض أقف قدام بابا وأقوله إنك مغلطتيش. وإننا كنا معاكي، بس أنا سكت وكنت بشترك معاه في دفنك بالحياة. أنا معنديش أي مبرر لبعدي عنك. نسيت إني أخوكي الكبير. عارفة يا بيلا انتي وحشاني أوي، ووحشني حضنك وابتسامتك، وحشني الطفلة الصغيرة اللي جواكي واللي كانت دايماً بتحبني حتى لما كنت بغلط في حقها. مش انتي لسه بتحبيني يا بيلا؟
انسابت دموعه بندم ورجفة صوته متضرعاً مترجياً إياها، وكأن الهموم ثقلت بقلبه. فكيف لا تثقل وهو الأخ الذي ترك أخته الصغيرة تعاني وحدها ولم يحتضنها أو يواسي قلبها. هبطت دموعها ولم تستطع الرد، تشعر بأن لسانها قد لجم مقيداً. لتجده يحتضنها بقوة، بينما أطلق أنين حزن وندم ومع ذلك سعادة عارمة. ابتعدت بيلا عن حضن أخيها لتجد مريم تقف جوارهما وهي تغمز لهما بسعادة. ليجتمع الثلاثة في حضن قوي دافئ.
احتضن عمر ملك مقبلاً أعلى رأسها قائلاً بلهفة. -بحبك على فكرة أوي يا ملك أوي. ابتسمت بسعادة وهي تضع رأسها على صدره مغمضة العينين تدعو الله أن تستمر تلك السعادة للأبد. بعد مرور بضع دقائق. هتف عمر بحدة قائلاً. -إيه؟ هنقضيها بوس وأحضان وأنا كيس جوافة واقف جنبكم؟ تحب أجيب لكم شجرة وتلاتة لمون؟ ضحكت زينب بخفة قائلة. -بابا! ابتسم محمود وهو ينظر لزينب التي يحتضنها عمر بسعادة.
-بنتك زي القمر يا بيلا، بس لازم نقعد وقت طويل مع بعض ولازم نتعرف عليها. أقترب منها مبتسماً ليقول بلباقة حانية. -اسمي محمود، أبقى خالك ودي بنتي داليد في أولى جامعة. ابتسمت زينب قائلة برفق. -منور يا خالي، ربنا يحفظهالك. ابتسمت داليد بطيبة قائلة بتهور كعادتها. -أنا سمعت إن عندك تلات تؤام صح الكلام ده؟ طب هما شكلهم زي بعض؟ بتعرفي تقعدي معاهم التلاتة؟ هو الموضوع صعب مش كده؟ ردت زينب بحيرة قائلة.
-هو أنا المفروض أرد على أنهو سؤال الأول؟ ضربت داليد على رأسها قائلة بخفة. -معلش أصل أول ما عرفت اتحمست أوي وبجد نفسي أشوفهم وأتعرف عليك. تعرفي أنا معنديش أخوات بنات وكنت حاسة بالوحدة أوي، بس خالص بقى عندي أخت، دا لو تسمحيلي نكون صحاب. ابتسمت زينب وغمرتها السعادة قائلة بحماس. -طبعاً معنديش مانع. كانت تظن أن داليد ستبتسم كردة فعل تلقائية، لكن دهشت حين وجدتها تندفع نحوها محتضنة إياها لتقول بامتنان صادق.
-شكراً بجد، أنا فعل معنديش صحاب. ابتسمت زينب وشعرت بحنين نحو تلك الفتاة لتقول بحب. -وأنا متأكدة إننا هنكون صحاب جامدين، وخصوصاً لما تشوفي نور. نظرت بيلا لمحمود بحنان وسعادة وهما ينظران للفتاتين وذلك الجو الجميل الذي نشأ بينهما. مر بعض الوقت. كاد حفل الزفاف أن ينتهي ويخرج عمر برفقة بيلا من القاعة الموجودة بالفندق متجهين نحو جناحهم الخاص. أقترب محمود من بيلا قائلاً بخفوت وتوتر وهو يعطيها ظرف يبدو عليه أنه قديم.
بلل شفتيه بارتباك. -بيلا، الظرف ده ليكي... من... بابا... الله يرحمه. أنا عارف إني اتأخرت في توصيل الأمانة، بس جه وقت تسليمها ليك. إقريه يا بيلا وأوعي تنسي إن دا أبونا. رغم الرجفة القوية التي تملكتها عند ذكر والدها الراحل، ورغم الحزن والهاشتاق الكامن بداخلها وتلك الدموع التي تراكمت بعينها، إلا أنها أخذت منه الظرف قائلة. -هو كان زعلان مني لما مات صح؟ ابتسم محمود ساخراً ليقول برفق. -لما تقري الجواب هتعرف.
أخفضت بصرها تنظر له، تشعر بثقل على قلبها كلما يأتي على بالها أن والدها توفي وهو غضبان منها. وجدت عمر يقربها منه قائلاً بابتسامة جميلة. -خلينا نمشي وأقريه يا بيلا، ياله يا قلبي. أومأت له برأسها بالإيجاب قبل أن تغادر معه، وخلفهم زينب وداليد الذان يتحدثان بسعادة ومرح غريب، لتدرك زينب أنها شخصية مرحة تلقائية. صعد الاثنان بالمصعد نحو الجناح الخاص بهما. ساعدها عمر في الدخول بذلك الثوب الأكثر من رائع حقاً.
وجدته يتحدث بتفاهم وحب قائلاً. -ادخلي غيري يا بيلا، ولو احتاجتيني ناديني. أومأت له وهي تتركه ذاهبة نحو غرفة النوم. جلس عمر على الأريكة بتوتر من تلك الرسالة. فك رابطة عنقه وألقاها جانباً، وأيضاً تلك السترة السوداء، وهو ينظر نحو الغرفة، والقلق يتصاعد بداخله. في داخل الغرفة.
جلست بيلا على الفراش بعد أن بدلت ثوبها بحزن، ويديها ترتجف، بينما تفتح تلك الرسالة. بدأت تقرأ كلمات والدتها والدموع تنساب على وجنتها، والرعب يجعلها تتصبب عرقاً. بسم الله الرحمن الرحيم. بيلا... بيلا... فضلت أكرر اسمك كتير أوي يا بيلا طول الليل وأنا قاعد في مكتبي بشرب سجاير، الدخان كان مشوش عليا الرؤية، بس تقريباً الدموع هي اللي خلتني مشوفش قدامي. أنا آسف يا بيلا... آسف يا حبيبة عمري وطفلة قلبي... انتي وحشتيني أوي...
وضحكتك وحشتني أوي يا بيلا. حاسس إني موتي قرب أوي. وآخر مرة جيتلك المصحة كان نفسي أشوف ضحكتك البريئة دي يا قلب حبيبك. بس المشكلة إنك فضلت تعيطي ودموعك كانت بتقتلني. بس عارفة، لما حضنتك وفضلت تعيطي، كنت حاسس إنك حاسة بيا، مكنتش عايزة تبعدي ولا أنا والله. آسف إني أخدتك بذنب مش ذنبك. جايز لأني حرمتك من حبيبك. انتي دلوقتي تعبانة وفي المصحة. بس أنا مكنتش متخيل كل ده يا بيلا.
انتي طول عمرك بتسمعي كلامي، حتى لما بتخلفيه كانت بتبقى حاجات بسيطة، لكن المرة دي مقدرتيش تسمعي كلامي. جريتي مع دقات قلبك، ومين يقدر يقوي قلبه لما الحب يلمسه؟ أنا آسف على موت بنتك، وأسف إني خليتك تبقي مجبرة تتجوزي بالطريقة دي. لو رجع بيا الزمن، والله العظيم أنا اللي هجوزك بأيدي لعمر، وبنتك كنت هاخدها في حضني ومش هسمح لحاجة تأذيكي كده. أنا حاسس إني خالص مش هشوفك تاني، بس ربنا يعلم إني بحبك قد إيه.
انتي الوحيدة في أخواتك اللي خليت سالم الدمنهوري ينهار، فراقك صعب أوي يا بيلا. أسف إني ضربتك وأجبرتك تكدبي على عمر. وأسف إني كنت بسمعك بتبكي وبتصرخي كل يوم ومحاولتش أصلح اللي عملته. أنا ضيعتلك حياتك يا بنتي، بس أنا مكنتش متخيل إني هضيعك. لما تقري الجواب ده هتكوني برا المصحة دي. وصيتي لمحمود يوصلك الجواب بعد خروجك، وبعد موتي مش عايزك تحسي للحظة إني زعلان منك، بالعكس يا حبي انتي طفلتي البريئة.
وردة عيلة الدمنهوري، بحبك أوي يا بيلا. عند تلك الكلمة انفجرت الدموع والألم بداخلها وهي تحتضن رسالته باشتياق وحزن، قائلة بقهر وحزن:
-وأنا بحبك أوي يا بابا، والله العظيم بحبك أوي، وحقك عليا وعلى قلبي. أنا مكنتش أعرف إن الحب هيخسرني وجودك معايا وطبطبتك على قلبي. أنا آسفة ليك يا بابا وبحبك أوي، وغصب عني مقدرتش، لقيت نفسي مسحوبة ورا قلبي. ياريتني ما كنت بريئة ولا حبيته ولا حببته فيا، جايز كنت قدرت أقولك إني بحبك قد إيه وأحضنك. أنا آسفة يا حبيبي. طمن قلبك وقل له إني خالص بقيت أحسن دلوقتي. لقيت بنتي وإخواتي وعمر.
رجعت لعيلتي يا بابا وبحاول أتعافى بوجودهم، لكن مفيش حد وجع قلبي قد موتك. ارتاح يا حبيبي. أنا دلوقتي فرحانة أوي وكمان خالص لقيت محمود ومريم وبنتي. وردة عيلة الدمنهوري بتحبك أوي، رجعت تفتح تاني بعد وجع السنين دي كلها. دلف عمر إلى الغرفة ليجدها تبكي بهسترية وهي تحتضن تلك الورقة، وشعرها الأسود يتألق حول رأسها برقة ملائكية. تذكر لقائهم في الماضي في ذلك القطار، حينها رأى نفس المرأة الجميلة الناعمة.
هي كذلك، شعرها مازال أسود، ليست عجوز أو ما شابه، هي فقط تبلغ من العمر ثلاثة وأربعين عامًا. مر عشرون عامًا على فراقها، وها قد حان وقت اللقاء مجددًا ليغمرها بعشقه وتغمُره برقتها الناعمة. تلك الفتاة التي تشبه الورد في نعومتها، ناعمة هي وبداخلها الكثير من الطفولة ودلال. انغمس قلبه بداخل تلك الرقة، ليتآلف قلبها ويعشق الحياة جوارها. أقترب منها ليجثو على ركبتيه أمام الفراش، قائلاً بابتسامة:
-بيلا اهدي يا عمري، ممكن علشان خاطري. أعطته الورقة وهي تتمتم بسعادة ممزوجة بحزن وألم: -مش زعلان مني يا عمر؟ مش بيكرهني لسه؟ كان بيحبني. مماتش وهو غضبان عليّ. أنا كمان يا عمر وحشني أوي أوي. حاسة قلبي هيقف، مش قادرة. جذبها بقوة لصدره وهو يجلس جوارها، لتندس بداخل أحضانه، وقد بلغ العشق ذروته وقمة لهفتهما. أخذ كوب الماء من على الكومود، مقربًا إياه من شفتيها، قائلاً: -بيلا اشربي يا حبيبتي علشان خاطري اهدي.
أخذت الكوب منه بيديها المرتجفتين وشفتيها ترتعشان، وما زالت دموعها تنساب، ويدها الأخرى تحتضن تلك الورقة القديمة وكأنها طوق نجاة. مر بعض الوقت. كانت نائمة بنعومة جواره، وهو يربت على ظهرها بحنان. تنهد بعمق وهو يشدد بقوة على احتضانه لها، حتى أصبحت وكأنها ضلع ثانٍ له بجسده الصغير، ليمتم بعشق: -سامحيني يا بيلا لو شايف إن حبك ليا ذنب، أنا آسف ليك، بس أنا عمري ما هتوب عن ذنب حبي ليك.
ولو هتمنى حاجة من الدنيا، فأنا هتمنى أعيش في حضنك طول عمري. ربنا يجازي اللي كان السبب، منه لله. *** في اليوم التالي بشقة صالح. وقفت زينب في تلك الغرفة المطلية بلون الأبيض، وضعت يديها على خصرها بحماس. في نفس التوقيت. دلف صالح إلى الغرفة بكسل وهو يحرك رأسه يمينًا ويسارًا، يعاني مؤخرًا من الأرق. ابتسم وهو يقترب منها معانقًا خصرها، وهو يدفن وجهه في تجويف عنقها، طابعًا قبلة شغوفة عاشقة على عنقها: -صباح الخير يا جميل.
اتسعت ابتسامتها، مغمغمة بدلال وتغنج أنثوي: -صباح الورد يا حبيبي. عض على شفتيه بغيظ، مزمجرًا بسخرية: -هو الدلع مبيحلش إلا الصبح عندك ولا إيه؟ ولا إنتي بتحبي تجننيني؟ ابتسمت زينب وهزت كتفها، مدعية البراءة، وهي تدير جسدها نحوه لتصبح في مواجهته، لتضع يديها بنعومة على عنقه، محاوطة إياه بدلال مغوٍ: -طب وأنا عملت إيه يا حبيبي؟ زفر بحرارة، متحدثًا بصوت أجش أثّر مشاعره المتأثرة بلمساتها: -إنتي بتسألي كمان!
اللهم اخزيك يا شيطان. صدحت ضحكتها الماكرة وهي تبتعد عنه، وضعت يدها على خصرها، قائلة بخفوت: -إنت وراك شغل النهاردة. رد صالح وهو يعتقل خصرها، مقربًا جسدها الغض نحوه، متمتمًا: -والله لو مش عايزاني أروح، أنا ممكن أفضي لك نفسي، بس إيه الدنيا لو في دلع، أنا قاعد طبعًا. أنهى جملته بمكر وابتسامة خبيثة تزين ثغره. لكزته زينب في جانبه، ليطلق ضحكة عالية خبيثة، ملتقطًا يدها بسرعة ليجذبها بسرعة لصدره، هدر بخبث وصوت متحشرج وأنفاسه
الساخنة تلفح صفحة وجهها: -طب إيه مش ناوي تحن؟ ردت زينب بسرعة وهي تبتعد عنه، قائلة بخبث: -الأول يالا تعال نفطر علشان أروح شغلك، وصحيح متتأخرش، لأن ورانا حاجات كتير نعملها سوا لما ترجع. مرر أنامله في شعرها، يشد خصلاته من شدة الغيظ، قائلاً: -حاجات إيه؟ -لما تخلص شغل هتعرف، يالا بينا. رد صالح قائلاً بجدية: -طب الولاد، أنا مش سامع صوتهم، هم فين؟ -مع إيمان تحت، جت من شوية وأخدتهم معاها. يالا بينا. بعد مرور عدة ساعات.
فتحت الدلو وبدأت في تغميس الفرشاة بدهان، ثم تمريره بانسياب على الحائط. شعرت بسعادة تتسلل لقلبها بتأنٍ كلما دهنت جزءًا من الحائط بلون آخر. التغيير بحد ذاته ودمج الألوان بنفسك شعور مريح للنفس، يبث التجدد بداخلك. الفكرة كانت جيدة، وبالأخص لأن تلك الغرفة كانت لابنتيها، لم تستطع من قبل دهن الغرفة، ولكن صالح أخبرها أنه سيأتي بالنقاش لفعل تلك الأشياء بعد أن اختار الاثنان الألوان للغرفتين.
وجلب أيضًا الدهان الخاص، ولكنها قررت أن تفعلها بنفسها. بعد مدة قصيرة كانت قد أنهت نصف الجزء الأول من الحائط. توقفت وهي تحرك ذراعها بتعب، ثم نظرت للهاتف الذي يسجل تلك اللحظات. فقد قامت بفتح الكاميرا وتثبيتها في أحد الأماكن لتسجل كل تلك اللحظات. ضحكت وهي تمسح قطرة العرق عن جبهتها، وقد تعلق بها جزء من الدهان مكان مسح يدها. لكنها لم تشعر به، وحدثت نفسها وعيناها على كاميرا الهاتف.
-قررت أبدأ بأوضة بيلا وحياء، بس تعبت أوي. شوفوا، عارفة إني مش شاطرة أوي يا حياء، وإنك هتطلعي عنيدة، حاسة كدا إنك شقية، أصلك بتغلبييني أوي، بس والله زي القمر. تعرفوا إني بحبكم أوي. ضحكت وهي تنظر للحائط بفخر بعد هذا الإنجاز الجبار، فقالت وهي تعود للكاميرا: -صالح لو شافني هيجيله القلب من اللي هببته في الأوضة دي. بصراحة كنا متفقين نجيب نقاش يدهن الأرض، بس الفكرة نفسها جميلة أوي. ضحكت أمام الكاميرا، معقبة بسخرية:
-أنا عبيطة أوي بكلم نفسي. جلست على الأرض وهي تأخذ بعض الألوان وتدمجها ببعضها، وهي تقول: -حابة أرسم على الحيطة، أنا اللي اخترت اللون السماوي للأوضة، فخليني أكسر اللون ونرسم شوية. كنت بفكر أحط صور لأميرات ديزني، بما إني بحب الكرتون. بس فكرت فيها، ممكن نعمل شوية رسومات تليق بوجود أريل، هي كدا كدا عروسة بحر، فلون السماوي هيكون لايق عليها، بس الأفضل أخلطه بالأزرق شوية. نظرت للكاميرا قائلة بفخر:
-أنا بعرف أرسم على فكرة، مش أوي يعني، بس البت نور شاطرة أوي في الرسم، وكانت علمتني شوية رسومات. ضحكت وهي تذكر نفسها أنها بمفردها، فقالت: -الفيديو ده هيبقى مسخرة، لازم يتمسح، البنات لو شافوه هيقولوا إني هبلة. نهضت من مكانها وبدأت تمسك فرشاة صغيرة أشبه بفرشاة الرسام، لكنها أغلظ قليلاً، ثم بدأت برسم بعض الأسماك الملونة باللون الأصفر والأبيض.
زمت شفتيها وهي تجد الألوان تندمج مع بعضها بسبب أن الدهان الأول لم يجف بعد، لتعطي لونًا بشعًا في النهاية بسبب اختلاط الأزرق مع الأبيض، وكذلك الأصفر. نظرت للكاميرا قائلة وهي تحرك كتفيها ببؤس: -تجربة فاشلة. تركت ما بين يديها واتجهت للكاميرا لتغلق الفيديو. لكنها شهقت بهلع وهي تجد من يعتقل خصرها ويرفعها عن الأرض قليلاً. توسعت عيناها وهي تنظر إليه بابتسامة مشدوهة: -صالح إنت إزاي جيت وأنا محستش بيك لما دخلت؟
طبع قبلة على شفتيها، ثم أجاب عليها: -لسه دلوقتي، إنتي بتعملي إيه هنا؟ رفع عينيه على الحائط الذي قد نال خرابًا، هذا الطلاء الذي اشتراه أمس. عادت عيناه عليها متسائلاً بصدمة: -مين اللي عمل كده؟ دي الأوضة باظت. عضت زينب على شفتها وهي تكبح ضحكتها، مشيرة على نفسها ببساطة. اتسعت عيناه أكثر وكاد أن يصاب بأزمة قلبية وهو يسألها: -والحيطة ذنبها إيه؟ بتجربي فيها يا زينب؟ طب البنات ذنبهم إيه؟
ثم نظر لرسمة الأسماك البشعة على الحائط التي شحب لونها وأصبحت بشعة جدًا. -طب سؤال واحد بس، إنتي كنتي بترسمي عليها إيه؟ قالت بحسن نية: -كنت بجرب، كنت عايزة أرسم سمك لون أصفر زي اللي مع أريل. زم صالح شفتيه ممتعضًا بوجوم: -هو مش باين له ملامح الصراحة، الأوضة شكلها باظت أوي. دارت زينب خلفه وهي تخلصه من سترة الحلة التي يرتديها، قلما ولكن اليوم ارتداها مخصوص لأجل مقابلة هامة تخص مطعم والدته. ردت بحماسية غريبة:
-متكبرش الموضوع يا صالح، تعالى نجرب في الحيطة التانية، أنا الصراحة حابة الفكرة، لو باظ هو كمان هنجيب النقاش، اوكي. نظر لها مدهوشًا، معقبًا: -زينب خلينا نجيب النقاش أسهل بلاش وجع دماغ. -يوووه يا صالح، ادينا بنجرب لو معرفناش نعملها نجيب حد يعملهالنا. وبعدين الأوضة دي بتاعت البنات يعني لازم نفنن فيها. عارف في كذا حاجة كدا عايزين ننزل نشتريهم سوا، نجوم فسفورية مثلًا. بدأت في فك أزرار قميصه قائلة بتصميم: -ياله لازم نجرب.
سألها وهو يراها تخلصه أيضًا من قميصه: -بتعملي إيه يا زينب؟ قالت ببساطة والحماس يلمع برماديتيها: -نبقلعك القميص عشان هدومك متتوسخش. سألته وهي تمرر يدها على وجهها بقلق: -في حاجة في وشي؟ ابتسم صالح وهو يمد سبابته يمسحها في جبهتها الملونة بدهان سماوي، ثم مررها على طول أنفها قائلًا بنفي: -لا يا قلبي، مفيش أي حاجة. ابتسمت زينب بحب وهي تمرر يدها برقة على لحيته قائلة بحب: -وحشتني أوي على فكرة.
رد وهو يقطف قبلة حارة من وجنتها قائلًا بشوق: -وانتِ كمان وحشتيني أوي. أبعدت يدها عنه ثم اتسعت عيناها وهي تنظر له بصدمة. عقد حاجبيه بتساؤل: -مالك بتبصيلي كدا ليه؟ ضحكت وهي تنظر لكف يدها المصبوغ بدهان ثم للحيته التي صبغ جزءًا منها باللون السماوي. مسح صالح على لحيته بعد أن فهم المغزى من ضحكاتها ونظراتها الغريبة قائلًا بغيظ: -نيلتيني، طب والله كنت حاسس. قالت له بمشاكسة وحب: -اللون السماوي حلو عليك.
عض على شفتيه وهو يقترب من إحدى عبوات الدهان متوعدًا: -والله، طب ماتيجي كده نجربه عليك. ضحكت وهي تبعد بخوف قائلة: -لا يا صالح بهزر والله مكنش قصدي. لكنه لم يبتعد، أخذ يقترب منها وهي تبتعد بخوف من نظراته الشيطانية وهو يعض على شفتيه. صرخت وهي تجري من أمامه، لكنه في لحظة خاطفة أعتقل خصرها بيديه بينما صدح صوت ضحكاتها وهي تشعر بلمسات يده تدغدغ بطنها لتضحك حتى سعلت من شدة الضحك لتقول:
-خالص يا صالح، وحياتي عندك كفاية كدا، مش قادرة. أدارها له مبتسمًا ليقول بخبث: -بقولك إيه، أنا حبيت الشغلانة دي، بس طالما البنت تحت مع ماما تعالي بقى نتكلم في موضوع ضروري جدًا. ابتعدت بعد أن فهمت نظراته الشيطانية قائلة بحماس وهي تضع يديها بخصرها: -لا، هندهن الأوضة الأول ياله. زفر بقلة حيلة وهو يتجه نحو عبوات الدهان قائلًا بنفاذ صبر: -أمري لله.
في لحظة وجدها تطبع قبلة سريعة على خده ثم ابتعدت وهي تمسك الفرشاة، بينما ابتسم الأخرى بسعادة. *** في اليوم التالي. في منزل يوسف الصاوي. كانت تقف في المطبخ تحضر الغداء له، فهي قررت أن تأخذ قسطًا من الراحة من عملها لمدة قصيرة حتى ترجع اتزان ذهنها، وخصوصًا بعد انهماكها في العمل بالمشفى التي التحقت بها مؤخرًا بعد عودتهما لمصر. ورغم نجاحها في الشهور الماضية في الجراحة، إلا أنها مازالت تشتاق لنجاح أكبر.
هو طفل، حتمًا إن أتى هذا الصغير ستكتمل حياتهما للأبد، ودومًا بجواره، تشتاق للأمومة بشدة، تريد أن تحمل طفلًا منه، منه هو، تتمنى أن تبني أسرة ويكون داخلها طفل يكمل المتبقي من حرمانها ويخمد نيران أشواقها بوجوده. تقسم أن الله أعطاها كل ما تمنت في هذه الحياة، عائلتها، أباها وأمها، أخيها وأطفالها، واختتمت تلك السعادة بدخول يوسف لحياتها، ليجعلها أكثر إشراقًا.
هو ليس زوجًا أو ابن عم لها، الأمر أكبر من ذلك، فهو صديق الطفولة، وحب المراهقة، وثالث شخص دعمها في حفظ القرآن الكريم. ليس الأول، وكيف يكون كذلك وأبوها حي يرزق، فهو أول داعم لها وأول شخص جعلها تؤمن أن النجاة في كتاب الله العزيز والعمل به. وأمها، كيف تجفل عن ذكر أمها، لطالما كانت معها خطوة بخطوة. ويأتي ذلك الدخيل والذي لم يكن سوى قريب، بل هو الأقرب.
تعلم الآن أنها تتعجل بالأمر منذ زواجهما، حتى عندما أخذت تلك الحبوب، إلا أنها جائعة لمشاعر الأمومة وتريد أن تشبع مشاعرها بهذا الطفل. كانت تظن أن يوسف لا يهتم بهذا الأمر بل ويتلاشى التحدث به، ولا تعرف السبب.
وقد ظنت أنه لا يريد الأطفال أو حتى لا يحبهم، لكنها تفاجأت من طريقته مع يونس، ذلك الصغير ابن أخيها، فكان يغمره بالحب كلما رآه وكلما احتضنه، حتى أنه بالأمس عندما كان بمنزل عمه قام بشراء الكثير من الألعاب وظل معه لوقت طويل هو وبيلا وحياء الصغيرتان. تفاجأت به وقتها يقول بخفوت: -تعرفي إني نفسي بنتنا تكون شبهك يا إيمان، وتكون لون عيونها بني كدا. ياااه أنا ممكن أحبها أكتر منك عشان هي منك ومني. ابتسمت وهو تقول بهدوء:
-إن شاء الله يا يوسف، بس فكرة إنك تحبها أكتر مني دي. -أيوه، مش عاجبك؟ -لا عجبني، بس خلي في علمك أنا طفلة أوي وممكن أغير منها. بس أنا نفسي أجيب منك ولد ويطلع شبهك بالظبط، حتى في ضحكته وشقاوته. داعبت بيديها لحيته متنهدة باشتقاق. عدل لياقة قميصه وهو يقول بغطرسة ووقار: -شبهي؟ بذمتك أنا في حد شبهي يا بنتي؟ أنا كازيرما متتكررش. طب بذمتك في حد زي بيقولك مساء البسبوسة والنبي بوسة.
أرجع شعره الفوضوي للخلف وهو يدلف للغرفة. رمقه بابتسامة مستاءة وهو يتنهد على شرودها الحزين الذي يعرف حتمًا أسبابه. إن ظل الوضع هكذا، يجب أن يفعل شيئًا ليريح قلبها المشتاق هذا ويخمد عواصف أفكارها الحزينة. هكذا أملى عليه قلبه وعقله. فهو أيضًا يتمنى ما ينفطر قلبها لأجله، لكنه للأسف لم يصل لتلك المرحلة التي وصلت هي لها سريعا.
عانقها من الخلف وهو يضع يده على يدها ويقطع معها الخضار بتناغم وهدوء. ابتسمت وهي تجده يلصق وجنته بوجهها وعيناه على الطعام الذي يتقطع بفعل يداهما. "صحيت امتى؟ رد يوسف وهو يترك يدها. "من نص ساعة." سألته بتردد. "هو انت عملت إيه مع الشركة في لندن؟ كان يتذوق الطعام بتلذذ. همهم بإعجاب وابتسامة. "خالص مش هسافر تاني، هتنقل الفرع الجديد اللي بدأ في مصر." ردت إيمان بتوتر قائلة.
"طب بقولك إيه، ما تنزل تروح الوكالة لبابا، كان بيقول إنه عايز يشوفك." أدارها إليه وهو يرفع عينيه عليها بشك. "شكلك بتوزعيني. وراكي حاجة النهاردة ولا إيه؟ يعني أنا فاكر إنك من يومين قولتي إنك هتاخدي إجازة من المستشفى. ولا شكلك رجعتي في كلامك؟ هزت رأسها وهي تبتعد عن عينيه المخترقتين إياها بدون هوادة تحاصر أفكارها بشدة. "لا مرجعتش في كلامي. بس أصلي كنت رايحة كمان ساعة كده مع ماما، هروح أنا لدكتور."
أقترب منها بقلق وهو يضع يده على وجنتها باهتمام. "تروحي لدكتور ليه؟ انتي تعبانة؟ هزت رأسها سريعًا بنفي. "لا ياحبيبي متقلقش، أنا كويسة. بس... اصل آآه معاد كشف ماما النهاردة وهي... وأنا هروح معاها عشان متبقاش لوحدها." شك في تلعثمها الغريب، فهي حينما ترتجل بالكذب تكشف سريعًا. "متاكدة إنك مش مخبية عليا حاجة؟ عقدت ذراعيها حول رقبته وهي تقول بهدوء.
"هخبي عليك إيه بس ياحبيبي، هو ده كل الموضوع. وبعدين لو انت هتقعد في البيت النهاردة، أنا مش هتأخر، هخلص وأجي على طول." وضعت قبلة سطحية على شفتيه وهي ترمقه بحب وشوق دوماً لا يخمد أمامه. حدج بها بتمعن ليخرج زفير أنفاسه سريعًا وهو يقول بإيجاز. "أنا إجازة النهاردة عشانك، وبكرة هرجع الشغل تاني. هستناكي النهاردة، بس أوعي تتأخري عشان هتوحشيني يا بسبوسة."
قبلها من وجنتيها، وحينما أغمضت عينيها بحب زاد في تقربه وبث أشواقه لها وهو يسألها بخفوت. "مش هتتأخري عليها صح؟ همهمت وهي مغمضة العين. "ولو اتأخرتي... انتي حرة." داعب أنفها بأنفه وهي تقول بخجل. "خلاص مش هتأخر أوعدك." رفع رأسه ليرمق عينيها المليئة بالشوق نحوه. لاحت منه ابتسامة بسيطة وهو يجذبها لاحتضانه. فابتسمت هي براحة وهي تستنشق رائحته الممزوجة بعطره.
أثناء عناقهم، شم رائحة شيء يحترق. فابتعد عنها سريعًا وهو يهم بغلق مفتاح الموقد فقد احترق الطعام الموضوع عليه. شهقت وهي تقول بلوم عليه. "كده يا يوسف، أهو الأكل اتحرق." رد عليها بمكر وهو يغمز لها بشقاوة. "طب وأنا ذنبي إيه! مش انتي اللي عمالة تحضنيني وتبوسيني." توسعت عينيها بغيظ وهي تقول. "أنا... "أمال أنا... ضربته بكف يدها بقوة في صدره وهي تقول بحنق. "تصدق إنك غلس وكداب."
رفع حاجبه وهو يعلق على جملته بعدم رضا وتحذير مزيف. "حاولي تلمي لسانك شوية عشان هتزعلي مني المرة الجاية." هتفت بعناد واصرار أمامه. "على فكرة دي الحقيقة، الأكل اتحرق بسببك وهتأخرني أكتر على ماما." شهقت حينما وجدت الأرض تنسحب من تحت قدميها. فهو حملها سريعًا وهو يقول بتحدي وعناد. "يعني كل اللي فارق معاكي إنك هتتأخري، مش فارق معاكي جوزك اللي هتسبيه ماكلش لحد دلوقتي. طب عقابًا ليكي، التأخير هيبقى الضعف."
تذمرت كالاطفال وهي تقول بضيق. "نزلني يا يوسف، قسما بالله انت بتتلكك." "وأنتي بتتلككي أكتر مني." رمقها بخبث وهو يتجه بها نحو غرفتهم. قالت بتبرير. "يا يوسف الأكل، يعني انت مش جعان." رد بخبث وسعادة. "دا أنا هموت من الجوع." *** في معمل التحليل. توسعت عينيها بصدمة وسعادة وهي ترمق والدتها بعدما غمرتها بالفرحة بهذا الخبر المنتظر منذ أشهر كثيرة. "أنا حامل يا ماما، حامل."
وضعت يداها على بطنها بسعادة والابتسامة تزين ثغرها. لمعت عيناها بالدموع. لم تعلم أنها ستشعر بهذا الشعور. هي تحمل الأمومة داخلها بالفطرة من يوم أن حملت (بيلا) ابنة شقيقها على يديها. لكنها اليوم ستختبر الأمومة مع من ينمو الآن داخل أحشائها، مخبرها أنه بانتظار رؤيتها ويشتاق أيضًا لأحضانها مثلما تشتاق هي لوجوده معها. "مبروك ياحبيبتي."
عانقتها حياء وهي تبكي بسعادة لأجل ابنتها. فهي تعلم أن هذا ما كانت تتمنى إياه وتنتظره منذ فترة ليست بقصيرة. بدلتها العناق الحار دموعها تنساب بسعادة. "مش مصدقة إني هبقى أم. تفتكري يوسف هيفرح قد إيه؟ ابتعدت عنها حياء وهي تتذكر مكالمة يوسف لها ظهرًا وهو يقول بطريقة غامضة لم تفهم ما خلفها. "بقولك يا مرات عمي، ينفع تأخري إيمان شوية معاكي؟ ردت حياء بشك. "أأخرها ليه؟ انت مش عايزها تروح؟ انتم اتخانقتوا يا يوسف؟
"طبعًا لا، ربنا ميجيبش خناق. أنا عايزها تروح، بس مش دلوقتي. لما أتصل بيكي تحاولي تمشيها من عندك على طول." رفعت حياء حاجبيها بحيرة. "أمشيها على طول." هو في بالظبط أنا مش فاهمه حاجة. "مش لازم تفهمي يا ماما بس اهدّي شوية لو سمحتي اسمعي الكلام." برمت شفتيها وهي تفيق على صوت إيمان التي قالت بحماس: "يلا بينا يا ماما أنا هموت وأشوف يوسف دلوقتي."
"يابنتي اهدي بلاش استعجال. وبعدين أنا جعانة وعايزاكي تعزميني على أكلة سمك في مطعم لسه فاتح جديد بيقولوا حلو أوي وأنا الصراحة عايزة أجربه. ها قولتي إيه؟ رفعت إيمان حاجبيها بدهشة: "دلوقتي؟ ردت حياء بحماس قائلة: "أيوه يلا." بعد ساعتين تقريبا. كانت حياء تجلس على أحد الصخور أمام البحر.
هي تستنشق الهواء بارتياح، بينما تمسك في يدها الأخرى طبق صغير من المقرمشات التي منعها جلال من تناولها منذ وقت طويل بسبب مشكلة معدتها، لكنها اشتاقت لتلك الأشياء، فتفقت خلسة مع إيمان بتناول القليل. كانت تأكل منه بهدوء. وبجوارها إيمان تمسك كوب من حمص الشام، تضع رأسها على كتف والدتها قائلة بسعادة وهي تشاهد النجوم اللامعة في السماء، قد تعدت الساعة الثامنة مساء:
"تعرفي يا ماما أنا أول مرة حسيت إني بحب يوسف لما كنت صغيرة أوي. لدرجة إن لو حد عرف إني بحبه وأنا صغيرة كدا كان هيقول إن ده لعب عيال. بس كنت بحبه أوي عشان كده مخبتش عليكي وحكيت لك. لسه فاكرة حضنك ليا بما قلتلي إن ربنا بيزرع الحب في قلوبنا وهو القادر إنه يغيره، لكن لو حقيقي هيفضل ثابت طول العمر. وقتها طلبتي مني أشغل نفسي أكتر وأختم القرآن مرة واتنين وتلاتة. أنا بحبك أوي... وبحب حبك لبابا ولينا."
ابتسمت حياء بسعادة مقبلة قمة رأسها قائلة بدفء: "ربنا يحفظكم ليا يارب. انتي وزينب ويوسف وصالح أغلى ما عندي يا إيمان ربنا يحفظكم يارب." في نفس التوقيت صدح هاتف حياء معلنا عن اتصال لها من يوسف لتقول بجدية: "يلا بينا يا إيمان خلينا نروح." أومأت لها بهدوء وهي تشتاق للقائه ومقابلته وإخباره بذلك الخبر. بعد مدة وصلت إلى منزلها. فتحت البوابة الكبيرة أمامها ثم دلفت للساحة الداخلية الواسعة.
ضيقت إيمان عينيها فقد كانت الأنوار مغلقة تمام، ثم بدأت الأنوار تضاء بالتدريج، فكانت الأنوار زرقاء خافتة. كانت تسير خلف تلك الأضواء التي تقودها لبهو المنزل الخلفي حيث تلك الجنينة الصغيرة. فغرت شفتيها بذهول وهي تقترب حيث توجد طاولة صغيرة مزين حولها بعض الزهور البيضاء والبنفسج. لكن فجأة صاحت وهو يغمرها بحبه وهو يقف خلفها محتضنا إياها: "بحبك...
وبموت فيكي يا إيمان والله العظيم بحمد ربنا كل يوم وكل لحظة إنك في حياتي وهفضل طول عمري أحمد ربنا إنه وفقني في حياتي وأنعم عليا بوجودك فيها." أدارت جسدها نحوه معانقة رقبته بيديها قائلة بابتسامة: "وأنا على العهد يا يوسف وهفضل أحبك لآخر نفس في عمري." قبل قمة رأسها وهو يخرج تلك العلبة من جيب بنطاله، فتحها وابتسم لها مخرجاً سلسلة من الفضة.
انفتحت تلك السلسلة لتظهر من الداخل صورتها معاً، كانت مميزة ببعض الفصوص اللامعة لتبدو في غاية الجمال. أقترب منها يزيل الحجاب ليضعه جانباً، بينما وضعها في عنقها لتبدو في غاية الرقة والنعومة، وهو يحل عقدة شعرها لينسدل بنعومة على ظهرها. لتقول هي بحب: "طب ممكن أعرف سر المناسبة السعيدة دي؟ "ولا أي مناسبة، بيقولوا التجديد في العلاقة بيديها رونق مميز وأنا حبيت أفرحك مع إن الموضوع بسيط أوي بس حسيته مميز."
"هو فعلاً مميز أوي، وخصوصاً أنا كمان كنت جايبالك هدية معايا وكنت عايزة أقولك عليها." رفع حاجبه وهو يدقق بها بعدم فهم، فهي لا تحمل شيئاً بين يديها منذ بداية ظهورها أمامه. حدج بها بحيرة: "أنا مش شايف أي هدايا... وكمان مش فاهم معناها إيه هقولك عليها. يعني مش هينفع أشوفها؟ ابتسمت وهي تكمل بتردد وخجل: "أكيد هتشوفها بس بعد كام شهر كده." شك في الأمر قليلاً، لكنه حاول أن يستفسر أكثر عن حديثها غير المفهوم:
"قولي على طول يا إيمان أنا مش فاهم حاجة." عضت على شفتيها ولا تزال الابتسامة تشق ثغرها بسعادة، جذبت يده ووضعتها ببطء على بطنها. وهي تقول بعينين تترقرق بهما دموع الفرح: "هنا بيبي صغير. بيقولك إنه جاي قريب وناوي يطلع عينك لو أثرت في حقي في يوم أو بطلت تحبني ليوم واحد." توسعت عيناه بصدمة وهو يلفظ اسمها: "إيمان." صمت لبرهة وسألها بعدم تصديق: "إنتي حامل يا إيمان؟ "أيوه يا يوسف. لسه متأكدة النهاردة بعد ما عملت تحلـ...
لم تكمل عبارتها فهو باغتها بعناق حانٍ. وهو يقول بسعادة: "هبقى أب يا إيمان. بجد إنتي حامل؟ "ولله حامل." نزلت دموعها وهي تدفن وجهها في عنقه، فهي لم تتوقع أن يكون بتلك السعادة يوماً، لمجرد أنها أخبرته عن حملها لم تتوقع ردة فعله بكل تلك الشعلة المتقدة بينهم. أبتعد عنها وهو ينظر لها بحب قائلاً، بعينين تلمعان بسعادة: "مبروك يا حبيبتي. هتبقي أحلى مامي." قبلها من جبهتها ببطء.
وجدته جثى على ركبتيه أمام بطنها مباشرة، وتحسس مكان موضع طفله وهو يقول بحنان: "هتنور حياتنا قريب أوي يا شقي. أنا مستنيكي أنا ومامي. مامي بتحبك أوي وأنا متأكد إنها هتكون أحسن أم ليك. بس خلي في علمك دي حبيبتي أنا وبس، يعني مش مسموح لك تحبها أكتر مني." وضع قبلة سريعة على بطنها وهو ينهض قائلاً بحنان: "بحبك أوي." "وأنا بموت فيك يا يوسف." تلاها عناق وقبلات رقيقة، والتي كلما زاد عمقها وصل لكلاهما مدى عشق وشوق الآخر إليه.
كانت ليلة على ضوء القمر من مشاعر صادقة وأشواق ملتهبة بالعشق الجامح بينهم. قضت ليلة أخرى داخل أحضانه الدافئة وهمساته الشغوفة ولمساته الحنونة عليها، كانت من أجمل الليالي التي مرت عليها، فالليلة اكتملت سعادتهم بخبر مبشر لكلاهما أن هناك صغير سيأتي ليربط علاقتهما أكثر ببعضها، بل ويوحد ما بينهما للأبد.
يصعب على المرء المقارنة بين السماء والأرض، فكلاهما له عطاء محدد للآخر صعب أن يتقارن بعضهم أو يتشابهان في طبيعة خلقهم، لكن برغم من ذلك التناقض بينهم إلا أن الحياة تكتمل بوجودهم سوياً، ويصعب الاستغناء عن واحداً منهم. قضت يوماً بأحضان زوجها وهي تخبره عن خبر حملها، وكانت لحظة السعادة بينهما لا توصف كذلك. في منزل آل الشهاوي. كان جلال يجلس في شرفة المنزل وهو يتحدث في الهاتف قائلاً بجدية:
"ميخصنيش يا باشمهندس، أنا طلبت منك كل حاجة تكون جاهزة وخالصة، فات سنة ولسه بتقولي في شوية تعديلات." رد المهندس أحمد قائلاً بهدوء: "جلال بيه، البيت اللي حضرتك بتقول عليه ده فات أكتر من تلاتين سنة عليه، ولما اشتريناه من صاحبه كان فيه شوية حاجات عايزة تتعدل علشان يرجع نسخة طبق الأصل قبل تلاتين سنة، وده صعب جدا." رد جلال بحدة قائلاً بجدية وصرامة:
"وأنت قلت إنك هتاخد ست شهور بالكتير علشان تجهزه، وفات أكتر من سنة وأنا مش ملزم أصبر أكتر من كده. قدامك أسبوعين يا أحمد وكل حاجة تكون مظبوطة. أنا جاي فرنسا بعد أسبوعين، ولو مش هتقدر سيبه." رد أحمد بسرعة وجدية: "إن شاء الله أسبوع واحد وهيكون زي ما حضرتك طلبت." أغلق جلال الخط ليضع الهاتف على الطاولة أمامه ناظراً للبحر. في نفس التوقيت. دلت حياء إلى المنزل بسعادة وهي تنادي عليه بلهفة. نهض عن كرسيه وخرج من الشرفة قائلاً
بابتسامة: "أنا هنا يا حياء. تعالي." اقتربت منه بسرعة وعينيها تلمعان بحماس وسعادة، دون حركة واحدة ألقت بجسده بداخل أحضانه متشبثة به قائلة بخفوت: "إيمان حامل يا جلال، بنتنا حامل." كانت ملامحه سعيدة، لكن ما إن سمع ذلك الخبر حتى أبعدها عنه بوجه خالٍ من التعبير قائلاً: "إنتي بتتكلمي جد؟ إيمان حامل؟ طب طب يعني العيلة الصغيرة اللي كنت بشيلها على كتفي هتبقى ماما؟ البنت اللي مسكت إيديها وهي بتمشي أول مرة حامل؟
اللمعت عيناه بالدموع، وفي لحظة خافتة جذبها بقوة لاحضانة: "ألف مبروك يا حياء، ألف مبروك يا قلبي، ألف مليون مبروك. أنا لازم أكلمها، لا لا أنا لازم أروح لها، دي أكيد فرحانة أوي." كاد أن يخرج الآن، إن حياء أمسكت يده قائلة ببكاء: "بلاش النهاردة يا جلال. اللحظات دي خاصة بينها وبين يوسف، لازم ياخدوا وقتهم مع بعض صدقني." فرك جلال يديه ببعضهما بارتباك قائلاً بلهفة: "بس أنا لازم أشوفها يا حياء، دي إيمان."
كان ردها بسمة صغيرة على ثغرها قائلة وهي تقبل وجنته: "معلش خلينا بكرة يا جلال." في صباح اليوم التالي. وصل صالح أسفل البناية القديمة حيث كانت تقطن زينب. أوقف السيارة مغمغماً بجدية: "يلا ولا إيه يا زينب." أومأت له بالموافقة، بينما ظلت صامتة شاردة الذهن، ليقول مقاطعاً ذلك الصمت: "مالك يا زينب؟ ساكتة وسرحانة من مدة، مالك؟ أخذت نفس عميق لتملاء رئتيها بالهواء، ثم زفرت بحرارة وإحباط قائلة:
"زعلانة يا صالح. تعرف زعلانة من نفسي، وخايفة بابا يكون زعلان مني." ضيق المسافة بين حاجبيه بارتياب قائلاً: "طب وعامر هيزعل منك ليه؟ إنتي عملتي حاجة تزعله؟ وضعت يدها أسفل خدها قائلة بقلة حيلة:
"أنا أقصد بابا منصور. هو كمان أبويا يا صالح وعمل عشان كتير أوي. وأنا الفترة الأخيرة قلت زيارتي ليه وبقالي كتير مقعدتش معاه لوحدنا ولا عملتله أكلة حلوة ولا أي حاجة. أنا بس خايفة يزعل مني ويفتكر إني عشان لقيت أبويا الحقيقي أبقى نسيته، بس والله العظيم أبداً." ابتسم بحنان قائلاً بهدوء:
"عمي منصور مش بيفكر كده. أولاً هو أكيد عارف إنك مشغولة مع الأولاد الفترة الأخيرة. وبعدين إنتي بتكلميه كل يوم وبتطمني عليه. في حاجة كمان. أنا ياستي والله بطمن عليه كل يوم وكل يوم ببعت سيد يطمن عليه ويجهز له كل حاجة، وحتى البيت وكل حاجة." لم ترد عليه لتظل تأخذ أنفاسها بضيق، مخرجة زفير معبر عن عدم رضائها، لتجده يقول بهدوء: "طب أنا عندي فكرة حلوة. إيه رأيك تقنعيه ييجي يعيش معانا؟
الدور الرابع من البيت جاهز من كل حاجة. منها تبقى جنبه وكمان متقلقيش عليه ومع الأولاد." ابتسمت بسعادة واتسعت شفتيها بإشراف مهللة: "بجد يا صالح يعني مش هتضايق لو عملت كده؟ عقد ما بين حاجبيه باستنفار قائلاً: "أتضايق إيه إنتي هبلة؟
ده لو أطول، كنت كل يوم أروح أشكرك على تربيته ليك. يلا خلينا نطلع له، هو أكيد عايز يشوف الولاد. أنا هسيبك معاه هقعد شوية وبعد كده هطلع على الوكالة وبعد كده أجي آخدك ولو قدرتي تقنعيه هييجي معانا." ابتسمت بسعادة وفي لحظة خاطفة اقتربت منه محاوطة وجهه بين يديها، طابعة قبلة طويلة على خده، متمتمة بسعادة: "يخربيت جمال أمك." ابتسم قائلاً بمناغشة: "طب نخلي الكلام اللي يخلي الواحد يتهور ده لما نروح ولا إيه؟
ردت عليه بدلال وتغنج: "اللي تشوفه." ترجل من السيارة وهي كذلك، ثم اتجهت نحو المقعد الخلفي لتأخذ أطفالها النائمون برقتهم الملائكية. أخذ منها بيلا، والتي سجلها في شهادة الميلاد باسم نبيلة، لكن فقط في شهادة الميلاد. أغلق باب السيارة بقدمه وهو يحمل طفلتيه، وهي خلفه تحمل يونس. صعد لتلك البناية ثم الدرج القديم والبالي، حتى أن بلاط درجاته قد بهت. وصلت للدور الثاني.
طرقت على باب الشقة عدة مرات لكن لم يأتِها الرد، لتخرج ذلك المفتاح من شنطة يديها. دلت إلى المنزل وخلفها صالح، لتصيح بصوت عالٍ نسبياً: "بابا يا حجيج فينك يا عم منصور." اتجهت نحو غرفته لتجد الغرفة مظلمة. أنارتها ثم دلفت للداخل لتجده ينام بعمق. وضعت يونس على الفراش وهي تتجه نحو شرفة الغرفة تفتحها ليدخل الضوء لها. فتح منصور عيناه ببطء وانزعاج من أشعة الشمس قائلاً: "بسم الله الرحمن الرحيم." ابتسمت زينب وهي تقفز على
الفراش قائلة بحب وحماس: "وحشتني أوي. اقتحمت عليك الأوضة." اعتدل منصور في جلسته ناظراً لها بحب وهي تبتسم له، مرر يده على وجنتها قائلاً: "صباح الورد على عيونك يا زينب. عاملة إيه يا حبيبتي." "بخير الحمد لله. ها مش عايز تشوف القطط الصغيرين ولا إيه." رد بسعادة قائلاً: "أكيد عايز أشوفهم." دلف صالح إلى الغرفة وهو يلقي السلام، ليرحب به منصور بهدوء. "إزيك يا عم منصور؟ أخبارك إيه يا راجل يا طيب." رد منصور بود قائلاً:
"بخير الحمد لله." وضعت زينب الطفل بين ذراعيه قائلة: "يونس ابني يا بابا." اخفض بصره ليجد الطفل يفتح عيناه بكسل ونعاس، يبدو في غاية الجمال. "ربنا يحفظهولكم يا ولاد وتربوه لحد ما يبقى راجل يعتمد عليه." "إن شاء الله يا حبيبي." في منزل علي. في وقت متأخر من الليل. دلف علي إلى غرفتهما بعد يوم عمل طويل ومنهك. كانت الغرفة هادئة، يرى الظلام والهدوء سائداً بداخله، فحاول عدم إصدار أي صوت.
حتى لا يقلقها في نومها، ولكنه ما إن تقدم خطوتين إلى الداخل. حتى أسرعت هي في النهوض تلقي بالأغطية عنها، تسرع إليه تحتضنه بشدة هامسة: "وحشتني أوووي كنت فين كل ده؟ شدد على احتضانه لها هو الآخر، يزفر بقوة دون أن ينطق بكلمة، لترفع رأسها عن صدره تنظر إليه بقلق. ترى الإرهاق مرسوماً فوق محياه، فأخذت بيده بين يديها تتجه به إلى الفراش، تجلسه فوقه، وامتدت أنامله إلى أزرار قميصه تحاول حلها، حتى هتف بها بضعف وشك:
"إنتي ناوية على إيه يا بيبة بالظبط؟ ضحكت برقة تهمس له بدلال: "متخافش مش اللي في دماغك يا قلبي." لتستمر أناملها في حل تلك الأزرار واحد تلو الآخر، تخلعه عنه، ثم تستدير تجلس خلفه فوق الفراش. تمد أناملها إلى حنايا عنقه تدلكها ببطء ورقة، لتستمر في عملها بصمت، حتى شعرت باسترخاء عضلاته تحت يديها، لتجد أن الوقت مناسب لتسأله بنعومة: "لسه رقبتك بتوجعك؟ ابتسم مغمغماً برفق:
"لا يا حبيبتي دلوقتي أحسن الحمد لله. بس إيه اللي سهرك لحد دلوقتي؟ اعتدل في جلسته ناظراً لها بتمعن، لتبتسم قائلة: "وأنا من إمتى بعرف أنام وأنا بعيدة عن حضنك يا علي. تعرف أنا من يوم ما اتجوزنا وأنا بعرف أنام بعمق وأنا معاك، رغم إن زمان كان صعب أوي حتى المنوم مكنش بيعمل أي مفعول معايا." هز علي رأسه وهو يمرر عينيه على ملامحها بافتتان ولوعة.
ليسود الصمت أرجاء المكان، كانت أناملها خلاله تعمل بشرود فوق بشرة كتفه، بينما ذاكرتها تعود بها إلى الماضي في هذا المكان وكم قاست في حياتها، ليلاحظ علي شرودها هذا، ليمسك بيدها يوقفها عما تفعل، يلفها في اتجاهه حتى أجلسها فوق ساقيه، ينحني يقبلها فوق جبهتها هامساً لها: "بتفكري في إيه يا عيون علي وسرحتي فيه بعيد عني؟ تنهدت حبيبة تهمس هي الأخرى بخفوت:
"في الزمان اللي في لحظة اتغير وبقت كل حاجة بالمقلوب. أنا بحبك أوي يا علي." أرجع علي خصلات شعرها خلف أذنيها قائلاً بعقلانية: "قصدك كل حاجة رجعت لأصلها وكل واحد أخد جزاءه واللي يستحقه، وخالص الماضي فات يا قلبي." انحنى فوق أذنيها يهمس بحب: "بس تعرفي إن نصيبي مفيش أحسن منه عندي، أغلى هدية ربنا هدانى بها بعد طول انتظار." أحنت رأسها تهمس بخجل: "وأيه بقى هي الهدية دي؟ علي وفي عينيه نظرة مرحة قائلاً بخبث:
"ودّي عاوزة كلام أمي طبعاً." رفعت حبيبة عينيها بصدمة تضربه فوق صدره بقوة تحاول النهوض من فوق ساقه: "بقى كده يا سّي علي؟ طب سيبني بقى أنام." التفت ذراع علي حولها يحاول تثبيتها في مكانه، يضحك بشدة قائلاً بصعوبة من شدة ضحكه: "طب خلاص حقك علي، ميبقاش زعلك وحش كده." أخذت تحاول الإفلات منه، فما كان منه إلا أن يحملها يضعها فوق الفراش، يستلقي هو الآخر فوقه، ذراعيه تحيطان برأسها من الجانبين، يهمس بخفوت في حنايا عنقها:
"مانتي اللي بتسألي أسئلة غريبة يا قلب علي، هو فيه عندي أغلى وأحلى والذ منك يا فراولة، واللي عندي بالدنيا كلها." سكنت فتفتحت جسده تهمس له هي الأخرى بحب ترد كلماته لها: "ولا فيه عند فراولتك أغلى ولا أحلى والا الذ منك يا فارس وحلم عمرها." اشتعلت عينيه بالنيران عشقه وشغفه، وبها يهبط فوق شفتيها يقبلها بجنون، قبلة خطفت منهم أنفاسهم لوقت طويل، ليرفع رأسه بعدها يسألها بصوت متحشرج، عاقداً حاجبيه بعبوس:
"هو الحصار هتفك عني إمتى؟ أنا خلاص شوقي ليكي هيقتلني. مش خلصنا امتحانات بقي؟ ضحكت حبيبة بدلال قائلة: "خلصت، بس بجد مشغولة جداً، بكرة خلينا ننام بس، لأن هنخبز أنا ووالدتك وعايزة أغسل السجاد والهدوم." رفعت حبيبة يدها تتلمس وجهه بحنان ورقة تهمس له بحب: "بحبك يا عوض العمر وجبر القلب." زفر علي يغمض عينيه بتثاقل هامساً بصوت أجش: "مش بقولك هتموتيني في مرة بكلامك اللي بيقتل ده."
أخذت حبيبة دون إدراك منها تشدد من احتضانه له بحماية، تدعو الله حتى يحفظه لها إلى أبد الدهر، لا ترى فيه مكروهاً أبداً، من أعاد لها الحياة وجعل لكل لحظة تعيشها معه بالعمر كله، يحيطها بحبه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!