الفصل 70 | من 70 فصل

رواية اطفت شعلة تمردها الفصل السبعون 70 - بقلم دعاء احمد

المشاهدات
22
كلمة
9,014
وقت القراءة
46 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

"تهانينا لكل قلب تحمل للنهاية لكي يكتمل عشقه، لكل قلب ابتسم رغم الحزن، لتلك القلوب المتمردة التي روضها العشق.." حاولت نور أن تضع ألف حد وسور بينهما بعد ما فعله، لكن قلبها خائن وعقلها متمرد. خضعت لخيانة قلبها ورضخت لمشاعرها، تلك الأنثى العاشقة بداخلها قادتها إلى أحضانه مجددًا. وكيف لا! وهو عاد معتذرًا، نادمًا. احتضنت نور صدرها بيدها مستمعة لدقات قلبها المتسارعة، مستسلمة لعاصفة الأفكار الهوجاء وذلك الحنين القوي إليه.

هزت رأسها برفض وضيق، مغمغمة لنفسها بحدة: "لا، ما أنا مش شغالة عندك يا باسل عشان تقول بكرة كتب الكتاب. لا وكمان تبقى خطفني، لا والمصيبة بابا وافق. بس إيه ده يا ولا، يلهوي عليك، عليك واحدة يا شبح بتجيب أجلي." ضحكت بخفة وهي تمرر أناملها على شفتيها برقة، شعور بالتخبط القوي، الحب، العناد، لكن قلبها رضخ له. احتضنت وسادتها بقوة وهي تدفن وجهها بالوسادة، أخذت نفسًا عميقًا بهيام قبل أن تغمض عينيها تغوص بنوم عميق، هامسة بحب:

"يارب أنا مش عايزة وجع تاني، أنا بحبه.." في صباح اليوم التالي، انبعثت أشعة الشمس إلى غرفتها من تلك الشرفة الصغيرة عبر الستائر الناعم التي ترفرف أثر حركة الهواء. استيقظت نور على صوت الضوضاء الصادرة من زحام الشارع بالأسفل، وهي تفرك في شعرها ويدها على فمها بنعاس ونوم، تبدو في حالة مزرية لا تبدو كعروس أبدًا، وشعرها يتناثر حول وجهها بشكل فوضوي، ووجهها عابس نائم.

دلفت إلى الحمام لتأخذ حمامًا دافئًا تريح أعصابها المشدودة من مقابلته، فهي أخبرته أنها لا ترغب بحفل زفاف، بل الأمر سيكون كتب الكتاب بمنزلها ثم خروجهما معًا لأي مكان وذهابها معه إلى منزله. مر بعض الوقت وهي تشعر بالهدوء حولها لتذهب إلى غرفة أشقائها، لكن وجدتها فارغة وكذلك غرفة والدها. رددت بداخلها بارتياب وشك: "راحوا فين بدري كده؟ هو أنا المفروض هعمل إيه دلوقتي؟

أعتقد لازم أنضف البيت وأسّيقه، مع إني والله مكسلة، لازم يحلف يعني إن كتب الكتاب النهاردة.. جاتك الارف." لوت شفتيها في آخر جملتها باشمئزاز واضح، وكأنها مجبرة على الزواج منه، وكأن بداخلها لا تشعر بالسعادة رغم تلك الغمرة التي شعرت بها، وكأنه أعاد لها روحها من مجرد لمسة يديه واحتضانه لروحها. لكن ذلك الخوف الذي ترعرع بداخلها جعلها تشعر أن وجود الشيء مثل عدمه، لذلك لا تستطيع إظهار مشاعرها.

وضعت دلو الماء الساخن بجانب الأريكة ثم وضعت بعض مساحيق التنظيف المعطرة. كادت أن تحمل ذلك المفرش القديم إلا أن رنين جرس الباب جعلها تستقيم، واضعة الحجاب فوق رأسها بإحكام، قائلة بصوت عالٍ نسبيًا: "مين؟ ردت زينب بمرح من الناحية الأخرى: "أنا زوبا يا عروسة.." فتحت نور الباب بوجه مستنفر: "عروسة إيه، جاتك نيلة. وحشتيني أوي على فكرة." ابتسمت زينب وهي تدلف لداخل المنزل قائلة بخبث واضح: "ده بجد؟

وأنا اللي فكرت العريس خدك مننا ومش هنشوفك تاني." فغرت شفتيها في آخر جملتها بصدمة، لتوجه بصرها نحو نور الواقفة خلفها تضع يديها على خصرها تنظر لها بسخط من جملتها تلك. تحدثت زينب بذهول قائلة: "هو انتي هبلة يا نور؟ المفروض إن النهاردة كتب كتابك وبتسّيقي البيت لسه؟ ده أنا قلت يمكن يكون عندها دم وبتظبط شكلها. يا عيني عليك يا باسل، هتنصدم." ردت نور بهدوء وكبرياء: "هو المفروض يعني أعمل إيه؟ أتحزم وأرقص؟

ثانيًا أنا زي القمر في كل حالاتي." ابتسمت زينب بسعادة وهي تقترب منها محتضنة إياها: "نور، ممكن أقولك كلمتين بصراحة من غير زعل؟ "طب وعهد الله أنا ما بعرف أزعل منك يا زينب، لأن انتي الوحيدة اللي متأكدة إن قلبها أبيض وبتخافي عليا، رغم إني أكبر منك.. احم احم بتلات سنين." ردت زينب ساخرة باشمئزاز: "بس عقلك صغير. تعالي بقى نقعد لأن في كلمتين محشورين في زوري لازم نتكلم فيهم." جلست على أقرب أريكة لها، لتقول نور بتوتر:

"كلمتين إيه بقى؟ "شوفي يا نور، انتي دلوقتي خالص وصلتي مع باسل لآخر الحكاية. شوفتي فيه الغرور والبرود والطيبة، وعرفتي الأسباب اللي خلتيه كده. سافرتوا ورجعتوا، طلقتوا، ودلوقتي هتتجوزوا تاني. بس المزة دي مختلفة، المرة دي بتاعتك انتي وهو. المرة دي يا نور لازم تفكري فيها بجد. باسل راجع لك وعايزك بجد، واضح من طريقته إن المرة دي متمسك بيك، بس برضه متنسيش إن واحد زي ده كان متجوز قبل تلات مرات، يعني شاف الدلع كله."

شحب وجه نور وكأن الدماء سحبت منه، متحدثة بتوتر: "انتي بتوتريني كده على فكرة يا زينب، يعني أعمل إيه؟ ردت زينب ببساطة وهي تربت على كتفها باهتمام:

"حبيه يا نور. باسل لو لقى الحب الحقيقي عمره ما هيفرط فيه، أنا متأكدة من ده. لأنه عاش طول عمره محروم من الحب والعيلة. وانتِ مش زي أي واحدة قابله، لو كنتي زيهم كان هيطلقك بدون لحظة تردد ومش هيفكر يرجع لك. بس أهم من الحب يا نور، لازم تحترميه. وبلاش الوش الخشب ده يفضل كتير، يعني لازم يحس إنك مهتمة بوجوده، ولازم انتي كمان تفرحي. بلاش تخافي يا نور عشان خاطري وافرحي وفرحي قلبك. أنتِ تستاهلي كل خير والله العظيم، تستاهلي تفرحي قلبك. أظهري مشاعرك، وخليكي دايما عارفة إن ربنا كبير وحنين أوي يا نور. ألف مبروك يا حبيبي."

ابتسمت نور بسعادة وكأنها كانت تنتظر أحدًا ليشعل بداخلها ويهيج السعادة، لتقول من بين تلك الضحكة الخافتة: "زينب، أنا بحبك أوي بجد أوي، ربنا يخلينا لبعض. بس إيه يا عم العقل والحب ده كله؟ ده صالح بيه شكله علم على قلبك بالجامد أوي." ابتسمت زينب بخجل قائلة بحماس: "الحب في الحلال بينوّر القلوب والعقول يا نور. وبعدين أيوه، علم على قلبي وروحي لأنه حبيبي أنا وأبو أولادي." ردت نور بغمزة شقية: "يسهلوا." ردت زينب بسرعة:

"صحيح، داليد زمانها على وصول." عقدت نور ما بين حاجبيها قائلة: "مين داليد؟ ردت زينب بحماس وهي تزيل حجابها وتفك ربطة شعرها لينسدل على ظهرها برقة: "داليد دي تبقى بنت خالي محمود. تعرفي هي كمان طيبة أوي، أصغر مني بسنة بس مرحة وطيبة بجد. امبارح كنا بنتكلم وحكيتها عنك وإن النهاردة كتب كتابك، فهي قالت إنها لازم تحضر. وكمان اللي عرفته إنها شاطرة جدًا في المكياج وهتخليك زي القمر. تعالي نشغل أغاني." قامت بتشغيل

الأغاني لتقول بحماس: "ادخلي انتي بقى ظبطي نفسك، أبوكي كده كده مش هيجي دلوقتي، هاتي لي بجامة من عندك، يالا ورايا شغل كتير." رفعت نور حاجبها الأيسر بشك: "وانتي إيه عرفك إن بابا هيتأخر بره؟ ابتسمت زينب وهي تمسك الدلو لتبدأ بالتنظيف وهي تردد كلمات الأغنية الشعبية، لتقول بدلال أنثوي يعشقه شخص ما: "لما يجي هتعرفي، متشغليش بالك. يالا يا نور." ابتسمت بسعادة طفولية غريبة، شاعرة باهتمام كل من حولها، لتقول:

"حاضر، ثواني هجيب لك بجامة. هو فين الولاد يا زينب؟ ردت زينب وهي تقف على الكرسي تلمع زجاج الشباك:

"مع ماما حياء وعمتي صفا امبارح. هي امبارح جيت وباتت معانا. الصراحة عمتي دي كمان قمر أوي، وماما حياء لما عرفت إنه كتب كتابك النهاردة قالت لي لازم أكون معاكي، والأولاد معاهم. وأنا نزلتهم ليها ورضعتهم قبل ما أجي، واطمئنت إنهم ناموا، لأن طول الليل صاحيين وأنا وصالح كنا قاعدين جنبهم، ماناموش غير الفجر. عارفة يا نور، الولاد بجد نعمة من ربنا، رغم أي تعب وأي سهر. وصالح ربنا يحفظه لينا دايما معانا. أنا كنت خايفة أوي معرفش

أربي التلاتة، لكن والله وجود العيلة فرق معايا أوي. عمي جلال الصراحة هو كمان أبويا بجد، وهو كمان بيساعدني. يعني مثالًا بيقول لي المفروض أعمل إيه ومعملش إيه، وإزاي المفروض أتعامل معاهم لما يكبروا. وماما حياء دايما معايا وكلهم بيحبوا الولاد. حتى يوسف وإيمان وحبيبة مرات علي دايما بتكلمني في الموبايل تطمن عليهم. الناس لما يكونوا ونس لبعض الدنيا بتكون حلوة يا نور."

و جبر الخواطر حلو اوي. و أنا عشت عمري في ناس كتير بتجرح فيا. التمعت عينيها بالدموع، لكن تلك المرة بالفرحة، وهي تنزل عن الكرسي وتقف أمام نور قائلة بانتصار وعشق بادٍ في عينيها: _الناس اللي جرحوا في قلبي علموني إن العوض والصبر نهايته حلوة أوي. أنا دلوقتي لقيت أبويا وأمي، ولقيت ليا خالي محمود وخالتي مريم وعمي جلال وماما حياء. وعندي أبويا منصور، وإنتي معايا، ومعايا داليد، والأهم معايا صالح وأولادي.

الجبر بعد الصبر هو السعادة اللي بجد. وإنتي كمان صبرتي كتير يا نور علشان أخواتك وأبوكي، وربنا هيجبر بخاطرك إنتي وباسل، وهتفرحوا أوي كمان صدقيني. احتضنتها نور بعيون باكية وسعادة داخلية. ابتعدت زينب تمسح دموع نور بيديها قائلة: -خلينا نفرح بقى، وصلنا لنهاية الوجع وخالص هنفرح. أومأت لها نور. في نفس الوقت، صدح رنين جرس الباب. لتتجه نور تفتحه، لتجد أمامها فتاة تبدو في بداية العشرينات.

جميلة المظهر، ذات ابتسامة رائعة وعيون سوداء حالكة. سألت داليد بهدوء قائلة: -نور؟ أومأت لها الأخرى لتقول بحماس: -داليد الدمنهوري، أنا بنت خال ملك. ابتسمت نور قائلة: -آه، هي جوة، اتفضلي. دلفت إلى الصالون وهي تحمل حقيبة يد متوسطة تبدو على شكل مكعب، وكأنها ليست حقيبة يد. ابتسمت زينب قائلة بحماس: -كويس إنك وصلتي، الأستاذة فاكرة النهاردة واقفة العيد وبتنضف البيت. قوليلها حاجة لأن هتشل. خلعت داليد حجابها لتضعه جانباً

قائلة باهتمام شديد: -لا طبعًا مينفعش، وأنا أصلًا جايبة كل حاجة معايا. هظبطك. على فكرة، أنا شاطرة جدًا في الميكب، وصدقيني إنتي بشرتك جميلة، بس لازم نعمل ماسك، وإنتي كمان يا ملك. أو أقولك يا زوبا. ردت زينب بحب أخوي: -قولي يا ملك، الاسم ده بحبه. بس أنا هخلص الليلة دي وأحصلكم على جوة. ابتسمت داليد وهي تقترب من نور لتضع يدها على خصر نور: -ياله بينا. وافقتها نور وهي تتجه معها نحو غرفتها. بعد مرور عدة ساعات. في غرفة نور.

نهضت من مكانها بعد أن أنهت داليد مهمة تزيين وجهها وإنهاء. كوي شعرها البني. زاد جمال وجهها مع ألوان الزينة الرقيقة. أخرجتها داليد أجمل مما توقعت. نظرت نور لهيئتها في المرآة مع جمال وجهها. وأناقة تسريحتها لتقول بسعادة: -مكنتش متخيلة إني هكون جميلة كدا. حاسة إني أحلى من يوم الفرح. إنتي بجد شاطرة أوي. رفعت داليد رأسها بفخر وهي تهندم ثيابها بطفولية:

-شكرًا شكرًا يا جماعة، ده حاجة بسيطة من موهبتي. ها، قوليلي فين فستان كتب الكتاب؟ خليني بقى ألف لك الطرحة. ردت نور بجدية: -في الدولاب. هو فستان عادي لأن أنا الصراحة مكنتش حابة أنزل أشتري، والموضوع كله ساعتين وهيخلص. نظرت داليد لزينب بسخط قائلة: -صاحبتك دي محسسني إنه يوم عادي. لا فكي كدا يا قمر، النهارده فرحك، فاهمة يعني العروسة للعريس. ردت زينب قائلة بجدية:

-والله العظيم كنت عاملة حسابي. علشان كدا الفستان جاهز. ثواني بس، البسي حجابك يا داليد. ضيقت نور المسافة بين حاجبيها بشك. خرجت من الغرفة لتمر بضع لحظات قبل أن تدلف مرة أخرى برفقة سالم، والد نور، وهو يحمل بين يديه ذاك الثوب الأبيض مغلف بطريقة منظمة وصحيحة. ابتسم سالم قائلاً بحب: -تفتكري هخليك تحضري كتب كتابك بأي فستان كدا؟ لا طبعًا. إنتي أميرتي يا نور. كادت أن تبكي من فرط السعادة وهي تقترب منه محتضنة إياه بقوة قائلة:

-وإنت حبيبي يا بابا، واللي العظيم. غمزت زينب لداليد قائلة بهمس: -كنت متفقة مع عمي سالم نشتري الفستان ده سوا، وهو اللي اختاره. ليها ذوقه حلو أوي. ردت داليد بإعجاب واضح قائلة بحب: -فعلاً رقيق جدًا. بعد ساعتين. كان يجلس على الأريكة في الصالون بحلة أنيقة سوداء، منهدم الشكل. وقد حلق لحيته، فبات أكثر جاذبية مع بشرته الخمړية الرجولية ومصفف شعره الأشقر. بجمال يلفت الأنظار.

توجهت عسليتان عيناه المشتعله بالفطرة حينما أبصرها تخرج من الغرفة بحرص، متأبطة ذراع والدها. كانت جميلة اليوم بشكل عجز عن وصفه. يبدو وكأنها قد أتقنت في انتقاء ثوب عقد قرانهما. فكان ثوب أبيض سادة حريري رقيق، طويل يتدلى ذيله من الخلف. برقة، بأكمام شفافة رقيقة وعند المعصم مطرزة بورود بيضاء من الدانتيل. حجابها الأبيض الناعم يبدو في غاية النعومة. ذلك اللؤلؤ البراق الذي يزين الحجاب يبدو لامعًا لأجلها.

وقد وضعت كذلك زينة العروس الناعمة التي زادتها جمالًا. لا يعرف كيف، لكن هذه الألوان كانت مختلفة وجميلة عليها، لكن مختلفة ككل شيء بها. فاليوم مختلف. وحتى ما سيحدث الآن سيأخذ منحنى مختلف في علاقتهما. فكم حلم بهذا اليوم منذ أن طلقها. تمنى العودة لها قلبًا وقالبا. تمنى أن تعود له بقلبها. ولم يتوقع قط أن يكن أجمل من المتوقع بمراحل. رفعت نور عينيها البنيتان عليه، وكانا بريق الحب يشع منهما. جعل باسل يبتسم لها وعيناه تناديها.

أن تقترب أكثر، فقد تعب من الانتظار والصبر. وكأنه ابتعد لسنوات، والآن يريد أن يروي عطش قلبه. وصلت إليه لتقف بالقرب منه. أعطاه والدها يدها. حتى يذهبا على الطاولة الممتدة ليتم عقد القرآن. فالمأذون ينتظر هناك. مسك باسل يداها الإثنين ونظر لعينيها يتأملها عن قرب، وهي فعلت المثل، ولكنها عقبت بتسرع غريب وحب، ها قد بدأ بالظهور. _هو إحنا بجد هنكتب الكتاب يا باسل؟ أنا حاسة إن هيغمى عليا من الفرحة.

ضحك باسل دون صوت وأومأ برأسه قائلاً: -لا، أبوس إيدك امسكي نفسك لحد ما نكتب الكتاب. أنا ما صدقت أبوكي رضي عني ووافق من تاني. ده كان هيقيم عليا الحد ويطردني من بيتكم لما قولتله إني عايز أردك ونعمل كتب كتاب من جديد. توهجت فرحتها في عينيها وقالت بعدم تصديق من شدة الفرحة: -بنات الناس مش لعبة يا أستاذ، بس حقيقي النهارده أجمل يوم في عمري، وكفاية وجود البنات معايا. تنهد باسل هامسًا بحب وهو يتكأ على يداها. بحنان.

-مش لوحدك، أنا حاسس إني بتولد من جديد على إيدك يا شبح. سحبت نور يدها ووضعتها على جبهتها وهي تشعر بعدما اتزان قدميها على الأرض. "لا مش مصدقة، أنا دايخة، أنا دايخة أوي يا باسل، اسندني." مسك معصمها بقوة هاتفا بلهفة: -نور، إنتي كويسة؟ نور. نظرت إليه بدهشة قائلة بعدم تصديق: -هو إحنا بجد هنكتب الكتاب؟ رد باسل بتردد وقلق عليها: -على حسب، ممكن يتأجل لو اغمى عليكي فعلاً. "لا، يغمى عليا إيه، أنا تمام، أنا كويسة أوي."

اعتدلت في وقفتها سريعًا وهي تحاول التماسك قدر المستطاع أمامه وأمام الجميع. وكأن قلبها لم يعد يتحمل أكثر، معترفة بحرارة. أخرج باسل زفرة حارة وهو ينظر إليها بشوق. -أنا اللي مش كويس والله. نظرة إليه بلهفة سائلة ببراءة: -سلامتك، عندك إيه؟ هز رأسه بنفي وهو ينظر للطاولة خلفهما. -ولا حاجة. يلا بينا لحسان الناس قاعدة مستنيانا. قد حضر بعض أقارب العروس المقربين جدًا، والأصدقاء. وكذلك حضر والدي باسل وأخته زينة.

وأصدقاؤه المقربون، وأيضًا صالح وعلي برفقة زوجته حبيبة، التي تجلس بجواره متأنقة بثوب سهرة رائع مع حجابها الرقيق. كانت جواره ملتزمة. أقترب صالح من زينب، والذي كان ملفتًا للأنظار اليوم كعادته، بحلته الرصاصية الداكنة أسفلها قميص أبيض، مصفف شعره بأناقة، وعلى ثغره ابتسامة تجعلها أسيرة لنظرته تلك. -وإنت كمان أوي. هما الولاد كويسين؟ أكيد جاعوا؟ بص هنمشي دلوقتي. أنا والله معرفتش أمشي خالص بالنهار وكان في حاجات كتير.

-متقلقيش عليهم، ماما جهزتلهم الرضعة وأكلوا، وبعدين عمتك مسبتهمش لحظة، متقلقيش. اكتفت بابتسامة رغم خوفها. هي أم، والأم لا يهدأ قلبها إلا عندما تطمئن بنفسها على أطفالها. وضع باسل يديه بيدي والدها، وبدأ المأذون بعقد القرآن، بينما تجلس نور بجوار نيرة، التي ابتسمت بسعادة لرؤية تلك اللهفة في عين ابنها الوحيد. مؤخرًا تحول تمام، لم يكن كذلك، كان باردًا جدًا، وتلك الفاتنة هي من أذابت جليد قلبه. ليقع أسيرًا، وأي أسير هو؟

هو أسير كبريائها، أسير عيناه، وأسير رونقها الخاص التي امتازت به عن أي فتاة أخرى. والأهم من كل هذا، أنه أسير عشقها. هبطت عليهما المباركات من الجميع. بعد كتب الكتاب في غرفة نور. رفعت نور عينيها المشعة بسعادة إليه. فوجدته ينظر إليها نظرة غريبة، قاتمة تجتاحه مشاعر عديدة لا تفقه منها شيء. لكن الوصف الدقيق بالنسبة لها: إنه جائع ويراها وجبة جيدة ودسمة ستوفي بالغرض. -ليه البصة دي يا باسل؟

سألته بتردد، فنظر حولهما، فقد سمح والدها لهم بالجلوس في غرفتها قليلًا قبل مغادرتها معه. نهض باسل من مكانه واقترب منها. بلعت نور ريقها بتوجس وسألته بارتباك: -إنت كويس؟ -لا يا نور مش كويس. من يوم ما سبتك وأنا مش كويس. سألته بتوتر وبراءة. فنبرته كانت متحشرجة أثر اختلاط مشاعره. والتي حان الوقت للاعتراف بها. إلى متى سيرتدي قناع ليس له؟ عليه خلعه للأبد، فقط لأجلهما. -مالك؟ إنت دايخ إنت كمان؟

الفرحة بتدوخ. أنا كمان حاسة إن دماغي بتلف من الفرحة. أنا مبسوطة أوي يا باسل. مبسوطة إني معاك. مسك يدها الموضوعة على وجنته وقربها من شفتيه وطبع قبلة طويلة بطيئة عليها قائلاً باشتقياق: -وأنا كمان يا نوري يا أغلى نور في الدنيا. مش مصدق إنك بقيتي مراتي. وأسف والله العظيم أسف على كل اللي فات. فرحان أوي يا حبيبتي. خفق قلبها بجنون وسألته باللهفة. "انت بتحبني يا باسل؟ مد يده ولامس وجنتها الناعمة مؤكداً. بقلبٍ مدله بحبها.

"بعشقك ياقلب باسل." اغمضت عينيها بضعف وهي تشعر بانفاسه الساخنة الممزوجة برائحته المميزة تقترب منها تلفح صفحة وجهها بقوة. بلعت ريقها بتوتر حينما وجدته يحجز وجهها بيده، ثم شعرت بشفتيه تلامس بشرتها الناعمة. قد طبع قبلة رقيقة على وجنتها، طابعاً عدة قبلات على وجهها وهو يضمها بين ذراعيه أكثر. شاعر بها تستجيب أخيراً لقربه، وكم يريد مستجيباً مرحباً بها أكثر مما ظن. سمع صوت يأتي من خارج غرفة الصالون.

فضرب جرس الإنذار داخله وابتعد عنها بصعوبة، ناظراً عند الباب فلم يجد أحد. تنهد بارتياح وهو ينظر إليها. ليجد عينيها متوسعة بعدم تصديق، وجهها أحمر من شدة الخجل والصدمة مما حدث، أما شفتيها فكانت منتفخة وحمراء، آثار هجومه عليها. وقد أفسد حمرة شفتيها. أخرج المنديل من جيبه ونهض من مكانه، وتلك المرة جثى على ركبتيه أرضاً أمامها. ثم بدأ في المسح حول شفتيها قائلاً باعتذار حانٍ.

"أنا آسف يا نور، أنا مكانش قصدي أخوفك يعني، بس مقدرتش، أنا... توقف عن الحديث عندما وجدها تلقي نفسها في أحضانه بصمت مبهم، أشعره بالقلق وشعر بقلبه يقع أرضاً. لذا ضمها أكثر وهو يسألها بتوتر. "انتي كويسة؟ خوفتي مني صح؟ أنا مكنتش أقصد، أنا أسف مش هيتكرر تاني، بس متخافيش." همست نور بضياع في أحضانه وكأنها تجربها لأول مرة معه.

"باسل لو بتحبني بجد اوعي تيجي عليا في يوم، أنا بحبك وخايفة اندم على حبي لك، صدقني مش هقدر استحمل. حتى لو أنا دايماً متمسكة قدامك فأنا دايماً هبقى محتاجة لحضنك، فبلاش انت كمان تيجي عليا." رفع رأسها بحنية وحب هامساً بضياع هو الآخر. "انتي وطني يا نور فاهمة؟

يعني حضنك هو بيتي وحضني دايماً هيكون ليك لوحدك لأنك الوحيدة اللي هزت فيا كل حاجة. والله العظيم أنا بحبك أوي، ونفسي أكون معاكي بيتي مليان حب ودفء، بس سبيني واديني فرصة لو سمحتي ممكن؟ مسحت دموعها قائلة بسعادة. "بحبك." همس بابتسامة ضارية. "وانا بعشقك." انتهى حفل كتب الكتاب وذهبت معه نحو منزلهما بعد أن وعدت أباها وأشقاءها. منزلهما!! تلك الكلمة وذلك الجمع يجعلها تشعر بأنها ملكة متفردة بقلبه. في منزل آل الشهاوي.

صعدت زينب الدرج بلهفة والقلق ينهش بقلبها، إنها الفطرة وغريزة الأمومة المتحكمة بها، فلا لوم عليها. دلفت إلى شقة جلال بعد أن فتحت حياء لها الباب قائلة بابتسامة. "ازيك يا زوبا؟ ردت عليها باحترام وود. "الحمد لله أنا بخير يا ماما. أومال هما الولاد فين؟ أوعي تقولي ناموا." ابتسمت حياء برفق قائلة بحب. "جوا مع جلال... تعالي. أومال فين صالح؟ ردت زينب بهدوء حانٍ. "بيركن العربية."

دلفت إلى الصالون، لكن هدأت من روعها وهي ترى ذلك المشهد الجميل. حيث كان جلال يحمل بيلا وحياء بين ذراعيه وهو يغمغم ببعض الكلمات غير المسموعة، ولم تكن إلا بعض الآيات القرآنية الذي يرددها دائماً على مسامع أحفاده بصوت خافض يكاد يصل لمسامعهم، حتى أن كانوا لا يفقهون شيئاً إلا أنها تبعث السكينة بصوته الخاشع. بينما كان يونس ذلك الصغير نائم برفق ونعومة على الأريكة. ابتسمت زينب بارتياح قائلة بحب. "تعبوك يا بابا."

ابتسم جلال بسعادة وهو ينظر نحو حياء المبتسمة برقة. "بالعكس يا زوبا، دول فكروني بأيام زمان، لما صالح وإيمان كانوا عيال، بس سبحان الله أعز من الولد ولد الولد. عمتك لسة ماشية من شوية، وأبوكي اتصل يطمن عليكم وأنا طمنتهم." ردت زينب بهدوء في وقت دخول صالح من باب الشقة. "طب كويس إن حضرتك كلمتهم لأن موبيلي فصل شحن، ممكن أخدهم؟ رد جلال بجدية قائلاً.

"أكيد، وبعدين بيلا شكلها جعانة، بس الصبح عايز أشوفهم قبل ما أنزل الوكالة، هطلع أصبح عليكم." رد صالح بهدوء وحب. "هبقى أجيبهم لحضرتك يا بابا، بلاش تتعب نفسك، وإحنا كدا كدا هننزل الوكالة سوا لأن احتمال أسافر السويس في حاجات في حلقة السمك ولازم أنزل أتفق عليها." سألته بلهفة بالغة وبراءة. "هتتأخر؟ بس أنا هخاف أقعد من غيرك." أدركت ما تفوهت به لتخفض بصرها بحرج وخجل، بينما ابتسم جلال مغمغماً برفق.

"يلا يا صالح خد مراتك وأولادك واطلع شقتك." أومأ له وهو يأخذ الصغيرتين، بينما أعطت حياء يونس لزينب قائلة بخبث مرح. "خلي الدلع لجوزك لما تكونوا لوحدكم يا هبلة." عضت على شفتيها بخجل واضح ولم تستطع الرد عليها بكلمة واحدة وهي تغادر معه. ابتسم جلال وهو يحاوط خصرها قائلاً بحب. "تعرفي الولاد حلوين أوي مع بعض، ربنا يحفظهم يا حياء." وضعت رأسها على كتفه قائلة باهتمام. "يارب يا جلال يارب." في شقة صالح.

وضعت الأطفال على الفراش باهتمام قائلة باعتذار. "والله حقكم عليا، عارفة إنكم جعانين، هغير بس وأجيلكم." خلع صالح سترة حلته ملقياً إياها على الكرسي ليجلس على الفراش يخلع حذاءه، ثم نظر للأطفال محدثاً إياهم برفق.

"عارفين رغم إني مبقتش عارف ألم على أمكم من ساعة ما جيتوا للدنيا، بس كله يهون لأجل عيونكم. عارف يا يونس، أنا حاطط فيك أملي، لما تكبر تكون ضهري وتخاف على أخواتك، ولما أموت تحضن أمك وتشوفني فيك يا يونس. عارف أنا ساعات كتير بقول يارب طول في عمري لحد ما أشوفك راجل يعتمد عليه، بس أمانة عليك أخواتك البنات وأمك في رقبتك ليوم الدين." كانت تراقب حديثه ذلك بعد أن بدلت ثيابها بحزن بالغ، ولا إرادياً انسابت دموعها بشدة.

ما سر ذكر الموت الآن؟ هل يفرح بانفطار قلبها وبكائه؟ رفع رأسه لكن فاجأته محتضنة إياه بقوة حتى كادت أن تختفي بين ذراعيه، وكأنها ضلع ثانٍ له. أخذ يربت يربت على ظهرها بحنان متمتماً بلهفة. "مالك يا زينب؟ لم تستطع التحدث وشهقاتها تتعالى، مجرد تخيل أنها تفقد تجعلها تتشبث به أكثر، ذلك الشعور مؤلم. مرت دقائق وتعالى صوت بكاء طفلتهما وكأنها فهمت ما حدث. غمغم صالح بجدية حانية قائلاً.

"زينب كفاية عياط، الولاد هيعيطوا هما كمان، عشان خاطري اهدي." زمجرت بحدة وقسوة قائلة. "لو سبتني في يوم صدقني يا صالح مش هسامحك، أنت فاهم، حتى لو اللي هيبعدنا هو الموت برضو مش هسامحك." رد الآخر بمرح ماكر. "وأهون عليك أموت وأنا شايل ذنبك." ابتعدت عنه قائلة بصوت عالٍ نسبياً أفزع الصغار. "وأهون عليك تسيبني أموت بالبطيء؟ صالح أنت قلت إني بنت قلبك صح؟

بس اللي متعرفوش إنك أغلى عندي من روحي. أنا عشت عمري تايهة بين البشر، والله العظيم ملقتش الاحتواء إلا في حضنك، ملقتش الأمان إلا معاك، بلاش تخوفني عليك، أنت فاهم؟ أنا عندي استعداد أسامحك حتى لو قتلتني، بس أنك تسيبني مش هقدر أسامحك." ابتسم وكأن كلمتها بلسم لروحه المتعطشة لعشقها. "زوبا أنا بحبك، الكلمة دي عهد ووعد مني ليك، ولو ربنا أذن يوم وأخد روحي اعرفي إني لسة على عهدي، فاهمة؟ وبعدين أنا عارف إنك هتسامحيني، ماشي؟

وبعدين أنا بكلم ابني عادي، كنت بس بوصيه على أخواته زي ما أبويا وصاني على أمي وأختي، والأعمار بيد الله وحده." ردت بحدة معنفة إياه. "بس برضو متقولش كدا، أنت فاهم؟ "خالص خالص يا ستي، متزعليش، حقك عليا، بطلي عياط بقى." مسحت دموعها قائلة بهدوء. "حرام عليك بجد توجع قلبي يا صالح، خليت حياء تعيط. أنت هتسافر بكرة؟ أومأ لها بجدية قائلة. "متقلقيش، مشوار للسويس هتفق على شوية حاجات ناقصة عندنا، ولو عليا هرجع على بليل، متقلقيش."

"لا لو عليا هقولك لو اتأخرت خليك هنا وابقى اركب الصبح، علشان خاطري يا صالح، أنا بخاف لما تسوق العربية بليل، علشان خاطري." ابتسم طابعاً قبلة أعلى رأسها قائلاً بحنان. "هدخل أغير هدومي، وأنتي متشغليش بالك، أنا بعرف أسوق بليل عادي، وياستي أوعدك لو اتأخرت هفضل هناك وأجي الصبح، المهم تخلي بالك من الولاد." أومأت له وهي تحمل حياء برفق لتطعمها. في صباح اليوم التالي. في منزل باسل.

استيقظ باسل بتثاقل ونوم ليجدها تتوسد صدره محتضناً إياها. في عينيها البنية كان يرى لمعة مجنونة من الخجل من كل ما يحدث بينهما وما كانا يتوقعا حدوثه. ارتفعت الحواجز بينهما فأصبح لها زوجاً أمام الله. كيف بدأت القصة وأين انتهت؟ لا تصدق صدقاً، لم تستوعب بعد أنها تزوجت ممن تحب، إنها حظت بالحب الأول، أجل هو حبها الأول فقد حفظت قلبها لسنوات لأجله هو فقط.

تنهدت بنعومة وهي تشعر به يداعب خصلات شعرها الناعمة، طابعاً قبلات حانية على وجنتيها. همست بخجل وهي تحاول الابتعاد عنه قليلاً. "صباح الخير." قربها لاحتضانه أكثر وأجابه مردداً تحية الصباح بشهية مفتوحة و بالٍ رائق. "صباح الفل والورد والياسمين، على أجمل شبح في الدنيا." مع كل كلمة يعانق شفتيها بقبلة مشاكسة. زفرت بخجل وارتباك وهي تشعر أنها تحت حصار، فكان يميل عليها نائماً على جانبه، ساند ذراعه فوق رأسها.

فحاولت تشتيت عقلها من هذا القرب. فهي حتى الآن لم تعتد على كل هذا معه ولم تستوعب بعد أنها تزوجت منه بالأمس. تنحنت وهي تسأله بتوتر. "هو... هو انت صاحي من بدري رد وعيناه لا تحيد عنها -من عشر دقايق كده بس ايه الجمال دا ازدردت ريقها سالته بارتباك -و كنت بتعمل إيه رد بعيون وقحة متسلية وهو يلوي شفتيه في إبتسامة الثعالب -بتفرج بتتفرج على اي بظبط شدة غطاء الفراش لأخر عنقها بحركة مفاجئه اضحكته بقوة

اغتاظت من ضحكاته و احمرة وجنتيها قائلة بتزمر طفولي -بطل ضحك انت أصلا قليل الأدب أشار على نفسه ببراءة -انا يا نور و لا انتي اللي بتلفتي نظري لحاجات مش في دماغي أصلا اهتزت حدقتيها وقالت بتردد -يسلام انا اللي بلفت نظرك و لا انت اللي متربتش اصلا يا قليل الادب و بعدين مانت اللي قولت بتفرج عايزني افهم إيه رد بصوت عابث يدفع للشك به أكثر -تفهمي اني رومانسي وقعد اتاملك ياروحي سالته نور بحاجب مرفوع ببراءة -ليه يعني

تنهد بحرارة قائلا -مش مصدق ان احنا اتجوزنا الصراحة و مش صدق انك بقيت معايا من تاني ردت بحدة تغلفها الخجل -لا صدق لأن انا قاعدة على قلبك ماشي و بطل حركاتك دي لو سمحت رد باسل بحماس قائلا -طب اية هنفضل نايمين كتير أنا هقوم اجهز الشنط و هنطلع على الغردقة هنعيش احلى اسبوع سوا يا نوري اصل الصراحة لسه في كلام كتير عايز اقولهولك انهي جملته الخبيثة بغمزة شقية لتضربه بخفة قائلة -وقح في منزل يوسف

نهض ببطئ من فوق الفراش دون اصدار اي صوت متجها نحو المطبخ حرك رقبته في الجهتين قائلا بثقة -چو هتبقى اب ضحك بخفة وهو يتجة نحو الثلاجة ليخرج بعض الأشياء منها بدا في إعداد طعام الإفطار بدقة و حرص فكلما تذكر انها تحمل قطعة منهما بداخلها يشعر و كأنه طفل صغير يود لو يأتي بالعالم كله لأجلها الأمر لا يتعلق بالطفل فقط بل يتعلق بها هي ذلك الطفل منها هي حبيبة عمره و فاتنة روحه تلك المرأه الناعمة الخجولة صاحبت أجمل ابتسامة رآها

انهي تحضير الفطار بعد مدة لكن توقف فجأة وهو يخرج هاتفه متحدثا مع والدته (الهام) فهو كعادته يتحدث معها يوميا في الهاتف و أخته ( نيران) للاطمئنان عليهما أبتسم يوسف وهو يجلس على كرسي السفرة قائلا بمرح -صباح الكل يا ست الكل اخبارك ايه يا ماما ردت الهام برفق و سعادة -بخير يا حبيب قلبي طول ما انت بخير ها عامل ايه مع مراتك و هب أخبارها ايه رد يوسف بحنان قائلا

-بخير الحمد لله صحيح في حاجة مهمة لازم تعرفيها أنا اشتريت شقة جانب شقتي الباب في الباب و انتي هتيجي تقعدي معانا ردت الهام بجدية حانية قائلة -بس يا يوسف انا مرتاحة هنا و بعدين انت لسه راجع من سفر انت و مراتك و مراتك حامل يا حبيبي يعني لازم توفر فلوسك بكرا هتحتاج الفلوس دي اخذ يوسف نفس عميق قائلا بلهفة

-بس انا عايزك تكوني معايا يا أمي كفاية انك رفضتي تسافري معايا و خالص انا هفضل هنا في مصر على طول و مش هرجع لندن تاني و انا عايز احس بحضنك أنا عايزك معايا يا أمي عارفة زمان لما ابويا مات حسيت ان ضهري انكسر رغم ان الناس كانوا بيقولوا انه كان شاب طايش و قتل الراجل اللي أمه و رغم دخول ابويا السجن و حتى لو كان وحش لكنه ابويا و وجعي على موته كسرني

و للأسف جيه جواز حضرتك و كمل على جوايا يمكن علشان كدا سبت مصر من غير ما افكر أنا مش بحسبك و الله العظيم انا بس خايف يا ماما خايف يجي يوم و ابني او بنتي يبعدوا عني و ينسوا اني ابويا و الدنيا علمتني انه كله سلف و دين و انا مش عايز تبعدي تاني عني لان والله العظيم محتاج حضنك اوي انتي امي حتى لو مرات عمي ربتني و كبرتني فأنا دايما هبقي محتاجك انتي تحدثت الهام بدموع و حزن

-حقك عليا يا يوسف انت و نيران دفعتوا تمن شري انا و أيوب الله يرحمه بس انا أنا أسفة ابتسم يوسف بمرح قائلا متعتذريش يا أمي ياله هعدي عليك بعد الشغل و هتيجي معايا في حفظ الله ردت الهام بلهفة -في حفظ الله يا حبيبي خرج من المطبخ و هو يحمل صنية الطعام قائلا بصوت عالي نسبيا -ايمان ايمان ياله قومي فتحت عينيها بتثاقل قائلة بنعاس -في ايه يا يوسف سبني انام شوية جلش جوارها قائلا بحنان

-طب قومي نفطر سوا و ارجعي نامي يعني ميرضكيش اروح الشغل من غير ما اكل نهضت بكسل قائلة -ليه عملت انت الفطار كنت صحيني لم يستطيع الرد و هو يضحك بخفة نظرت له فكان شعرها مشعث حولها بفوضوية و أسفل عيونها باهت ليقول اخيرا -يالة يا ايمان ناكل دا انتي هتنامي و احنا قاعدين سوا بعد مرور اسبوعين كانت الأمور هادئة جدا صالح برفقة زوجته و ابناءه على يعمل في مصنعه الخاص و حبيبة تتابع دراستها في كلية الحقوق

سافر باسل برفقة نور الي الغرفة قام يوسف بشراء المنزل المجاور له لأجل والدته التي حاولت التقرب من ايمان و الاعتناء بها لتشعر حياء بالارتياح عندم علمت بذلك فقد كانت تشعر بالتوجس و القلق نحوها اما بيلا و عمر فقد اختفا تمام بعد حفل زفافهم و سافر الي الخارج ليقضا وقتها دون ازعاج احد لهم في منزل آل الشهاوي كان جلال يقوم بتعبئة حقائب السفر وضع ثيابه بعناية و حرص و هو يختار الملابس الشتوية الثقيلة

دلفت حياء الي الغرفة ناظرة له بدهشة مما يفعل اقتربت منه و هي تنظر للحقيبة قائلة -جلال انت بتعمل ايه هو انت مسافر استدار لها قائلا بمراوغة ذكورية -مسافرين الطيارة كمان خمس ساعات ياله تعالي بينا جهزي شنطتك فغرت شفتيها من شدة الصدمة و بندقيتان عيناه اللامعة تتابعه و هو يتجة نحو خزانة الثياب ليخرج منها ملابسه سألته مرة أخرى بتوجس و شك

-جلال هو انت قلت ايه مين مسافرين معليش انا مش هسافر في حتة و بعدين انا مش هسيب ايمان دلوقتي خالص اوكي رفع رأسه مصوبا نظره ظهرت ابتسامته الخبيثة واضعا يده في جيب بنطاله الأسود و هو يقترب منها بتمهل و خبث حتى وقف أمامها انحني قليلا ليهمس بنبرة خافته -هتجهزي شنطتك بالتي هي أحسن و لا تحبي اقفل الباب و اكتب عليه ممنوع الازعاج و كل اللي يعدي دماغه تاخده للمكان اللي يريحهم توسعت عيناها قائلة بصراخ

-انت بتهددني يا ابن الشهاوي هز كتفه مداعيا البراءة و هو يتجة نحو المرآه -أنا برضو اهددك يا حبيبتي و بعدين فين التهديد في كلامي زفرت حياء بحرارة و غضب قائلة -ما انت اللي بتقول هتقفل باب الشقة و تحط -هنتزفت نسافر فين أبتسم قائلا ببرود خارجي -هاتي الباسبور بتاعتك وجهزي شنطتك يا حياء ياله ربعت يديها أمام صدرها برفض و ظلت تنظر له و هو يكمل بلامبالة

زفرت بحدة و هي تتجة نحو الحمام ثم عادت بعد لحظات لتقوم بتجهيز حقائب السفر حتى مر اكثر من ساعة و نصف و قد انهت من تجهيز كل شي و دون وداع او اي كلمة خرج الاثنان من منزل الشهاوي متجهين نحو المطار في المطار جلست حياء على ذلك المقعد و قد انفجر الغضب بداخلها -ممكن اعرف ازاي تعمل كدا يا جلال طب على الاقل كنا نقول للولاد لكن فجأة كدا نمشي لا و الله العظيم في حاجة غلط

-حياء هو انتي مبتزهقيش من الكلام و لا القاعدة مع شهد خليتك رغاية بس بقى زهقتيني من ساعة من خرجنا من البيت و هو نفس السؤال ياستي و الله العظيم انا قلت لصالح و إيمان اننا مسافرين اسكتي بقى لوا شفتيها من ناحية واحدة دليل على عدم رضاها ليتابع جلال بجدية و وقار -حياء اظبطي الحجاب يا حبيبتي رفعت بصرها لتجده يقترب و هو يضبط حجابها قائلا -ياله بينا اتجهت معه نحو بوابة الصعود رقم للطائرة المتجهة إلى فرنسا.

جلست في مقعدها جواره، وهي تتأكد من حزام الأمان حولها بعناية، قائلة بحيرة: -اشمعنى فرنسا... -لما نوصل هتعرفي... تباطأت ذراعه وهي تستند على كتفه، قائلة: -ماشي، لما نبقى نوصل ابقى صارحيني، لأني عايزة أنام. أغمضت عينيها دون انتظار رده، ليبتسم وهو ينزل قليلاً على الكرسي حتى يصبح في مستواها، لكي لا تؤلمها رقبتها. مرت عدة ساعات في الطائرة حتى وصلا لوجهتهما. هبطت الطائرة في مطار باريس.

هبط الركاب وتمت الإجراءات القانونية، مر حوالي ساعة ونصف حتى خرج من المطار. توقفت سيارة خارج المطار، ليقوم جلال بفتح الباب لها قائلاً بجدية: -من غير أسئلة، اتفضلي اركبي... عضت حياء على شفتيها من شدة الغيظ وهي تصعد للسيارة، ليصعد هو الآخر بجوارها، قائلاً للسائق، والذي يبدو أنهم على معرفة وطيدة به وكأنه عربي: -اتحرك يا موسى...

أومأ له بالموافقة وهو يدير محرك السيارة، مغادراً المكان في طريق طويل خارج باريس، حيث مدينة تروا. كان الطريق طويلاً والوقت متأخراً من الليل، جعلها تغفى على كتفه دون إدراك منها. نظر جلال للطريق من زجاج السيارة، حيث يتساقط الثلج في تلك الأجواء الشتوية. عانق كتفها بذراعه، جاذباً إياها بقوة نحوه. مرت نصف ساعة أخرى. حتى توقف السائق أمام منزل يبدو قديماً، مظلماً حالك.

ترجل من السيارة ببطء حتى لا يزعجها، ثم قام بحملها متوجهاً لداخل ذلك المنزل، بينما كان موسى يفتح له الباب، ليدخل جلال صاعداً على السلالم حتى يصل للدور الثاني. وضعها في الفراش، لتنطلق همهمات ناعسة وهي تتقلب على الفراش. ابتسم وهو يجذب الغطاء عليها، وانامله تمتد لخمارها الأزرق يقوم بفكه، واضعاً إياه جانباً. تأكد من انغماسها في نوم عميق، ليخرج من الغرفة مغلقاً الباب خلفه.

نزل مرة أخرى ليجد موسى يضع الحقائب في بهو المنزل، قائلاً بجدية: -تؤمرني بحاجة تانية يا باشا. بشمهندس أحمد طلب مني أفضل مع حضرتك لو احتجت أي حاجة. وبيقولك البيت لو محتاج أي تعديل هو موجود، رن عليه بس... أضاء جلال الأنوار وهو يتفحص المنزل بعناية، قائلاً وهو يقف أمامه مرة أخرى: -لا يا موسى، تسلم، مش محتاج حاجة. خد دا حسابك... وضع ظرفاً في يديه، ليحاول موسى رده برفض: -انت بتقول إيه يا جلال بيه؟

مفيش بينا الكلام دا. وبعدين فلوس إيه، خيرك سابق. تمتم جلال قائلاً بصرامة: -دا حسابك يا موسى. ويالا بقى، متتعبش قلبي، ربنا يرزقك. ابتسم موسى وهو يأخذ منه الأموال، قائلاً: -ربنا يزيدك يا حج، ويعمر بيتك... آمن جلال على حديثه، في حين غادر الآخر. أخذ يسير في أرجاء المنزل، ناظراً لكل ركن فيه. منزل بسيط جداً، ريفي إلى حد كبير. به الكثير من الصور الخاصة. لـ حياء ووالدتها شغف الحسيني قبل سنوات كثيرة.

وقف ينظر من الشرفة إلى تلك المزرعة الصغيرة أمام المنزل، متذكراً حديثها الدائم فيما مضى. عن والدتها وتلك المزرعة، والحمل الصغير التي أطلقت عليه اسم بيلو، وذلك المدعو الخواجة أندريه. متذكراً لمعة الشغف في عينيها حين تتحدث عن حياتها في فرنسا وجامعتها وأصدقائها، كل شيء. دلف لداخل الصالون، جلس على الأريكة مستنداً بظهره، مريحاً رأسه للخلف حتى غفا. وبدأت الذكريات تراوده عقله.

أسوأ الذكريات مختلطة بأجملها، وكيف مرت السنوات وترعرع العشق بينهما. لطالما تمنى أن يحيى في أسرة دافئة، لطالما وجدها حين رأى حياء، تلك الحبيبة الغالية. في صباح اليوم التالي. فتحت حياء عينيها وهي تتقلب في الفراش بانزعاج. جلست على الفراش ومازالت عيناها شبه مفتوحتين، قائلة بنوم: -جلال... بدأت أن تفيق وتستوعب أنها تنام بمفردها في تلك الغرفة. نهضت وهي تنظر لكل ركن حولها بدقة، لكن شعرت بألم حاد في قلبها، تشعر وكأنها...

وكأنها عادت بالزمن للوراء عدة سنوات. تلك الغرفة تشبه غرفة والدتها القديمة. نظرت بجوارها لتجد صورتها برفقة أمها موضوعة على أحد أرفف المكتبة الصغيرة في أحد الزوايا. بلعت حياء ما بحلقها، بينما تجمعت الدموع في مقلتيها، وهي تلتقط تلك الصورة التي تظهر فيها كم المشاعر الجميلة بينها وبين شغف، فقد كانت تحتضنها مقبلة وجنتها، والابتسامة تزين ثغرها. اتجهت نحو شرفة المنزل ومازالت تحتضن صورة والدتها بقوة.

بيدين مرتعشتين فتحت ذلك الباب أمامها. أخذت نفساً عميقاً وهي تنظر للمراعي الخضراء، فهي منطقة ريفية يغطيها القليل من الثلوج. لكن تبدو في غاية الجمال. انسابت دموعها دون انتباه، تشعر وكأنها بحلم أخذها للماضي، حيث كانت تلك الفتاة المشاكسة التي تقضي كامل وقتها برفقة والدتها. لطالما كانت أمها هي صديقتها وحبيبتها الوحيدة، بينما كانت حياء هي معجزة شغف. جاءت شغف قبل سنوات طويلة جداً إلى ذلك المكان برفقة طفلتها حياء.

جاءت وحيدة ومكسورة من الحب. حبها لشريف كان يؤلمها حقاً. لم يكن لديها أي شخص سوى ابنتها المدللة حياء، فكانت لها معجزة. معجزة جعلتها تتمسك بالحياة لأجلها فقط. هبطت دموع حياء وهي تخرج من الغرفة وتهبط السلالم، وحقاً تشعر بأنه حلم. هي مؤمنة الآن أنها حقاً بداخل حلمها، حيث تعود لها ذكرياتها إلى كل ركن في منزلها. حيث...

في ذلك الركن تقف تمزح مع والدتها، وفي تلك الزاوية يتعالى صراخها بينما تسرق الطعام من المطبخ، وخلفها شغف تصرخ بها. خرج جلال من المطبخ وهو يحمل بين يده فنجان قهوة صنعه لنفسه بعد أن استيقظ قبل ربع ساعة تقريباً. ظل ينظر لها بصمت، بينما تنساب دموعها، هل حقاً هي بالواقع الآن وأمامه. ابتسم جلال قاطعاً الصمت: -إيه رأيك في المف... لم يكمل جملته، في حين ركضت إليه بقوة لتندس بين ذراعيه، منتحبة بشهقات عالية: -دا مش حلم فعلاً...

أنا في بيت أمي صح؟ انت اللي عملت كدا. ابتسم وهو يضع ذلك الكوب على الرخام الأبيض بجواره، مشدداً من احتضانها قائلاً: -حسيت إنها وحشاكي أوي، وملقتش طريقة تانية غير دي. البيت حصل فيه تعديلات كتير بعد ما بعتوه، لكن أنا اشتريته من كم سنة وقررت أرجعه زي الأول، وإنتي ورتيني كل ركن في البيت كان عامل إزاي بالصور القديمة اللي معاكي. جايز حاجات كتير اتغيرت، بس يمكن الذكريات لسه موجودة في قلبك يا حياء. -ليه عملت كدا؟

كان ممكن تعدي الموضوع عادي. ليه جيتني تاني لحد هنا؟ ابتسم رافعاً إصبعه مشيراً نحو قلبها قائلاً: -علشان دا. دا بقاله مدة طويلة زعلان. أوعي تكوني فاكرة إني مش فاهم إنك مشتاقة لوالدتك. أنا كمان يا حياء أمي وأبويا وحشوني أوي، وكمان جمال وأيوب. بس الفرق إن كل دول لما بيوحشوني بلقى ذكرياتنا في نفس المكان اللي أنا فيه. إنما إنتي ذكرياتك كلها هنا. وبعدين أنا عمري ما خرجت من مصر، فقررت نغير جو، ولو لمرة...

صحيح، مش ناوية تفرجيني على المدينة؟ بيقولوا إن تروا فيها أماكن حلوة جداً. وأنا ياستي واخد شهر كامل إجازة، إحنا بقالنا كتير أوي مروحناش أي مكان مختلف. ردت بحماس غريب وسعادة: -طبعاً هفرجك على كل مكان موجود هنا، بس أكيد في حاجات كتير اتغيرت. جلال شكراً. شكراً، لأن بجد حياتي وطفولتي وأيام المراهقة والكلية وكل أيامي مع أمي كانت هنا... ابتسم مقبلاً أعلى رأسها قائلاً:

-كل ما يوحشوكي غمضي عيونك وحطي إيديك على قلبك، وقتها مش هتحتاجي تسافري لأي مكان، لأنهم موجودين في قلبك يا حياء. -وإنت ساكن جواه يا جلال... ربنا يحفظك ليا. لو ليا أمنية واحدة في الدنيا هتمني إن ربنا يجمعنا على خير دنيا وآخرة... زفر بحرارة قائلاً بهدوء حانٍ: -إن شاء الله خير... إن شاء الله. مرت الأيام والشهور. وجميع أبطالنا يجمع بينهما الود والحب. بعد مرور سنة ونصف. في منزل عمر.

وقفت بيلا أمام المرأة تعدل من وضع حجابها الأزرق الناعم، حيث كانت تبدو في غاية الرقي والأناقة. وضعت الدبوس الأخير في حجابها لتبتسم بسعادة وهي تصفق. بكفيها وشعور السعادة يغمرها بقوة. دلفت زينب إلى الغرفة بسرعة وحماس وهي تفتح الباب مسرعة: -ماما... انتفضت بيلا بذعر وهي تستدير نحوها قائلة بخوف: -في إيه يا زينب؟ حد يخض حد كدا. دلفت زينب إلى الغرفة وهي ترفع شعرها ذيل حصان بطريقة فوضوية قائلة بخفوت:

-بابا اتصل وبيقول مش لازم نتأخر، الساعة ستة هيعدي علينا ياخدنا. جلست بيلا على الفراش بتوتر قائلة بخفوت: -أنا متوترة. فكرة إني المفروض هبقى في أول معرض ليا، وفيه صحفيين، وفيه كمان الناس هيبقوا كتير. خايفة أوي. جلست زينب بجوارها وهي تبتسم بسعادة: -ماما، على فكرة انتي شاطرة أوي أوي كمان. وكل التحف اللي هتقدميها في المعرض رقيقة شبهك.

ومميزة لأنها معموله بحب من جواكي يا حبيبتي، ودا الأهم. انتي قدمتي فيها كل حاجة حلوة، لازم تثقي في نفسك. متنسيش إنك بيلا سالم الدمنهوري، بنت سالم الدمنهوري، يعني زي ما حكيت ليا الثقة بالنفس مبدأك. ثانياً بقى، إحنا كلنا معاكي. أنا وداليد ونور، وماما حياء كمان هتيجي، وصالح وبابا، وكل اللي بيحبوا هيكونوا موجودين، يعني كلنا في ضهرك. ابتسمت بيلا وأخذت نفساً عميقاً ببطء، مريحة أعصابها المشدودة، قائلة بجدية:

-وإن شاء الله خير. -بالظبط كدا. إن شاء الله خير يا حبيبتي. يالا أنا هروح للولاد علشان سايبهم مع داليد. صالح هيخلص شغل ويجيلنا على هنا... يالا اجهزي... خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها. سمعت رنين هاتفها لتخرجه من جيب بنطالها المنزلي. ابتسمت وهي ترى اسمه. كان يجلس على مكتبه في الوكالة، يتابع العمال وهم ينقلون القماش إلى داخل الوكالة، ليقول بابتسامة عاشقة: -وحشتيني... ردت بدلال وتغنج من الجهة الأخرى مغمغمة:

-وأنت كمان. وحشتني أوي. صحيح بابا هيكون هنا الساعة سبعة وهيأخدنا، فأنت هتكون موجود، ولا أروح معاه؟ نهض عن كرسيه واضعاً يديه في جيب بنطاله قائلاً بجدية: -لا، استنوني. أنا مش هتأخر، ستة وربع هكون عندكم. الولاد عاملين إيه؟ جلست زينب على الأرض بجوار داليد، التي غمزت لها بشقاوة، لتضحك الأخرى بخفة قائلة: -بخير الحمد لله. رددت حياء، التي كانت تحبي نحو زينب: -آبا، آبا. ابتسمت زينب وهي تحتضنها قائلة بسعادة:

-حياء عايزة تكلمك يا سيدي. اتسعت ابتسامتها في حين أمسكت الصغيرة الهاتف مغمغمة ببعض الكلمات غير المفهومة. ضحك صالح بخفة قائلاً: -وأنتي كمان وحشاني أوي أوي أوي. مش هتأخر. ضحكت حياء بطريقة طفولية وهي تترك زينب متجهة نحو يونس النائم. تحبي بتعثر أحياناً وتقف وأحياناً تقع. عقدت زينب ما بين حاجبيها قائلة: -وأنت إيش عرفك إنها بتسأل؟ أنت هتيجي إمتى... رد صالح بثقة قائلاً: -دي حاجة بيني وبيني بنتي يا ماما. حاجات كبار بس.

-والله. رد صالح بابتسامة: -والله. ضحكت بخفة قائلة: -طب اقفل بقى لأني مشغولة. سلام.... بعد عدة ساعات. دَلفت بيلا برفقة عمر وصالح وزينب وداليد إلى داخل المعرض. مرت دقائق وكان هناك الكثير من الأشخاص متوافدين للداخل يتفحصون تلك القطع الخزفية المصنوعة بمهارة وجودة عالية. وهناك أيضاً بعض الأشخاص من الصحافة. كانت بيلا تتحدث مع امرأة تتحدث عن مهارتها في العمل لتقول المرأة بحماس:

-بس يا مدام بيلا إزاي يبقى عندك موهبة كبيرة زي دي وتخفيها؟ صدقيني المعرض ده أفضل خطوة أخدتيها لأن عندك دقة عالية جداً في الشغل. ابتسمت بيلا بلباقة، فهي اليوم الأكثر أناقة ورقي بثوبها الأزرق الطويل وحجابها الفضي، والأهم ثقتها بنفسها: -حضرتك أنا بقالي كتير بعيدة عن المجال ده ومن سنة واحدة قدرت أرجع له، والفضل يرجع لعيلتي ودعمهم ليا. ابتسمت المرأة قائلة بفخر:

-وأنا متأكدة إن حضرتك هتقدري تنجحي جداً لأن شغلك بيقول إن جواكي لمسات رقيقة جداً قادرة تحطيها في شغلك، وإن شاء الله ده مش آخر معرض هحضره لحضرتك. أنا اسمي نرمين محسن، صحفية في مجلة.... وصدقيني لازم أكتب عن حضرتك. ممكن نحدد معاد نعمل فيه مقابلة؟ ده لو وقتك يسمح طبعاً. ردت بيلا بجدية: -إن شاء الله يا مدام نرمين، وده شرف ليا. -يبقى هسيب رقمي لحضرتك. وقت ما تحبي أنا موجودة. ومرة تانية اتشرفت بمعرفتك. -الشرف ليا.

ما إن غادرت نرمين حتى وجدت بيلا من يعانق خصرها بيده قائلاً بابتسامة وهو يميل عليها مقبلاً رأسها وهو يحمل على ذراعه حفيده يونس: -ألف مبروك يا بيلا. ألف مبروك يا قلبي. ابتسمت بيلا بسعادة وهي تمسك بيديه قائلة بامتنان: -شكراً لك أنت يا عمر. حقيقي أنا عمري ما توقعت إني هبقى فرحانة أوي كده. شكراً لوجودك في حياتي. المعرض بينجح وأنا مبسوطة أوي والله العظيم أوي. رد عمر بغلاظة وخبث ماكر:

-طب اسكتي بقى لأن والله العظيم هتخليني أبوسك وسط الناس دول كلهم. ضحك يونس بخفة وسعادة وهو لا يعي شيئاً مما يحدث. نظر له عمر قائلاً بفخر: -والله الواد ده هو اللي فهمني. هات بوسة يا قمر أنت. هزت بيلا رأسها بتعب وهي تنظر له يدلل حفيده بقبلاته. ذلك الشقي يبدو وكأنه سيكون نسخة مميزة من جده، لكن بأصول والده وجده جلال الشهاوي. أقترب منهم صالح بشك وارتياب قائلاً: -والله ما هيبوظه غير يا حمايا. ممكن تديني ابني لو سمحت.

ابتسم عمر بلباقة وهو يجذب بيلا نحوه ويحتضن يونس قائلاً: -صالح ده يبقى ابن بنتي، اوكي. يعني أنا أحق واحد بتربيته. وبعدين أنت تطول إني أربي ابنك يا حبيبي؟ دا أنا لما كنت في سنك كان كل البنات بتجري ورايا كده، بس نقول إيه بقى القلب. صالح بحدة وهو يأخذ ابنه: -يا خويا هو أنا نسيت أقولك؟ أنا عايز ابني يبقى محترم مش صايع زي ناس. زمجر عمر بحدة قائلاً بعناد كما يفعل صالح: -تقصد مين يالا؟ أنت فاكر إنك علشان جوز بنتي هسكتلك؟

لا فوق يا بابا، دا أنا بكلمة مني ممكن أخليها تطلب الطلاق منك وأخدها هي والولاد وأبقى قابلني لو شفتهم. احتدت ملامح صالح قائلاً بتحدي واضح وهو يقترب منه: -ولا تقدر يا حمايا العزيز. ثم أقترب منه ليهمس بوقاحة قلما يتحدث بها، لكنه يحبذ تلك الطريقة في التحدث مع عمر بالتحديد لإثارة غضبه. -أصل أنا يا عمي معلم على قلبك بنتك وهي بتموت فيا وتفديني بروحها.

ابتعدت بعدة خطوات للخلف وعلى ثغره ابتسامة خبيثة. عض عمر على شفتيه من شدة الغيظ. عمر وصالح الاثنان وكأنهم قط وفأر. اقتربت نور وهي تحمل بيلا قائلة بهمس: -صالح وأبوكي مش ناوين على خير، والله العظيم حاسة كده إنهم مش طابقين بعض وناقص يطلقك منه بجد. يلهوي يا زينب. ضحكت زينب بسعادة فهي اعتادت على تلك المشاكسات بينهما:

-لا متقلقيش، هما بس القط مبحبش إلا خناقه وهما الاتنين قط وفأر، بس بابا لو مش واثق إن صالح يستاهل إني أكمل معاه حياتي كان قام بالواجب من أول يوم. ردت نور بحب قائلة: -ربنا يسعدك يا زينب، أنت تستاهلي كل خير. ابتسمت زينب بود قائلة: -عاملة إيه أنتِ وباسل؟ أخفضت نور رأسها بخجل قائلة بسعادة: -فرحانة أوي أوي يا زينب. زينب أنا حامل في الشهر التاني. فغرت زينب شفتيها من الصدمة قائلة بتحذير: -أنتِ حامل ومقولتليش؟

لا أنا زعلانة منك بجد. تنهدت نور وهي تستند برأسها على رأس زينب: -أنا لسه عارفة من يومين يا زينب وصدقيني أنا لسه قايلة لبابا النهاردة الصبح. ولما شفتك قلتلك على طول، بس عارفة أنا حاسة إني فرحانة أوي. باسل لما عرف فرح أوي أوي يا زينب. عمري ما كنت هحس إني فرحانة كده بعيد عنه، وكمان دلوقتي سيف دخل كلية هندسة وربنا جبر بخاطره، الحمد لله يا زينب ربنا جبر قلوبنا كلنا. ابتسمت زينب بسعادة قائلة:

-الحمد لله وألف مبروك، ألف مليون مبروك. وعلى فكرة البت داليد متقدم لها عريس وخالي محمود وافق، وواضح كده إنها بتحبه. الظاهر كده الفرح هيدق بابنا يا نور. ردت نور بحماس: -يارب. أقتربت صفا من الفتيات قائلة بسعادة: -بترغوا في إيه؟ ابتسمت نور قائلة برفق: -ولا حاجة، كنا بنتكلم عن صالح وعمر. الاتنين دول مش ناوين يجيبوها لبرا. -فعلاً عندك حق. الاتنين دول مش هيسكتوا أبداً. ياله سبيهم. المهم أنتِ عاملة إيه مع جوزك يا نور؟

ردت نور بجدية قائلة: -هو أنتِ تعرفي باسل؟ -طبعاً. باسل رجل أعمال شاطر، وفي الفترة الأخيرة محقق إنجازات كتير. واضح إن في شخص بيدعمه. وبعدين أنا بشتغل مع عمر في المجموعة وعارفة مين رجال الأعمال اللي عمر بنفسه بيعمل لهم حساب. وباسل واحد منهم. بس الفترة الأخيرة كانت مختلفة، واهتمامه بالشغل كان واضح جداً هو وأخته زينة. ردت نور بجدية قائلة: -الحمد لله إنه بيهتم بشغله كمان، وده شرف ليا يا مدام صفا. ردت صفا بود

قائلة وهي تقترب من زينب: -بلاش الرسميات. أنا اسمي صفا. على طول اعتبريني اختك الكبيرة أو والدتك لو حابة. ابتسمت نور وأخذت نفس عميق بثقة قائلة: -إن شاء الله. في نفس التوقيت. دلف باسل إلى داخل المعرض وهو يتألق في حلة سوداء مميزة، ويبدو في غاية الأناقة. مرت أعين الجميع عليه عادية، إلا تلك العيون التي وقع بها. كانت تتحدث برفقة صديقتها المقربة. اتجه نحو بيلا التي تتحدث مع عمر قائلاً بلباقة: -ألف مبروك يا مدام بيلا.

ردت بيلا بابتسامة: -الله يبارك فيك يا بشمهندس. شرفتني. -الشرف ليا. أهلاً يا عمر بيه. رد عمر بجدية قائلاً بابتسامة: -أهلاً يا باسل بيه. نورت المكان. بس تعرف إن جيه في وقته. أنا كنت هحدد معاك وقت نتقابل فيه. عقد باسل ما بين حاجبيه قائلاً: -أنا موجود في أي وقت، بس حابب أعرف ليه؟ -شغل طبعاً يا باسل. اسم العلايلي اسم مهم جداً، وكذلك اسم الرشيد. لو حصل بينهم شغل أكيد هيفرق معانا جداً. ولا عندك مانع؟ رد باسل بحماس قائلاً:

-لا طبعاً. شركة عالمية زي شركة الرشيد شرف ليا إني أشتغل معاها. بالعكس دي هتكون صفقة الموسم. ابتسم عمر وهو يمد يده مصافحاً إياه قائلاً: -إن شاء الله. وأنا واثق فيك وإنك ذكي. بادله باسل البسمة بسعادة قبل أن يغادر متوجهاً نحو نور التي تقف برفقة داليد. -مساء الخير. ابتسمت نور وداليد لتقول داليد: -مساء الورد. خالص يا نور على مكالمات بقى. أومأت له نور ناظرة لباسل ليقول بصرامة:

-أنتِ مش هتبطلي العادة الزفت دي. هو أنا مش قلتلك خليكِ وأنا هاجي آخدك ونيجي سوا، ولا أنتِ بتموتي في العناد معايا؟ ردت بحماس وسعادة قائلة: -والله زينب هي اللي كلمتني. وبعدين لقيت داليدة جت البيت وأخدتني وجينا. وبعدين أنت قلت هتتأخر، أعمل إيه. مكنش ينفع أسيب بيلا وزينب. -طب انتي كويسة ولا تحبي نمشي لو حاسة إنك تعبانة ممكن نروح؟ ابتسمت وهي تمرر يديها بحنان على ذقنه قائلة: -أنا كويسة يا حبيبي متقلقش عليا.

طبع قبلة طويلة على جبينها بحنان قائلاً: -ماما وبابا عايزيننا بكرة نقضي اليوم معاهم. -أوكي بس المهم انت تفضي شوية من وقتك... لينا لأن انت بتقضي وقت طويل في الشغل. -معلش يا نور والله الشغل الفترة دي كتير عليا وبعدين أنا طلبت من زينة تاخد إجازة فترة عشان ابنها وجوزها. -عندك حق لازم تدي بيتها وقتها. رد بوقاحة وخبث قائلاً: -طب إيه ما تدينا شوية من وقتك يا شبح. لكزته نور في كتفه بغضب قائلة: -مش هتبطل قلة أدب عمرك يا باسل؟

يا خوفي تكون بتلعب بديلك من ورايا. ضحك بصخب قائلاً بمراوغة ذكورية: -لا يا عمري أنا تبت عن الصنف كله إلا انتي طبعاً دي حتى تبقى قلة أدب مني وأنا الصراحة بحب أدي كل حاجة حقها.... غمغمت بكلمات غير مسموعة وكأنها تسبه في سرها لكن شهقت بقوة وهو يضغط على خصرها. -احترمي نفسك سامعك.... وضعت يديها على فمها وهي تكظم غيظها بصعوبة.... في منزل يوسف، في منتصف الليل. كان يوسف يجلس بجوار ابنه آدم الذي يبلغ من العمر تسعة أشهر.

بينما تنام إيمان بارهاق، فهي منذ ولادته وهي تقضي وقتها بالكامل معه. وأصبح تواجده معها وحدهما أمر مستحيل في وجود ابنه. فمجرد أن يقترب منه أو يحاول مشاكساتها يصدح بكاء الطفل. وضع يوسف يديه أسفل ذقنه قائلاً بنبرة حزينة أشبه للبكاء: -يا ابني هو حد مسلطك عليا؟ مبقتش عارف ألم عليها وأنت بقيت الكل في الكل؟ والله شكلنا اتسرعنا في موضوع الخلفه دا؟ طب انت يعني بالع راديو مشغلها طول الوقت على العياط؟

طب أنا عايز أنام إيه هتفضل تعيط كتير؟ أمك تعبانة وأنا عندي شغل الصبح. نظر للصغير بغيظ قائلاً وكأنه يفهم ما يقوله: -شكلك مش هترتاح إلا لما أترفد والله وساعتها نبقى نشحت بيك. ضحك بقلة حيلة وهو ينهض يحمل آدم بين يديه برفق وحنان بالغ قائلاً: -خالص يا حبيبي بقى حقك عليا بس بطل عياط؟ طب أنت جعان مثلاً شكلك جعان يالا؟ أمري لله يالا بينا هاكلك. بس وربى لما تكبري؟ بقا أنا يوسف الصاوي عيل زيك يعمل فيا كدا.

اتجه نحو المطبخ وهو يحمل الصغير بين ذراعيه. فتح الثلاجة ليخرج عبوة من الحليب. أشعل الموقد ليقوم بتدفئة القليل لأجله. لكن أصدر عدة أصوات أثناء ذلك لتستيقظ إيمان بانزعاج. دَلفت إلى المطبخ ليجده يجلس على كرسي السفرة يطعم ابنهما. ابتسمت بحنان وهي تراه يتحدث معه وكأنه شخص بالغ. -بتعمل إيه يا يوسف وإيه الصوت دا؟ رد بابتسامة خافتة قائلاً:

-الأستاذ كان بيعيط وعايز ياكل، قلت أدفي له لبن بس هو بسم الله ما شاء الله الشهية عنده مفتوحة.... ردت إيمان بضيق قائلة: -بالهنا والشفا يا يوسف أنت بتعد عليه اللي بياكله. ضحك يوسف بسخرية قائلاً: -أعد عليه إيه يا هبلة دا ابني وبعدين يا ماما أنا وهو بينا أسرار كتير انتي متعرفيش عنها حاجة عشان كدا متتدخليش بينا وبعدين إيه اللي صحاكي؟ -المهم إني صحيت هاتيه وادخل نام أنت عندك شغل بدري. رد يوسف بابتسامة حانية قائلاً:

-يا ستي هو أنا اشتكيت لك؟ ادخلي نامي انتي بقالك كتير بتسهري معاه وبعدين طالما أكل هينام متقلقيش باله ادخلي نامي انتي لسه تعبانة. أخذت نفس عميق قائلة بابتسامة: -بس أنا كويسة دلوقتي الحمد لله. -يبقى لازم ترتاحي يالا خلينا ننام وهو خالص سكت يالا يا حبيبي. في اليوم التالي في قاعة المحكمة.

جلس علي يتابع حبيبة وهي تترافع عن أول قضية لها بعد أن تخرجت من كلية الحقوق، دعمها لي أن وصلت إلى تلك المرحلة في حياتها وتخطي كل ما مضى. تخطت الكثير من الألم لتكمل معه حياتها. كانت كلما توترت تنظر له لتجده يبتسم وكأنه يشجعها على الاسترسال في مرفعتها. بعد أن انتهت الجلسة. ركضت نحوه لتقول بتسرع: -نسيت حاجة؟ ابتسم علي قائلاً بجدية: -لا يا حبيبتي كنتي كويسة جداً؟ وبعدين انتي قلقانة ليه؟

طول ما بتترفعي عن الحق يبقى اوعي تخافي فاهمة. أومأت له بجدية ليقول: -بقولك إيه رأيك أعزمك على طبق كشري ونقعد ناكل على البحر ويا ستي بوشكاش بيضحي هعزمك على أحلى طبق حلويات لحلويات حياتي. ردت حبيبة بسعادة قائلة: -شكراً يا علي لأنك معايا لحد النهاردة ولأنك سامحتني على كل اللي فات ولأنك رعيت ربنا فيا وعمرك ما عيرتني إني أذيتك وبعدت. أخذ نفس قائلاً بجدية:

-أنسي اللي فات لأن اللي فات كان مؤذي أوي يا حبيبة والحمد لله وصلنا للنهاية واحنا سوا وكفاية إنك دلوقتي بتحققي حلمك وربنا كرمني وفتحت المصنع وكبر؟ الحمد لله يا حبيبة. سألت حبيبة بخبث قائلة: -طب مش متضايق إن فات أكتر من سنتين من غير أطفال. رد علي ببساطة متمتماً بهدوء: -دي حاجة بأيد ربنا وقت ما يأذن هيحصل يا حبيبة وإن شاء الله اللي جاي هيكون خير. ردت نور بابتسامة وهي تمسك يده: -طب لو قلتلك إني حامل و إن ربنا أذن يا علي.

لم يستطع التحدث و لمعت عيناه بالدموع وهو يحتضنها دون الالتفات لمن حوله. قالت من بين دموعها بسعادة: -أنا عايزة يكون زيك في طيبة قلبك يا علي. غمغم علي بهمس قائلاً بلهفة: -وأنا عايز بنت لا مش بنت واحدة عايز اتنين يكونوا زيك؟ عايز أعلمهم حاجات كتير ونكون معاهم سوا ونلعب كتير ونعوضهم سوا عن الحاجات اللي إحنا اتحرمنا منها؟ وهنشتري لعب كتير وهندخلوا مدارس كويسة وهنكون معاهم في كل حاجة. أومأت له بالإيجاب و

هي تمسح دموعها قائلة برفق: -أنا بحبك أوي يا علي. -وأنا بموت فيكي يا قلبي وروح علي. اكتفت بتلك الابتسامة التي زينت وجهها وهي تحمد الله كثيراً على تلك البداية في قصتهم. بعد شهرين (في شهر رمضان المبارك) في ساحة منزل آل الشهاوي. كانت هناك مائدة كبيرة جداً في تلك الساحة الواسعة. الجميع يعملون على قدم وساق بجدية مع اقتراب موعد الأذان. وضعت (عائشة) ابنة جمال الصينية على المائدة قائلة بصوت عالي نسبياً:

-زينب لو سمحتي هاتي العصير معاكي لأن المغرب هياذن. خرجت حبيبة برفقة بيلا ونور وكل واحدة تحمل صنف معين من الطعام لتكتمل تلك السفرة بأشهى الواجبات. سألت نور بجوع قائلة: -هو فاضل كتير على المغرب أنا جوعت. ردت حياء بصرامة قائلة: -الصراحة أنا كنت فاكرة إنك هتفطري يا نور انتي حامل على فكرة. ردت نور بجدية قائلة:

-والله باسل اتخانق معايا عشان بصوم وبخلي الدوا بعد الفطار بيقول إن دا غلط بس والله أنا كويسة يا جماعة ولما بتعب بفطر. لوت شهد (أخت حياء) شفتيها قائلة بغيظ: -على فكرة وشك أصفر وكده هتتعبي. دلف إلى المنزل. جلال برفقة عمر ومنصور حيث كانا يتحدثان بمرح وقد نشأت بينهم صداقة منذ فترة طويلة. وخلفهم صالح، باسل، علي ويوسف. بعد أن قام جلال بدعوة الجميع للإفطار في منزل الشهاوي. رد جلال ملقياً السلام على الجميع لترد عليه الفتيات.

جلس على السفرة وعلى جواره الشباب من ناحية في مقابلتهم زوجاتهم. ابتسم جلال قائلاً برفق: -عائشة منورة يا بنت الغالي. ابتسمت عائشة بحب قائلة: -بنورك يا عمي. لاحت على محياه ابتسامة حزينة وهو يقرأ الفاتحة على روح صديقه. في نفس توقيت أذان المغرب. لتقول بيلا بود: -يالا يا جماعة بسم الله. خرجت زينب من الداخل برفقة صالح وهم يتحدثون بسعادة مع أطفالهم. غمغمت حياء قائلة: -يالا يا ولاد المغرب بياذن.

نظر صالح لزوجته وأطفاله ثم همس بداخله بالحمد لله. كانت سفرة مليئة بالحب والونس والصداقة. الحب الذي جمع بين أبطالنا. شهر رمضان وتلك الروح المبهجة التي تنشر السلام في القلوب.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...