هل تظن أنك أصبحت تعلم كل شيء؟ يؤسفني أن أتسبب في سقوط أملك أرضًا. لأنه لا يوجد بشري على الإطلاق يعلم كل شيء. جميعنا نجهل أمرًا ما، إشارة ما، شيئًا أمامنا لو دققنا فيه لعرفنا حقًا أننا لسنا إلا حمقى لعب بهم جهلهم فجعلهم يظنون أنهم أعلم العالمين. وقف "صالح" خارج غرفة العناية المركزة التي ترقد بها "زينب" يتابع بخوف من خلف الزجاج زوجته الغائبة عن الوعي والموصولة بعدة أجهزة ومحاليل تساعدها على البقاء على قيد الحياة.
فقابل الطبيب المعالج لها بعد خروجه من غرفتها وقال بلهفة: = زينب عاملة إيه دلوقتي؟ بقت كويسة مش كده؟ ربت الطبيب على يده بتطمين ثم قال بتعاطف: = الحمد لله زينب هانم حالتها مستقرة جدًا، إحنا بس دخلناها العناية عشان نسرع من عملية الشفا ونتابع كل علامتها الحيوية في نفس الوقت، والحمد لله وضع الجنين مستقر دلوقتي بس لسه ما فقتش. أغلق صالح عينيه براحة.
وقف جانبًا ينظر إلى غرفة زينب بشوق يريد الدخول إليها واشباع روحه المشتاقة والخائفة عليها من رؤيتها. = أنا عاوز أدخلها، عاوز أشوفها وأطمن عليها بنفسي. الطبيب باحترام: = مش هينفع يا فندم، ممنوع حد يدخل العناية و.. إلا أن صالح قاطعه برجاء: = أنا مش هعمل صوت ولا هضايقها ولا حتى هتنفّس، أنا هقف من بعيد أطمن عليها. حاول الطبيب الرفض مرة أخرى. إلا أن كرم الذي كان يقف بالقرب منهم يتابع حديث صالح ورجائه بدهشة.
فهو يعلم أنه ولو كان في حالته الطبيعية لأقام الدنيا وجعلهم يركضون من حوله ينفذون ما يريده بالأمر لا بالرجاء. ليدرك أن صديقه في أشد حالته سوءًا وضعفًا لم يره من قبل بذلك الضعف. حقًا سؤال يدور ببال الجميع: ما يفعل الهوى بقلوب العاشقين؟ تدخل كرم بصرامة أخافت الطبيب: = الباشا عايز يشوف مراته ويطمن عليها، يدخل على طول وإلا فيه حاجة المفروض يعملها قبل ما يدخل؟ الطبيب بارتباك: = يا ريت، يا ريت يتعقم الأول قبل ما يدخل.
صالح بلهفة وهو ما يزال يراقب زينب من خلف الزجاج بلهفة، ولولا القليل من الثبات بداخله لنزفت عيناه دمًا وليس دموعًا رغم أنه لم يبكِ وما زال يحتفظ بكبريائه. = فين؟ أتعقم فين؟ أشار الطبيب لغرفة جانبية. = هنا يا فندم، الأوضة دي، اتفضل. ربت كرم على كتف صالح بتعاطف وهو يقول باحترام: = من هنا يا باشا.
تبع صالح الطبيب بلهفة ينفذ أوامره الخاصة بالتعقيم بدقة وعقله وقلبه وسائر مشاعره تقوده في اتجاه واحد هو الاطمئنان عليها وعلى عودتها إليه سالمة. بعد انتهائه دخل صالح إلى الغرفة بلهفة يشاهد وجهها الشاحب والأسلاك الموصولة بسائر جسدها التي تمدها بالحياة وتحافظ على استقرار حالتها. فاقترب منها بألم وشعور طاغٍ بالذنب يقتله وهو يسترجع كل ما حدث. زوجته، حبيبته، طفلته، عشقه تموت وهو السبب. ربما لأنه لم يهتم بها بالقدر الكافي.
كان سيفقدها بمنتهى البساطة ويفقد حياته بفقدها. فركع بألم على ركبتيه بجوار فراشها وهو يتمسك برفق بيدها الموصول بها الخراطيم التي تمدها بمحاليل مخلوطة بالدواء. وهو يحني رأسه يقبلها بعشق وندم ودموع الخوف من فقدها تغرق يدها وهو يهمس باسمها مرارًا ومرارة الخوف من فقدها تتغلب عليه. = زينب، انتي هتعيشي وهترجعيلي. هترجعيلي وهعوضك يا حبيبتي عن أي حاجة وحشة بس ارجعيلي. ثم تابع بيأس:
= ماهو يا تعيشي يا أما أنا أموت وأجي معاكي، مفيش حل تاني. طب مش عايزة تعرفي أنا بحبك قد إيه؟ تصدقي أنا نفسي ما كنتش أعرف إني بحبك كده، ولا عمري تخيلت إني أحب حد كده. أنا أول مرة أحس بالضعف ده. قومي يا زينب عشان خاطري، عندك. ابتسم بلهفة وهو يمسك يديها بحنان. = عارفة أول مرة شفتك فيها وأنتي في الشارع وبتعيطي لما رحنا المستشفى لأبوكي كان عندي إحساس غريب ناحيتك. كان نفسي أحضنك.
ولما اتجوزنا وقتها ما كنتش بفكر في أي حاجة من اللي قولتيها. الطلاق والهبل ده. كان عندي إحساس قوي إننا هنكون مع بعض طول العمر. قومي منها يا زينب. في حين وقف كرم في الخارج يتابعه. أغلق الستائر الخشبية على زجاج الغرفة من الخارج حتى لا يشاهد أحد ما يجري في داخل الغرفة. ثم قال للطبيب والممرضة المرافقة له بصرامة وهو يقف على باب الغرفة يعقد ساعديه بقوة وتحذير: = محدش هايرفع الستاير ولا هايدخل الأوضة إلا لما يخلص ويخرج.
في اليوم التالي. خرج الطبيب من غرفة زينب التي تم نقلها من غرفة العناية المركزة إلى غرفة أخرى بعد تحسن حالتها واستعادة وعيها. ثم اقترب من صالح الذي قابله بلهفة. الطبيب بجدية: = مدام زينب فاقت والحمد لله. بس برضو مش عايزين أي انفعال. أومأ له صالح بجدية ليسمح له الطبيب بالدخول. رسم ابتسامة على شفتيه رغم حزنه بداخله لم يرغب بحزنها. دلف صالح إلى غرفتها بخطوات ثابتة وعيناه تبحث بلهفة وشوق لها.
كانت تتسطح على الفراش بجسد متعب مرهق. اتجه إليها يحتضنها بحنان. احتضنته زينب هي الأخرى وبدأت بالبكاء بطريقة هستيرية وكأن حزنها وألمها فاض بها فلم تعد تتحمل. أخذ يمرر يديه على ظهرها بحنان. = أهدي يا حبيبتي، انتي لسه تعبانة. بس متخافيش، الدكتور طمّني عليكي وقاله إنك هتبقي كويسة، والله هتبقى كويسة. وأقسم لك بالله اللي عمل كده ليدفع الثمن غالي أوي. وضعت زينب يديها على بطنها تتحسسها وهي تبكي بهسترية وهي تدس وجهها في صدره.
= هو إيه اللي حصل يا صالح؟ إيه اللي حصل؟ ابتسم بحنان وهو يطبع قبلة أعلى رأسها بحنان قائلاً: = خالص يا زينب، انسى اللي حصل. انتي كويسة وده الأهم، متخافيش. متخافيش، عشان خاطري اهدي. زينب بارتعاش وهي تضع يدها على بطنها بحماية: = طيب والبيبي كويس مش كده؟ مرر صالح يده بعشق على بطنها وهو يقول بحنان: = والله العظيم كويس، كويس يا زينب. زينب ببكاء: = بجد يا صالح؟ مسح صالح دموع زينب بأطراف أصابعه وهو يقبل عينيها بعشق جارف.
= بجد يا قلب ودنيا صالح. ابتسم بحنان وهو يضمها إليه ويمسح دموعها وقد شعر بالدموع تملأ عينيه هو الآخر من قوة المشاعر التي يشعرها نحوها. = طب كفاية بقى دموع يا حبيبتي، أنا مش قادر أشوفك بتعيطي بالشكل ده وكمان عشان البيبي، وإلا انتي عايزاه يزعل منك. ابتسمت زينب وهي تمسح دموعها وتقول برقة: = خلاص مش هعيط تاني عشان لا أنت ولا هو تزعلوا مني. ثم ارتمت بين ذراعيه تنعم بحبه وقربه منها. في قصر الدمنهوري. في وقت متأخر من الليل.
كانت بيلا غارقة في النوم والذكريات تتزاحم بشدة والكوابيس تهاجم نومها مزعجًا إياها، ترى كل ما هو سيء وكيف تحول إلى الأسوأ. فزعت بقوة وهي تصرخ بفزع مؤلم. وعقلها يقف عند نقطة مؤلمة حدثت بالماضي. = عمر. انهارت في بكاء هستيري تبكي بعنف وانهيار. وهي تتذكر كلمات والدتها: = لما تكوني في ظروف صعبة عليكي أوي ومش قادرة تتحمليها، تجاهليها واتعاملي معاها كأنها فيلم. أو كأنك بتشوفي كابوس مؤلم وهتصحي منه بعد دقايق.
مهما كنتي مجروحة أو متألمة واللي بيحصلك مش قادرة تتحمليه. لازم تحتفظي بمشاعرك لنفسك، ألمك، حزنك، يأسك، دموعك لنفسك وبس، انتي صديقة نفسك وبس. ضمت بيلا جسدها برعب وجسدها يرتجف بهسترية وتكتم شهقتها. = كابوس يا بيلا، كابوس مؤلم. دا مش حقيقة، دا حلم، دا كابوس. مفيش كهربا ولا علاج تاني. عمر كان حلم. إحنا متجوزناش ولا خلفت ولا أي حاجة. دا حلم. خالص، مفيش كهربا هتدخل جسمك تاني، مفيش أي حاجة. دا كابوس. كابوس يا بيلا.
بس إزاي كابوس؟ أنا كان من حقي أشوف بنتي، كان من حقي. آآآه يا ماما مش قادرة، مش قادرة. يارب خدني بقى، أنا تعبت والله العظيم تعبت. ليه كل حاجة ضاعت؟ ليه؟ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وحشتني أوي يا عمر، ووحشني إنك تحضني وتطمني، بس خالص خالص كل ده راح. يا بابا أنا محتاجك والله العظيم، والله العظيم محتاجك، محتاجة حضنك أوي. يارب كان نفسي أشوفها. ياريت سبتني أحضنها وأشوفها.
آه يا عمر، على قد الحب اللي اديتهولي، على قد الوجع اللي عشت فيه وحرقت قلبي عليها وعليك. كان نفسي تحضني ولو لمرة أخيرة. مكنتش عايزة أخسرها ولا أخسرك. وجدت طرقات على الباب. = مدام بيلا، حضرتك كويسة؟ مسحت دموعها وهي تسمح للطارق بالدخول. نعمة وهي تجلس بجوارها على الفراش: = بسم الله الرحمن الرحيم. مالك يا هانم، كويسة؟ بيلا بخوف وانهيار يتقطع له نياط القلب: = نعمة، انتي شغالة هنا من زمان أوي.
هو أنا وحشة أوي كده عشان أخسر كل حاجة؟ انتي عرفاني كويس يا نعمة. أنا عمري ظلمت حد. أنا غلطت في إيه؟ غلطت في إيه؟ إني حبيته؟ معقول دا ذنبي؟ معقول مكنش مكتوبلي الفرح؟ إني أشوف بنتي؟ ليه يا نعمة؟ ليه؟ يارب أنا عايزة أروحلها. بكت نعمة بحزن لأجلها وهي تحتضنها. = استغفري الله يا بيلا، دا حكمة ربنا. وقدره محدش يقدر يغيره. والله العظيم ربنا هيجبر خاطرك وكل الوجع ده هيجي يوم ربنا يبدله لفرح مالوش آخر.
يا ريت كل الناس زيك، والله العظيم ما في حد في قلبك، وصدقيني ربنا مبيعملش حاجة وحشة، والله العظيم. عارفة، والله العظيم حاسة إن قريب هيزال الغمة دي وهترجعي تفرحي وتنوري القصر زي زمان. وبعدين انتي لسه صغيرة. أي يعني تلاتة وأربعين سنة. والله العظيم لما بشوفك بفتكر ورشة الخزف والخشب اللي بتقعدي تلعبي فيه والرسم. ارجعي تاني وانسى اللي فات بقى. ضاع من عمرك عشرين سنة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!