الفصل 41 | من 70 فصل

رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم دعاء احمد

المشاهدات
24
كلمة
13,475
وقت القراءة
68 د
التقدم في الرواية 59%
حجم الخط: 18

تهانينا لكل قلب تحمل للنهاية لكي يكتمل عشقه، لكل قلب ابتسم رغم الحزن، لتلك القلوب المتمردة التي روضها العشق. حاولت نور وضع ألف حد وسور بينهما بعد ما فعله، لكن قلبها خائن وعقلها متمرد. خضعت لخيانة قلبها ورضخت لمشاعرها. تلك الأنثى العاشقة بداخلها قادتها إلى أحضانه مجددًا. وكيف لا؟ وهو عاد معتذرًا نادمًا. احتضنت نور جسدها بيدها مستمعة لدقات قلبها المتسارعة، مستسلمة لعاصفة الأفكار الهوجاء وذلك الحنين القوي إليه.

هزت رأسها برفض وضيق، مغمغمة لنفسها بحدة: "لا، ما أنا مش شغالة عندك يا باسل علشان تقول بكرا كتب الكتاب. لا، وكمان تبقى خاطفني. لا، والمصيبة أنا بابا وافق. بس إيه ده يا ولايلةوي عليك، عليك واحدة يا شبح بتجيب أجلي." ضحكت بخفة وهي تمرر أناملها على شفتيها برقة، الشعور بالتخبط القوي، الحب، العناد، لكن قلبها رضخ لها. احتضنت وسادتها بقوة وهي تدفن وجهها بالوسادة، أخذت نفسًا عميقًا بهيام قبل أن تغمض بنيتيها تغوص بنوم عميق،

هامسة بحب: "يارب أنا مش عايزة وجع تاني، أنا بحبه." في صباح اليوم التالي، انبعثت أشعة الشمس إلى غرفتها من تلك الشرفة الصغيرة عبر الستائر الناعم التي ترفرف أثر حركة الهواء. استيقظت نور على صوت الضوضاء الصادرة من زحام الشارع بالأسفل، وهي تفرك في شعرها ويدها على فمها بنعاس ونوم. تبدو في حالة مزرية لا تبدو كعروس أبدًا، وشعرها يتناثر حول وجهها بشكل فوضوي، ووجهها عابس نائم.

دلفت إلى الحمام لتأخذ حمامًا دافئًا تريح أعصابها المشدودة من مقابلته، فهي أخبرته أنها لا ترغب بحفل زفاف، بل الأمر سيكون كتب الكتاب بمنزلها ثم خروجهما معًا لأي مكان، وذهابها معه إلى منزله. مر بعض الوقت وهي تشعر بالهدوء حولها، لتذهب لغرفة أشقائها، لكن وجدتها فارغة، وكذلك غرفة والدها. رددت بداخلها بارتياب و شك: "راحوا فين بدري كده؟ هو أنا المفروض هعمل إيه دلوقتي؟

أعتقد لازم أنضف البيت وأسيقه. مع إني والله مكسلة، لازم يحلف يعني إن كتب الكتاب النهاردة. جاتك الارف." لوت شفتيها في آخر جملتها باشمئزاز واضح، وكأنها مجبرة على الزواج منه. وكأن بداخلها لا تشعر بالسعادة رغم تلك الغمرة التي شعرت بها، وكأنه أعاد لها روحها من مجرد لمسته ليديها واحتضانه لروحها. لكن ذلك الخوف الذي ترعرع بداخلها جعلها تشعر أن وجود الشيء مثل عدمه، لذلك لا تستطيع إظهار مشاعرها.

وضعت دلو الماء الساخن بجانب الأريكة، ثم وضعت بعض مساحيق التنظيف المعطرة. كادت أن تحمل ذلك المفرش القديم، إلا أن رنين جرس الباب جعلها تستقيم، واضعة الحجاب فوق رأسها بإحكام، قائلة بصوت عالٍ نسبيًا: "مين؟ ردت زينب بمرح من الناحية الأخرى: "أنا زوبا يا عروسة." فتحت نور الباب بوجه مستنفر: "عروسة إيه، جاتك نيلة. وحشتيني أوي على فكرة." ابتسمت زينب وهي تدلف لداخل المنزل، قائلة بخبث واضح: "ده بجد؟

وأنا اللي فكرت العريس خدك مننا ومش هنشوفك تاني." فغرت شفتيها في آخر جملتها بصدمة، لتتوجه ببصرها نحو نور الواقفة خلفها تضع يديها على خصرها تنظر لها بسخط من جملتها تلك. تحدثت زينب بذهول قائلة: "هو انتي هبلة يا نور؟ المفروض إن النهاردة كتب كتابك وبتسيقي البيت لسه. ده أنا قلت يمكن يكون عندها دم وبتظبط شكلها. يا عيني عليك يا باسل، هتتصدم." ردت نور بهدوء وكبرياء: "هو المفروض يعني أعمل إيه؟ أتحزم وأرقص؟

ثانيًا أنا زي القمر في كل حالاتي." ابتسمت زينب بسعادة وهي تقترب منها محتضنة إياها: "نور، ممكن أقولك كلمتين بصراحة من غير زعل؟ "طب وعهد الله أنا ما بعرف أزعل منك يا زينب، لأن انتي الوحيدة اللي متأكدة إن قلبها أبيض وبتخافي عليا، رغم إن أنا أكبر منك. أحم أحم بتلات سنين." ردت زينب ساخرة باشمئزاز: "بس عقلك صغير. تعالي بقى نقعد لأن في كلمتين محشورين في زوري لازم نتكلم فيهم." جلست على أقرب أريكة لها لتقول نور بتوتر:

"كلمتين إيه بقى؟ "شوفي يا نور، انتي دلوقتي خالص وصلتي مع باسل لآخر الحكاية. شوفتي فيه الغرور والبرود والطيبة، وعرفتي الأسباب اللي خلتك كده. سافرتوا ورجعتوا، طلقتوا، ودلوقتي هتتجوزوا تاني. بس المرة دي مختلفة، المرة دي بتاعتك انتي وهو. المرة دي يا نور لازم تفكري فيها بجد. باسل راجع ليك وعايزك بجد، واضح من طريقته إن المرة دي متمسك بيك. بس برضه متنسيش إن واحد زي ده كان متجوز قبل تلات مرات، يعني شاف الدلع كله."

شحب وجه نور وكأن الدماء سحبت منه، متحدثة بتوتر: "انتي بتوتريني كده على فكرة يا زينب. يعني أعمل إيه؟ ردت زينب ببساطة وهي تربت على كتفها باهتمام:

"حبيه يا نور. باسل لو لقى الحب الحقيقي عمره ما هيفرط فيه. أنا متأكدة من ده، لأنه عاش طول عمره محروم من الحب والعيلة. وانتي مش زي أي واحدة قابلها. لو كنتي زيهم كان هيطلقك بدون لحظة تردد ومش هيفكر يرجع لك. بس أهم من الحب يا نور، لازم تحترميه. وبلاش الوش الخشب ده يفضل كتير. يعني لازم يحس إنك مهتمة بوجوده، ولازم انتي كمان تفرحي. بلاش تخافي يا نور، علشان خاطري، وافرحي وفرحي قلبك. أنتي تستاهلي كل خير والله العظيم، تستاهلي تفرحي قلبك. أظهري مشاعرك، وخليكي دايما عارفة إن ربنا كبير وحنين أوي يا نور. ألف مبروك يا حبيبي."

ابتسمت نور بسعادة وكأنها كانت تنتظر أحدًا ليشعل بداخلها وهيج السعادة، لتقول من بين تلك الضحكة الخافتة: "زينب، أنا بحبك أوي بجد أوي، ربنا يخلينا لبعض. بس إيه يا عم العقل والحب ده كله؟ ده صالح بيه شكله علم على قلبك بالجامد أوي." ابتسمت زينب بخجل قائلة بحماس: "الحب في الحلال بينور القلوب والعقول يا نور. وبعدين أيوه، علم على قلبي وروحي لأنه حبيبي أنا وأبو أولادي." ردت نور بغمزة شقية: "يسهلوا." ردت زينب بسرعة:

"صحيح، داليد زمانها على وصول." عقدت نور ما بين حاجبيها قائلة: "مين داليد؟ ردت زينب بحماس وهي تزيل حجابها وتفك ربطة شعرها لينسدل على ظهرها برقة: "داليد دي تبقى بنت خالي محمود. تعرفي هي كمان طيبة أوي، أصغر مني بسنة بس مرحة وطيبة. بجد امبارح كنا بنتكلم وحكيتها عنك وإن النهاردة كتب كتابك، فهي قالت إنها لازم تحضر. وكمان اللي عرفته إنها شاطرة جدًا في المكياج وهتخليك زي القمر. تعالي نشغل أغاني." قامت بتشغيل

الأغاني لتقول بحماس: "ادخلي انتي بقى ظبطي نفسك. أبوكي كده كده مش هيجي دلوقتي. هاتيلي بجامة من عندك، يالا ورايا شغل كتير." رفعت نور حاجبها الأيسر بشك: "وانتي إيه عرفك إن بابا هيتأخر؟ ابتسمت زينب وهي تمسك الدلو لتبدأ بالتنظيف، وهي تردد كلمات الأغنية الشعبية لتقول بدلال أنثوي يعشقه شخص ما: "لما يجي هتعرفي، متشغليش بالك. يالا يا نور." ابتسمت بسعادة طفولية غريبة، شاعرة باهتمام كل من حولها، لتقول:

"حاضر، ثواني هجيبلك بجامة. هو فين الولاد يا زينب؟ ردت زينب وهي تقف على الكرسي تُلمع زجاج الشباك:

"مع ماما حياء وعمتي صفا امبارح. هي امبارح جيت وباتت معانا. الصراحة عمتي دي كمان قمر أوي، وماما حياء لما عرفت إنه كتب كتابك النهاردة قالتلي لازم أكون معاك. والأولاد معاهم. وأنا نزلتهم ليها ورضعتهم قبل ما أجي، واطمئنت إنهم ناموا، لأن طول الليل صاحيين وأنا وصالح كنا قاعدين جنبهم، ما ناموش غير الفجر. عارفة يا نور، الولاد بجد نعمة من ربنا، رغم أي تعب وأي سهر. وصالح ربنا يحفظه لينا دايماً معانا. أنا كنت خايفة أوي معرفش

أربي التلاتة، لكن والله وجود العيلة فرق معايا أوي. عمي جلال الصراحة هو كمان أبويا بجد، وهو كمان بيساعدني. يعني مثالاً بيقولي المفروض أعمل إيه ومعملش إيه، وإزاي المفروض أتعامل معاهم لما يكبروا. وماما حياء دايما معايا وكلهم بيحبوا الولاد. حتى يوسف وإيمان وحبيبة مرات علي دايما بتكلمني في الموبيل تطمني عليهم. الناس لما يكونوا ونس لبعض الدنيا بتكون حلوة يا نور. وجبر الخواطر حلو أوي. وأنا عشت عمري في ناس كتير بتجرح فيا."

اللمعت عينيها بالدموع، لكن تلك المرة بالفرحة، وهي تنزل عن الكرسي وتقف أمام نور قائلة بانتصار وعشق بادٍ في عينيها:

"الناس اللي جرحوا في قلبي علموني إن العوض والصبر نهايته حلوة أوي. أنا دلوقتي لقيت أبويا وأمي، ولقيت ليا خالي محمود وخالتي مريم وعمي جلال وماما حياء. وعندي أبويا منصور، وانتي معايا، ومعايا داليد. والأهم معايا صالح وأولادي. الجبر بعد الصبر هو السعادة اللي بجد. وانتي كمان صبرتي كتير يا نور علشان أخواتك وأبوكي، وربنا هيجبر بخاطرك انتي وباسل وهتفرحوا أوي كمان صدقيني."

احتضنتها نور بعيون باكية وسعادة داخلية. ابتعدت زينب تمسح دموع نور بيديها قائلة: "خلينا نفرح بقى، وصلنا لنهاية الوجع وخلاص هنفرح." أومأت لها نور في نفس الوقت صدح رنين جرس الباب، لتتجه نور تفتحه لتجد أمامها فتاة تبدو في بداية العشرينيات، جميلة المظهر، ذات ابتسامة رائعة وعيون سوداء حالكة. سألت داليد بهدوء قائلة: "نور؟ أومأت لها الأخرى لتقول بحماس: "داليد الدمنهوري. أنا بنت خال ملك." ابتسمت نور قائلة:

"آه، هي جوا. اتفضلي." دلت إلى الصالون وهي تحمل حقيبة يد متوسطة تبدو على شكل مكعب، وكأنها ليست حقيبة يد. ابتسمت زينب قائلة بحماس: "كويس إنك وصلتي. الأستاذة فاكرة النهاردة واقفة العيد وبتنضف البيت. قوليلها حاجة لأن هتشل." خلعت داليد حجابها لتضعه جانبًا قائلة باهتمام شديد:

"لا طبعًا مينفعش. وأنا أصلًا جايبة كل حاجة معايا، هظبطك. على فكرة أنا شاطرة جدًا في الميكب وصدقيني انتي بشرتك جميلة، بس لازم نعمل ماسك. وانتي كمان يا ملك." "ولا أقولك يا زوبا." ردت زينب بحب أخوي: "قولي يا ملك، الاسم ده بحبه. بس أنا هخلص الليلة دي وأحصلكوا على جوا." ابتسمت داليد وهي تقترب من نور لتضع يدها على خصر نور: "يالا بينا." وافقتها نور وهي تتجه معها نحو غرفتها. بعد مرور عدة ساعات. في غرفة نور.

نهضت من مكانها بعد أن أنهت داليد مهمة تزيين وجهها وإنهاء كي شعرها البني، زاد جمال وجهها مع ألوان الزينة الرقيقة. أخرجتها داليد أجمل مما توقعت. نظرت نور لهيئتها في المرآة مع جمال وجهها وأناقة تسريحتها لتقول بسعادة: "مكنتش متخيلة إن هكون جميلة كده. حاسة إني أحلى من يوم الفرح. انتي بجد شاطرة أوي." رفعت داليد رأسها بفخر وهي تهندم ثيابها بطفولية:

"شكرًا شكرًا يا جماعة، ده حاجة بسيطة من موهبتي. ها، قوليلي فين فستان كتب الكتاب خليني بقى ألف لك الطرحة." ردت نور بجدية: "في الدولاب. هو فستان عادي لأن أنا الصراحة مكنتش حابة أنزل أشتري والموضوع كله ساعتين وهينتهي." نظرت داليد لزينب بسخط قائلة: "صاحبتك دي محسسني إنه يوم عادي. لا فكي كده يا قمر، النهاردة فرحك، فاهمة يعني العروسة للعريس." ردت زينب قائلة بجدية:

"والله العظيم كنت عاملة حسابي، علشان كده الفستان جاهز. ثواني بس، البسي حجابك يا داليد." ضيقت نور المسافة بين حاجبيها بشك. خرجت من الغرفة لتمر بضع لحظات قبل أن تدلف مرة أخرى برفقة سالم والد نور، وهو يحمل بين يديه ذلك الثوب الأبيض مغلف بطريقة منظمة وصحيحة. ابتسم سالم قائلاً بحب: "تفتكري هخليك تحضري كتب كتابك بأي فستان كده؟ لا طبعًا، انتي أميرتي يا نور." كادت أن تبكي من فرط السعادة وهي تقترب منه محتضنة إياه بقوة قائلة:

"وانت حبيبي يا بابا واللي العظيم." غمزت زينب لداليد قائلة بهمس: "كنت متفقة مع عمي سالم نشتري الفستان ده سوا، وهو اللي اختاره ليها. ذوقه حلو أوي." ردت داليد بإعجاب واضح قائلة بحب: "فعلاً رقيق جدًا." بعد ساعتين. كان يجلس على الأريكة في الصالون بحلة أنيقة سوداء، منهدم الشكل، وقد حلق لحيته فبات أكثر جاذبية مع بشرته الخمريّة الرجولية ومصفف شعره الأشقر بجمال يلفت الأنظار.

توجهت عسليتان عيناه المشتعلة بالفطرة حينما أبصرها تخرج من الغرفة بحرص، متأبطة ذراع والدها. كانت جميلة اليوم بشكل عجز عن وصفه. يبدو وكأنها قد أتقنت في انتقاء ثوب عقد قرانهما، فكان ثوبًا أبيض سادة حريري رقيق طويل يتدلى ذيله من الخلف برقة، بأكمام شفافة رقيقة وعند المعصم مطرزة بورود بيضاء من الدانتيل. حجابها الأبيض الناعم يبدو في غاية النعومة. ذلك اللؤلؤ البراق الذي يزين الحجاب يبدو لامعًا لأجلها.

وقد وضعت كذلك زينة العروس الناعمة التي زادتها جمالًا. لا يعرف كيف، لكن هذه الألوان كانت مختلفة وجميلة عليها، لكن مختلفة، ككل شيءٍ بها. فاليوم مختلف. وحتى ما سيحدث الآن سيأخذ منحنى مختلف في علاقتهما. فكم حلم بهذا اليوم منذ أن طلقها، تمنى العودة لها قلبًا وقالبا، تمنى أن تعود له بقلبها. ولم يتوقع قط أن يكون أجمل من المتوقع بمراحل.

رفعت نور عينيها البنيتان عليه، وكانا بريق الحب يشع منهما. جعل باسل يبتسم لها، وعيناه تناديها أن تقترب أكثر. فقد تعب من الانتظار والصبر، وكأنه ابتعد لسنوات، والآن يريد أن يروي عطش قلبه. وصلت إليه لتقف بالقرب منه. أعطاه والدها يدها حتى يذهبا على الطاولة الممتدة ليتم عقد القرآن. فالماذون ينتظر هناك. مسك باسل يديها الاثنتين ونظر لعينيها يتأملها عن قرب، وهي فعلت المثل، ولكنها عقبت بتسرع غريب وحب قد بدأ بالظهور:

"هو إحنا بجد هنكتب الكتاب يا باسل؟ أنا حاسة إن هيغمى عليا من الفرحة." ضحك باسل دون صوت وأومأ برأسه قائلاً: "لا، أبوس إيدك، امسكي نفسك لحد ما نكتب الكتاب. أنا ما صدقت أبوكي رضي عني ووافق من تاني. ده كان هيقيم عليا الحد ويطردني من بيتكم لما قولتله إني عايز أردك ونعمل كتب كتاب من جديد." توهجت فرحتها في عينيها وقالت بعدم تصديق من شدة الفرحة:

"بنات الناس مش لعبة يا أستاذ، بس حقيقي النهاردة أجمل يوم في عمري، وكفاية وجود البنات معايا." تنهد باسل هامسًا بحب وهو يتكئ على يديه بحنان: "مش لوحدك، أنا حاسس إني بتولد من جديد على إيدك يا شبح." سحبت نور يدها ووضعتها على جبهتها وهي تشعر بعدما اتزان قدميها على الأرض: "لا، مش مصدقة. أنا دايخة، أنا دايخة أوي يا باسل، اسندني." مسك معصمها بقوة هاتفًا باللهفة: "نور، انتي كويسة؟ نور... نظرت إليه بدهشة قائلة بعدم تصديق:

"هو إحنا بجد هنكتب الكتاب؟ رد باسل بتردد وقلق عليها: "على حسب، ممكن يتأجل لو أغمى عليكي فعلاً." "لا، هيغمى عليا إيه، أنا تمام، أنا كويسة أوي." اعتدلت في وقفتها سريعًا وهي تحاول التماسك قدر المستطاع أمامه وأمام الجميع، وكأن قلبها لم يعد يتحمل أكثر، معترفة بحرارة: "أخرج باسل زفرة حارة وهو ينظر إليها بشوق: "أنا اللي مش كويس والله." نظرت إليه بلهفة سائلة ببراءة: "سلامتك، عندك إيه؟ هز رأسه بنفي وهو ينظر للطاولة خلفهما:

"ولا حاجة، يلا بينا لحسان الناس قاعدة مستنيانا." قد حضر بعض أقارب العروس المقربين جدًا والأصدقاء، وكذلك حضر والدي باسل وأخته زينة، وأصدقاؤه المقربين، وأيضًا صالح وعلي برفقة زوجته حبيبة التي تجلس بجواره متأنقة بثوب سهرة رائع مع حجابها الرقيق. كانت بجواره ملتزمة. أقترب صالح من زينب، والذي كان ملفتًا للأنظار اليوم كعادته بحلته الرصاصية الداكنة، أسفلها قميص أبيض، مصفف شعره بأناقة، وعلى ثغره ابتسامة

تجعلها أسيرة لنظرته تلك: "وانت كمان أوي. هما الولاد كويسين؟ أكيد جاعوا. بص هنمشي دلوقتي. أنا والله معرفتش أمشي خالص بالنهار وكان في حاجات كتير." "متقلقيش عليهم، ماما جهزتلهم الرضعة وأكلوا، وبعدين عمتك مسبتهمش لحظة، متقلقيش." اكتفت بابتسامة رغم خوفها، هي أم، والأم لا يهدأ قلبها إلا عندم تطمئن بنفسها على أطفالها.

وضع باسل يديه بيدي والدها، وبدأ المأذون بعقد القرآن، بينما تجلس نور بجوار نيرة التي ابتسمت بسعادة لرؤية تلك اللهفة في عين ابنها الوحيد. مؤخر تحول تمام، لم يكن كذلك، كان باردًا جدًا، وتلك الفاتنة هي من أذابت جليد قلبه، ليقع أسيرًا، وأي أسير هو؟ هو أسير كبريائها، أسير عيناه، وأسير رونقها الخاص التي تميزت به عن أي فتاة أخرى. والأهم من كل هذا، أنه أسير عشقها. هبطت عليهما المباركات من الجميع. بعد كتب الكتاب في غرفة نور.

رفعت نور عينيها المشعة بسعادة إليه، فوجدته ينظر إليها نظرة غريبة، قاتمة تجتاحه مشاعر عديدة لا تفقها منها شيء، لكن الوصف الدقيق بالنسبة لها، أنه جائع ويراها وجبة جيدة ودسمة ستوفي بالغرض. "ليه البصة دي يا باسل؟ سألته بتردد، فنظر حولهما، فقد سمح والدها لهم بالجلوس في غرفتها قليلًا قبل مغادرتها معه. نهض باسل من مكانه واقترب منها. بلعت نور ريقها بتوجس وسألته بارتباك: "انت كويس؟

"لا يا نور مش كويس. من يوم ما سبتك وأنا مش كويس." سألته بتوتر وبراءة، فنبرته كانت متحشرجة أثر اختلاط مشاعره، والتي حان الوقت للاعتراف بها، إلى متى سيرتدي قناعًا ليس له، عليه خلعه إلى الأبد، فقط لأجلهما. "مالك؟ انت دايخ انت كمان؟ الفرحة بتدوخ. أنا كمان حاسة نفسي دماغي بتلف من الفرحة. أنا مبسوطة أوي يا باسل، مبسوطة إني معاك." "مسك يدها الموضوعة على وجنته وقربها من شفتيه وطبع قبلة طويلة بطيئة عليها قائلاً باشتياق:

"وانا كمان يا نوري يا أغلى نور في الدنيا. مش مصدق إنك بقيتي مراتي، واسف والله العظيم أسف على كل اللي فات. فرحان أوي يا حبيبتي." "خفق قلبها بجنون وسألته باللهفة: "انت بتحبني يا باسل؟ "مد يده ولامس وجنتها الناعمة مؤكداً بقلب مدله بحبها: "بعشقك يا قلب باسل."

أغمضت عينيها بضعف وهي تشعر بأنفاسه الساخنة الممزوجة برائحته المميزة تقترب منها، تلفح صفحة وجهها بقوة. بلعت ريقها بتوتر حينما وجدته يحجز وجهها بيده، ثم شعرت بشفتيه تلامس بشرتها الناعمة. قد طبع قبلة رقيقة على وجنتها، طابعًا عدة قبلات على وجهها، وهو يضمها بين ذراعيه أكثر، شاعرًا بها تستجيب أخيرًا لقربه، وكم يريد مستجيبًا مرحبًا بها أكثر مما ظن.

سمع صوتًا يأتي من خارج غرفة الصالون، فضرب جرس الإنذار بداخله، وابتعد عنها بصعوبة، ناظرًا عند الباب فلم يجد أحدًا. تنهد بارتياح وهو ينظر إليها. ليجدها عينيها متوسعة بعدم تصديق، وجهها أحمر من شدة الخجل والصدمة مما حدث، أما شفتيها فكانت منتفخة وحمراء أثر هجومه عليها. وقد أفسد حمرة شفتيها. أخرج المنديل من جيبه ونهض من مكانه، وتلك المرة جثى على ركبتيه أرضًا أمامها. ثم بدأ في المسح حول شفتيها قائلاً باعتذار حانٍ:

"أنا آسف يا نور، أنا مكانش قصدي أخوفك يعني، بس مقدرتش. أنا... توقف عن الحديث عندما وجدها تلقي نفسها في أحضانه بصمت مبهم، أشعره بالقلق وشعر بقلبه يقع أرضًا، لذا ضمها أكثر وهو يسألها بتوتر: "انتي كويسة؟ خوفتي مني صح؟ أنا مكنتش أقصد. أنا أسف مش هيتكرر تاني، بس متخافيش." همست نور بضياع في أحضانه وكأنها تجربة لأول مرة معه:

"باسل، لو بتحبني بجد أوعي تيجي عليا في يوم. أنا بحبك وخايفة أندم على حبي لك. صدقني مش هقدر أستحمل، حتى لو أنا دايما متمسكة قدامك، فأنا دايما هبقى محتاجة لحضنك، فبلاش انت كمان تيجي عليا." رفع رأسها بحنية وحب هامسا بضياع هو الآخر: "انتي وطني يا نور، فاهمة؟

يعني حضنك هو بيتي، وحضني دايما هيكون ليك لوحدك، لأنك الوحيدة اللي هزت فيا كل حاجة. والله العظيم أنا بحبك أوي، ونفسي أكون معاكي بيتي مليان حب ودفء. بس سبيني واديني فرصة لو سمحتي، ممكن؟ مسحت دموعها قائلة بسعادة: "بحبك." همس بابتسامة ضارية: "وانا بعشقك." انتهت حفل كتب الكتاب وذهبت معه نحو منزلهما بعد أن وعدت أبيها وأشقائها. منزلهما!! تلك الكلمة وذلك الجمع يجعلها تشعر بأنها ملكة متفردة بقلبه. في منزل آل الشهاوي.

صعدت زينب الدرج بلهفة، والقلق ينهش بقلبها، إنها الفطرة وغريزة الأمومة المتحكمة بها، فلا لوم عليها. دلت إلى شقة جلال بعد أن فتحت حياء لها الباب، قائلة بابتسامة: "إزيك يا زوبا؟ ردت عليها باحترام وود: "الحمد لله، أنا بخير يا ماما. اومال هما الولاد فين؟ أوعي تقولي ناموا." ابتسمت حياء برفق قائلة بحب: "جوا مع جلال. تعالي، اومال فين صالح؟ ردت زينب بهدوء حانٍ: "بيركن العربية."

دلت إلى الصالون، لكن هدأت من روعها وهي ترى ذلك المشهد الجميل، حيث كان جلال يحمل بيلا وحياء بين ذراعيه، وهو يغمغم ببعض الكلمات غير المسموعة، ولم تكن إلا بعض الآيات القرآنية الذي يرددها دائمًا على مسامع أحفاده بصوت خافض يكاد يصل لمسامعهم، حتى أن كانوا لا يفقهون شيئًا، إلا أنها تبعث السكينة بصوته الخاشع. بينما كان يونس ذلك الصغير نائمًا برفق ونعومة على الأريكة. ابتسمت زينب بارتياح قائلة بحب: "تعبوك يا بابا."

ابتسم جلال بسعادة وهو ينظر نحو حياء المبتسمة برقة: "بالعكس يا زوبا، دول فكروني بأيام زمان، لما صالح وإيمان كانوا عيال. بس سبحان الله، أعز من الولد ولد الولد. عمتك لسه ماشية من شوية. وأبوكي اتصل يطمن عليكم وأنا طمنتهم." ردت زينب بهدوء في وقت دخول صالح من باب الشقة: "طب كويس إن حضرتك كلمتهم لأن موبايلي فصل شحن. ممكن آخدهم؟ رد جلال بجدية قائلاً:

"أكيد. وبعدين بيلا شكلها جعانة. بس الصبح عايز أشوفهم قبل ما أنزل الوكالة، هطلع أصبح عليكم." رد صالح بهدوء وحب: "هبقى أجيبهم لحضرتك يا بابا، بلاش تتعب نفسك. واحنا كده كده هننزل الوكالة سوا لأن احتمال أسافر السويس في حاجات في حلقة السمك ولازم أنزل أتفق عليها." سألته بلهفة بالغة وبراءة: "هتتأخر؟ بس أنا هخاف أقعد من غيرك." أدركت ما تفوهت به لتخفض بصرها بحرج وخجل، بينما ابتسم جلال مغمغمًا برفق:

"يلا يا صالح خد مراتك وأولادك واطلع شقتك." أومأ له وهو يأخذ الصغيرتين، بينما أعطت حياء يونس لزينب قائلة بخبث مرح: "خلي الدلع لجوزك لما تكونوا لوحدكم يا هبلة." عضت على شفتيها بخجل واضح، ولم تستطع الرد عليها بكلمة واحدة وهي تغادر معه. ابتسم جلال وهو يحاوط خصرها قائلاً بحب: "تعرفي الولاد حلوين أوي مع بعض، ربنا يحفظهم يا حياء." وضعت رأسها على كتفه قائلة باهتمام: "يارب يا جلال، يارب." في شقة صالح. وضعت الأطفال على الفراش

باهتمام قائلة باعتذار: "والله حقكم عليا، عارفة إنكم جعانين. هغير بس وأجيلكم." خلع صالح سترة حلته ملقيًا إياها على الكرسي ليجلس على الفراش يخلع حذاءه، ثم نظر للأطفال محدثًا إياهم برفق:

"عارفين، رغم إني مبقتش عارف ألم على أمكم من ساعة ما جيتوا للدنيا، بس كله يهون لأجل عيونكم. عارف يا يونس، أنا حاطط فيك أملي لما تكبر تكون ضهري وتخاف على أخواتك، ولما أموت تحضن أمك وتشوفني فيك. عارف أنا ساعات كتير بقول يارب طول في عمري لحد ما أشوفك راجل يعتمد عليه، بس أمانة عليك أخواتك البنات وأمك في رقبتك ليوم الدين."

كانت تراقب حديثه ذلك بعد أن بدلت ثيابها بحزن بالغ، لا إراديًا انسابت دموعها بشدة. ما سر ذكر الموت الآن؟ هل يفرح بانفطار قلبها وبكائه؟ رفع رأسه، لكن فجأته، احتضنته إياه بقوة حتى كادت أن تختفي بين ذراعيه، وكأنها ضلع ثاني له. أخذ يربت يربت على ظهرها بحنان متمتمًا بلهفة: "مالك يا زينب؟ لم تستطع التحدث وشهقاتها تتعالى، مجرد تخيل أنها تفقده يجعلها تتشبث به أكثر. ذلك الشعور مؤلم.

مرت دقائق وتعالى صوت بكاء طفلتهما، وكأنها فهمت ما حدث. غمغم صالح بجدية حانية قائلاً: "زينب، كفاية عياط. الولاد هيعيطوا هما كمان. علشان خاطري اهدي." زمجرت بحدة وقسوة قائلة: "لو سبتني في يوم، صدقني يا صالح مش هسامحك. انت فاهم؟ حتى لو اللي هيبعدنا هو الموت، برضو مش هسامحك." رد الآخر بمرح ماكر: "و أهون عليك أموت وأنا شايل ذنبك." ابتعدت عنه قائلة بصوت عالٍ نسبيًا أفزع الصغار: "و أهون عليك تسيبني أموت بالبطيء؟

صالح، انت قلت إنك بنت قلبك صح؟ بس اللي متعرفهوش إنك أغلى عندي من روحي. أنا عشت عمري تايهة بين البشر. والله العظيم ملقتش الاحتواء إلا في حضنك، ملقتش الأمان إلا معاك. بلا تشخوفني عليك انت فاهم؟ أنا عندي استعداد أسامحك حتى لو قتلتني، بس أنك تسيبني مش هقدر أسامحك." ابتسم وكأن كلمتها بلسم لروحه المتعطشة لعشقها: "زوبا، أنا بحبك. الكلمة دي عهد ووعد مني ليك. ولو ربنا أذن يوم وأخد روحي، اعرفي إن لسه على عهدي. فاهمة؟

وبعدين أنا عارف إنك هتسامحيني، ماشي. وبعدين أنا بكلم ابني عادي، كنت بس بوصيه على أخواته زي ما أبويا وصاني على أمي وأختي. والأعمار بيد الله وحده." ردت بحدة معنفة إياه: "بس برضو متقولش كدا، انت فاهم؟ "خالص خالص يا ستي، متزعليش، حقك عليا، بطلي عياط بقى." مسحت دموعها قائلة بهدوء: "حرام عليك بجد توجع قلبي يا صالح، خليت حياء تعيط. انت هتسافر بكرا؟ أومأ لها بجدية قائلة:

"متقلقيش، مشوار لسويس، هتفق على شوية حاجات ناقصة عندنا. ولو عليا هرجع على بليل، متقلقيش." "لا، لو عليا هقولك لو اتأخرت خليك هنا وابقى اركب الصبح. علشان خاطري يا صالح، أنا بخاف لما تسوق العربية بليل. علشان خاطري." ابتسم طابعًا قبلة أعلى رأسها قائلة بحنان: "هدخل أغير هدومي، وانتي متشغليش بالك. أنا بعرف أسوق بليل عادي. وياستي أوعدك لو اتأخرت هفضل هناك وأجي الصبح. المهم تخلي بالك من الولاد."

أومأت لها وهي تحمل حياء برفق لتطعمها. في صباح اليوم التالي. في منزل باسل. استيقظ باسل بتثاقل ونوم ليجدها تتوسد صدره محتضنة إياها. في عينيها البنية كان يرى لمعة مجنونة من الخجل من كل ما يحدث بينهما وما كانوا يتوقعوا حدوثه. وارتفعت الحواجز بينهما، فأصبح لها زوجًا أمام الله. كيف بدأت القصة وأين انتهت؟

لا تصدق صدقاً، لم تستوعب بعد أنها تزوجت ممن تحب. إنها حظت بالحب الأول، أجل، هو حبها الأول، فقد حفظت قلبها لسنوات لأجله هو فقط. تنهدت بنعومة وهي تشعر به يداعب خصلات شعرها الناعمة، طابع قبلات حانية على وجنتيها. همست بخجل وهي تحاول الابتعاد قليلاً: "صباح الخير." "قربها لاحتضانه أكثر وأجابه مرددًا تحية الصباح بشهية مفتوحة وبال رايق: "صباح الفل والورد والياسمين على أجمل شبح في الدنيا."

مع كل كلمة يعانق شفتيها بقبلة مشاكسة. زفرت بخجل وارتباك وهي تشعر أنها تحت حصار، فكان يميل عليها نائمًا على جانبه، ساندًا ذراعه فوق رأسها. فحاولت تشتيت عقلها من هذا القرب. فهي حتى الآن لم تعتد على كل هذا معه، ولم تستوعب بعد أنها تزوجت منه بالأمس. تنحنحت وهي تسأله بتوتر: "هو... هو انت صاحي من بدري؟ "رد وعيناه لا تحيد عنها: "من عشر دقايق كده. بس إيه الجمال ده." "ازدردت ريقها، سألته بارتباك: "وكنت بتعمل إيه؟

"رد بعيون وقحة متسلية وهو يلوي شفتيه في ابتسامة الثعالب: "بتفرج." "بتتفرج على إيه بالظبط؟ شدة غطاء الفراش لآخر عنقها بحركة مفاجئة أضحكته بقوة. اغتاظت من ضحكاته واحمرت وجنتيها قائلة بتذمر طفولي: "بطل ضحك، انت أصلًا قليل الأدب." "أشار على نفسه ببراءة: "أنا؟ يا نور، ولا انتي اللي بتلفتي نظري لحاجات مش في دماغي أصلًا." "اهتزت حدقتاها وقالت بتردد:

"يسلام، أنا اللي بلفت نظرك ولا انت اللي متربتش أصلًا يا قليل الأدب. وبعدين مانت اللي قولت بتتفرج، عايزني أفهم إيه؟ "رد بصوتٍ عابث يدفع للشك به أكثر: "تفهمي إني رومانسي وقاعد أتأملك يروحي." "سألته نور بحاجب مرفوع ببراءة: "ليه يعني؟ "تنهد بحرارة قائلاً: "مش مصدق إننا اتجوزنا الصراحة، ومش مصدق إنك بقيت معايا من تاني." "ردت بحدة تغلفها الخجل: "لا صدق، لأن أنا قاعدة على قلبك ماشي، وبطل حركاتك دي لو سمحت."

"رد باسل بحماس قائلاً: "طب إيه، هنفضل نايمين كتير؟ أنا هقوم أجهز الشنط وهنطلع على الغردقة. هنعيش أحلى أسبوع سوا يا نوري، أصل الصراحة لسه في كلام كتير عايز أقولهولك." أنهى جملته الخبيثة بغمزة شقية لتضربه بخفة قائلة: "وقح." في منزل يوسف. في منتصف الليل.

كان يوسف يجلس بجوار ابنه آدم الذي يبلغ من العمر تسعة أشهر. بينما تنام إيمان بارهاق، فهي منذ ولادته وهي تقضي وقتها بالكامل معه، وأصبح تواجده معها وحدهما أمرًا مستحيلًا في وجود ابنه، فمجرد أن يقترب منه أو يحاول مشاكساتها يصدح بكاء الطفل. وضع يوسف يديه أسفل ذقنه قائلاً بنبرة حزينة أشبه للبكاء: "يا ابني، هو حد مسلطك عليا؟

مبقتش عارف ألم عليها وانت بقيت الكل في الكل. والله شكلنا اتسرعنا في موضوع الخلفه دا. طب انت يعني بالع راديو مشغلها طول الوقت على العياط. طب أنا عايز أنام. إيه، هتفضل تعيط كتير؟ أمك تعبانة وأنا عندي شغل الصبح." نظر للصغير بغيظ قائلاً وكأنه يفهم ما يقوله: "شكلك مش هترتاح إلا لما أترفد والله، وساعتها نبقى نشحت بيك." ضحك بقلة حيلة وهو ينهض يحمل آدم بين يديه برفق وحنان بالغ قائلاً:

"خالص يا حبيبي بقى، حقك عليا. بس بطل عياط. طب انت جعان مثلاً؟ شكلك جعان يالا. أمري لله يالا هاكلك. بس وربي لما تكبر. بقا أنا يوسف الصاوي، عيل زيك يعمل فيا كدا." اتجه نحو المطبخ وهو يحمل الصغير بين ذراعيه، فتح الثلاجة ليخرج عبوة من الحليب، أشعل الموقد ليقوم بتدفئة القليل لأجله، لكن أصدر عدة أصوات أثناء ذلك لتستيقظ إيمان بانزعاج. دلت إلى المطبخ ليجده يجلس على كرسي السفرة يطعم ابنهما، ابتسمت بحنان وهي تراه

يتحدث معه وكأنه شخص بالغ: "بتعمل إيه يا يوسف وإيه الصوت ده؟ رد بابتسامة خافتة قائلاً: "الاستاذ كان بيعيط وعايز ياكل. قلت أدفي له لبن. بس هو بسم الله ما شاء الله، الشهية عنده مفتوحة." ردت إيمان بضيق قائلة: "بالهنا والشفا يا يوسف، انت بتعد عليه اللي بياكله." ضحك يوسف بسخرية قائلاً:

"بعد عليه إيه يا هبلة، ده ابني. وبعدين يا ماما أنا وهو في بينا أسرار كتير انتي متعرفيش عنها حاجة. علشان كده متتدخليش بينا. وبعدين إيه اللي صحاكي؟ "المهم إني صحيت. هاته وأدخل نام، انت عندك شغل بدري." رد يوسف بابتسامة حانية قائلاً: "يا ستي هو أنا اشتكيت لك. ادخلي نامي، انتي بقالك كتير بتسهري معاه. وبعدين طالما أكل هينام. متقلقيش. باله، ادخلي نامي انتي لسه تعبانة." أخذت نفس عميق قائلة بابتسامة:

"بس أنا كويسة دلوقتي الحمد لله." "يبقى لازم ترتاحي. يالا خلينا ننام وهو خالص سكت. يالا يا حبيبي." في اليوم التالي. في قاعة المحكمة. جلس علي يتابع حبيبة وهي تترافع عن أول قضية لها بعد أن تخرجت من كلية الحقوق. دعمها إلى أن وصلت إلى تلك المرحلة في حياتها، وتخطت كل ما مضى. تخطت الكثير من الألم لتكمل معه حياتها. كانت كلما توترت تنظر له لتجده يبتسم وكأنه يشجعها على الاسترسال في مرافعته. بعد أن انتهت الجلسة.

ركضت نحوه لتقول بتسرع: "نسيت حاجة؟ ابتسم علي قائلاً بجدية: "لا يا حبيبتي، كنتي كويسة جدًا. وبعدين انتي قلقانة ليه؟ طول ما بتترفعي عن الحق يبقى أوعي تخافي، فاهمة." أومأت له بجدية ليقول: "بقولك إيه، رأيك أعزمك على طبق كشري ونقعد ناكل على البحر ويا ستي بوش كاش بيضحي، هعزمك على أحلى طبق حلويات لحلويات حياتي." ردت حبيبة بسعادة قائلة:

"شكرا يا علي، لأنك معايا لحد النهارده، ولأنك سامحتني على كل اللي فات، ولأنك رَعيت ربنا فيا وعمرك ما عيرتني إني أذيتك وبعدت." أخذ نفس قائلاً بجدية: "انسى اللي فات، لأن اللي فات كان مؤذي أوي يا حبيبة، والحمد لله وصلنا للنهاية وإحنا سوا. وكفاية إنك دلوقتي بتحققي حلمك، وربنا كرمني وفتحت المصنع وكبر. الحمد لله يا حبيبة." سألت حبيبة بخبث قائلة: "طب مش متضايق إن فات أكتر من سنتين من غير أطفال؟ رد علي ببساطة متمتمًا بهدوء:

"دي حاجة بأيد ربنا، وقت ما يأذن هيحصل يا حبيبة، وإن شاء الله اللي جاي هيكون خير." ردت نور بابتسامة وهي تمسك يده: "طب لو قلتلك إن أنا حامل، وإن ربنا أذن يا علي." لم يستطع التحدث، وتلمعت عيناه بالدموع وهو يحتضنها دون الالتفات لمن حوله، قالت من بين دموعها بسعادة: "أنا عايزة يكون زيك في طيبة قلبك يا علي." غمغم علي بهمس قائلاً بلهفة:

"وأنا عايز بنت، لا مش بنت واحدة عايز اتنين يكونوا زيك. عايز أعلمهم حاجات كتير ونكون معاهم سوا ونلعب كتير ونعوضهم سوا عن الحاجات اللي إحنا اتحرمنا منها. وهنشتري لعب كتير وهيدخلوا مدارس كويسة وهنكون معاهم في كل حاجة." أومأت له بالإيجاب، وهي تمسح دموعها قائلة برفق: "أنا بحبك أوي يا علي." "وأنا بموت فيكي يا قلبي وروح علي." اكتفت بتلك الابتسامة التي زينت وجهها، وهي تحمد الله كثيرًا على تلك البداية في قصتهم. بعد شهرين

(في شهر رمضان المبارك) في ساحة منزل آل الشهاوي. كانت هناك مائدة كبيرة جدًا في تلك الساحة الواسعة. الجميع يعملون على قدم وساق بجدية مع اقتراب موعد الأذان. وضعت (عائشة) ابنة جمال الصنية على المائدة قائلة بصوت عالٍ نسبيًا: "زينب لو سمحتي هاتي العصير معاكي لأن المغرب هيأذن." خرجت حبيبة برفقة بيلا ونور، وكل واحدة تحمل صنفًا معينًا من الطعام لتكتمل تلك السفرة بأشهى الواجبات. سألت نور بجوع قائلة: "هو فاضل كتير على المغرب؟

أنا جوعت." ردت حياء بصرامة قائلة: "الصراحة أنا كنت فاكرة إنك هتفطري يا نور، انتي حامل على فكرة." ردت نور بجدية قائلة: "والله باسل اتخانق معايا علشان بصوم وبيخلي الدوا بعد الفطار بيقول إن ده غلط، بس والله أنا كويسة يا جماعة، ولما بتعب بفطر." لوت شهد (أخت حياء) شفتيها قائلة بغيظ: "على فكرة وشك أصفر وكده هتتعبي." دلت إلى المنزل.

جلال برفقة عمر ومنصور حيث كانا يتحدثان بمرح، وقد نشأت بينهم صداقة منذ فترة طويلة، وخلفهم صالح، باسل، علي ويوسف. بعد أن قام جلال بدعوة الجميع للإفطار في منزل الشهاوي. رد جلال ملقيًا السلام على الجميع، لترد عليه الفتيات. جلس على السفرة وعلى جواره الشباب من ناحية، في مقابلتهم زوجاتهم. ابتسم جلال قائلاً برفق: "عائشة منورة يا بنت الغالي." ابتسمت عائشة بحب قائلة: "بنورك يا عمي."

احتلت على محياه ابتسامة حزينة وهو يقرأ الفاتحة على روح صديقه. في نفس توقيت أذان المغرب. لتقول بيلا بود: "يالا يا جماعة، بسم الله." خرجت زينب من الداخل برفقة صالح وهم يتحدثون بسعادة مع أطفالهم. غمغمت حياء قائلة: "يالا يا أولاد، المغرب بيأذن." نظر صالح لزوجته وأطفاله، ثم همس بداخله بالحمد لله. كانت سفرة مليئة بالحب والونس والصداقة. الحب الذي جمع بين أبطالنا. شهر رمضان وتلك الروح المبهجة التي تنشر السلام في القلوب.

تمت بحمد الله.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...