ارتدى صالح ملابسه ووقف أمام المرآة وهو يزرر قميصه الأسود. دخلت حياء بابتسامة جميلة وهي تقول بحنان: "صباحك نور يا صالح. يلا عشان نفطر، أبوك وإيمان قاعدين مستنينك." هز رأسه بالإيجاب، وهو يبص في ساعته. "ماشي يا أمي، جاي. بقولك أنا احتمال أتأخر النهارده، محدش يستناني وأنا هحصلكم على بيت الحاج منصور." شهقت حياء بصدمة من كلام ابنها: "انت بتقول إيه يا صالح؟ انت لازم تكون هنا من بدري. ولا في خطوبة بتحصل من غير العريس؟
أوعى تقولي إنك هتسافر." وقف أمام المرآة يسرح شعره، ليقول بعملية: "معلش بقى يا أم صالح، لازم أطلع على بورسعيد. في بضاعة جاية للجمارك ولازم أستلمها بنفسي وأشيك عليها. إنتِ عارفة الحاج كبر ومينفعش هو يروح وأنا موجود، وإن شاء الله هاجي بعد المغرب. هنحمل البضاعة على التريلا (عربية النقل) على العصر وهجيبها وأجي بإذن الله. وأي حد يبقى يجي من بورسعيد بالعربية بتاعتي." حياء بخوف عليه: "انت اللي هتطلع على التريلا؟
خلي بالك على نفسك يا صالح، الطريق مالوش أمان." ابتسم وهو ينحني ليقبل رأسها ويديها: "سلميها لله يا أم صالح." بص في المرآة يعدل حزام البنطلون، لتكتمل هيئته الرجولية الوسيمة، فهو صاحب قوام رجولي ممشوق. وصل صالح مينا بورسعيد حوالي الساعة الثامنة صباحًا هو وصديقه علي. وصلا الجمارك منتظرين وصول شحنة كبيرة من القماش ستُنقل للمخازن الخاصة بعائلة الشهاوي. وقف مع عامل من عمال النقل في المينا.
صالح بجدية: "يعني شاكر ضرغام كان ناوي ياخد الشحنة دي؟ العامل: "ده اللي سمعته وعرفت إنه كان هيموت عليها، وإن شاء الله حتى ياخدها من تحت الترابيزة ولو هيدفع لكل اللي في المينا ر"شوه. لكن الحكومة الأيام دي مشددة على كل البضاعة اللي داخلة المينا." حك صالح ذقنه النابتة بشك واستغراب وهو يبص لعلي. ظابط الجمارك: "تعالى افطر يا صالح، لسه الشحنة موصلتش وغير الإجراءات على الساعة حداشر." صالح حط إيديه في جيب البنطلون
وهو يبص للبحر وبجدية: "تسلم يا محمد، فطرت مع الحاج في البيت." ابتسم محمد بحسرة: "تصدق يا جدع، أقسم بالله أنا نسيت معنى الفطار في البيت من يوم ما اتجوزت وسيبت بيت أمي. ولو قلت كلمة واحدة تقولي العيال والبيت مش فاضية، كلام النسوان اللي ما ياكلش عيش ده." مال صالح لعلي يسأله بحيرة: "هو الجواز وحش للدرجة دي ولا إيه؟ "زي الزفت...
حاجة كدا زي تكفير عن الذنوب اللي عملتها طول حياتك. أوعى تتجوز يا صالح، إنت كده ملك أقسم بالله." علي بمرح: "يا جدع اسكت، الراجل خطوبته النهاردة، مش عايزين نطفشه من أولها كدا، خليه يعيش له يومين." صالح بمرح: "أنا بعد اللي سمعته بفكر أغير رأيي." ضحكوا التلاتة، ليقول محمد بسعادة: "ألف مبروك يا جدع، مش تقول كدا من الأول، كنت أديك طاقة تفاءول." لؤي شفتيه بسخرية: "تفاءول إيه يا جدع، روح منك لله."
بعد عدت ساعات من العمل الجاد المرهق بتحميل البضائع على عربيات النقل (التريلا) وإنهاء الأوراق الخاصة بالجمارك. صعد صالح الشاحنة الضخمة. بيسوق التريلا في طريقه لإسكندرية مع أذان العصر، ووراه عربيتين تانيين كبار. كان قاعد جنبه علي ليقول بشك: "تفتكر شاكر ليه كان عايز الشحنة دي، مع إنه أصلاً بيشتغل في السمك ومالوش علاقة بالقماش؟ تفتكر بيعمل كدا عشان يرازي فيك؟
صالح بجدية: "معتقدش. شاكر دلوقتي عايز يعوض الخسارة اللي عنده، وشحنة القماش دي جايه بسعر مناسب، لو قدر يسوقها صح كان هيعرف يغطي الخساير اللي عليه." "عندك حق." اكتفى علي بالكلمة دي، وهو بيفكر في شاكر وإد إيه هو إنسان حقير. بعد حوالي نص ساعة، كان علي شارد الذهن وهو يبص للموبايل بتاعه. صالح بص له باستغراب، لأنه قاعد ومركز في الموبايل بطريقة ملفتة. كان فاتح صفحة على الفيسبوك باسم "Habiba Kassem".
بيبص للموبايل بسخرية وهو شايف صاحبة الأكونت حاطة بوست على الفيسبوك: "الحب!!! إن باعك الحب عليك إلا تشتريه ولو بأرخص ثمن." علي محسش بنفسه غير وهو بيدخل ويكتب: "البشر مخادعون... كانت دائمًا تمثل البراءة في أوفى صورها، وفي لحظة أظهرت عن الشيطان بداخلها، ذلك الشيطان المهووس بالمال."
كان هيضغط على إرسال، لكن صالح شد منه الموبايل بسرعة وهو بيوقف التريلا، بيدوس فرامل بقوة لدرجة إنهم اندفعوا لقدام، لكن استعادوا توازنهم بالتدريج. صالح بحدة وغضب من صاحبه: "انسى حبيبة يا علي. دي اتجوزت خلاص وأنت عارف اتجوزت مين... شاكر ضرغام. ابعد عن الشر وغني له، بلاش تدخل في حياتها، إنت متعرفش إيه اللي جبرَها تتجوزه. وأكيد هو بيراقب موبايلها، بلاش تأذيها يا أخي." صرخ علي بجنون: "فما السبب الذي يجعلها تتخلى عنه؟
فهو أحبها منذ أن كان بالثانوية وهي تعرف ذلك، تعرف ذاك جيدًا. كان بينهم محادثات كثيرة، فهي ابنة حارته من نفس عمره تقريبًا، أو لأكون دقيقة، أصغر منه بشهور." "الفلوس... هي اتخلت عن حبي ليها علشان الفلوس. لا وايه، طول الوقت طالعة كأنها البنت البريئة الملاك من السما، وهي كدابة وغشاشة." ربت صالح على كتفه ليخفف عنه شعوره بالألم، هو يعلم جيد كم يحب حبيبة. ولكن الشيء الصادم للجميع أنها تركته فجأة وتزوجت من شاكر
(اللي حاول يقتل صالح) علي شاب على عكس صالح، من طبقة اجتماعية بسيطة. مكافح بسيط ذكي، قدر يكمل تعليمه ويجوز أخته، وبدأ يعدل من مستواه، اشترى شقة جديدة أكبر من شقتهم، لكن بالتقسيط، ورفض أي مساعدة من صالح غير أجرة على الشغل، ومع ذلك هما صحاب جدًا. صالح بجدية: "طب هات الموبايل دا... وبلاش شغل العيال دا، دي ست متجوزة دلوقتي، وإنت مش صغير." أخذه وحذف التعليق وخرج من صفحتها.
"على الله يا علي تعمل كدا تاني، فوق لنفسك. حبيبة اتجوزت، حطها حلقة في ودنك." علي دار وشه وبص من إزاز التريلا بضيق وغضب، لكنه يقسم بداخله يعشق تلك الفتاة، لطالما كانت صديقته أو كما يسميها ملاك الرحمة. تميزت عن جميع الفتيات وخَطفت قلبه، لتصدمه بالنهاية بزواجه من عدوهم شاكر ضرغام، لكن دا كله قبل سنتين، لكن هل ننسى من... صالح بص له وهو بيدور الشاحنة تاني ولنفسه:
"حبيبة مش وحشة أوي زي ما إنت فاكر يا علي، ربنا يكون في عونها على اللي عايشة فيه." في مكان آخر. بيت كبير واسع جدًا ملكًا لشاكر ضرغام.
جرس الباب يرن، خرجت بنت من المطبخ. جميلة، نحيفة، على وجهها قسمات الحنان والطيبة، رقيقة، وقسمات القوة اكتسبتها من سباق الركض بين عقلها وقلبها، والقدر المؤلم الذي جعلها زوجة شاكر ضرغام، رغم أنه أكبر منها بـ 15 سنة، لكن قدرها أن تقع تحت يدي ذلك الأربعيني. شعرها البني منسدل على ظهرها بنعومة. "حبيبة قاسم." فتحت الباب وعلى وجهها ابتسامة رقيقة اعتادت أنها ترسمها، تخفي بها مرارة زواجها الفاشل. "خالتي أم محمد
وهي بتمسح وشها من العرق: حبيبة، الحقيني بكوباية مياه، الجو حر أوي." حبيبة بابتسامة سعيدة: "وحشتيني أوي يا خالتي، تعالي ادخلي. حاضر ثواني." دخلت المطبخ بسرعة، طفت عن الأكل وأخذت كوباية مياه وطلعت بسعادة. بعد دقائق في الصالون. حبيبة كانت قاعدة على الكنبة وهي ساندة دماغها على إيديها وساندة على مسند الكنبة وراها، وبتسمع خالتها وهي بتشتكي منها. حبيبة: "يعني عايزة إيه يا خالتي؟
بتلفي وتدوري عليا وحاسة إن الزيارة دي وراها حاجة." أم محمد: "بصي يا حبيبة، من الآخر كدا، جوزك هو اللي بعتني وعايزني ألين دماغك اللي زي الحجر دي، إنتِ كدا بتخربي على نفسك." حبيبة بغضب ومع ذلك خوف منه: "هو بيشتكي لك مني؟ أم محمد: "أيوه يا عنيا. بيقول إنك بتتلعبي عليه ومش عارف ياخد منك حق ولا باطل، حتى لما بتكونوا سوا مش عارف يطول منك حاجة. وكمان موضوع الخلف.ة." حبيبة بحزن وطيبة: "أعمل إيه بس؟
مش عايزاه أخلف منه، إنتِ عارفة إني مش بحبه، أنا بكره نفسي لما بيقرب مني. لولا إني تعبت منه وخايفة، كنت طلبت الطلاق." ضربت أم محمد على صدرها بقوة من كلام حبيبة الطايش: "إيه ده يا حبيبة؟ إنتِ بتقولي إيه؟ اكتمي خالص. عارفة لو سمعك هيعمل إيه فينا؟ هيقطع خبرك من على وش الدنيا. وبعدين إيه يعني؟
دا جوزك يا بت، ومن حقه عليك إنك تجيب له حتة عيل يشيل اسمه ويكوش كل دا. إنتِ عارفة إنه مخلف من مراته الأولى بنت، ومراته التانية مخَلفتش، الدور عليكِ تجيبي له الواد وتِقَوّشي." حبيبة بقلة حيلة وسخرية: "اديكي قولتيها يا خالتي، أنا التالتة. ههه. قال جوزي قال. أنا لما اتجوزت شاكر كان عندي اتنين وعشرين سنة، ودلوقتي عندي أربعة وعشرين. عارفة يا خالتي؟
السنتين دول ضرب وإهانة وحبسني في البيت. فين وفين على ما بخرج. أنا بكره اليوم اللي بيجي فيه، وتقوليلي جوزك؟ منه لله اللي كان السبب. منه لله على البهدلة اللي أنا فيها. ولما أزعق وأقول كفاية وأدور على حد يقف قُصاده ملقيش حد منكم. سبيني في الغلب اللي أنا فيه يا خالتي." أم محمد بجدية وخوف: "أوعي يا حبيبة تكوني بتشوفي اللي اسمه 'علي' دا." حبيبة بصت له وسكتت، لكن للحظة ابتسامتها ظهرت. فاقت من شرودها
على صراخ مرات خالها: "إيه ده يا حبيبة؟ لا تكوني لسه بتفكري فيه. فُوقي يا بت، ينهار مالوش ملامح. لو جوزك شك في حاجة هيطيّن عيشتك." حبيبة بسخرية: "متخافيش أوي كدا، أنا نسيته أصلاً. وبعدين شاكر مانعني من الخروج. خليه يعمل اللي هو عايزه، مدام كله بالضرب والإهانة، يبقى ينسى موضوع الخلف.ة ده. لا يمكن أخلف من واحد زيه." وإن شاء الله هرفع عليه قضية خلع وأخلص منه. أم محمد بشك: أوعي تكوني بتاخدي حاجة لمنع الحمل يا حبيبة؟ حبيبة
بارتباك بتحاول تداريه: هاخد إيه يعني؟ بقولك أنا عاملة الأكل اللي بتحبيه، هغرفلك. قامت بسرعة ودخلت المطبخ. قعدت على كرسي السفره وشرّدت للماضي، واد إيه نفسها ترجع له. بقالها سنتين في الغلب ده مع شخص عمرها ما حبّته ولا هتحبه في يوم. افتكرت "علي"، أكتر شخص كانت بتحبه وأكتر شخص حنين في الدنيا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!