الفصل 39 | من 70 فصل

رواية اطفت شعلة تمردها الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم دعاء احمد

المشاهدات
23
كلمة
12,253
وقت القراءة
62 د
التقدم في الرواية 56%
حجم الخط: 18

كل القصص جعلتني أتيقن من شئ واحد، أن يحبك شخص بندباتك بعقدك بحروبك وهزائمك، وأن تتَّسع يده لأحلامك وذراعيه لروحك المُتوعكة، أو لا يُحبك. أجاب جلال بعد أن رأي رقم مجهول الهوية لياتيه صوت شخص ما بتلهف وتوسل: -“الحقني يا جلال هيموتني” يبدو الصوت مألوف بالنسبة له ليقول بارتياب: -“شمس؟! أجابت «شمس» بسرعة وخوف:

-“الحقني يا جلال، عزت هيموتني وحالف أنه هيرجع وهيطلع عليا القديم والجديد وأنا خايفة ومش عارفة أعمل إيه ومعنديش حد أروحله بالله عليك يا جلال أنا خايفة” وضع جلال يديه بجيب بنطاله ببرود مغمغماً بحدة: -“عايزة إيه يا شمس تاني، إيه اللعبة الجديدة اللي بتدبريها؟ ردت الأخرى مهرولة بخوف وانكسار:

-“والله العظيم يا جلال ما في أي حاجة في دماغي، بس أنا تعبت وماليش حد بعد أبويا الله يرحمه وعزت الله يجحمه أخد دهبي ومراته الأولى طلعت عليا كل اللي عملته معاك انت وحياء، أبوس إيدك ساعدني يا جلال لو لسه خالتي نوارة غالية عليك، لأن صدقني لو مساعدتنيش هتيجي تلقيني جسده هامدة.” رد جلال بجدية وصرامة:

-“ماشي يا شمس لما أشوف آخرتها معاكي وخلي في بالك إن لو ساعدتك هيكون بس علشان صلة الدم اللي بينا غير كده لأ يا شمس وأظن المعلومة وصلت” أغلق الهاتف دون أن ينتظر ردها في حين نظر لإحدى الشباب الموجودين بالساحة قائلاً: -“عثمان تعال شوف ماكينة الكهرباء دي، أنا خارج عندي مشوار” كاد أن يغادر المنزل إلا عندم وجدها تنادي عليه تركض نحوه قائلة بجدية:

-“رايح فين يا جلال، وبعدين معقول هتسيب الناس اللي جايين يباركوا لك، أظن ميصحش كدا” غمغم جلال بجدية قائلاً بكذب لم يرد أزعجها بالحديث عن شمس: -“موضوع كدا يا حياء هخلصه وأجي على طول، سلام” شعرت بالارتياب والضجر من حديثه الجاف هامسه لنفسها بريبة: -“حاسة كدا إن في مصيبة والله أعلم، استر يارب” في شقة صالح

ابتسمت زينب بسعادة وهي تقف أمام المرآة تنظر بسعادة عارمة لانعكاسها، تبدو جميلة متألقة بل فاتنة في ذلك الثوب الأسود الطويل والذي يبرز رشاقته. لكنها لم ترى ذلك الذي ينظر لها بابتسامة لعوبة تزين ثغره وعينيه تتفحصها باشتياق. تبدو في غاية الجمال وهي تتمايل برقة أمام المرآة، تبدو أنثى فاتنة شعرها الحريرب الذي يمتد لخصرها، رماديتيها اللمعه برونق خاص. كل شيء بها يبدو في غاية الجمال يجعله يقترب منها دون شعوره بذلك.

انتفضت زينب بفزع وهي تشعر بيد تحاوط خصرها بينما دفن وجهها بشعرها يستنشق عطرها لترخي دفاعتها قائلة بابتسامة: -“صالح” قاطعها مغمغم بهمس عاشقاً: -“شش… وحشتيني، أخيراً عرفت أشوفك بعيد عنهم كنت حاسس إن شوية كمان وأبوكي هيطردني من البيت مش بلحق أشوفك” ابتسمت بسعادة قائلة بخجل: -“طب ابعد بس كدا علشان هم مستنينا برا والولاد لوحدهم يا صالح” رد بصوت أجش متحشرج أثر مشاعره:

-“الولاد مع إيمان تحت في شقة بابا، مفيش حد هنا غيرنا، أظن كفاية كدا يا زينب أنا معدتش قادر على البُعد كفاية الأسبوع اللي فات كله كنتي معاهم وأنا بنام تحت خالص كدا من حقي بقى يخلوني أعرف أنام براحتي” ردت زينب بنبرة ساخرة: -“ليه هما بيعذبوك تحت ما انت بتنام لوحدك بعيد عن زن الولاد و…” رد مقاطعاً إياها بهمس وحرارة وهو يقبل جبينها: -“بس مش في حضني، إزاي هكون مرتاح وأنتم بعيد عن حضني”

غمغمت زينب بخجل من طريقته قائلة بخفة وهي تضع يديها على صدره مُبعده اياه: -“صالح سيبني أخرج لهم، وبعدين نتكلم في الموضوع دا” رفع رأسه عن عنقها أخيراً مديراً إياها بين ذراعيه وتصبح مواجهة له، جذبها نحوه ليصطدم جسدها بجسده الصلب ولم ينتظر كثير وهو يستولي على شفتيها في قبلة قوية لكن حنونة في ذات الوقت.

استرق منها بضع دقائق دون أن يشعر بما يحدث حوله إلا أنه أبتعد بسبب احتياجهما للهواء، حاولت تنظيم أنفاسها وهي تغمض عينيها بينما اصبغت وجنتيها بلون أحمر قاني لم تستطيع فتح عينيها من شدة الخجل والاضطراب بسبب هجومه الضاري والمفاجئ. تأمل احمرار وجهها الشديد انفها ووجنتيها وعينيها المغمضتان ابتعد قليلاً قائلاً بجدية تنافي تلك المشاعر قبل قليلاً قائلاً:

-“أنا هنزل بدل ما يلاحظوا اختفائنا وانتي تجهزي وابقى انزلي وغيري العباية دي ضيقة ولمي شعرك، شعرة واحدة تبان يا زينب أنتي حرة” غادر الغرفة حتى أنه لم ينظر لها بعد تلك الجملة، بينما جلست على الأريكة تتحسس وجنتها الحارة هامسه بخجل لنفسها قائلة: -“اهدي خالص هو مشي” وضعت يديها موضع قلبها تستمع لنبضات قلبها الثائرة بعنف وضراوة، عضت على شفتيها بخجل وهي تخبي وجهها بيديها. بعد مرور نصف ساعة

نزلت زينب الدرج ببطء واضطراب بعد أن بذلت ثيابها لأخرى فضفاضة رغم أن الضيوف هم نساء المنطقة لكنها تخشي أي اصطدام معه وتعلم أن غيرته وربما تفتك بها وبه. ابتسمت بيلا مقتربة من زينب التي دلفت إلى داخل شقة والد زوجها للتو قائلة بهمس وخبث: -“اتأخرتي يعني يا ملك وبعدين إيه دا انتي غيرتي العباية مش كانت عجباك ولا إيه” أشاحت زينب بعينيها عن والدتها متمتمة بخجل:

-“أصل حسيت أنها ضيقة شوية وممكن أي حد يطلع من الرجالة و… و ساعتها هتبقى مشكلة” غمغمت بيلا بخبث قائلة بسعادة: -“آه قولتيلي ضيقة طب هو صالح كان بيعمل إيه فوق وسايب الرجالة تحت مش أصول برضو يقف معاهم وخصوصاً أن والده مش موجود” كانت زينب تفرك كفيها ببعضهما قائلة بارتباك وخجل: -“كان… كان، آه صحيح كان عايز يقولي إنه خالص جهز شهادات ميلاد بتاع الولاد” -“بس كدا” سألتها بشك -“أمَـال يعني هيكون عايز إيه يا ماما، هو كدا بس”

قبلتها بيلا قائلة بسعادة وحب: -“ربنا يسعدكم يا حبيبتي وبعدين جوزك أكيد زهق من قعدتنا معاكي والأولاد وحشينه” صمتت للحظات قبل أن تتابع بخبث: -“وأكيد انتي كمان وحشاه” أخفضت زينب بصرها ثم اتسعت ابتسامتها جعلت بيلا تشعر بالسعادة لأجلها متمنيه لها حياة سعيدة مع زوجها قاطعهما في تلك اللحظة صوت حياء قائلة بحنان وجدية: -“أنتم واقفين هنا وسايبين الضيوف ياله عايزين نفرح شوية وكمان نفرق السبوع ياله يا بيلا زوبا ورايا”

ابتسمت بارتياح وهي تدخل للصالون الشاسع حيث تقف إيمان في منتصف الغرفة تضع يونس في الغربال وخلفها حبيبة وعائشة كل منها تُمسك غربال وتضع به فتاة ويلتف حولهم الأطفال والنساء، بعض العادات المصرية. أطلقت السيدات الزغاريد بسعادة وهم يقتربون من زينب محتضنين إياها ومباركين لها بينما بادلتهم ذلك بسعادة وطيب نفس. كانت النساء يغنين ويقوم برش الملح والأطفال تلتف حوالهم مر الوقت بسعادة ومرح دون الشعور به.

في إحدى الأحياء بالإسكندرية صف جلال سيارته بجوار تلك البناية القديمة حيث تقطن شمس وزوجها ذلك المدعو عزت رغم أن جلال لم يهتم كثيراً بالأمور المتعلقة بشمس إلا أنه عرف بعض المعلومات عن عزت منها أنه يصغر شمس بثلاث سنوات، ذات شخصية طامعة من القاهرة وجاء للإسكندرية قبل بضع سنوات حيث تزوج من شمس وهو زوجها الثاني، متزوج من امرأة أخرى، يلعب القمار في ذلك الكباريه المعروف بأنه ملك امرأة تدعى سونيا.

صعد الدرج وهو يذكر الله لكن سمع صوت صرخات عالية ليرى بعض الجيران يقفون مقيدين الأيدي أمام شقة عزت وهم يستمعون لصرخات تلك المرأة مستنجدة بمن حوالها إلا أنهم لم يستطيعوا التدخل بين الرجل وزوجته. حاول جلال العبور خلالهم ودلف إلى الشقة حيث كان الباب مفتوح على مصراعيه. في تلك اللحظة

كان «عزت» يضرب «شمس» ويسبها بأفظع الشتائم إلا عندم رأى «جلال» يقف داخل المنزل، تركها بخوف وتوتر بينما رفعت شمس عينيها بانكسار لترى عينيها المليئة بالدموع ووجهها المتورم أثر صفعات عزت لها. لا يعرف لما شعر بالشفقة عليها. ولكن الله عادل ما فعلته بالماضي لحياء عندما جعلتها تتجرع من كأس الغيرة والانكسار والعتاب من الجميع ذلك الشخص يحاسبها عليه. لا تظن أنك تحيا وحدك بتلك الحياة.

ركضت شمس مهرولة نحو جلال لتقف خلفه بتضرع ورجاء وهي تمسك بذراعه بقوة وخوف بينما تلتمع عينيها بدموع الانكسار مغمغمه بحزن: -“متسبنيش يا جلال هيموتني” رفع جلال بصره ينظر لذلك الرجل يبدو في نهاية الأربعينات، ذات جسد رياضي. وضع جلال يديه في جيب بنطاله مقترباً منه ليقف أمامه مباشرة: -“من إمتى والرجالة بتضرب حريمها، آه صحيح ما أنت يمكن مش من تصنيف الرجالة علشان تسيب الجيران تتفرج عليكم بالشكل ده.”

ابتلع عزت الغصة التي تشكلت بحلقه بارتجاف لكن أجاب بقوة وحدّة: -“جلال بيه مسمحلكش، مراتي وبأدبها أنت أصلاً وجودك هنا مالوش أي لازمة، ولا تكون كلمتك تنجدتها بنت الـ” كاد أن يسب والدتها بأفظع السباب إلا أن قبضة جلال على عنقه جعلته يتراجع للخلف بفزع والأخرى يضغط بعنف على عنقه هامساً بفحيح أفعى:

-“اللي أنت عايز تسبها دي تبقى خالتي أنا يعني ممكن أقطعلك لسانك فيها، مش ابن الشهاوي اللي يتقاله بتعمل إيه هنا، البيت ده بكل اللي فيه يبقى ملك شريف الهلالي يعني أبويا الروحي فبلاش تخليني أعلمك الأدب، أصل الأدب مش بفرد العضلات على واحدة ست، ولا أنك تخليها تصرف عليك يا نطع” حرر عزت نفسه من قبضة جلال متراجعاً للخلف وهو يغمغم بصوت مرتجف:

-“أنت مالك أنت، وبعدين مش هي دي اللي كانت هتموت عليك زمان وأنت سيبتها علشان ست الحُسن بتاعتك، أصل هي حكتلي لما كنا بنشرب سوا يا عيني كانت فاكرة إني لما أفوق مش هفتكر حكاية الغرام الكبيرة اللي كانت عايشة فيها لكن غبية يا شمس كل كلمة كنتي بتقوليها وأنتي مش في وعيك أنا فاكرها كويس أوي.” ليكمل باستفزاز آثار غضب وغيرة جلال: -“بس الصراحة يا جلال أنت عندك حق حد يسيب الفرسة أم عود فرنساوي اللي أنت متجوزها ويفكر في البومة دي”

لم ينهي جملته إلا وإصابته قبضة جلال في وجهه مما جعله يترنح للخلف ويسقط أرضاً. حاول النهوض إلا أن جلال لم يتيح له الفرصة حيث سدد له لكمة أخرى جعلت الدماء تتناثر على أنفه ولم يكتف بذلك فقد سدد له اللكمات في أماكن متفرقة من شدة الغضب والغيرة وهو يلمح نظرة الخبث في عيون ذلك الحقير. تدخل الجيران في تلك اللحظة مُفرقين بينهما بينما وقفت شمس تلطم على خدييها بحسرة وخوف.

وقف جلال وكان أشبه بالإعصار يدمر كل ما حوله بسبب غضبه وغيرته التي كانت تحرق روحه. مسح العرق الذي كان يتصبب على جبينه قبل أن يهتف بأنفاس لاهثة أثر مجهوده السابق قائلاً بحدة: -“الزبالة ده كان بيضربك ليه؟ ردت شمس بانكسار وضعف قائلة: -“أخد الدهب بتاعي باعه وخسر فلوسه في القمار وجاي عايز فلوس بس والله مش معايا حاجة كان عايزني أمضي على تنازل بيت أبويا له” نظر جلال بسخرية له قبل أن يتمتم بصرامة: -“عايزاه تاني؟ ردت بسرعة دون

تفكير قائلة بتضرع وتوسل: -“لا خالص، أنا كل يوم بطلب الطلاق بس بيبهدلني” وقف جلال أمامه بشموخ قائلاً بحدة: -“ارمى عليها اليمين..” كاد عزت أن يرفض إلا أن ركلة جلال لبطنه أقرب له من التذمر والرفض ليقول بألم واضعاً يديه على بطنه يئن من الألم: -“أنتي طالق يا شمس بالتلاته” وضع جلال يديه بجيب بنطاله:

-“دلوقتي تقوم تطلع بره، والمحامي هيعرف إيه اللي لينا وإيه اللي عليك والله ما أنا سيبك إلا لما تتعلم إن الله حق، وأنتي ورايا يا شمس” ثم نظر لإحد الرجال الموجودين قائلاً بجدية: -“عم خليل الكلب ده بعد ما يمشي تاخد منه المفتاح وتقفل الشقة، وأنا هبعت النجار يغير الكالون” أومأ له الرجل بجدية بينما غادر جلال المنزل وخلفه شمس التي كانت تسير بخطوات مرتجفة وحزن وهي تضع رأسها أرضاً.

صعد سيارته وهي جواره ليقوم بتشغيل محرك السيارة ومغادرة ذلك الحي. رفعت شمس بصرها تنظر له لكن أشاحت بنظرها عنه. أوقفها تلك الدماء على يديه لتقول بفزع: -“جلال إيدك بتنزف…..” لم يبالي بحديثها بينما يقود سيارته في طريق منزله لتخفض رأسها بخجل وحسرة لكنه قاطع الصمت تلك المرة قائلاً: -“هتيجي عندي البيت يومين لحد ما أتصرف مع اللي اسمه عزت وأوضب لك بيت أبوكي لأنه مقفول من بدري” همست شمس بندم وحسرة قائلة:

-“مالوش داعي يا جلال، حياء مش هتكون مرتاحة لو شفتني معاك خليني أنا أروح بيت أبويا وهوضبه وأنا قاعدة، حقيقي مش عارفة أقولك إيه أنت أنقذتني” أدار جلال وجهه ينظر لها ولوجهها الأحمر المتورم ليقول بجدية: -“اعتبريه أمر وحياء مالكيش دعوة بيها هندخل من الباب الوراني لأن في ضيوف في البيت أظن مش هتحبي حد يشوفك كدا”

أخفضت بصرها تنظر لثيابها المغبرة القديمة، ربما هي السبب في كل هذا، ربما لأنها اختارت قلب لم يكن لها من البداية وتعلق به وهي على يقين أنه لن يحبها مقدار ذرة واحدة، وبدل أن تبتعد عنه قررت الاقتراب وحاولت تخريب زواجه لكن بعد عدة محاولات فشلت وأبعدها هو عنه ثم جاءت هي واختارت شخص آخر خطأ. ودارت بها الأيام تدفع ذلك الحساب القديم. ويالسخرية القدر هو نفسه من دافع عنها. بعد مرور عشر دقائق

ترجل جلال من سيارته ثم دلف إلى منزله من الباب الخلفي وخلفه شمس التي كانت تسير بارتجاف وخوف من لقاء حياء. صعد الدرج برفقتها كاد أن يصعد لشقة صالح ليجعلها تبقى بها حتى انتهاء حفل السبوع لكن لمحته حياء مغمغة بابتسامة: -“جلال استنى، رايح في….” بترت سؤالها تبتلع ما بحلقها وهي ترى تلك التي تقف خلفه وكيف يمكن أن تنساها وهي كانت أبشع كوابيسها يوماً ماً. سألته بحدة مقتربة منه: -“بتعمل إيه هنا دي؟

أشاح جلال بنظره عنها مغمغماً بعصبية كلما تذكر كلمات عزت عنها: -“حياء اختفي من وشي حالا أنا عفاريت الدنيا بتنطط قدامي” فغرت شفتيها بصدمة من طريقته الحادة والتي قليلاً ما كان يتعامل بها معها، لكن تملكتها الغيرة والغضب وهي تنظر لشمس التي أخفضت بصرها بحرج: -“أنت بتكلمني كدا علشانها؟ طب أنا بقى مش همشي إلا أما أعرف دي بتعمل إيه هنا يا جلال، أنت فاهم؟!

جز على أسنانه محاولاً منع نيران غضبه من الفتك بها الآن فهو حقاً لا يرى أمامه في تلك اللحظة وهي أدركت ذلك لكن غيرتها وغضبها جعلوها تتمادى. مال عليها هامساً بفحيح مخيف: -“لو باقية على بينا غوري من وشي يا حياء، علشان حقيقي أنا دلوقتي ممكن أعمل مصيبة” تلمعت الدموع بعينيها قائلة بغيرة تحرق روحها ولم تبالي كثير بحديثه:

-“ماشي يا جلال هغور وهفضيلك الجو أنت والسنيورة ما هي اللي معرفتش تعمله زمان جايه دلوقتي علشان تكمله بس صدقني مش قاعدة لك فيها يوم واحد” دلفت لداخل شقتها لا إرادياً انسابت دموعها ولاحت عليها ذكريات الماضي وكيف تسبب شمس في المشاكل لهما وخصوصاً حينما تركها جلال أكثر من شهر وسافر إلى بورسعيد بعد شجارهم بسبب ما فعلته شمس من تبديل علبة الشامبو بحمض الهيدروليك راغبة في تشويه جسد حياء.

مرت بين الضيوف دون أن يلمحها أحد ثم توجهت نحو غرفتهما في حين لاحظتها بيلا ولاحظت شجارها مع جلال على الدرج قبل لحظات. ما إن دخلت الغرفة حتى جلست فوق الفراش ذرفت دموعها المكبوته أثر غيرتها وعقله يؤلف لها أسوأ السيناريوهات عن علاقة جلال وشمس. تبدو امرأة ناضجة بعقل فتاة مراهقة في تلك اللحظة، أحياناً الغيرة والغضب عندما يجتمعان بامرأة لا يهتما بالسن أبداً.

مرت لحظات لتجد طرقات فوق باب الغرفة، مسحت دموعها بسرعة سامحة للطارق بالدخول. دلت بيلا إلى الداخل بحرج مغمغة بابتسامة وهي تغلق الباب خلفها: -“انتي كويسة؟ ارتجفت شفتيها قائلة بذعر خفي: -“آه الحمد لله بس…. هو إزاي يزعقلي قدامها؟ وإزاي يجيبها تاني لحد هنا؟ ابتسمت بيلا قائلة بخبث: -“انتي غيرانة ولا أنا بيتهيألي؟ ردت حياء بصراحة وجدية:

-“أيوه غيرانة هو حرام إني أغار على جوزي لا والبه بيزعقلي طب وربنا يا جلال لاقرفنك وبيتي مش هسيبه لك أنت والسنيورة قاعدة على قلبك” صدحت ضحكت بيلا قائلة بمزاح: -“طب بالراحة بس بدل ما يتجنن منك انت مش لسه قايله له مش هتقعديله فيها… أنا والله سمعتك من غير قصد.” ردت حياء بود قائلة: -“لا ده كلام حريم عادي متاخديش بالك منه وبعدين أنا أنا غبية عشان أسيبه ليها بس لما ينزل وأفهم اللي بيحصل يا جلال” ابتسمت

بيلا بحنان قائلة بطيبة: -“مهما كان اللي ناوية تعمليه بلاش تسبيه يا حياء ولا تسيبي البيت لأن مفيش وجع زي وجع البُعد.” أومأت حياء لها لتقول بيلا بحماس: -“الناس بيمشوا خالص، أنا هطلع أقعد مع البنات” غادرت الغرفة تاركة خلفها حياء تجلس على الفراش بحزن. في الشقة في الدور الرابع في منزل آل «الشهاوي» فتح جلال باب الشقة ليدلف للداخل قائلاً بجدية: -“ادخلي يا شمس، عندك هنا كل حاجة تحتاجيها، المفتاح خليه معاكي”

-“أنا آسفة مكنتش عايزة أعمل مشاكل بينكم والله العظيم” كاد أن يغادر الشقة لكنه التفت نحوها قائلاً بجدية: -“المهم تعيدي حساباتك يا شمس، لأن اللي باقي في العمر مش قد اللي فات يا شمس واللي بينا صلة رحم، فكري يا شمس.”

لم يتنظر ردها مغلقاً الباب خلفه، نظر لطيفه بحسرة ودموع، والله لم يخطئ القلب حين أحبك أيها المليح، لكنك لست مقدر لقلبي لأن قلبك محتل من قبل أخرى، أخرى فتنتك وأذاقت قلبك لوعة العشق، أخرى هزت كيانك بأكمله، حتى أنها لم تفشل يوماً في جعلك تغار عليها وكأنك حديث العشق ولم يمر عليك سنوات في غمرة تلك المشاعر المحرقة لروحك.

دلف جلال إلى شقته وقد غادر الجميع تقريباً إلا نساء العائلة حتى حبيبة تجلس برفقة إيمان في إحدى الزوايا، وبيلا تجلس برفقة زينب، البيت هادئ تمام يبدو وكأن الصغار قد ناموا. أغمض جفونه وهو يقف أمام باب غرفتهما متذكراً حديث ذلك الأحمق عن شعلته، تلك الفاتنة.

نظر ليديه التي تنزف، أطلق هدير صاخب هو يشعر بألم في ذراعه والشعور الأسوأ هو ذلك الألم الذي يعصف بقلبه، لكن لم يدري لما ارتدى قناع الحدة الذي تركه منذ سنوات، منذ أن رآها وأحبها، ما الذي حدث ليرتديه مرة أخرى، هل توقفت عن حبها؟! أي غباء هذا، والله ما توقف للحظة عن إدمان وجودها، رحيقها في حياته يسلبه عقله، ينتزع منه أي ذرة من الحدة أو الكره فقط يبقى العشق فهو متيم بها وبجنونه.

دلف إلى الغرفة دون النظر إليها، تابعته حياء ببرود وهو يدلف إلى المرحاض لكن شعرت بالذعر وهي ترى بعض قطرات الدماء متناثرة على أرضية الغرفة، انتفضت في جلستها ثم تابعته لتقف خلف باب المرحاض، سمعت صوت المياه المتدفقة من الصنبور وصوت تأوهاته المتألمة تعلو للحظات ويبدو أنه أسرع التحكم بنفسه حتى لا تستمع له. أطرقت على الباب عدة مرات أجاب بحدة قائلاً: -“ثواني…”

حاول إيقاف ذلك النزيف وتمكن بصعوبة ليقوم بأخذ عدد من أوراق المناديل ليضعه على ثم مسح يديه وخرج من الحمام لكنه لم يجدها. جلس على ذلك الكرسي بينما أغمض عينيه بتعب مستنداً على ظهر الكرسي خلفه. لم يشعر بها وهي تجلس أرضاً بجوار الكرسي وضعت علبة الإسعافات بجوارها. فتح عينيه مخفضاً بصره نحوها في حين أمسكت يديه وتلمعت الدموع في عينيها، لم يصطدم من فعلتها كثيراً بل هو اعتاد على ذلك الحنان.

لم يستطيع فعل شيء سوى التحديق بها وكان الأمل حاد ساحقاً يضرب بعمق في قلبه ويغمر عروقه بالدفء المهدئ. هدأ الضغط الذي قبض على صدرها بسحق قلبها وهي تستمتع لصوت تأوهاته بينما تقوم بتنظيف الجرح ولم تنظر له حتى. ظل جلال يتابع بصمت ما تفعله متناسياً ذلك الألم الذي كان يشعر به قبل قليل، وخضراوتيه تمر بشغف على ملامحها التي أسرته، عينيها البنية الداكنة وأهدابها الثقيلة، وجنتيها اللتان تشتعلا بالحمرة أثر بكائها قبل قليلاً.

حاول نزع يديه إلا أنها أمسكت بكفه بقوة وضراوة حتى انتهت، كادت أن تتركه إلا أنه جذبها بعنف نحوه ضاماً إياها بين ذراعي بشدة لدرجة أنه شك في قدرتها على التنفس، قام بدفن وجهه في شعرها يستنشق رائحتها بعمق، بينما كانت مستسلمة وكأنها مفتقدة إياه، احتضنته هي الأخرى تغلق عينيها بقوة، تخاف بل ترتعب من شعور فقدانه فهي أخبرته من قبل أنه تحبه ولكن ليست فقط كزوج وزوجة لكنها تحبه كفتاة فقدت أباها لدهر كامل وحين وجدته وغمرها بحبه أصبح كالهواء.

قصة احتياج افتراس بقلوبهما، احتياج جعل منه أباها وحبيبها وزوجها وصديقها المخلص. احتياج جعل منها ابنته المدللة وزوجته وفاتنة روحه، روحه المفقودة منذ سنوات ولم يجدها إلا عندما رأى عينيها. قاطع ذلك الهدوء صوته بنبرته المتحشرجة أثر غمرة المشاعر تلك: -“حياء أوعي عقلك يجي في يوم يقولك إني بطلت أحبك وتصدقيه، أنا على عهدي قدام ربنا” ردت بخفوت وحزن مغمغة بارتباك: -“وإيه اللي يخليك تجيبها هنا يا جلال؟

أنت متعرفش أنا بسببها حصلي إيه، عارف زمان كل يوم كنت بموت من فكرة إنك بتحبها و متجوزني علشان الوكالة أنا عارفة إن ده كله كان لعبة منها هي ونوارة بس أنا بني آدمة يا جلال عندي قلب، وقلبي بسببهم تعب أوي.” ربت بحنان على ظهرها قائلاً بجدية:

-“بس انتي عارفة إني بحبك وكمان مش بعد العمر ده كله هاجي أعمل حاجة يعني، كل الحكاية إنها طلبت مساعدتي وأنا عمري ما أتخلى عن حد تستنجد بيا يا حياء، كفاية عملتها مرة واحدة زمان واتخليت عنك وللأسف كنت هخسرك لا يا حياء مقدرش أشوف حد بيطلب مني حاجة ومساعدهوش كفاية مرة واحدة” نظرة الندم والحزن بعينيه وهو يتذكر ما حدث بالماضي عندما تركها دون النظر خلفه جعلتها تشفق على حاله الآن لتميل عليها طابع قبلة طويلة على

خده قائلة بابتسامة مشاغبة: -“طب والله أنت جوز لقطة هات بوسة يا جدع” ضحك الآخر قائلاً بحنان: -“وحشتيني يا حياء وحشني أوي يا شعلتي” ابتسمت برضا قائلة باستغراب: -“وحشتك ليه هو إحنا بنبعد علشان أوحشك” تمتم وهو يبعد خصلاتها عن وجهها قائلاً بابتسامة: -“هتصدقيني لو قولتلك إنك بتوحشيني وأنتي معايا يا حياء” ردت قائلة بدلال: -“لا مش هصدق وأوعى بقى” غادرت الغرفة بسرعة بينما جلس مرة أخرى على ذلك الكرسي قائلاً بهمس:

-“هتجننيني معاكي يا بنت الهلالي” “كان كافيًا أن تجد شخصًا يختارك حين تنطفئ وحين تخطئ، وحين يرى النور في غيرك ويختار عتمتك.” كان «عمر» يقف في مدخل الحي، يضع يديه في جيب بنطاله الكحلي يقف بشموخ وثقة اعتاد عليها، فحقاً ذلك الوسيم يأسر القلوب. أخرج هاتفه ليجري اتصال بثائر رد عليها الآخر بسرعة: -“عمر باشا أؤمرني” ابتسم عمر مغمغماً بهدوء وهو يحك ذقنه الخفيفة: -“ثائر مجموعة محمود الدمنهوري إيه إيه آخر الأخبار فيها”

رد ثائر بجدية: -“زي ما حضرتك أمرت المحامي بتاعنا عرف نصيب مدام بيلا من المجموعة ومن وقت اللي حصل ومفيش مناقصة واحدة عرف ياخدها وللأسف اتعرض لخساير كتيرة، هو أنا ممكن أقول رأي يا عمر” رد بجدية وصرامة: -“طبعاً يا ثائر…” -“أنا شايف إنه كفاية كدا محمود بيه كدا اتعلم إن الله حق وعرف إن الفلوس مش كل حاجة، بس كدا مجموعة الدمنهوري هتعلن إفلاسها وأكيد مدام بيلا لو عرفت هتزعل ده مهما كان أخوها” تنهد عمر بخفوت قائلاً بحزم:

-“سيب موضوع محمود عليا ودلوقتي مهمتك المجموعة والمشروع اللي بنقوم بيه، لازم تاخد كل التصاريح قبل 12/4” غمغم ثائر بهدوء قائلاً: -“تمام يا عمر بيه إيه حاجة تانية.” رد عمر بخبث ومشاغبة قائلاً: -“اليخت بتاعي جهزه النهاردة عايزه ميكنش ناقص من أي حاجة يكفي فردين لمدة أسبوع، صحيح متنساش تظبط كل حاجة للفرح” شعر الآخر بسعادة قائلاً بفرح حقيقي:

-“ألف مبروك يا عمر حقيقي أنا فرحان لك أكتر من أخويا مع إنه جه متأخر شوية بس ألف مبروك وألف مبروك القطط الصغيرة دول شكلهم حلو أوي بجد ربنا يحفظهم لك ولأمهم وأبوهم يا رب” غمغم عمر بحزن وهو يعبث بخصلاته قائلاً: -“منهم لله اللي كانوا السبب بس خالص كفاية أوي لحد كدا، تسلم يا ثائر أنا لو كان عندي أخ مكنش هيحبلي الخير زيك…” ابتسم الآخر بود ومرت بضع لحظات حيث يتحدثان بالعمل ثم أغلق الخط معه.

أجرى اتصال آخر ببيلا ليخبرها بأن تجهز للخروج معه في مكان ما ولم يضيف أكثر من ذلك. بعد مرور عدة دقائق صعدت بيلا إلى السيارة قائلة بابتسامة: -“في إيه؟ رفع يدها إلى فمه يطبع براحتها قبلة عميقة قبل أن يغمغم بخبث: -“هيكون في إيه يعني؟ هنخرج ونسيبهم بقى حاسس إن صالح شوية وهيخنقني بس عنده حق أنا لو حد بعدني عنك يوم واحد ببتجنن، فخليني نسيبهم على راحتهم شوية هاخدك لمكان خاص بينا إحنا وبس…” ابتسمت بسعادة قائلة بمرح:

-“هنروح فين؟ ابتسم مغمغم برفق: -“مش مهم هنروح فين، المهم إننا سوا” في صباح يوم مشرق متفتح بالسعادة لأجل هذا الثنائي الذي عانى من ظلم الحياة وقسوته ليأتي اليوم الذي تتفتح لأجلهما أبواب السعادة. جلست بيلا على رمال الشاطئ أمام ذلك الشاليه الذي أتت إليه بالأمس برفقة عمر. قد انهمكت في بناء قصر من الرمال بطريقة متقنة بينما يجلس عمر برفقتها يقوم بخلط المياه والرمال بينما تشكل ذلك القصر بسهولة واحترافية.

ابتسم بحب وهو يجلس على الرمال يضمها بحب بين ذراعيه من الخلف ليغمغم بسعادة قائلاً: -“تعرفي إن دي أول مرة أعرف إنك شاطرة أوي كدا في تشكيل الرمل بالجمال ده، انتي اتعلمتيه إمتى” ابتسمت بيلا برقة وهي تُبعد خصلات شعرها عن وجهها بينما أخذ الهواء يلامس بشرتها الناعمة بتروِ ورذاذ البحر يتناثر حولهما منعشاً الجو غمغت بحزن وعينيها تلمع بطبقة من الدموع:

-“ماما الله يرحمها هي اللي علمتني أبني قصور من الرمل كنا نيجي هنا سوا في إسكندرية مع تيته نبيلة ونعوم كتير أوي كانت بتحب الغطس، وكانت دايماً تاخدني معاها في أي تجربة جديدة تعملها ونضحك سوا ونلعب كتير أوي يا عمر، وتيته نبيلة كانت تقعد تضحك وهي بتتفرج علينا، كنا نقعد ونفضل نبني قصور من الرمل لحد ما الموج يجي ويهدها، عارف يا عمر كانت دايماً تقولي أنا نفسي أشوفك يوم فرحك يا بيلا وقتها هفضل أوصي عريسك عليكِ، لكن كانت

بتتعب كتير بسبب بابا لأنه مكنش بيحبها كان بيحب عمتك كوثر علشان كدا رفضك بنفس الطريقة اللي جدك رفضه بيها لكن وقتها أمي دفعت التمن، تعرف كانت بتقولي إنها لو خرجت من علاقتها خسرانة قيراط فهي كسبت أربعة وعشرين قيراط إنها خلفتني، بس مكنتش تعرف إن بنتها هتتوجع هي كمان بسبب الحب، مكنتش تعرف إن بابا هيلينا ندوق من نفس الكأس، بس الفرق إنه عرف يكمل حياته ويتجوز ويخلف لكن أنا حياتي وقفت مكانها”

ابتسم عمر بندم وهو يضمها بحماية إليه ويتذكر قسوة الأيام التي مرت عليها قبله وأنه بغبائه تركها تعاني من كل هذا وحدها، وكان سيظل الاثنان في تلك الدوامة لولا معرفته بالحقيقة ليشعر بألم يهدد بسحق قلبه. أدارها إليه يقبل عينيها ويزيل دموعها برفق: -“حقك علي عيني يا بيلا حقك علي قلبي أنا، بس علشان خاطري والله العظيم ما قادر أتحمل دموعك، ربنا يقدرني وأعوضك عن كل الألم اللي شفتيه في حياتك” حاوط عنقه بذراعيها قائلة بارتياح:

-“بس أنا دلوقتي فرحانة بجد يا عمر” سألته بهدوء قائلة بابتسامة: -“صحيح يا عمر أنت حسيت إمتى إنك بتحبني” حاوط خصرها هامساً وقد أشعلت بداخله نيران العشق من جديد: -“عارفة أول مرة لما شفتك في أوضتي وقتها انبهرت بجمالك الصراحة وقلت أكيد دي مش فلاحة لأن لبسك كان بسيط جداً لكن لما اتخانقتي مع عصمت وضربتيها وقتها فاكر الجملة اللي انتي قلتيها لي

-“يعني هتكون مين ابن بارم ديله الكونت دي مونت كريستو، مكتشف الذرة وأنا مش عارفة هتكون مين يعني واحد من ملزقين عيلة الرشيدي”” لم تستطيع بيلا كبح ضحكتها الرنانة وهي تنظر له متذكرة تلك الليلة حيث أول لقاء بينهما ليكمل عمر بشغف وعشق:

-“بصراحة من اللحظة دي وأنتي سرقتي النوم من عيني وبعد ما كسرتي إزاز العربية وقتها شوفت بنت جميلة أوي وكاريزما خفيفة على الروح ومرح كأنها طفلة بتحب الحياة حقيقي كنت بحسك طفلة والغريب إني مش بلاقي راحتي إلا معاكي، بموت فيكي لما بتتكسفي، لدرجة إن أول ما كتبنا الكتاب كنت مش مصدق إنك أخيراً بقيتي ملكي لوحدي، لسه في بالي أول مرة قطفت الورد من خدودك. بموت في شقاوتك وهزارك ولسانك الطويل وبحب هدوئك وضحكتك أقولك أنا برضو مش برئ

أوي كدا كان عندي علاقات كتير بس كنت بعتبره تسلية خروج من هم الشغل والصفقات وكمان مفيش التزامات بحاجة، كانت علاقات سهلة لكن في حرم أدبك وأخلاقك كان لازم أقع على بوزي، في الأول قلت هقابلك كم مرة لحد ما الهالة اللي حواليك تنطفي وأعرف أركز في شغلي وحياتي لكن من غير ما أحس لقيت نفسي واقع في المصيدة وكل لحظة بينا كانت بتزيد شوقي وعشقي ليك يا بيلا”

ابتسمت بسعادة قبل أن تطبع قبلة سريعة على شفتيه، كاد أن يقترب أكثر إلا أنها ابتسمت بخبث طفولي وهي تنهض بعيد عنه. استقام مهرولاً خلفها وهو يضحك، ركض بقوة إليها وكانت هي تركض على رمال الشط حافية الأقدام بجمال وأناقة تليق بجميلة كهذه امرأة بروح مراهقة. التقط عمر يدها في لحظة خاطفة فصرخت بيلا بفزع وهي تستدير له قائلة بمرح: -“عمر… استنى بس هفهمك”

لما يمهلها فرصة لقول ما لديها بينما حملها بين ذراعيه متوجهاً نحو البحر وأمواجه الهائجة. ملقياً إياها برفق لتشهق بفزع مغمغة بغضب: -“مش عايزة أعوم دلوقتي حرام عليك” ابتسم بخبث وهو يمسك يدها ساحباً إياها نحو الأعماق، مر وقت طويل وهي تسبح بمهارة أسفل المياه، ترى الأسماك والمخلوقات البحرية بينما مر الوقت بسرعة برفقته يبدو وكأن القلب عادت له روحه برفقك أيها الوسيم. في صباح يوم جديد

استيقظت نور بكسل على صوت ذلك الكنبة المزعج، نهضت من فوق الفراش خرجت من الغرفة متجهة نحو المرحاض بعد أن أخذت ثياب أخرى لتبدلها. انتهت من أداء فرضها، أحضرت طعام الفطار لأجل أشقائها ووالدها لكنها لم ترد إيقاظهم فالوقت مازال مبكراً واليوم هو السبت حيث لا مدرسة. أخذت رغيف وضعت به أصابع البطاطس المقلية، زفرت بحنق وهي تأخذ قضمة كبيرة من السندوتش قبل أن تغادر المطبخ متجهها نحو غرفة أخيها. نور بهمس: -“سيف، سيف قوم”

استيقظ بإزعاج من أشعة الشمس قائلاً بهدوء: -“آه يا نور” ردت بجدية وحزم قائلة: -“شوية وأبقى صحي بابا وعبده واقعدوا افطروا الأكل في المطبخ وابقى اسقي الصبار والنعناع اللي بره، واقعد ذاكر وذاكر لأخوك معك وبلاش تخليه ينزل يلعب بدل ما حد يضربه” رد سيف بجدية قائلاً: -“مين ده اللي يضرب أخويا ده أنا أوديه في داهية” ردت نور بسرعة مغادرة الغرفة: -“مش عايزة مشاكل يا سيف الله يرضا عليك مش ناقصة” غادرت المنزل قائلة بصوت مسموع:

-“يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم” كانت تمشي في جانب الطريق بحذر من الأيادي الطائشة حتى نادى عليها شخص ما. نظرت خلفها نحو محل الجزاره حيث يقف ذلك الرجل الضخم أمام المحل يمسك بين يديه سكين حاد قائلاً بلهفة: -“ست نورهان يا نورهان، خد ياض السكين دي واوزن للزبون اللي عندك” اقترب منها ليقف أمامها يبرم شاربه بحركة مستفزة لنور قائلاً بمراوغة:

-“يا أرض احفظي ما عليكي، نورتي المنطقة والله من يوم ما رجعتي، هو حصل حاجة بينك وبين البيه جوز حضرتك” غمغمت نور بحنق وهي تحدجه بضجر: -“هو فيه إيه يا معلم سلطان هو أنت ليك فلوس عندي لا أنا بشتري منك اللحمة وبدفع حقها عايزة إيه انت بقى” -“ننول الرضا يا جميل، ولا إحنا مش قد المقام والقلب مش بيميل إلا لولاد الذوات، مش طلقك برضه” أخذت نفس عميق بغضب قائلة من بين أسنانها:

-“بقولك إيه يا معلم سلطان ست توحة لو عرفت إنك واقف معايا دلوقتي هتزعل وهتزعلك وأعتقد أنت مش قد زعلها، فانجز وقول عايز إيه مني علشان عندي شغل” وضع يديه على بطنه وحركها قائلاً بخبث: -“طالب إيدك يا نور انتي لسه صغيرة وزي القمر وحرام يضيع شبابك في الشغل والمرمطة دي انتي صغيرة عليها انتي عايزة اللي يسترك” زمجرت نور قائلة من بين أسنانها: -“عارف أنت لو مشيت من قدامي هعمل فيك إيه؟

قسماً برب محمد هصوت وألم عليك أمة لا إله إلا الله، وساعتها أبقى وريني هتعرف تقف قدامي كدا إزاي بالاذن يا معلم” رد سلطان باستفزاز ولمعان عينيه بخبث وإعجاب: -“هتعبر نفسي مسمعتش حاجة وهستنى ردك يا جميل..” عضت على شفتيها بغيظ وغضب قبل أن تتركه وهي تسبه من شدة الغضب. في قصر «العلايلي» ركض باسل بقوة لداخل القصر بعد أن أتاه اتصال من زينة بأن والده فقد الوعي قبل وقت وحالته تسوء.

ابتسمت إحدى الخادمات بإعجاب وهي تراه يدلف لداخل القصر مهرولاً، يبدو في غاية الوسامة تلك الملامح الحادة قليلاً تزيد من وسامته الطاغية وعسلياه الضاريتان تلمعان بحدة وكأنه نمر ينتظر فريسته ليفترسها، هيئته الرياضية تأسر قلوب الكثيرات. هو مثال للوسامة الطاغية والملامح الرجولية المميزة. صعد الدرج بسرعة في أقل من دقيقة كان يقف أمام غرفة والده بينما رأى الطبيب يخرج من الغرفة والحزن جلياً على وجهه. سأله باسل بلهفة قائلاً

بحزم يليق به: -“زيدان باشا كويس؟ اخفض الطبيب رأسه بحزن قائلاً: -“للأسف حالته بتسؤء ومش قابل إنه يروح المستشفى والأعراض اللي عنده أعراض الجلطة” ضيق باسل ما بين حاجبيه بارتياب وحزن قائلاً بجدية: -“يبقى ننقل كل الأجهزة للقصر وأي حاجة هيحتاجها في المستشفى توصل القصر” رد الطبيب بهدوء قائلاً: -“بس يا باسل بيه الموضوع هيكون صعب و…” قاطعه باسل بحزم وصرامة متناهية:

-“مفيش بس أنت فاهم، كل الأجهزة تتنقل هنا قدام النهاردة لو مظبطتش كل ده، اعتبر إن المستشفى بتاعتك مقفولة ودا مش تحذير ده تهديد….” ابتلع الطبيب ما بحلقه بارتجاف قائلاً بهدوء: -“الأجهزة هتوصل النهاردة إن شاء الله” وضع باسل يديه بجيب بنطاله قائلاً بشموخ وثقة: -“للأسف معندكش حل غير ده، اتفضل شوف شغلك.”

أومأ له بجدية قبل أن يغادر القصر، في حين خرجت زينة من غرفة والدها وهي تبكي بحزن وصمت، لكن ما إن رأت باسل حتى ركضت نحوه محتضنة إياه. ربت على ظهرها بحنان وحب، أخذت تغمغم ببعض الكلمات: -“بابا تعبان أوي يا باسل، ارجوك ادخله هو عايزك هيرتاح لما يتكلم معاك علشان خاطري أنا وماما” زفر بحرارة وحنق وهو يحلق في الفراغ لتقول بتضرع: -“علشان خاطري يا باسل أرجوك”

مسح وجهه بيده قبل أن يومئ لها بالموافقة، ابتسمت بسعادة وهي تمسك يده تأخذه لداخل الغرفة. وقف باسل في تلك الغرفة الشاسعة ينظر لوالده الراقد بإرهاق فوق الفراش مغمض العينين. غادرت زينة الغرفة وهي تدعو الله أن ينهي ما بينهما من شجار. ظل واقفاً مكانه لعدة لحظات ثم اقترب منه ليجلس على الكرسي بجوار الفراش. شعر زيدان به ليفتح عينيه بلهفة قائلاً بحزن: -“باسل”

كان يحاول النهوض إلا أنه توه بالم وهو يضع يديه على قلبه، شعر باسل بالذعر قائلاً: -“خليك مرتاح، أنا جنبك” لا يعرف كيف نطق لسانه بتلك الكلمات، ابتسم زيدان ومعالم الحسرة والندم تعتلي وجهه بوجوم وتعب:

-“حقك عليا يا باسل، أنا عارف إني آذيتك باللي عملته، وعارف إني مكنتش الأب المثالي ليك ولا لأختك ومش هبرر موقفي أنا غلطت في حقك انت ونيرة وزينة ولما حاولت أصلح اللي بينا اتسببت في جرح نور كمان، أنا بس كنت عارف إن هي دي اللي هتعرف تغيرك علشان كدا دخلتها حياتنا” سعل بقوة في نهاية حديثه ليقوم باسل بجذب كوب المياه الموضوع على الكومود معطياً إياه لوالده، أخذه زيدان ليرتشف منه ببطء ثم وضعه جانباً ليقول بدموع وندم:

-“حقك عليا يا ابني والله العظيم حقكم عليا بس اديني فرصة وأنا هحاول أصلح اللي كسرته صدقني أنا محتاجك جنبي يا باسل” اخفض باسل بصره لتأتي على باله بعض الآيات القرآنية التي حفظها منذ فترة قصيرة:

قوله تعالى [وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا]، [النساء:36].

وقوله سبحانه: «قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» [الأنعام:151].

وقوله جل شأنه: «وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ (البقرة: 83)

وقوله: «قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا* وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا* وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا» (مريم: 30 -32)

وقوله جل وعلا: «وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (العنكبوت) وقوله تعالى: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَارًا»، (نوح: 28)

حقاً إن الهدى هدى النفس فاستعن بالله يا فتى. رد باسل بجدية حانية: -“خلينا ننسى اللي فات أنا خالص معدتش فارق معايا كتير، أنت ليك حق عندي وربنا يقدرني وأديه وحقي عندك أنا مستعوضه عند ربنا، وبالنسبة لأمي فانت لازم تصافيها لأن حرام أوي اللي عملته فيها واللي هي استحملته عشاننا.” ربت زيدان على كتفه قائلاً بضعف: -“طب ونور” ابتسم باسل ساخر ليجيب بخفوت:

-“نور ربنا يسعدها مع الشخص اللي يستاهلها، أنا خالص معدتش أفكر في موضوع الجواز ولا عندي طاقة لأي حاجة غير الشغل حالياً وغير إني أفهم نفسي.” ربت على كتف والده بحنان قائلاً بجدية: -“متقلقش على الشغل أنا هظبط كل حاجة وإن شاء الله هرجع الشركة تاني من النهارده” غادر الغرفة دون أن يضيف حرف آخر. بعد مرور أسبوع في منزل عمر بالإسكندرية. وقفت زينب على ذلك الكرسي الصغير لتصبح في مواجهة والدها تقوم بضبط الجرفتة هامسة بإعجاب وشغب:

-“البدلة شيك أوي عليك يا بابا حقيقي لو مكنتش أبويا كنت طلبت الطلاق من صالح وطلبتك للجواز” ضحك عمر بصخب قائلاً بسعادة: -“أبوكي طول عمره شياكة يا بنت، ألف مين تتمناني بس القلب بقى، ها مظبوطة كدا؟ نزلت عن ذلك الكرسي قائلة بغمزة شقاوة: -“زي القمر يا برنس خالي في علمك إنك هتتحسد لازم أرقيك من العين” جذبها عمر نحوه مقبلاً قمة رأسها بسعادة:

-“تعرفي أنا مستني اليوم ده من امتى يا ملك ياااه من أكتر من اتنين وعشرين سنة من أول مرة عيني وقعت عليها وقتها أخدت قلبي وسرقتني من نفسي” ابتسمت زينب بسعادة وحماس قائلة: -“خالص و أهو جه اليوم اللي بتتمناه المهم أوعي أوعي تحاول تزعلها يا بابا أنا بقولك أهوه آه بنتنا لو زعلت هيكون فيها كلام كبير” -“والله” غمزة له بحب قائلة: “والله” بعد مرور نصف ساعة

تدق الطبول وتُعزف الزمامير على أوتار الحبيب الواقف في آخر الدرج ينتظر العروس وعيناه تتوهج بالفرح والحب وهو يراها تنزل برفقة ابنتها وزوجها تتأبط ذراعه بخجل من الموقف، والسعادة تطل من بنيتها الكحيلة البراقة بالحب، كل خطوة تخطوها على الدرج بتمهل يخفق قلبه شوقاً معها وكأنها تسير على حافة قلبه العاشق. وصوت الزفة يكمل جمال المشهد وتأثيره عليهما مع الزغاريد الغالية المنطلقة حولهما من الأحبة حيث يقف شاركهم الكثيرون.

(حبيبة ونور وإيمان وحياء وزينب ومريم وكذلك صفاء نساء المنطقة المقربين من حياء جاء الكثيرون ليشاركوها تلك الفرحة) كانت جميلة اليوم أكثر من أي يوم مضى جمالها راقي بريء كثوبها الأبيض وحجابها الناصع وآه من طلتها بالابيض عليه فقد خطفت قلبه أكثر من السابق وأعجزت حواسه فظل واقفاً مكانه متسمراً ضائعاً في جمالها يتأملها من أول زينة وجهها الرقيقة مع لفة الحجاب الرائعة الذي يراه به لأول مرة.

حتى أطراف تنورة ثوبها المميز والذي يليق بمعذبة قلبه ومعشوقته. إنها هي الحب ولن يكن الحب دونها حباً! رفعت بيلا عينيها عليه وخفق قلبها بجنون وهي تراه يقف عند آخر درجات السلم ينتظرها بحلة العرس الأنيقة والتي ازداد بها وسامة كنجوم السينما وكيف لا وهو يملك من الوسامة ما تجعل قلبها يخفق بضراوة. وكانها صممت خصيصاً له حتى يتمكن من خطف قلبها أكثر من السابق.

انتبهت للبسمة الجذابة على محياه وتوهج عيناه بالحب والسعادة وقد لاحظت باقة الورد الحمراء الصغيرة الذي يحملها بين يديه منتظر قدومها حتى تأخذها منه. لا تعرف لماذا ترقرقت الدموع بعينيها لكنها شعرت أن السعادة في قلبها كانت أكبر وأجمل مما تحتمل. لذا تجمعت في مقلتيها دموع السعادة والشكر لله على تلك النهاية الرائعة فقد جمعها في نهاية بالحلال بمن تحب بعد سنوات عجاف من البعد سنوات تألمت في بُعده.

تأثر الجميع بهذا المشهد وخصوصاً ملك التي تقدمت منها كذلك وظلت في أحضانها لفترة، ابتسمت زينب بسعادة وهي تقبل وجنة بيلا قائلة بسعادة: -“ألف مليون مبروك يا ماما” شعرت بيلا بالنفور من ذلك الزفاف رغم سعادتها لكن تشعر وكأن الموقف سخيف.

تقدم عمرو منها وأخيراً أتى الدور عليه لمباركة زوجته فقدم لها باقة الورد بصمت فاخذتها منه بخجل وتوتر، لتجده يقترب منها ويطبع قبلة على جبهتها طويلة حسية عميقة المعاني جعلتها تغمض عينيها ويخفق قلبها بجنون مع لذة اللحظة. لتجده يبتعد عنها ناظراً لعينيها البنية يأسرها فتركت لعينيها حرية تأمله أكثر من أي يوماً مضى. فكان وسيماً لدرجة ضاعت في نظره للحظة حتى أن خصلاته البيضاء زادت من وسامته وها قد جاء اليوم الذي تمنت لسنوات.

لتجده يهمس بصوتٍ أجش. -“مبروك يا بيلا” ثم مال عليها هامساً بصوت لم يسمعه أحد سواها قائلاً برجاء: -“افرحي يا بيلا علشان خاطري وانسى الماضي وأوعي كلام الناس يأثر فيك لأن محدش فيهم عاش في المرار اللي احنا دوقناه يبقى مش من حقهم ينكدوا علينا في الليلة اللي بنفرح فيها” ابتسمت بيلا وضاعت نظراتها الهائمة به أكثر لتجده في اللحظة التالية يعتقل خصرها بين يديه بحب لتلف كفها حول ساعده.

صفق الجميع لهما وصاح صالح وأصدقاؤه الشباب بتشجيع لهيباً. بينما أطلق ثائر صفير عالٍ وهو يصفق لهما وكذلك علي الذي يقف جواره يتألق ببذلته سوداء أنيقة. اتجهت بيلا معه نحو السيارة إلى القاعة المقام بها حفل الزفاف ليبدأ الاحتفال. في القاعة جلست بيلا بجوار عمر بسعادة وها قد أتى ذلك اليوم الذي تمنته منذ دهر طويل. على إحدى الطاولات التي يجتمع عليها الشباب. نظر صالح لعلي ويوسف قائلاً:

-“لا يا شباب مش هينفع كدا خالص عايزين نولع الليلة دي حمايا برضو” يوسف بغمزة شقاوة وسعادة: -“يبقى لازم نعمل معاهم الواجب ولا إيه يا علي” وافقه علي ليتجه نحو مهندس الصوت ليهمس له ببعض الكلمات. بعد لحظات. وقف صالح في منتصف القاعة وجواره من الناحية اليمنى يوسف ومن الجهة الأخرى يقف علي. اقتربت الفتيات من الشبان الثلاثة. صدحت الأغنية الصاخبة حولهم بدأ الغناء والرقص. (حلوة وبتحلي أي مكان وتنوره

والله ما تلاقوا زيها لفوا الدنيا ودوروا وادى جمالها معدي واللى يشوفه بيقدره والله ما تلاقوا زيها زيها مين بتهزروا……..) مسك عمر كف بيلا متجهاً نحو الشباب وكذلك جلال الذي صعد للتو برفقة حياء. أصدرها عمر عدة مرات وهو يغني مع الأغنية بسعادة. بينما ساد جو من المرح بين الشباب وكذلك عمر لينظر له صالح ثم غمز لها بحب رغم حنقه منه بعض الأوقات ليرد له عمر بابتسامة ليردد صالح الأغنية وهو ينظر لزينب.

“تؤمر تتأمر ما هي دي اللي عليها من مرة طبعاً حقها تدلع، تتدلع قوى، تتمنع…..” مسك صالح كف زينب ورقص معها وهو يشارك في الغناء بمرح ليغمز لها قائلاً: (قصاد الغمزة إحنا تلامذة، قصاد المشية إحنا الحاشية ودى السلطانة وتتسلطن، نغنى معاها ونتسلطن قصاد الغمزة إحنا تلامذه، قصاد المشية إحنا الحاشية ودى السلطانة وتتسلطن نغنى معاها ليل يا عين يا ليل يا عين يا ليل عين يا ليل يا عين يا ليل يا عين)

مسك جلال كفي حياء ونظر لعينيها وهو يردد مع الأغنية بشقاوة وهي تموت خجلاً وسعادة من جمال اللحظة بين يديه وتمنت كثيراً أن يقف عمرها هنا ولو قليلاً ولا تنتهي أجمل اللحظات بينهما ليهمس قائلاً بعشق: (الورد إتنقى بالواحدة عشان خدها يا جماعة مش ممكن لأهدى لا قبلها ولا بعدها مبتدلعش ما هي دلوعة لوحدها الرقة يا ناس رباني رباني يا ناس بُعدها) بأخر جملة ضحكت حياء بقوة وهو أخذ باله من الجملة فغمز لها سراً.

وجواره ردد يوسف باقي الأغنية أمام عينا إيمان والتي كانت تهتف بتناغم وسعادة مع أوتار الموسيقى ليصيح بجنون وهو يرفع يديه. “أنا مش هتكلم أنا رافع إيدي مسلم للقد يا ناس يتدرس منه الغزلان تتعلم ده أنا مش هتكلم أنا رافع إيدي مسلم للقد يا ناس يتدرس منه الغزلان تتعلم……” تبادلا الشباب الرقص فاصبحت بيلا وزينب ومريم وصفاء والفتيات مع بعضهن.

والشباب في الجزئية الأخرى وصياح الشباب كان أعلى وهما يرددون الباقي من الأغنية بحماس وسعادة. “قصاد الغمزة إحنا تلامذة، قصاد المشية إحنا الحاشية ودى السلطانة وتتسلطن نغنى معاها ونتسلطن قصاد الغمزة إحنا تلامذه، قصاد المشية إحنا الحاشية ودى السلطانة وتتسلطن نغنى معاها ليل يا عين ياليل يا عين يا ليل عين يا ليل يا عين يا ليل يا عين” أقترب عمر من بيلا محتصناً وجهها بين يديه قائلاً بسعادة: -“بحبكك….”

ابتسمت بسعادة تنظر للجميع حولها وكم السعادة التي تحيط بها وكل شاب يمسك بيد حبيبه ويرقص على أوتار الموسيقى بتآلف وتناغم. ردت بيلا بسعادة وخجل: -“وأنا بموت فيك يا عمر، بس الشباب قاموا بالواجب حقيقي مكنتش متخيلة إنه هيكون بالجمال ده” أقترب صالح منها قائلاً بسعادة وحب: -“لسه الليلة في أولها يا بيلا يا قمر انتي ليه الجمال ده يا قمر” طبع قبلة على جبين بيلا ليصيح عمر بغضب: -“بتعمل إيه يالا أنت اتهبلت”

ابتسم صالح بخبث واستفزاز وهو يقبل رأس بيلا بحماس: -“إيه هو حلال ليك تبوس مراتي وأنا لأ يا حمايا العزيز ولا إيه، تعرفي يا بيلا انتي النهاردة بجد أجمل واحدة شافتها عيوني إيه الجمال ده” كاد عمر أن ينفجر من الغيظ والغيرة لتقهقه بيلا بحماس قائلة: -“والله انتي اللي قمر يا صالح لو كنت أكبر شوية ومش جوز بنتي أكيد كنت هتجوزك فوراً يا أبو عيون خضراء يا قمر أنت” زمجر عمر بغيرة قائلاً: -“طب ما أجيب لكم اتنين لمون وأمشي أنا”

قهقه صالح وهو يهز كتفه بسعادة تناغم مع الموسيقى ليتجه نحو زينب تاركاً العروسان. كانت نور تجلس على الطاولة تنظر لهم بحزن تمنت لو تراه الآن وتصرخ به بل واحتضنه وتخبره أنها تفتقده منذ أن تركها وكسر قلبها رغم أنها أخبرته أنها ترغب بالبقاء معه لكن لم يبالي بذلك وتركها. أخيراً رفعت عينيها البنية لتقع عينيها على عسليته المهلكة وهو يدلف لداخل القاعة.

وكان هو في غاية الأناقة ببذلة كلاسيكية بعصرية رفيعة باللون الكحلي، كانت رائعة عليه وكأنها صممت إليه خصيصاً. وقد صفف شعره الأشقر الغزير للخلف فأصبح جذاب بدرجة مهلكة. مما جعلها تخفض عينيها بارتجاف بينما تتعالى دقات قلبها. بلعت غصة الانكسار في حلقها وهي تشعر بتجمد أطرافها.

دلف باسل إلى داخل القاعة بخطوات شامخة يبدو في غاية الوسامة، أدار عسليته في القاعة وكأنه يبحث عنها لا يعلم لما يفعل ذلك لكن قاده قلبه إلى البحث عنها، ليجدها تجلس على إحدى الطاولات وحدها تتألق في ثوبها الأزرق الطويل وحجابها الأسود الذي يبرز بشرتها البيضاء الجميلة، اختطف عدة لحظات وهو يتمعن النظر إليها باشتياق أخترق قلبه الملتاع لها.

كانت الصحافة هنا وهناك تقوم بتصوير كل اللحظات في ذلك الحفل الأسطوري الذي يجتمع به أشهر رجل أعمال وأشهر الشخصيات المعروفة بمدينة الإسكندرية. تشنج وجه باسل بحزم وشدة وهو يرى ذلك الشاب يقترب من طاولة نور مبتسماً يمد يده نحوه قائلاً بلهفة: -“تسمح لي بالرقصة دي يا هانم”

رفعت نور عينيها تنظر حوله لتشعر بأنه مألوف بالنسبة لها، وجهت نظرها لذلك الواقف مكانه وعيناه تبعث الشرر، والبخار يتصاعد من أذنيه من شدة الغضب وكأنه ينتظر ردة فعلها. ابتسمت برقة مغيظة له لتضع يديها بيد ذلك الشاب، ليتجه نحو المنصة بجوار الشباب يرقص معها برقة وتناغم على تلك الموسيقى لتسأله نور بهدوء: -“هو إحنا اتقابلنا قبل كدا؟ رد الشاب بتوتر قائلاً:

-“هو أنا كنت شغال مع باسل بيه وشفتك كذا مرة معاه فيمكن تكوني عرفاني اسمي عيسى” أومأت له بلا مبالاة وعينيها تسترق النظر لذلك الوسيم الذي اقترب من المنصة برفقته امرأة أنيقة مثيرة! جزت على أسنانها من شدة الغضب قائلة بهمس: -“جوز الأربعة قليل الأدب، السافل” صعد باسل المنصة مباركاً لعمر ثم نظر لتلك المرأة وأخذ يراقصها بجوار نور وهو يسترق السمع لما تحدثه الشاب به.

بينما كان عيسى يتحدث لنور التي حاولت التركيز قدر المستطاع إلا أن رائحة عطر ذلك الوسيم داهمت أنفها لتجعلها تشعر بالضياع. إلا عندما سألها عيسى بخبث قائلاً: -“نور أنا عارف إنك انفصلت عن جوزك والصراحة عارف إن الموضوع هيكون مفاجئ ليك بس أنا حابب آخد رقم والدك وصدقيني يا نور أنا عارف إنك اتأذيتي منه بس اديني فرصة أعوضك”

ابتسمت دون وعي ليجن جنون ذلك الأشقر معذب قلبها ليصرخ بغضب وهو يدفع الفتاة بعيداً عنه ثم توجه نحو عيسى ممسكاً به من تلابيب قميصه قائلاً بعيون سوداء من الغيرة: -“وعايز رقم أبوها ليه إن شاء الله يا روح أمك” ابتلع عيسى ما بحلقه قائلاً بتوتر: -“كنت هطلب إيديها للجواز والله على سنة الله و…” لم يكمل جملته بينما صرخ باسل بغضب: -“عايز تجوز مراتي يابن ال***…..”

عاجله باسل بلكمة قوية أسفل فكه على أثرها تراجع عيسى للخلف وهو ينظر إليه بوحشية تكاد تفتك به، لكمه باسل مجدداً أسفل عينيه وهو يصرخ به بقوة. -“هتعوضها ها، كل الرجالة أغبية وأنت الذكي بروح أمك” ركله باسل في بطنه وهو يقول: -“كل الرجالة أغبية وأنت الذكي اللي فينا… فين النخوة والمروءة وأنت حاطت عينك على واحدة متجوزة وبتحب جوزها يا غبي…” دافع عيسى عن نفسه ولكم باسل في صدغه. وهو يقول بقرف:

-“إيه مبتعرفش تكلم غير بإيدك معندكش لسان…” تحسس عيسى فكه بيده بغضب وقذف الدماء من فمه وهو يناظر باسل بغضب ثم سأله ببرود: -“أفهم من كده إنكم متجوزين إزاي وانت طلقتها…..” استشاط باسل غضباً من حديثه الفاتر معه بعد كل هذا الضرب، بل ويسأله وكأنه صديقه أو من أفراد العائلة، شهق باسل بازدراء: -“أنت مال أهلك يالا واحد ومراته حصل بينهم مشكلة فجأة كدا تطلعهم أطلقوا”

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...