أنا هنا تائهة وحدي، كل الذكريات السيئة تلاحقني، كيف لقلب ملئ بالغبار أن يُزهر عند رؤيتكَ؟ *** تركض في تلك الغابة المظلمة وحدها، تركض بأقصى سرعة لديها نحو شعاع النور. الغبار يملأ المكان، تلك الأشجار السوداء تدب الرعب بقلبها، حتى تلك البركة ذات المياه الملوثة. تلك الأصوات تجعلها تزيد من سرعتها. شعرها الأسود يتناثر حول وجهها، دقات قلبها وأنفاسها الحارة تتعالى الأصوات. تركض بأقصى سرعتها.
حاولت «زينب» الهروب من ذلك الظلام الذي يلحقها. ما أن اقتربت من النور وجدت نفسها تقف في صحراء خالية من البشر، أمامها البحر وخلفها تلك الغابة، وهي بينهما تقف مذعورة خائفة.
وضعت يديها على أذنيها وهي تصرخ من شدة الألم الذي تشعر به والوحدة التي تعم ذلك المكان. جلست أرضًا على تلك الرمال. وجدت يدي تُمد إليها. رفعت رأسها تنظر له. ملامح حزينة وعيون خضراء مطفية. ظلت تُمعن النظر إليه بارتياب. رفعت يديها لتمسك يده لكن تناثر رماده فجأة واختفى، تلاشى كأنه لم يأتِ.
شهقت «زينب» فجأة بذعر في تلك الغرفة المطلية باللون الأبيض. كانت تتنفس بسرعة وذعر وهي تحاول استيعاب ما يحدث. قبل أن تقوم بإزالة جهاز التنفس الصناعي منافذ تنفسها. دموعها هبطت وهي تدرك أنها نائمة في تلك الغرفة، وكل ذلك كابوس. دخلت الممرضة إلى الغرفة بسرعة. ابتسمت بسعادة قائلة: “حمد الله على السلامة يا مدام زينب، كلهم كانوا قلقانين عليك.” حاولت «زينب» النهوض إلا أنها تأوهت بألم لتضع يديها على بطنها قائلة بفزع ودموع:
“أولادي؟ ربتت الممرضة على كتفها قائلة باهتمام لتهدئ من روعها: “متقلقيش، هم كويسين. إحنا دخلنهم الحضانة بعد الولادة بس الحمد لله كويسين.” سألتها زينب بارهاق وتعب: “إيه اللي حصل؟ فين بيلا؟ وصالح والولاد؟ ردت الممرضة بهدوء قائلة:
“الولاد بخير الحمد لله وهما مع بشمهندس صالح في الأوضة اللي جنبنا دي مع الولاد. إنتِ جيتي المستشفى من أكتر من أسبوعين في حالة ولادة مبكرة. كنتي خلفتي في مستشفى المنصورة، وللأسف لأن الولادة كان فيها إجهاد كبير فقدتي الوعي واتشخصت غيبوبة مؤقتة. مدام بيلا كانت هنا لكن نزلت الكافتيريا مع عمر بيه والد حضرتك.” لمعت عيون زينب بالدموع قائلة بلهفة: “بابا؟ أنا عايزة أشوف صالح والأولاد.” أومأت لها الممرضة بالموافقة قائلة بهدوء:
“هروح أقول للدكتور ولصالح بيه.” كادت أن تغادر إلا أن زينب قالت بجدية: “خديني لصالح، أنا كويسة وهقدر أقوم.” ساعدتها الممرضة في النهوض. كانت تتحرك ببطء وتعب، لكن رغم ألمها كان قلبها متلهفًا لرؤية أطفالها وزوجها. وكم اشتقت له. كانت بين كوابيسها المظلمة تفتقده وتفتقد دفء أحضانه، تفتقد شعور الأمان. ***
في نفس التوقيت، دلف عمر إلى ذلك الممر الطويل متجهًا نحو غرفتها، رغم شعوره بالحزن وقلبه الذي يتألم. كم يتمنى أن يغمرها بحبه الذي افتقدته طوال حياتها. خرجت زينب من الغرفة. رفعت رأسها تنظر لذلك الذي يقترب منها بخطوات ثابتة واثقة وهيمنة شخصيته تغلفه. ازدادت نبضات قلبها حتى كادت أن تسمعها. أفلتت يديها من يد الممرضة وهي تتجه نحوه، وعيناها الرمادية التقت من رماديته الجميلة.
شعر عمر بارتجاف أوصله كلما اقتربت المسافة بينهما. أي ليت لم يُكتب علينا الفراق. تراكمت طبقة طفيفة من الدموع بمقلتيهما. وقفت زينب أمامه وعيناها تشمله بنظرة متألمة. عيونها ذرفت الدموع على غير هدى وهي ترى عمر يفتح ذراعيه لها. ألقت بجسدها بين ذراعيه تشهق بذعر وهي تتشبث به بقوة. ظلت يديه معلقة في الهواء وهي تتمسك به بقوة. انسابت دموعه قبل أن يضمها بقوة حتى كاد أن يدفنها بين ذراعيه قائلاً ببكاء وقلبه يكاد يبكي:
“حقك عليا يا ملك، والله العظيم حقك عليا وعلى قلبي. يشهد رب العالمين إني كنت بتعذب. عمري ما تخيلت إن أقرب الناس ليا هما اللي يطعنوني في قلبي وياخدوكِ مني. لسه فاكر أول مرة شيلتك فيها بعد ما اتولدتي. وقتها حضنتك وقلبي ارتعش. هو نفس الشعور اللي أنا حاسس بيه دلوقتي. فاكر أول مرة سمعت نبضك. وقتها كنت خايف معرفش أبقى أب كويس ليك، لكن ربنا حرمني منك قبل حتى ما أشوفك. حقك عليّ إني وثقت في ناس موتى كان حلمهم وفلوسي كانت آمالهم. لو كنت أعرف إن الفلوس قصدها بُعدك عني، والله كنت رميتهالهم بدون لحظة تفكير.”
أغمضت زينب عينيها بتثاقل وتعب قائلة: “عارف أنا كم مرة احتجت ليك بجد؟ عارف كم مرة خفت من كلام الناس؟ عارف كم مرة خوفت أكون بنت حرام؟ صرخ عمر بحدة وهو يربت على ظهرها بحنان:
“كدب وافتراء. أي واحد يقول كلمة وحشة في حق بيلا يبقى معندوش دين. يعلم ربنا إني مقربتش منها إلا وهي على ذمتي وبعلم أهلها وأخواتها وجدتها وأمام ربنا والناس. كانت مراتي وحبيبتي وأنتِ كنتي أغلى ما عندي وهتفضلي حبيبتي الحقيقية. أنا تعبت لسنين طويلة أوي. كنت لوحدي لا عرفت أنسى بيلا ولا قدرت أتخطى بُعدك. وفكرة إنك مُتِ كانت بتقتلني بالحياة، لكن خلاص ما عادش في بُعد تاني ولا وجع. هنرجع تاني أنا وأنتِ وهحضنك وأطبطب على قلبك لما تزعلي، وأنتِ هتفضلي معايا ومش هتبعدي تاني أبداً.”
رفعت ملك رماديتيها تنظر له. مرت يديها على ذقنه الخفيفة قائلة بدموع وخوف: “أنا عندي أم وأب مش لوحدي ومش هبقى لوحدي تاني، مش كدا؟! سألته بخوف ورجاء يجعل القلب ينفطر لأجلها. حاوط عمر وجهها بين يديه مقبلاً قمة رأسها بحنان: “مش هتبعدي تاني ولا هتكوني لوحدك مهما حصل. كفاية كل السنين دي، كفاية أوي.”
كادت أن تسقط مع شعورها بالدوار. بينما قام عمر بحملها. كم رسم بعقله ذكريات جميلة بالماضي. بنى عالمًا بأكمله لها. كان يحلم بأن يكون أبًا لها. تمنى حملها واللعب معها، تمنى أن يحيا معها شبابه وطفولتها. إلا أن القدر كان له رأي آخر. أسندت برأسها على صدره لا تخشى شيئًا. وكيف تخشى بعد أن وجدت عائلتها؟ كل الدموع التي انهمرت على وجنتها كانت سبيلها للراحة. لكن الآن تلك الدموع ما هي إلا سعادة.
وضعها عمر بالفراش وجذب الغطاء عليها قائلاً بسعادة: “بيلا هتفرح أوي أوي لما تعرف إنك فوقتي.” ردت زينب بسرعة وفزع: “بابا، أنا عايزة أولادي.” تنهد براحة ثم مال عليها مقبلاً وجنتها قائلاً: “هجيبهمالك.” أومأت له ليخرج من الغرفة. وضعت يديها على عينيها وهي تبكي، لا تعلم لماذا، فقط هو شعور بالسعادة يغمرها بضراوة. ***
في الغرفة المجاورة، كان صالح ينام على كرسي بجوار الفراش ويستند برأسه على حاجز الفراش الذي عليه أطفاله الثلاثة ينامون بهدوء. ثلاثة أطفال وكأنهم ثلاث ملائكة. النظرة لوجههم تعطيك الكثير من السعادة والراحة. بينما وضع يديه على الفراش، فأخذت فتاة منهم تمسك بإصبعه وهي نائمة براحة، وهو كذلك.
فتح عمر باب الغرفة ودلف إليها بهدوء. أخفض بصره ينظر لصالح بنظرة مبهمة. شعر ببعض الارتياح نحوه رغم شعوره بالغضب منه فيما قبل. ربما لأنه تمنى أن يختار زوج ابنته بنفسه، يختار شخصًا يثق به ويعرفه. لكن ذلك المشهد الذي يراه أمام عينيه، وخوفه عليها في الفترة الماضية واهتمامه بها جعله يشعر ببعض الارتياح نحوه. رفع يديه ليوقظ صالح قائلاً بجدية: “صالح، صالح.” عقد ما بين حاجبيه بنوم وهو يفتح خضراوتيه قائلاً بفزع:
“زينب حصلها حاجة؟ “بعيد الشر، الحمد لله فاقت.” خفق قلبه بضراوة والتعت عيناه بلهفة ليقول برجاء: “فاقت… أخيرًا.” سحب يديه برفق من قبضة الصغيرة ثم غادر الغرفة دون تمهل. دلف بسرعة إلى الغرفة المجاورة حيث توجد زينب (ملك) . كانت مغمضة العينين تبكي كلما تذكرت ما مضى.
إلا أن دخوله المفاجئ جعلها تفتح عينيها، وما أن فتحتهما وجدته يجلس بجوارها. جذبها نحوه محتضنًا إياها بقوة لتندس بين ذراعيه تشعر بالأمان والحب. رغم أنه لم يعرف هويتها، إلا أنه أحبها كما هي. أحبها هي. لم يحاسبها على شيء ليس لها يد به كما فعل الناس. هو أحب روحها البريئة. لم يكترث بكلام الناس عنها، فقط أرغم قلبه على حبها.
لم يعايرها يومًا بأنها لقيطة أو ما شابه، فقط انغمس في عشقها وأحب الحياة برفقتها. عاملها وكأنها فعلاً وصية الرسول صلى الله عليه وسلم. كادت أن تختفي بين ذراعيه ليقول بصوت متحشرج أثر مشاعره: “هونت عليكِ وهان عليكِ قلبي توجعيه.” لم تستطع الإجابة. في حين دفنت وجهها بعنقه وشعرها يتناثر. بينما لطخت الدموع وجهها. تشبثت بعنقه بقوة حتى أنها لم تستطع قول كلمة واحدة من بين شهقاته. رد صالح بطريقة لم تعهدها من قبل قائلاً بلهفة:
“قبل أن ألقاكي ظننت أني أغلقت على قلبي ألف باب، ولكن أتيتِ أنتِ فجعلتيه متمردًا وأعلن الخضوع لكي. كأنك قد رويتِ ضلوعي عشقًا فبات قلبي متيمًا بكِ.” مر الوقت دون الاهتمام كم مر عليهما. فتحت زينب رماديتيها قائلة بلهفة: “لا هان عليا قلبك ولا هان عليا إنك تتوجع، لكن أنا تعبت يا صالح، وخايفة، خايفة من الدنيا اللي عمالة تديني فوق دماغي وخايفة من اللي جاي.” وضع يديه على فمها يمنعها من الاسترسال قائلاً بثقة:
“مش مهم والله مش مهم. مش مهم أي حاجة أياً يكن اللي جاي مش مهم. مش مهم لو طلعتي بنت ذوات ولا بنت بلد، لأن القلب دق وأعلن عليكِ عشقه. سواء كنتِ بنت عمر الرشيد، فهتكوني بنت ذوات. أو سواء كنتِ زينب بنت البلد اللي مفيش زي قلبها. أنتِ مراتي وحبيبتي وأم أولادي. مش هنتكلم في أي حاجة خالص. سيبك من اللي فات، ارميه كله وراء ضهرك وخليك معايا. عارفة في الأسبوعين اللي فاتوا كنت خايف أوي. كنت خايف كل ما واحد من الأولاد يعيط ومعرفش
أعمله حاجة وأنا عارف ومتأكد إنه محتاجك أنتِ ومحتاج حضنك. زينب أو ملك، أياً كان. أنا وهما مش هنعرف نكمل من غيرك، ولو كملنا هيبقى صعب ومليان وجع. خليك معانا. يشهد ربنا إنك أول واحدة قلبي يدق لها بالطريقة دي. أول واحدة تخطف مني راحتي. أنا عايزك وعايز أكمل معاكي حياتنا ولآخر نفس.”
مع كل حرف وكل كلمة صادقة قالها كان قلبها يخفق وبشدة ودموعها تتلألأ. رفعت يديها تمسح دموعها وهي تومئ له بالموافقة. تنحنح عمر وهو يدخل الغرفة يحمل بين يديه أحفاده. أخذت زينب نفسًا عميقًا حتى انحبست أنفاسها. وهو يقترب أعطاها الفتاتين بينما أخذ صالح الولد منه. ظلت تنظر لهم بعيون باكية ولهفة. بينما الصغيرتان تحدقان بها بطريقتهما الطفولية والعفوية. رفعت إحداهما يديها تلمس وجنة زينب. انسابت دموعها قائلة بحنان وهي
تقترب من صالح تنظر لابنها: “بسم الله ما شاء الله، شكلهم حلو أوي يا صالح.” ابتسم صالح بسعادة قائلاً: “بيلا وحياء، إيه رأيك؟ رفعت رأسها تنظر إليه. ابتسمت قائلة بحب: “تعرف إن أسماءهم مميزة وجميلة. طب والولد؟ رد بهدوء قائلاً: “اختاري أنتِ اسمه.” “يونس، أنا بحب الاسم ده.” صمت صالح للحظات ثم اتسعت ابتسامته قائلاً: “يونس صالح جلال الشهاوي. ربنا يبارك فيهم يا زينب.”
كان عمر يتابعهما بوجه خالٍ من التعابير، لكن سعادته حقًا تكمن بقلبه. خرج من الغرفة بهدوء. *** في الكافتيريا، تجلس بيلا بجوار مريم التي تصالحت معها مؤخرًا، وصفا التي كانت تتحدث بينما الأخرى لا تستمع لها. كانت شاردة الذهن وعقلها يسترجع كل الذكريات من بداية لقائها بعمر في قصر الرشيد إلى ذلك الوقت.
تذكرت أول مرة التقت به وأول مشاجبة بينهما. تذكرت تناولهما الطعام معًا وذلك المبلغ ألف جنيه. تذكرت والدها وجدتها، وحفلة الخطبة التي كسرت قلبها، وأيضًا كيف تزوجته. أول مرة استمعت فيها لنبضات قلب طفلتها. والجزء الأسوأ في الحكاية حين انقلبت حياتها رأسًا على عقب بسبب أفعال تلك الحية. والآن حال ابنته. لا تدري كيف أنسابت دموعها من مقلتيها. لاحظت مريم شرودها لتقول بجدية وخوف: “بيلا، أنتِ كويسة؟ فيكِ حاجة؟
لم تستطع التحدث. بينما وضعت يديها على وجهها في حين تعالت صوت شهقاتها وازداد توهج وجهها الأحمر. كانت تبكي بفزع، تغمغم ببعض الكلمات غير المفهومة. نظرت صفا لمريم بارتياب. بدلتها إياه ثم وجهت نظرهما نحو بيلا. حتى كادت صفا أن تسألها عن سبب بكائها، لكن مع دخول عمر، بطلته المسيطرة على الجميع، صمتت صفا وقررت الانسحاب هي ومريم.
عقد عمر ما بين حاجبيه وهو يخرج يديه من جيب بنطاله. وجه بصره نحو تلك القابعة على كرسيها مغطية وجهها بيديها. تلاشت المسافة بينهما ليقف عمر يحاول أن يستشف سبب بكائها. مرت بضعة ثوانٍ فيها كاد قلبه أن يتمزق. جلس أمامها على ذلك الكرسي المقابل لها قائلاً بخوف: “بيلا، كفاية دموع الله يرضى عليكِ. كفاية دموع لأن قلبي بقى يوجعني وأنا شايف دموعك.” رفعت وجهها له لتقول من بين دموعها واتجاه قلبها:
“إحنا السبب يا عمر. كان ممكن تكون بينا. كان ممكن تكون عايشة حياة أفضل من اللي عشتها. بنتي أنا، رغم كل اللي أملكه واللي أنت تملكه، اترميت في الشارع. رغم كل حاجة، بابا كان عنده حق يبعدنا. جايز كان شايف إن العلاقة دي فاشلة. هو كان عنده حق. يمكن لو ما عنادنا كانت كل حاجة هتبقى كويسة. كان ممكن يكون لينا أمل نعيش سوا في النور. كانت هتبقى عايشة دلوقتي مش بين الحياة والموت.”
رغم أن حديثها منطقي وحقيقي، إلا أنه شعر بالحزن ليقول بنبرة جامدة عكس ما بداخله: “أنتِ ندمانة على جوازنا يا بيلا؟ رفعت رأسها تنظر إليه مجيبة بصدق:
“خايفة أقول أه تزعل مني وتفكر إني محبتكش، لكن يعلم ربنا إن الحقيقة إني حبيتك وكنت موافقة أكمل معاك الطريق ده بكل مشاكله. لكن لو كنا أنا وأنت بس اللي بنأسي فيه، لكن فيه بنت في النص بينا اتأذت واتوجعت. أنا ندمانة على الشكل اللي اتجوزنا بيه. بابا لما رفضك أول مرة، كان ممكن يوافق تاني أو تالت، أو على الأقل نبعد ومننجرحش أوي كده. يمكن لو كان جوازنا بمعرفته مكنتش عصمت تعمل اللي عملته ده.” قاطعها عمر بحدة وصرامة مخيفة:
“اللي قلبه مليان سواد ميفرقش معه في النور ولا في الضلمة. عصمت حتى لو كان جوازنا رسمي قدام العالم كله، كانت وقتها برضه هتحاول تأذينا. وللأسف هي عرفت تأذيني في أغلى ما عندنا. شوفي يا بنت الحلال، أنا هفضل أحبك لحد الموت. ولو العالم كله وقف قدامي عشان أبطل أحبك مش هيقدروا. علشان كده عايزك تكوني معايا بس المرة دي في النور قدام الكل. أنتِ وملك وأحفادنا، فاهمة؟ بدون خوف من أي حد.” ابتسم برفق قائلاً بابتسامة عابثة:
“طب يالا بقى؟ مش عايزة تشوفي زينب؟ مش عايزة تقعدي مع بنتك؟ استقامت فجأة قائلة بارتباك: “هي فاقت؟ وضعت يديها على شفتيها بحركة مباغتة له، ليقول بهدوء: “فاقت، يالا بينا.” نهض هو الآخر أمسك يديها، بينما كانت تسير بخطوات مسرعة على غير هدى. قلبها هو من يقودها. تلاشى كل شيء فجأة. كل الحزن. فقط تتمنى لو تلاشت أيضًا المسافة بينهما والتقت بها محتضنة إياه.
مرت عدة دقائق. وضعت يديها على مقبض الباب. فتحته بسرعة دون الانتظار لحظة أخرى. تراكمت الدموع في عينيها وهي ترى ملك تجلس بجوار صالح وهي تحمل ابنتها. تمنت للحظات لو كانت تحظى بمشهد كهذا بموافقة أبيها. نهض صالح بهدوء وخرج من الغرفة، تاركًا لهما مساحة للتحدث. خرج عمر خلفه، يعلم أن تلك اللحظة خاصة من نوعها. فقط هي من حق بيلا التي حُرمت من ابنتها الوحيدة لسنوات. نظر صالح لعمر بهدوء دون أن يتحدث.
اقتربت بيلا من ملك بارتجاف. جلست بجوارها حتى أن زينب لم تتحدث بكلمة. لكن لم تستطع الامتثال للصمت لوقت أطول من هكذا وهي ترى بيلا تبكي وتضع يديها على وجهها كعادتها عند البكاء والحزن. رفعت يديها لتمسك بكف أمها. حاوطت وجهها بابتسامة مشرقة وأصابعها تمتد لتمسح دموعها قائلة بحب:
“ممكن تبطلي عياط عشان أنا كمان هعيط. وأنا عيطت كتير أوي في حياتي من وقت ما كنت طفلة. لكن أنا خلاص مبقتش طفلة. كنت مؤمنة إن هيجي يوم وأفرح وألاقي بيتي. كنت بس مستنية معجزة في حياتي. محدش كان مصدق إني هلقيها، لكن أنا كنت مؤمنة. معجزتي الحقيقية كانت صالح. وفجأة كل حياتي اتغيرت. وبعد كده عرفتك. إحساسي وأنتِ واخدهني في حضنك كان كفيل إني أبقى كويسة. ودلوقتي أنا وأنتِ مع بعض. أنا كنت محتاجاكِ أوي يا ماما أوي. أنا مكنتش
عايزة أي حاجة غير حضنك. ومن بعد كده مكنتش عايزة حاجة. أنا عارفه إنك اتعذبتي واتعبتي في حياتك. لكن خلاص يا ماما عشان خاطري أنا. أنا تعبت من الدموع وقلبي فاض بيه الوجع. أنا بس محتاجاكِ معايا تعلميني إزاي أربي أولادي. أنا مش عايزة أشحت الحب من حد تاني. كفاية إنك تكوني معايا والله العظيم كفاية عليا.”
أنهت حديثها وهي تشعر بدموعها على وجنتيها. أبعدت يديها عن زينب تمسح دموعها وابتسامتها تزين وجهها. أما بيلا جذبت ملك لحضنها وأغمضت عينيها. ظلت لوقت طويل هكذا. ظلت تفتقدها لسنوات مريرة ومؤلمة. صدح بكاء أطفالها لتبتعد بيلا عنها وهي تنظر لهم بسعادة ممزوجة بالدموع قائلة: “بسم الله ما شاء الله، حلوين أوي يا ملك. هتسموهم إيه؟ ردت زينب وهي تحمل إحداهم قائلة بابتسامة: “يونس وحياء وبيلا.”
ابتسمت بيلا بحنان وهي تمرر يديها على وجنة ابنتها. ثم نظرت للأطفال بهدوء ونظرة اشتياق لاحظتها زينب. تنهدت براحة قبل أن تضع طفلها بين يدي والدتها قائلة بحب: “شيليه، هو صغير أوي.” لمعت عينيها بطبقة طفيفة وهي تضع يديها تحت رأسه الصغير. وهو يغمض عينيه بنعاس. شعرت بانتفاضة قلبها وهي تضم حفيدها لقلبها. هو الشعور الأجمل بالحنان والدفء. اقتربت من زينب تضمها بسعادة وبيديها الأخرى تحاوط يونس. قبلت أعلى رأسه قائلة بحماس:
“لازم نعمل لهم سبوع كبير ونشتري سوا هدوم ليهم ولعب كتير أوي. هنشتري كل حاجة سوا.” أومأت ملك بسعادة وهي تمحو بقايا الدموع عن وجنتيها قائلة: “حاضر، هنعمل كل حاجة سوا.” ردت بيلا بسعادة وكأنها عادت لشبابها الضائع: “لازم أعرفك على محمود ومريم إخواتي. وكمان عمتك صفا. هما كمان هيحبوكي أوي أوي يا زينب.” *** في نفس التوقيت، صدح صوت طرقات على الباب لتسمح بيلا للطارق بالدخول. ابتسمت حياء برفق وهي تدخل الغرفة قائلة بمزاح:
“أخيرًا! وحشتني أوي أوي يا زينب. كل دي غيبوبة يا بنتي؟ لو بتختبرينا مكنتيش هتغيبي عننا كل ده. ألف حمد الله على السلامة.” قبلت رأسها لتجيب زينب بحب: “الله يسلمك يا ماما. تعرفي إنك واحشاني أوي أوي كمان وكلكم وحشوني. إيمان وعمي جلال وعائشة وطنط شهد، كلكم وحشتوني أوي.” ردت حياء باهتمام: “المهم إنك معانا خالص يا زينب. إيه الجمال ده يا بيلا؟ بس مش لايق عليك الدموع خالص.” مدت أناملها تمسح بقايا الدموع قائلة بحماس:
“عايزين بقى نقعد مع بعض كتير أوي. في حاجات كتير لازم نتكلم فيها ونعملها سوا. وكمان لازم ننزل نشتري حاجات كتير سوا. ياه، أخيرًا أنا وشهد هنلاقي حد كمان نغيظه.” ابتسمت بيلا قائلة بحب وامتنان: “شكرًا يا حياء. من قبل حتى ما أعرف إن زينب تبقى ملك، وأنتِ كنتي دائمًا تزوريني. ودلوقتي وبعد اللي عملتيه مع ملك، أنا لو طلبتي عمري هديهولك من غير تفكير.” ردت حياء ببساطة وهي تهز كتفها بلا مبالاة طفولية:
“سيبك من كل ده. أخيرًا هقدر أعمل حماة مفترية عليكي يا زينب. ياااه، منتهى السعادة.” قالتها بنبرة مرحة جعلت الاثنتين يضحكان. في حين حملت حياء حياء الصغيرة وهي تدندن إحدى الأغاني الأجنبية. في تلك اللحظة شعرت زينب بأن الله جبر قلبها وخاطرها. وعَذَلْتُ أهْلَ العَشْقِ حتى ذُقْتُهُ فعجبتُ كيفَ يَموتُ مَن لا يَعشَقُ. ***
في أحد المساجد بالإسكندرية. ابتسم باسل بحزن وهو يدلف لداخل المسجد بعد معاناة طويلة مع نفسه. فقد قادته الطرقات إلى ذلك المكان. ربما يكون تأخر، لكنه وصل أخيرًا. توجه نحو مكان الوضوء ثم عاد بعد وقت إلى حيث يصلي الناس كلهم في اتجاه القبلة. بدأ في أداء فرضه يشعر بثقل ضخم يطبق على قلبه. يشعر بالحزن والاضطراب والوحدة. فقط هو فقد نفسه بين دروب الحياة. والآن يتمنى لو جمع شتات قلبه وروحه. أين يذهب؟
في حين أغلق كل أبواب الماضي. لم يكن أمامه سوى ذلك الباب المفتوح دائمًا ولا يغلق في وجه أي شخص، لأن الطريق لا يحتاج لوسيط أو لمفتاح، فقط يحتاج إلى قلب صادق. أنهى صلاة فرضه ثم جلس. ساد الصمت حوله، لكن لم يشعر بذلك. فقط هناك نزاع بين شقي قلبه وعقله وهو بينهما ضائع. ابتسم شيخ المسجد وهو يجلس بجواره. وهو رجل يبدو في نهاية العقد السادس من عمره، بشوش الوجه. “اذكر الله.” رفع باسل رأسه ينظر لذلك الرجل ليكمل الآخر ببشاشة:
“طول ما أنت فاضي اذكر الله. ذكر الله حماية وحصن من أبواب الشيطان. جواب سؤالك موجود جواك وفي كل ركن في المسجد هنا.” ضيق باسل المسافة بين حاجبيه قائلاً بارتياب: “سؤال إيه؟ رد الآخر ببساطة وحلم:
“القاعدة اللي أنت قاعدها دي والحيرة اللي جواك واللي جابتك برجليك لحد هنا. الله وحده أعلم بسببها. لكن اللي بيجي هنا بيكون عايز يرتاح. شوف يا ابني، أنت صغير وباب ربك دائمًا مفتوح مبيتقفلش قدام حد. شغوف وعنده إيمان به. طب تعرف الخير كله موجود في قلب الإنسان زي ما الشر كمان موجود. لكن هو بعزيمته يقدر يوجه نفسه ويقومها. يقع ويقوم.” رد باسل بهدوء قائلاً:
“بس أنا تعبت. تعبت. دورت على الدكاترة النفسيين. دورت على الحب. قلت يمكن أقدر أنسى اللي تعبني وأتعافى. لكن لسه تايه وخايف.” ربت العجوز على كتفه باهتمام قائلاً:
“الدنيا دار ابتلاء. لازم تتعب عشان لما تقوم تحس بحلاوة ولذة التعافي. مع إن مفيش حد منا كامل. الكمال لله وحده. لكن ربنا بيرزق الإنسان سكينة ولطف في قربه. قرب من ربنا وأنت هتعرف إن الحياة في قربه لذة. سامح اللي وجعوك وبلاش تجرح اللي حبوك من قلبهم. دور بين الدروب على اللي ضايع منك وانسى الكره. سامح وبلاش توجع أو تجرح أو تكسر بقلب حد لأن ربنا ميحبش كسر الخواطر والقلوب.”
ابتسم باسل بهدوء ولاحت عليه ذكرى نورهان. لم يشعر بالحزن تجاهها. لم يشعر بالألم من فراقها. رد العجوز قائلاً بابتسامة: “ابدأ بكتاب الله العزيز. فيه كل الأجوبة على كل اللي بيدور جواك. وإن شاء الله تلقى اللي ضايع منك.” تركه ثم غادر المكان. في حين بقى باسل يفكر فيما قاله. ربما هو محظوظ. حتى أن كان الحب يعافي المرء. لكن من وضع الحب في قلوبنا يستحق منا أن نتقرب إليه. لأن المرء يتعافى بقربه من الله. ***
بعد مرور ستة أيام. عاد صالح وزينب برفقة عمر وبيلا إلى الإسكندرية. وعادت الحياة إلى منزل آل «الشهاوي». أما عمر وبيلا فقد بقيا طوال الفترة الماضية برفقة زينب. حتى أنه أصر بالبقاء معها في منزلها هي وصالح. وأمر صالح بالذهاب لمنزل والده. في البداية رفض صالح الأمر وبشدة ورفض تحكمات عمر. إلا أن جلال أرغمه على الموافقة ليعطي لزينب وبيلا الفرصة للتقرب من بعض.
توجه صالح نحو شقة والديه بملامح وجه هادئة مرتخية. دلف الشقة فوجد والديه يجلسان سويًا وهما يمازحان بعضهما. تبدلت ملامح وجهه إلى أخرى غير راضية. ثم اقترب منهما وفجأة ارتمى على الأريكةِ يفصل بين جلوسهما معًا. طالعه جلال بتعجب وهو يقول بنبرةٍ ساخطة: “ده إيه ده إن شاء الله؟! قوم خش أوضتك يا حبيبي.” رد صالح عليه هو بنبرةٍ مقررة:
“مش قايم، وهفضل زي العَزول بينكم كده عشان تحس بيا وأنا مراتي معايا في نفس البيت ومش عارف أشوفها.” تدخلت والدته تقول بنبرةٍ امتزجت بضحكاتها: “يلهوي يا صالح أنتَ لسه زعلان؟ خلاص بقى حصل خير وهي مش بعيدة عنك يعني، دي مع أمها في شقتك فوق.” طالعه هو بملامح وجه ساخطة وهو يقول بتهكمٍ: “يا سلام؟! طب ما هي كانت معايا في أوضتي لازمتها إيه من الأول بقى؟ مش عارف اللي اسمه عمر ده ظهر لي من أي مصيبة.” رد عليه والده بنبرةٍ
مشفقة على حال بيلا: “عشان بيلا يا صالح. كان نفسها تنام في حضن بنتها. أنتَ بنفسك ما صدقت زينب تبقى معاك. ما بالك هي بقى اللي بقالها سنين بعيدة عن بنتها؟ زفر بقوةٍ ثم عاد بجسده للخلف. فوجد والده يقول مقررًا: “قوم نام يلا عشان بكرة عندك شغل كتير في الوكالة. أنا هفضل معاهم هنا عشان الحاجات اللي هيحتاجوها للسبوع. يلا قوم.” رد عليه هو مُعاندًا: “مش هقوم وهقعد مع أمي وهحضنها كمان. قوم أنتَ يا بابا.” رد جلال بتهكم:
“نعم يا عين أمك؟ قوم يالا أدخل جوة.” رد عليه هو بنبرةٍ مقررة لا تقبل النقاش: “لأ مش داخل وهو عِند معاك. وكلمة كمان هاخد ماما ونروح بيت جدتي نقعد هناك يومين حلوين ونسيبك تبكي على الأطلال.” رد عليه والده بحنقٍ: “خلاص خليك مرزوع لحد ما تنام مكانك. أنا مالي، أنتَ حر.” ابتسم له باستفزازٍ ثم رفع ذراعه يحتضن حياء وهو يقول معاندًا له: “تعالي في حضني يا حُبي. هيبقى لا أنتِ ولا مراتي؟ تيجي تنامي جنبي النهاردة؟
قبل أن ترد عليه بوجهها المبتسم رد عليه والده بحنقٍ: “أنتَ هتستهبل يالا؟ تنام فين؟ شكلك اتجننت.” رد عليه بلامبالاة: “أمي وهتنام في حضني، فيها إيه؟ ولا هو حلو ليك أنتَ بس يعني.” قبلت والدته وجنته ثم قالت تمازحه: “حبيب قلبي يا ناس. ربنا يباركلي فيك ويسعدك يا حبيبي.” احتضنها وهو يراوغ حاجبيه لجلال الذي سخر منه وهو يقلد طريقته. و في تلك اللحظة خرجت إيمان من غرفتها برفقة يوسف الذي قال بتهكمٍ حينما رأى وضع صالح ووالدته:
“ده اسمه إيه إن شاء الله؟ مش مكسوف على طولك؟ طب حتى يا جدع اعمل حساب إن عندك عيال.” ردت عليها حياء بحنقٍ: “أنتِ مالك يالا. هو حاضن أمه. مزعل نفسك ليه؟ رد عليه بلامبالاة: “أنا مالي. خليه يحضنك. ماهو يعيني من ساعة ما بيلا خدت منه زينب وهو مش طايق نفسه.” رد عليه صالح هو بنبرةٍ هادئة:
“قول لعمك بقى عشان مش مصدق. قال إيه سيبها يا صالح تبات مع أمها. طب ما أنا بسببها بالنهار وبروح الشغل. خليها معاها بالنهار لا بليل كمان لازم تفضل معاها.” ابتسم يوسف بشماتة وحب أخوي نقي: “ياه، صعبت عليا يا صلوحة. حقيقي هعيط من التأثر. تعالي بقى يا إيمان عشان عايزك في موضوع مهم جدًا.” عض صالح على شفتيه بغيظ قائلاً: “عجبك كده يا حج؟ الواد ده يشمت فيا كده.”
ابتسم جلال بخفة وهو ينهض من فوق الأريكة جاذبًا حياء من يديها قائلاً بنبرة مغيظة: “تصبح على خير يا صلوحة. يالا يا قلبي عشان هموت وأنام.” نظر له صالح بحدة وهو يراه يدلف لغرفته. جلس متربعًا على الأريكة قائلاً بنرفزة: “خدها يا خويا خدها وأنا هفضل قاعد كده لوحدي كتير. طب أدعي عليك ويقولوا الواد اتجنن. بيدعي على أبوه.” ***
في شقة صالح، ابتسمت بيلا بسعادة وهي تجلس على الفراش بعد أن نام الثلاث أطفال براحة. وضعت الوسادات من حولهم بحماية. ثم نهضت من فوق الفراش متجه نحو الأريكة. قامت بتشغيل التلفاز على إحدى أفلام ديزني. في نفس توقيت خروج زينب من الحمام بعد أن بدلت ثيابها إلى بجامة قطنية مريحة وأخذت حمام دافئ تريح أعصابها من عناء اليوم مع أطفالها. ابتسمت بهدوء لتقول بنبرة مريحة:
“أخيرًا نامت. أشك إن البنت دي تطلع هادية. حاسسها هتبقى شقية أوي.” ردت بيلا بحماس قائلة: “وطي صوتك. تعالي نتفرج على التلفزيون سوا.” جلست زينب بجوارها قائلة بهدوء وخجل: “هو صالح نازل ينام تحت؟ لكزتها بيلا في كتفها قائلة بمرح: “أيوه نازل. إيه زعلانة؟ تورّدت وجنتيها بحمرة الخجل قائلة بخفوت: “لا أبداً، بس صعبان عليا أصل. من يوم ما رجعنا اسكندرية وهو بينام تحت لوحده والولاد حتى مش بيقعد معاهم.” ردت بيلا بخبث:
“يعني مش وحشك؟ صمتت واتسعت ابتسامتها لتقول بعد لحظات: “بصراحة وحشني أوي يا ماما. بس ياله خليه ينام لوحده عشان يعرف إنه في نعمة.” ضحكت بيلا بخفة في حين خجلت زينب. بينما صدحت طرقات الباب ليدخلها عمر بعدها إلى الغرفة وهو يحمل طبق كبير من الفشار وبعض المقرمشات والشكولاته قائلاً بمرح: “يالا يا بيلا شغلي فيلم وبلاش الكرتون.” ابتسم وهو يغمز لزينب ثم وضع الأطباق على الطاولة ليجلس بجوارهما على الأريكة. مال على بيلا قائلاً
بهمس: “مساء البسبوسة. ممكن بوسة.” أخفت بيلا ابتسامتها سريعًا قائلة بخجل: “عمر البنت قاعدة. بطل قلة أدب.” ثم صاحت بصوت مسموع: “كويس إنك عملت فشار. يالا اختاروا هنتفرج على إيه.” وضع عمر يديه على كتف زينب قائلاً بحب وهو يتناول الفشار: “أي حاجة تافهة.” نظرت له بطرف عينها قائلة بحدة: “مُحبِط.” “بقولك إيه عايزين نحدد معاد الفرح.” ردت زينب بحماس وسعادة:
“بجد فكرة حلوة أوي يا بابا. إيه رأيكم بعد أسبوع. بكرة سبوع الولاد. نخليها الأسبوع الجاي وأنا أعرف بيوتي سنتر جميل جدًا وليه أتيلييه خاص قريب منه فيه فساتين روعة بجد وسمبل جدًا وأنا هكون معاكي في كل حاجة.” رفع عمر كفه لزينب بحماس قائلاً: “هي دي بنت الرشيد.” ابتسمت زينب وهي تضرب كفها بكف أبيها. بينما نظرت لهم بيلا بحدة قائلة: “أنتم بتهزروا صح؟ فرح إيه؟ عمر أنت بتتكلم جد؟
رد عمر بجدية وهو يضع ساقه على الأخرى، آخذًا منها جهاز التحكم بالتلفاز قائلاً بنبرة مقررة: “وأنا ههزر في حاجة زي دي ليه. الفرح معاده الأسبوع الجاي. واعتبري كل حاجة جاهزة. وأولهم فستان الفرح ده جاهز من تلات شهور وجاي من دار أزياء في باريس مطلوب مخصوص ليكي.” أشاحت بيلا بوجهها عنهم قائلة بهدوء وهي تتابع الفيلم: “بس أنا مش عايزة فرح.” نظر لزينب بيأس لعمر لتجده يبتسم بهدوء قائلاً برفق:
“بيلا أنتِ أكتر واحدة يليق عليها الفرح والسعادة. ملامحك بتنور لما تفرحي. وزمان كان حلمك نعمل فرح كبير ونلبس فستان فرح ونفرح مع اللي بيحبوك. يبقى خلينا نفرح كلنا يا بيلا. يالا بقا فكي. لأن كده كده ثائر جهز كل حاجة حتى القاعة والضيوف. مش هيكون في غيرنا والناس اللي فعلًا بيحبونا غير كده لا والصحافة.” ردت زينب قائلة بجدية: “طب وإيه لازمتهم دول؟ دوشة على الفاضي.”
“عندك حق. بس في الفرح لازم الكل يعرف إنك بنتي وإن بيلا الدمنهوري كانت مراتي. لازم كل الناس يعرفوا إنك بنت عمر الرشيد، فاهمة؟ ابتسمت زينب قائلة بحب: “بس دلوقتي أنا مش فارق معايا الناس أد ما فارق معايا وجودكم في حياتي.” قبل عمر قمة رأسها قائلاً بجدية شديدة:
“بس بنت الرشيد لازم الكل يعملها ألف حساب يا ملك. وصحيح أنا بحب اسم ملك لأنه أول اسم اختاره ليكي. يبقى ملك عمر الرشيد. وعلى فكرة أنا خلصت كل الأوراق مع شهادات ميلاد الأولاد وشهادة ميلادك الجديدة وبطاقتك موجودة معايا.” ابتسمت زينب قائلة بحب: “تعرف إن أنا وحشني بابا منصور.. هتزعل لو قلت بابا. الصراحة هو كان حنين معايا أوي وعمل عشان كتير أوي وربنا يعلم إنه مكنتش منتظر منه حاجة.” رد عمر قائلاً:
“متقلقيش. اللي عمله أنا مش هنساه لأنه كبير أوي عندي يا ملك.” *** في صباح اليوم التالي، حوالي الساعة الخامسة صباحًا. ارتدت نور ثيابها بعد أن توضأت. دلفت لغرفة شقيقها الأكبر سيف، وجدت ينام وهو يحتضن أخيه عبد المنعم. دلت بخطوات هادئة تنادي عليهما: “سيف، عبده يالا قوموا. يالا سيف الفجر أذن. يالا يا حبيبي بدل ما يضيع عليك الفرض.” نهض سيف قائلاً بنعاس وهو يبعد الغطاء عنه: “صباح الخير يا أبلة نور.” ابتسمت بهدوء قائلة:
“صباح النور. يالا صحي أخوك واتوضى. أنا هحضرلكم الفطار عشان المدرسة. وصحيح انت مش هتغيب تاني وأنا كلمت صاحب الورشة قلتله إنك مش هترجع الشغل.” نهض سيف بفزع قائلاً: “ليه كده يا أبلة نور؟ وبعدين أنا بقيت راجل كبير ولازم أشتغل.” تنهدت نور بارتياح قائلة:
“طبعًا بقيت راجل. بس الراجل الحقيقي هو اللي يعمل الصح ويسمع كلام الكبار لأنهم عارفين مصلحتك. شوف يا سيف أنا بشتغل والحمد لله. الحج جلال من ساعة ما رجعت الشغل وهو زود مرتبى. وأنت يا سيف في ثانوي وأنا مش هسيبك تضيع مستقبلك. وإن شاء الله تكبر وتبقى أشطر مهندس فيك يا بلد. وشغل الورشة ده تنساه. أومال أنا موجودة ليه.” رد سيف قائلاً بحزن:
“بس أنتِ تعبتي يا نور بقالك سنين بتشتغلي وأنا دلوقتي كبير ولازم تقعدي في البيت وأنا هصرف علينا كلنا.” ردت بحدة قاطعة ونبرة مقررة: “سيف بطل رخامة. أنا قلت اللي هيحصل. أنت هترجع المدرسة وأنا مش صغيرة وعارفة أنا بعمل إيه. ويا سيدي لو اشتكيتلك أبقى سيب المدرسة. يالا بقى صحي أخوك بدل ما نفضل نرغي ويضيع علينا صلاة الفجر.” أومأ لها وملامحه تحولت لليأس والحزن متجه نحو شقيقه الأصغر ليوقظه.
بينما ابتسمت وهي تغادر الغرفة متجه نحو المطبخ. أخرجت حبات من البطاطس وضعتهم على الرخامة البيضاء لتعد الفطار لأشقائها وأبيها. جلست على ذلك الكرسي القديم ولاحت عليها ذكرياتها معه حتى لمعت عينيها بالدموع لتقول بجدية لنفسها: “خلاص يا نور خلاص انسيه بقى وشوفي حالك. هي تجربة وأنا غلطت لما جازفت من البداية.”
بعد وقت. كانت تجلس على أرضية الصالة على ذلك المفرش وبجوارها أبوها وأشقائها يتناولون طعامهم. ابتسم سالم بحزن وهو ينظر لها قائلاً: “حماتك كلمتني امبارح يا نور وعايزة تكلمك بتقول مش بتردي عليها.” قضمت قطعة من ثمرة الطماطم قائلة بلامبالاة: “هبقى أكلمها وبعدين مبقتش حماتي ولا ليا علاقة بيها. أنا خلاص أكلت. هقوم أغير وأنزل. هعدي على زينب قبل ما أطلع على المصنع.”
كاد والدها أن يتحدث إلا أنها غادرت الغرفة سريعًا متجهة نحو غرفتها. ربما لأنها ترفض أن تسمع كلمة واحدة عنه. بعد دقائق. خرجت من الغرفة وهي تضبط حجابها الأزرق. انحنت تقبل رأس عبد المنعم قائلة: “مصروفك يا جميل. وكل سندوتشاتك كلها مفهوم.” ابتسم عبده بسعادة وهو ينظر للمبلغ المالي الصغير بحماس: “هاكله كله. خلي بالك على نفسك يا أبلة نور.” نظر لسيف قائلة بجدية:
“سيف لو ماروحتش المدرسة تقعد تذاكر. أنا عارفة إن مفيش حضور وشوف عايز تروح دروس في مواد إيه وقولي.” رد سيف بابتسامة متفهمة: “لأ أنا مش هروح دروس. أنا هقوم البس وأنطلهم في المدرسة. ولا هما المدرسين اللي هناك لازمتهم إيه؟ طول ما هو مفيش طلاب بيحضروا هيفضلوا ياخدوا مرتبات على الفاضي وبعدين مصاريف على الفاضي وخلاص.” ردت نور بجدية قائلة:
“لأ مش مصاريف على الفاضي يا فالح. أنا عارفة إنك ذكي وشاطر. لكن برضه لو في حاجة واقفة قدامك قولي ومتشيلش هم الفلوس. ربك بيرزق.” دلت لغرفة والدها لتجده يجلس بارهاق واضح في شرفة غرفته ينظر للشارع والأطفال وذلك الشاب الذي يقوم بتوزيع الخبز على البيوت. لتقول نور بجدية: “سرحان في إيه يا حجيج؟ رد سالم بتعب قائلاً: “فيك يا نور. هتفضلي شايلة المسئولية كلها لمتى يا بنتي؟ ردت نور بحماس عكس ما تشعر به من حزن:
“مش كتير. كم سنة بس لحد ما سيف يدخل الكلية ويتخرج ويشتغل. وبعدين مالكم يا جماعة؟ هو أنا اشتكيت.” “مشتكتيش يا قلب أبوكِ، بس عمرك اللي بيضيع ده.” ردت نور قائلة بجدية: “سيبها على الله يا بابا. وبعدين أنا كويسة الحمد لله. ألف حمد لك يا رب على الأقل إحنا أحسن من غيرنا بكتير. يارب بس يفضلوا بخير وأنا مش عايزة حاجة تاني من الدنيا.” “ربنا يسعدك يا نور ويرزقك بابن الحلال اللي يريح قلبك يا رب.” لا تعلم لما شعرت بالسخرية.
لكن لم تبالي قائلة: “حجيج أنا لازم أنزل حالا. يالا سلام يا جميل.” غادرت المنزل مع حوالي السابعة مساء ثم توجهت لمنزل زينب. ما إن دخلت إلى ساحة منزل آل الشهاوي حتى ابتسمت بسعادة لأجل صديقتها وهي ترى بعض الأشخاص يقومون بتزيين الساحة الواسعة. صعدت لمنزل حياء. ألقت عليها التحية ثم صعدت لمنزل زينب. كان الباب مفتوحًا و بداخله توجد زينب وبيلا وإيمان. ابتسمت زينب وهي تحتضن نور قائلة بسعادة:
“وحشتيني أوي يا نور. كنت هزعل منك لو مجتيش النهارده. لازم تفضلي معايا طول اليوم. أومال فين باسل؟ ردت نور بهدوء قائلة: “معلش يا زينب مش هينفع أفضل. أنا عندي شغل في المصنع. بس أوعدك هخلص وأجي.” عقدت زينب ما بين حاجبيها قائلة بارتياب: “مصنع إيه؟ هو أنتِ رجعتي للمصنع؟ باسل وافق إزاي؟ لمعت الدموع بعين نور قائلة بجدية: “أنا وباسل اتطلقنا من أسبوع لما كنتي في المستشفى.” تشنج وجه زينب قائلة بجدية: “اتطلقتم؟
ليه وإيه اللي حصل؟ أنتِ قلتي إنه بدأ يتغير. وليه مقولتليش لما كنا بنتكلم في الموبيل؟ انسابت دموع نور في حين مسحتها سريعًا قائلة: “ده موضوع يطول شرحه يا زينب. أنا هكلمك تاني وهجيلك. أنا كمان محتاجة أتكلم معاكي ومحتاجة أحكي. بس دلوقتي مش هقدر حقيقي.” احتضنتها قائلة بابتسامة: “متقلقيش أنا كويسة الحمد لله. هكلمك وهحكيلك لأن أنا محتاجة ده. خلي بالك على نفسك.” ردت زينب بحزن وبكاء: “طب مش عايزة تشوفي ولاد أختك؟ ردت
نور بارتباك قائلة بانكسار: “مش هتخافي عليهم من عنيا؟ أصل أنا في واحدة في المصنع قالت عليا فقر ووشي نحس على اللي حواليا.” ردت زينب بانفعال: “مين بنت الـ… اللي قالت كده؟ وبعدين أنتِ سكتيلها؟ معتقدش متبقيش نور. وبعدين أنتِ هبلة. أنتِ أختي يا بت. والله العظيم أنا لو عندي أخت ما كانت هتبقى حنينة عليا قدك. يالا تعالي.” ابتسمت نور بسعادة وهي تدخل معها إلى غرفة الأطفال حيث تجلس معهم شهد. “اللهم آمين يا نور.” ***
بعد عدة ساعات. في ساحة المنزل حيث تتوافد نساء المنطقة الذين أتوا لمباركة جلال الشهاوي بأحفاده ومشاركتهم فرحتهم. كان جلال يقوم بتصليح ماكينات الكهرباء حتى صدح رنين هاتفه. التفت يلتقط هاتفه ليجد رقمًا مجهولاً. رد عليه ليجد صوتًا مألوفًا عليه: “الحقني يا جلال هيموتني.” عقد جلال ما بين حاجبيه بارتياب قائلاً: “شمس؟!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!