الفصل 23 | من 70 فصل

رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم دعاء احمد

المشاهدات
21
كلمة
9,530
وقت القراءة
48 د
التقدم في الرواية 33%
حجم الخط: 18

مالي عليها قائلا بجدية يغلب عليها الثقة: “التعديل على العرض.. هو أن أنا اللي هتجوزك.” أبتعد قليلا ليرى وجهها المتشنج بصدمة. نظرت له بارتياب وصدرها يعلو ويهبط، مطولة النظر لتلك العسليتان القاسيتان المتضح بهما الثقة يصحبها الهيمنة الواضحة. رفعت عينيها البنية وظلت تتابع ما يحدث، إلا أن حركات شفتيهما وعينيهما تحكي نقاشا حادا. رفض قوي من الجبهتين. صرخت بوجهه قائلة بتحدي:

“أطلع برا وهات المفتاح اللي دخلت بيه، مش عايزة أشوف وشك تاني، لا أنت ولا أبوك. وياريت تبلغه رفضي للعرض بتاعه. شلوني من دماغكم.. يارب ياخدني بقى.. أنتم إيه معندكمش رحمة.. أطلع برا.” أحتدت عينيه جاذبا إياها من ذراعها بقوة، قربها منه. وهو يقول بنبرة خطيرة وعيناه العسلي الضاريتان شديدة الاحمرار: “إنها تشتعل كبركان ثائر.” وهي ترمقه بنظرات شرسة قائلا بنبرة مبهمة خطرة: “مش هبعد يا نور.. هتجوزك والأسباب دي تخصني.

وأنا مش هقف أتفرج على تعب سنين وهو بيضيع.” نور: “أطلع برا لو سمحت.. أنا مش هتعصب ولا هزعق بس أطلع برا. أنا مش عايزة أتجوّز لا أنت ولا أبوك.. أنا مش حمل دخول في مشاكل مع ناس زيكم.” هتف بنفاذ صبر: “مش هيبقى في مشاكل يا نور لو أنتِ معايا. لكن أوعدك أنك هتفتحي على نفسك أبواب جهنم لو فضلتِ راكبة دماغك.. أنتي متعرفيش زيدان العلايلي.” “انت بتهددني وعايزين أوافق على عرضك الغريب دا؟

طب بص يا ابن الحلال أنا واحدة الدنيا عمالة تحط عليا من كل ناحية ومعنديش مشكلة. لكن إن حد يلوي دراعي يبقى على جثتي. واتفضل بقى اخرج، أظن دا مش أسلوب، أنا قاعدة لوحدي ولو حد شافك هتبقى مصيبة ترضاها لأختك.” باسل بجدية: “تمام، أنا همشي بس هستنى ردك. فكري يا نور، الفرصة دي مش هتتعوض.” ربطت يديها أمام صدره قائلة بسخرية: “و حضرتك بقى يا حضرة ناوي تتجوزني عرفي ولا رسمي؟ وياترى عرضك دا عرضته على كم واحدة..

أنا مش للبيع.. علشان أنا مش زيكم. ولو مستني ردي فأنا من دلوقتي بكل احترام بقولك إني رافضة.” وضع يديه بجيب بنطاله قائلا بجدية تليق به: “بصي يا نور أنا مش هجبرك، لا مش بحب النوع دا. أنتي عندك مطلق الحرية. لكن في النهاية اللي عايزة يحصل هيكون وبارادتك. سلام يا شبح.. هستناكي بكرة في.. الساعة تلاتة. وأنا مجتشي أنتِ حرة.” نور بغيظ: “ما أنا فعلاً حرة، ولا تقدر تجبرني.” زم شفتيه وهو يقترب بابتسامة مراوغة:

“اااامم جدع يا شبح، بس خليكي فاكرة إن اللي أنا عايزه هعمله حتى لو غصب عنك.” ضيقت عينيها بارتياب قائلة: “انت سايكو صح؟! اطلع برا واختفي من وشي بدل ما أعمل منك بطاطس مقلية. وأنت شكلك بسكوتايه مش هتستحمل.” ابتسامة جميلة شقت شفتيه، أخذ يقترب بخطوات ثابتة. بينما تراجعت للخلف بضيق وعينيها تشتغل بضراوة. مالي عليها قائلا بنبرة مخدرة حادة: “دور الشبح دا مش لايق عليك.. عارفة تمثليه لكن مش انتي يا نور.

عيونك رغم الغضب اللي باين فيها إلا إنها أضعف بكتير من احتمالك.” ابتعد قائلا بتحدي: “تيجي بكرة يا نور، سلام.” رغم شعورها بالذهول ومرارة العلقم في حلقها، فهو حقا استكشف ما تخفيه. إلا أنها أخفت ذلك بمهارة قائلة: “مش جاية، ويلا امشي بقى.” اتجه نحو الباب قائلا بحدة: “هستناكي ولو مجتيش أنتِ حرة.” “وابقي اقفلي الباب كويس.” ألقى بالمفتاح على الأريكة قبل أن يغادر شقتها تاركا إياها خلفه. جلست على الأريكة وهي تضم جسدها بيديها.

تنهدت بإرهاق وهي تتجه نحو الباب تغلقه جيدا. وصلت سيارة باسل إلى فيلا العلايلي. تركها للخفير يصفها بالجراج، بينما ترجل إلى داخل القصر. مميز وأنيق، لا يخلو من التحف النادرة. إن نظرت له تظن وكأنك بداخل متحف لا منزل عائلي. يخلو منه روح البهجة، شيء ما يفتقده ذلك المنزل الكئيب. ابتسم وهو ينظر لتلك الفتاة الجميلة تجلس على أحد المقاعد. بينما تعمل بجدية وتركيز على أحد المشاريع الهندسية الخاصة بمجموعة العلايلي.

باسل بابتسامة باهتة: “زينة.. جيتي امتى؟ زينة: “باسل وحشتني أوي في الكم يوم اللي فاتوا. تعالى اقعد، في حاجات كتير في الشغل حابة نتكلم فيها بس مش وقته. صحيح بابا ومروة قاعدين في المكتب وشكلهم كدا بيخططوا لحاجة كبيرة سوا. لأن بقاله يجي ساعة ونص.” وضع يديه بجيب بنطاله وهو يصوب عينيه نحو ذلك الباب المطلي باللون البني اللامع حيث مكتب والده. قائلا بحده ولامبالاة: “زيدان بيه ومروة.. تمام.” استقام تتمسك في ذراعه

قائلة بارتياب من أخيها: “باسل هتعمل إيه؟ بلاش تهور.” باسل: “لا متقلقيش، مش أنا اللي مفروض أقلق. هما اللي لازم يخافوا.” وضع كف يديه الكبير على يد أخته يبعدها. بينما يتوجه بخطوات ثابتة وعيناه القاسيتان مصوبتان على الباب كأنه يريد اختراقه. فتحه ودلف إلى المكتب تحت نظرات زوجته السابقة وأبيه. وضع زيدان السيجار بفمه ينفثه ببطء وهو ينظر لابنه. بينما جلس باسل على مقعده يضع قدم فوق أخرى.

عضت مروة على شفتيها بحسرة تلوم نفسها على غبائها الذي جعلها تترك ذلك الوسيم. لكن لا يتعلق الأمر بوسامة باسل، بل أيضا يتعلق بشخصيته القوية ونفوذه وهيمنة شخصيته. هو دائمًا يفوق توقعات الجميع ليجعل أي شخص ينبهر منه، حتى هي! تجزم أنها لم تشعر بأنوثتها إلا بين يديه. مروة برقة: “أهلا يا باسل.” صوت عسليته عليها بلامبالاة. ثم عاود النظر لوالده: “في اجتماع من غيري؟ اااممم ياترى أي السبب اللي جايب مروة هانم لحد الساعة اتناشر.

ااامم شكله موضوع مهم أوي.” زيدان بجدية: “و حضرتك يهمك في إيه.. مروة كانت هنا معايا أنا متخصكش.” زم شفتيه بضيق قائلا: “أوكي كملوا كلام ياله اتفضلوا.” مروة: “باسل كنت عايزة أتكلم معاك ممكن.” “بخصوص إيه؟ ” سأله بحدة. مروة بغضب وبجاحة: “بخصوصنا.. فاضل في شهور العدة أيام إيه؟ هنفضل في لعب العيال دا كتير؟ معقول أنا مروة الخليل بنت وزير ال.. اتطلق..

أنا كنت عارفة علاقاتك وجوازتك بس قلت وماله عدي كله يهون ولا إني يتقال عليا مطلقة بعد بجوازها بكم شهر. وبعدين انت وحشتني.. وحشتني أوي يا باسل. أظن كفاية الفترة اللي بعدناها دي وتعالي نرجع لو سمحت.” زمجر بقسوة وغضب: “أولا انتي بغبائك وغرورك وصلتينا للمرحلة دي. وأنا عمري ما حبيتك وأنتي عارفة إنه بيزنس أز بيزنس. دا كان اتفاقنا من أول يوم اتقابلنا فيه.

وانتي قلتي إنك مش بتدوري على علاقة وجواز والمهم الشغل اللي بينا وخلاص يا مروة. البزنس بينا انتهى.. سامعة فنش.. وموضوع اردك دا انسيه.” مروة بغضب: “فاهمة انت بتعمل إيه يا باسل بيه.. انت فاكر إني همو”ت عليك.. صحيح اللي ذوقه واطي هيفضل واطي، خليك مع اللي شبهك. بس اللي بينا مخلصش يا باسل، مخلصش.” “بعد إذنك يا أونكل.” خرجت من المكتب وعينيها تشتعل بضراوة وقسوة. رغم دفعه لها وكأنها شيء بلا قيمة، تشتغل بداخلها رغبة قوية فيه.

ليس من السهل أبدا تخطي شخصية مثله. بينما اشتعلت حر”ب النظرات بين الأب وابنه. انتهت بمغادرة باسل غرفة المكتب. في أحد مدن لندن المعروفة بالمعمار. كما يطلق عليها مدينة الضباب. دلف تلك الشابة بسيارتها الفارهة إلى جراج الشركة. بينما ترجلت من السيارة بأناقة. امرأة في نهاية العشرينات.. أنيقة، ترتدي ثياب كلاسيكية عملية. تمتاز بشعر أسود قصير يصل بالكاد لرقبتها، عيون بنية واسعة. تتحدث بحدة في الهاتف. حنين بضيق:

“اعملي اجتماع مجلس إدارة وعايزة كل المهندسين المشرفين على المشروع يحضروا في أقل من نص ساعة.. المهندس يوسف الصاوي في طريقه بلندن، يمكن يكون في الطيارة دلوقتي. لازم نعمل اجتماع عشان نتناقش في أهم التفاصيل قبل ما يرجع. بقاله شهرين في مصر وأخيرا راجع وهو اللي معاه معظم التصاميم. وهو أهم حد في المشروع.” دارت من الجهة الأخرى: “حاضر يا فندم، هبلغ الكل يكونوا في قاعة الاجتماعات.”

صعدت حنين على الأدراج اللامعة، وكأنها مرآة كزجاج الشركة الأزرق. كل شيء يبدو مميز وكلاسيكي. فتحت حنين بخبث: “دلوقتي ابعتيلي البشمهندسة ‘عهد’ على مكتبي.” البنت على الجهة الأخرى: “عهد.. حاضر يا بشمهندسة حنين.” أغلقت هاتفها وهي تقف تستند على حاجز السلم قائلة بضيق: “للأسف مقدرش استغنى عنك في الشركة. لا دلوقتي ولا بعد ما المشروع ينتهي.. مينفعش الشركة تخسر مهندس شاطر زيك يا يوسف.

بس طول ما هو مرتبط بمصر هيفضل متمسك بفكرة إنه يرجع لها تاني. وكمان مراته دي…. بس مفيش حاجة صعبة.” أنهت جملتها وهي تضع يديها بجيب سترتها. تدلف بعملية إلى مكتبه. مر حوالي عشر دقائق. طرقات مرتجفة على الباب. دلف إلى المكتب شابة في منتصف العشرينات بثياب أنيقة. تتكون متوسطة. عهد: “حضرتك طلبتي تقابليني يا أستاذة حنين.” حنين بجدية: “أيوه يا عهد، ادخلي.” دخلت بارتباك وخطوات متعثرة، تخشى من الحديث مع مديرتها.

لطالما كانت شخصية حادة متغطرسة. جلست أمامها على المقعد. حنين بخبث: “عرفتي إن البشمهندس يوسف راجع لندن بكرة وهيكون هنا في الشركة.” ابتسامة واسعة شقت شفتيها قائلة بحماس: “بجد يوسف راجع.. دا أنا فكرت إنه مش هيرجع تاني. بجد دا أحسن خبر سمعته.” صمتت برهة تأنب نفسها على تلك السرعة لتبرر: “أقصد يعني إن البشمهندس يوسف من أحسن المهندسين اللي اشتغلوا في العشر سنين الآخرين. ووجوده هيفرق جدا.” حنين بضيق:

“عهد، أنا عارفة إنك معجبة بيوسف دا إذا ما كنتيش بتحبيه. أني واي مش بتفرق معايا المسميات. قد ما يفرق معايا البزنس.” عهد بارتباك: “حضرتك تقصدي إيه؟ حنين: “مش عايزة يوسف يرجع مصر تاني أو بمعنى أصح لو رجع تبقى إجازة صغيرة. وهو فكرة إنه يسيب الشركة دي ينساها.” عهد: “ياريت يا بشمهندسة بجد.. بس إزاي؟ حنين: “شوفي يا عهد، الشركه دي فيها مهندسين كتير جدا عرب وغيرهم كتير من كل الجنسيات.

ورؤساء مجلس الإدارة مش هيفضلوا لكل واحد عشان كدا أنا عايزك تقنعي يوسف إنه يفضل. يوسف اتجوز من مدة قصيرة بنت عمه على حسب معلوماتي. وهو هيرجع لوحده من غيرها.” استقامت تتحرك في أرجاء الغرفة. بينما نهضت عهد بسرعة. حنين: “اقعدي يا عهد.. شوفي أنا وانتي بنات ومش صغيرين وفاهمين دماغ الشباب كويس. ومفيش راجل يا حبيبتي بيفضل وفي لواحدة. وخصوصا لو حبها واتجوزها بيبدأ الحب يقل ويختفي. ومع البُعد بيبدأ يتلاشى الحب.

ولو لاقي واحدة تانية تديله الحب ده والاهتمام بيرجع عيل صغير ممكن يضحي وينسى علاقته الأولى. يوسف لما رجع مصر كان راجع على أساس إن دي إجازة أسبوعين يعني أكيد مكنش في خططته الجواز ولا فكرة إنه يسيب الشركة. وواضح إن اللي اختلف هو جوازه مش أكتر، يعني البنت دي هي الرابط اللي مخليه فاضل في مصر.” عهد بضيق وغصة: “أيوه فاهمة حضرتك. نفسي أفهم عملت إيه عشان توقعه في أسبوعين.” حنين بابتسامة ملتوية: “كل واحدة وليها سحرها.

وأي شاب بيحب يلاقي حد مهتم بيه وبتفاصيله وحياته. وانتي يا عهد جميلة ومهندسة ذكية وعندك أهم المميزات اللي تخليه خاتم في صباعك. إنك بتحبيه وأي واحدة بتحب بتعمل المستحيل عشان حبيبها يكون لها. وانتي وشطارتك. المهم يوسف ميسفرش تاني أو على الأقل ما يسبش الشركة.” عهد بهيام وحيرة: “تفتكري ممكن يشوفني أصلا؟ دا طول الوقت قال إيه بيغض بصره وبيخلص شغل يرجع شقته أو يخرج مع حد من المهندسين. حتى مافيش مرة قبل عزومتي.” حنين:

“بصي يا عهد، أنا ممكن أساعدك وممكن كمان أخليكي في تيم يوسف. بس اللي قلته يتنفذ.” عهد بسعادة: “أنا متشكره جدا، حقيقي متشكرة.” حنين: “روحي دلوقتي على مكتبك.” عهد: “أوكي.. بعد إذن حضرتك.” في منزل يوسف الصاوي. يقف وهو يضع يديه على مقبض حقيبة السفر. بينما الأخرى تبتسم بود. إيمان: “برضو مش عايزني أجي معاك المطار يا جو؟ ابتسم وهو يقبل قمة رأسها قائلا بجدية: “معلش يا إيمان، انتي عارفة مبحبش الوداع. إن شاء الله خير، ادعيلي.

وأوعي تنكسلي على مكالماتي. ولو حصل أي حاجة كلميني. وبلاش تفضلي هنا لوحدك، أنا كلمت عمي وهو قال إنه مش هيسيبك. ارجعي معاه البيت، هكون مطمئن عليكي وانتي معاه.” إيمان: “خلي بالك من نفسك يوسف. أنا بحبك وواثقة فيك، بلاش تخذلني. وعارفة إنك هتحقق أحلامك. وإن شاء الله فترة وأجيلك.” تنهد براحة وهو يحتضنها وكأنه يودعها. أخذت نفس عميق تحاول الاسترخاء من زوبعة أفكارها. بينما الآخر مرر يديه على ظهرها بحنان قائلا:

“إن شاء الله، يلا في حفظ الله.” “في حفظ الله.” تحرك وهو يسحب حقيبته يخرج من شقته. بينما يقف في انتظاره تاكسي. وضع حقيبته في السيارة. رفع رأسه ينظر لشرفة المنزل، أهدته أجمل ابتسامة لها تدفعه وبقوة لتحقيق أحلامه. ركب التاكسي في طريقه لمنحنى أخرى في حياته. منحنى سيغير مسار حياته. لا تخشى على حبك الحقيقي. مهما مرت سنوات وطالت المسافات. لكن أعلم أن نفوس البشر مليئة بالحقد والكراهية.

فقط سيظهر لك الأمر وكأنه انتكاسة قوية من بعدها قضى الأمر. صعد للطائرة من بوابة الصعود رقم (..) وهو يردد ذلك الدعاء بداخله: “الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون. اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى. ومن العمل ما ترضى. اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده. اللهم أنت الصاحب في السفر. والخليفة في الأهل. اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر.

وكآبة المنظر وسوء المنقلب في الأهل والمال.” استقر في مقعده في الدرجة الأولى يغمض عينيه. ألقى نظرة بعيدة عبر نافذة الطائرة. فالفي كتل من السحاب الأبيض على مرمى بصره تلتقي بأفق رمادي ذي تدرج لوني أزرق وبداية يوم جديد. يشتاق لها وما يفارقهم. ما هي إلا مسافات، أما القلوب فهي لم تفترق. وربما تفترق!! طال الانتظار في أحد الكافيهات في أحد الأماكن الراقية في الإسكندرية.

يجلس على أحد الطاولات المنعزلة وبعيدة عن الأجواء المزدحمة. بينما ينتظرها بوجه مكفهر. قد مر على الموعد ساعة وربع. باسل بغضب: “يبقى انتي اللي اخترتي يا شبح.” رفع هاتفه على أذنه يجري اتصالا بمساعده الشخصي. باسل بجدية: “نيروز، عايزك تعرفيلي نورهان فين دلوقتي؟ رد عليها من الجهة الأخرى بهدوء: “أقل من عشر دقايق هكلم حضرتك.” أغلق الخط بينما ينفث سيجارته ببرود. “أيوه يا باسل بيه.. هي حاليا في مصنع القماش اللي في (..)

بتاع جلال الشهاوي.” خرج من الكافيه وقد نوى على فعل شيء ما. اضطجعت زينب على جانبها تتأمله في نومه وهي تبتسم برقة. حين عقد حاجبيه يهمهم ببعض الكلمات غير المفهومة. وذراعه تشد من حولها يجذبها إليه قبل أن يعاود الاسترخاء مرة أخرى. دافنا وجهه في عنقها مستغرقا في النوم. بينما رفعت هي أناملها تدسها بين خصلات شعره الأسود تمررها بينهم بحنان هامسة لنفسها أكثر مما يكون له. تستغل معرفتها لطبيعة نومه العميق قائلة بسعادة:

“أنا شكلي حبيتك.. تعرف نفسي تفضل نايم عشان أفضل أبصلك من غير كسوف. إزاي قدرتي تخليني أحبك كده.. يمكن مقدرش أقولك الكلام ده وانت صاحي عشان مكسوفة أقولها. وخايفة يكون اللي جواك ليا مجرد اعتبارك إني مراتك وواجب عليك تعاملها كويس. بس مش مهم، أنا يكفيني إني أفضل معاك. كفاية إنك الوحيد اللي عرفت تخليني أفرح بجد. أوعدك إني أفضل أحبك حتى لو انت محبتنيش.” تلمعت عينيها بسعادة وهو يضمها بين ذراعيه جاذبا إياها بين أحضانه.

تشعر بأنفاسه الساخنة تلفح بشرتها. يريح رأسه بين تجويف عنقها. تنعّم بدفئه الغازي لحواسها قبل أن تستسلم هي الأخرى للنوم. لا يشغل بالها أي شيء، فقط تستريح بجسدها بين أحضانه. بعد مرور يومان. كانت زينب ترتب أغراضها في حقيبة السفر استعداد للعودة للإسكندرية. بينما صالح يجري عدة اتصالات تخص العمل. زمت شفتيها بحنق وهي تنظر له يضع كل وقته به. خرجت تجلس في الصالون بعد أن جهزت كل شيء. مر حوالي نصف ساعة.

زفر صالح بضيق وهو يتقدم في الغرفة ليجد زينب جالسة باسترخاء تشاهد التلفاز بتركيز. حتى أنها لم تنتبه لتواجده في الغرفة. تقدم ببطء منها حتى جلس بجوارها على الأريكة. لتشهف زينب حين شعرت بيد تلامس شعرها بلطف. التفت لتجده يجلس بجوارها يداعب شعرها بحنان. تنهدت بارتياح ويرتسم على وجهها ابتسامة وهي تهتف بحنق وهي تزم شفتيها للأمام بشكل مضحك: “أخيرا خلصت شغلك.. كل دا في مكالمة.”

أجابها صالح بصوت متحشرج وهو يبعد بحنان خصلات شعرها المتناثرة على وجهها للخلف: “معلش يا زينب، كان عندي شغل كتير ولازم نرجع النهارده. عارف إننا مكملناش أسبوع حتى بس إن شاء الله أعوضهالك مرة تانية وهتكون أحسن. بس معلش استحملي معايا شوية.” راحت رأسها على ذراعه بابتسامة جميلة: “أنا يا عم مبسوطة كدا والله مش زعلانة إننا هنرجع، بالعكس أنا مكنتش اتخيل إننا نيجي هنا حتى. المكان جميل أوي وكفاية إنك معايا.”

طبع قبلة على قمة رأسها بحنان. أغمضت عينيها بسعادة. صالح بحنو: “اجهزي ياله هنتحرك يدوب نوصل إسكندرية على العصر.” زينب: “تمام.” لتجهز الاثنان ويتحركا في طريقهما للعودة. في بيت حبيبة. ارتدت فاطمة (والدة حبيبة) حجابها وهي تتجه نحو باب الشقة تسحب خلفها حقيبة التسوق قائلة بصوت عالي نسبياً: “أنا نازلة السوق يا حبيبة وأخوكي في الكلية.” خرجت من غرفتها وقد بدلت ثيابها السوداء إلى عباية بيتية زرقاء تصل إلى ما قبل كحلها بقليل.

رفعت شعرها ذيل حصان تعقده بوشاح أصفر. حبيبة: “ماشي يا ماما وأنا هنضف البيت وأجهز الغداء يكون زياد جاه من الكلية.” فاطمة بسعادة: “أيوه كدا الحمد لله قلعتي الأسود ونورتي تاني البيت. ماشي يا ضي عيني وأنا جايه هجيبلك الفاكهة اللي بتحبيها. سلام يا عسل.” ابتسامة بسيطة شقت شفتيها قائلة: “ماشي يا أم حبيبة، سلام.” بدأت بتنظيف المنزل وتجهيز الغداء.

حاولت بجدية الخروج من زوبعة أفكارها التي تهاجمها كلما أغلقت الباب وبقيت وحدها بالغرفة. جلست على الأريكة في منزلها القديم وهي تستنشق نسمات الهواء الباردة تستشعر الحرية من جديد. شغلت التلفاز وأتت بأحد المسلسلات التركية والتي كانت تعشقها منذ زمان طويل. أخذت تقطع الجزر قطع صغيرة لصنع أحد الأطباق المفضلة لدى أخيه. لكن قاطعها رنين جرس الباب. نهضت لتفتح باب الشقة دون الالتفات لحالتها. فتحت الباب لتجده يقف أمامها.

ابتسم وهو يلمحها أخيرا منذ أيام طويلة لم يراها. رغم ذلك يطمئن عليها عن طريق والدتها. علي: “إزيك يا حبيبة؟ “بخير الحمد لله.. وانت أخبارك إيه؟ “بخير الحمد لله يعني ماشيه.” هدى (والدة علي) “إزيك يا بي.. حبيبة؟ اقتربت منها وهي تحتضنها بود: “أنا بخير يا خالتي الحمد لله.. اتفضلي.” علي بجدية: “خالص يا أمي أنا هنزل ولما تخلصي كلميني هاجيلك.” هدى: “ماشي يا حبيبي روح ربنا يوفقك يا رب.” حبيبة بحرج: “ادخلي يا خالتي.”

دلف هدى مع حبيبة. بينما الأخرى تشعر بالارتباك من تلك المقابلة. تشعر بالحرج قليلا. جلست هدى على الأريكة وهي تنظر للتلفاز: “تصدقي إني بحب المسلسل ده.. اقعدي يا حبيبة.” جلست بارتباك قائلة: “وحشتني يا خالتي ساعات كتير أوي كنت ببقى نفسي أشوفك بس الظروف بقى.” هدى بعتاب وود: “اديك قولتي ظروف وراحت لحالها يبقى إيه بقى نفضل عايشين في اللي فات ونسيب حياتنا تضيع. منكرش إني فضلت كتير زعلانة منك ومش طاeقة أبص في وشك.

يمكن لو كنت شفتك كنت هضربك من غيظ. عشان أنا أم.. أم شافت ابنها وهو موجوع وقلبه مكسور. بس ليه يا حبيبة دا أنا كنت أمك يا بنتي. ليه مقولتناش اللي جواكي واللي حصل لزياد. جايز مكناش وصلنا للمرحلة دي.” حبيبة بحزن: “يمكن لأنه مقدر ومكتوبنا أراد إننا نمشي في طريق زحمة وطويل. الدنيا تخبط فينا ونخبط فيها. حقك تزعلي وتكرهيني كمان. أنا لو مكانك كنت ولعت في أي حد يجرح ولادي.” ابتسمت السيدة بوجهه بشوش. بينما تمسكت بيد

حبيبة بين يديها قائلة بحب: “يبقى سيبي اللي فات يروح لحاله واحنا نكمل حياتنا. ربنا رحمك من شاكر وأدالك فرصة جديدة لحياتك. على فكرة ‘علي’ قالي آخد منك الورق بتاع الكلية اللي انتي كنتي سحبته عشان يقدملك تاني وترجعي كليتك. فات سنتين يبقى نشد حيلنا كدا ونرجع مع بداية السنة الجديدة كمان شهرين. حبيبة أنا والله العظيم بعزك وبحبك لأني كنت متأكدة إنك جدعة واستحملتي سنين من بعد ما أبوكي توفى.

وإحنا أهلك يا بنتي لو حصل أي حاجة إحنا جانبك. على فكرة أنا مش بقولك عشان موضوعك مع علي. لأ أنا بس مش عايزة تخافي وخليكي عارفة إننا في ضهرك. قوليلي بقى بتعملي أكل إيه حلو؟ حبيبة بسعادة: “بسلة بالجزر ورز وفراخ.” “لازم نتغدى سوا. أمي نزلت تجيب شوية حاجات من السوق. هدخل أحط الجزر وأزودها.. تشربي إيه؟ هدى بابتسامة: “وحشني فنجان القهوة من إيدك.. عايزة فنجان يظبط الدماغ لحسان حاسة إني مزاجي مش رايق.” حبيبة: “من عيوني.”

في منزل الشهاوي. دلف إيمان لمنزل والدها وهي تنادي على والدتها بصوت عالي. حياء: “إيه يا بنتي في إيه.. صوتك جايب آخر الشارع! إيمان بسعادة: “معلش من فرحتي وحشتني أوي.. أومال فين بابا؟ زفرت بضيق وهي تنظر لابنتها. بينما تتجه للمطبخ: “أبوكي نزل الوكالة مع عمك جمال. ياله ادخلي غيري وتعالي ساعديني نجهز الغداء. أخوكي في الطريق هو وزينب ويمكن يوصلوا في أي لحظة. قوليلي عملتي إيه في المستشفى؟! إيمان بحماس:

“ما هو دا اللي مفرحني، اليوم كان حلو أوي والأسبوع الجاي هدخل عمليات مع دكتور. بس طبعاً هكون مساعد له مش أكتر.” حياء: “ألف مبروك يا حبيبة قلبي. إن شاء الله تدخلي عمليات وتكوني الدكتورة الأساسية وتنجحي يارب دايما.” إيمان بسعادة: “يارب.. صحيح معاد مكالمة يوسف هدخل أغير عايز يكلمك.” حياء: “والله وحشني أوي كان عامل حث للبيت حلو أوي. يارب يرجعلك لينا بالسلامة يا ابن الصاوي.” إيمان باشتياق وحب: “يارب يا أمي يارب..

تعرفي وحشني أوي، رغم إنه بيكلمني كل شوية بس مش بيكلمني دقيقتين على بعض. حتى بليل بيرجع من الشغل متأخر بيقول إن طلع في مشكلة وغلطة المهندسين عملوها في غيابه ولازم يصلحوا المشكلة دي في وقت قصير.” ابتسمت بهدوء وهي تربت على كتفها بحنان: “معلش يا قلبي بكرة تكونوا سوا وبعدين لازم تعذريه. يوسف مهندس شاطر وإن شاء الله قريب يفضي وتتكلموا وقت أطول.” إيمان: “يارب.” دخلت لغرفة نومها وبدلت ثيابها لأخرى مريحة.

في ذلك الوقت صدح هاتفها معلنا عن اتصال. ابتسمت وهي تأخذ هاتفها بلهفة: “الواي.” يوسف بهيام: “مساء الورد يا جميلة.” عضت على شفتيها باشتياق قائلة بسعادة: “مساء النور.. بتعمل إيه؟ يوسف بمراوغة: “كنت شغال مع واحدة زميلتي، إنما إيه.. آآآه مزة.” اشتعلت نيران الغيرة بقلبها قائلة بغضب: “وحياة أمك.. يوسف والله العظيم أنت حيوان وحقير. طلقني يا ابن إلهام.. طلقني بقولك يا أبو عين زايغة. أومال لسه في أول يومين.”

تعثر في ضحكة قوية وهو يشير لأحد زملائه على أحد التصاميم. يخرج من المكتب يتجه نحو كافتيريا الشركة. يوسف بمرح: “معقول يا بيبي بتشكي فيا.. دا أنا بريء يا بيه.. وحشتني.” إيمان بضيق: “وانت لا.. اقفل بقى فصلتني.” أغلقت الهاتف بغضب وضيق والغيرة تنهش بقلبها. يوسف بصدمة: “يا بنت المجنونة.. طب وربنا بحبك.” لم يستسلم أبدا في الاتصال بها مرارا وتكرارا. رغم رفضها الرد عليه في البداية. حياء:

“هاتي الموبايل يا هبلة أنا عايزة أكلمها.” إيمان: “كلميه من موبايلك يا ماما دا واحد رخم مش راضي يرد عليا.” حياء بعقلانية: “بلاش تخسري جوزك بغبائك يا إيمان. بلاش الغيرة تسيطر عليك وانتي عارفة ومتأكدة إن جوزك عمره ما يبص لغيرك. ردي عليه وبلاش تهور، الخصلة الزفت دي كانت هتخرب بيتنا. ياله يا حبي روحي كلميها.” إيمان: “ماشي يا ماما هكلمه وأمري لله.” أخذت هاتفها لترد بضيق: “أيوه عايز إيه؟ يوسف بحدة: “افتحي الكاميرا.”

أمثلت لأوامره لترد بعد ثواني. لكن ما إن رأته حتى ابتسمت. استند بيديه على حاجز الدرج وهو يمسك الهاتف بيديه الأخرى: “وحشتني ابتسامتك.” إيمان: “وانت كمان وحشني أوي يا يوسف.” يوسف: “عندي بريك نص ساعة احكيلي عملتي إيه النهارده؟ و أخبار الشغل إيه؟ إيمان باهتمام: “طب المهم الأول انت أكلت.” يوسف: “متشغليش بالك، هطلب أي حاجة أو هنزل اتغدى في أي مطعم.” إيمان بخوف: “خلي بالك على نفسك.

كان نفسي أقولك بلاش أكل المطاعم بس مفيش غيره. ياريتني كنت معاك.” يوسف: “متقلقيش عليا والله أنا كويس. صحيح في شوية مشاكل بس بتتصلح وكله ماشي تمام الحمد لله.” إيمان: “ماما عايزة تكلمك. ابقي فكرني أديهالك قبل ما تقفلي. صحيح حصل حاجات كتير أوي النهارده كان يوم جميل متعب شوية بس كان رائع.” أخذ الاثنان يتحدثا لوقت طويل وكل واحد يتحدث عما حدث بيومه. في اليوم التالي. كانت زينب جالسة مع حياء في ساحة المنزل يتسمران.

نظرت زينب للساعة التي بيديها زافرة بضيق. قد تعدت الساعة التاسعة مساء. فقد تأخر صالح هذه الليلة ولم يعود من عمله بعد. همست حياء بخبث وهي تنظر لها بتفحص: “ما تهدي يا زينب زمانه جاي.” تفت زينب بغضب طفيف وعيناه مسلطة فوق الباب: “اتأخر أوي يا ماما المفروض كان جاه من ساعتين على حسب ما قال. ودلوقتي عدت تسعة وهو لسه مجاش. المفروض لما يتأخر يكلمنا نطمن عليه ومقلقش كدا.” غمزت حياء بعينها بمكر تنكزها في ذراعها بخفة قائلة بمرح:

“ياسيدي ياسيدي على الدلع.. على القلق والحب يا بختك يا صالح. بس والله يستاهل كل الحب ده.” اشتعل وجهه زينب بالخجل تمتم بتوتر: “صالح حنين أوي يا ماما.” تكمل وهي تتنهد بخفة ضاممة يديها إلى صدرها: “رغم طريقة جوازنا وكل اللي حصل ربنا عوضني بيه.” هتفت حياء بمرح وقد لمعت عينيها بسعادة: “الله الله يا زينب دا انتي وقعتي ولا حد سمى عليك.” اشتعل وجهه زينب بخجل تمتم بتوتر: “أنا.. أقصد يعني إنه…” قاطعتها حياء بحب

وهي تربت على كتفها بحنان: “حاجة واحدة اوعي تفكري تبرريها. هو الحب يا زينب، على فكرة أنا شايفه في عيونك لصالح. لأني كمان حبيت وبحب وعارفة الشعور ده. وأنا أكتر حد في الدنيا يتمنالكم السعادة. ربنا يسعدكم يا بنتي وتفرحونا كدا بقمر صغير.. يارب.” في ذلك الانحناء استمعت حياء لجرس الباب. لتتوجه زينب تفتحه بلهفة على اعتقاد أنه زوجها. لكن وجدت سيدة تبدو في منتصف العقد الخامس.

بوجه مكفهر يبدو عليها الضيق والاشمئزاز وهي تنظر لزينب. وراءها فتاة تبدو في العشرينات من عمرها لا تختلف كثيرا عن والدتها في تلك النظرات. زينب: “أفندم؟! شروق بضيق وتعالي: “انتي بقى زينب مرات صالح؟! زينب بطيبة وود: “أيوه أنا.” حياء: “مين يا زينب؟ ردت زينب وهي تنظر لهما باستغراب لا يخلو من النفور الغريب: “مش عارفة يا ماما.” ثرى لنفسها: “يا محنو ما انتي أخدتي ابنها من حقك تاكلي بعقولهم حلاوة شكلك مش سهلة.” ثرى:

“أنا يا مدام حياء مرات الحج عثمان.” وقفت حياء بجوار زينب وهي تبتسم بود: “أهلاً مدام ثريا اتفضلوا انستوا ونورتوا.” ثرى بخبث وطيبة زائفة: “عثمان قالي إن الحج جلال كان معاكي في العيادة من كم يوم. الف سلامة عليكي انتي كويسة يا حبيبتي.” حياء بود: “الحمد لله شوية تعب وراحوا لحالهم. ما احنا هنفضل واقفين كدا ولا إيه. اتفضلوا اتفضلوا.” صعدت حياء برفقة ثريا وراهم زينب وشروق. ضغطت شروق على شفتيها بغضب وغيره.

تلك الفتاة اللقيطة هي زوجة ابن أغنى أغنياء الإسكندرية. حتى إن لم يكن غنيا فهو أكثر شاب معروف بالشهامة تتمناه أي فتاة تبحث عن زواج جيد. وشروق تعرفه وتعرف أخلاقه. لا تنكر أنها تمنت أن يتم زواجهما. ولكن يبدو أن خطتها فشلت بسبب زواجه من تلك الفتاة. ولأجل تلك الأسباب. ومع ذلك لم يتوقف عقلها عن التفكير به وتشعر بالغيرة وهي تنظر لزينب وكم هي جميلة. حتى أنها تفوق جمال شروق بمراحل. والغريب لا يبدو أنها تستخدم مساحيق التجميل.

يبدو وجهها ناضرا مشرقا حقا، هو أيضا محظوظ. جلست حياء تتسامر معهم. بينما دلفت زينب للمطبخ تحضر القهوة والعصير لهما. استندت بجسدها على الحائط وهي تنظر لساعة يديها بقلق وارتياب من تأخيره ذلك. تخشى أن يحدث له شيء. سكبت القهوة باقداح التقديم. دخلت الصالون على وجهها ابتسامة بسيطة. ابتسمت شروق بخبث وهي تزيح قدمها للأمام قليلا. بينما تعثرت زينب في طريقها كادت أن تسقط. لكن استعدت توازنها في حين وقعت الصينية من يديها.

فزعت حياء بعد سقوط قليل من القهوة على قدمها. في ذلك الوقت دلف جلال للمنزل برفقة إيمان (أخذها في وقت سابق للتمشية معا) ثريا بضيق وصراخ بوجهه زينب: “مش تحسبي يا غبية ولا أمك علمتكيش الأتيكيت. لا صحيح أمك.. دا لو كان ليك أم.” جلال بغضب وحدّة من خلفها: “أطلع برا.. وبلغ جوزك إن الشغل اللي بينا منتهي. اللي يدخل البيت ده يا يحترم أهله يا ما يدخلش.”

نظرت حياء لزينب التي ابتلعت الغصة التي تشكلت بحلقها مقاومة نوبة بكاء أي صعدت بداخلها من جديد. ترغب كثيرا بأن تشكي لها ما يحزنها ومدى الألم التي تشعر به. حياء: “زينب متقلقيش محصلش حاجة.” لم ترد أن تجرح كرامتها أكثر من ذلك. ركضت تخرج من شقة جلال. صعدت لشقتها وهي تبكي وتشعر بألم حقيقي. إيمان بحزن: “أنا هطلع.” جلال بهدوء: “مالوش داعي يا إيمان.. زينب مش هتسمع منك أي حاجة.” ليتابع بحدة وقسوة مخيفة ووجهه خالي من الرحمة:

“وأنتم لسه واقفين برا.” ثريا بسرعة: “جلال بيه دا.. دا سوء تفاهم. أنا بس كنت خايفة على مدام حياء.” اقترب بخطوات مهيبة منها وعيناه الخضراء اشتعلت بنيران الغضب لتصبح بالون أحمر. قائلا بقسوة: “لو مخرجتيش من بيتي دلوقتي قسما برب العزة هيكون آخر يوم ليكم في إسكندرية. برا.” خرجت بغضب من غبائها. لو كانت تعرف أنه يوجد بينهم لم نطقت بتلك الكلمة أبدا. ربما لأنها تشعر وكأنها قادرة على مسايرة حياء.

أم جلال الشهاوي لا يستهان أبدا بغضبه. المصيبة الآن كيف ستخبر زوجها بما قاله. بالتأكيد سيطلقها بعد غبائها ذلك. انفجرت زينب بالبكاء ما إن دخلت غرفتها. ارتمت فوق الفراش تنتحب بشدة تشعر بألم حاد يعصف بروحها بداخلها. كلما تتحسن يأتي أحدهم لإشعال النيران مرة أخرى بقلبها. ظلت تنتحب لم تدرك كم مر من الوقت الذي مر عليها. ساعات؟ أم دقائق. لكنها كانت الأسوأ بطيئة جدا. بعد مرور ساعة ونصف تقريبا.

دخل صالح غرفته بإرهاق ليجد الغرفة سابحة في ظلام دامس. أشعل نور الغرفة. يبحث بعينيه عنها. لكنه زفر بإحباط عندما وقعت عيناه عليها مستلقية فوق الفراش وهي غارقة في النوم. لم يرد إزعاجها. بينما اتجه نحو الخزانة يأخذ ثياب أخرى ليبدل ثيابه. دلف للحمام يأخذ حماما باردا. بعد إتمامه تبديل الملابس اتجه ببطء نحو الفراش يستلقي فوقه. لكن سمع صوت شهقات مكتومة. تتفاجأ بزينب تندس باحضانه فورا.

أن استلقى بجوارها على الفراش محيطة جسده بكلا من ذراعيها وساقيها. دافنة وجهها بعنقه تفتقده وتفتقد شعور قوي بداخلها. انسابت دموعها على عنقه قائلة بضعف: “خليني أنام في حضنك.. أنا خايفة.” حاول النهوض بعد شعوره بدموعها تلك وصوتها المنتحب. لكنها تشبثت به بقوة تمنعه من النهوض قائلة بنبرة أشبه للتوسل: “متسبنيش ياصالح.” انسابت دموعها مرة أخرى وهي تضع كف يديها حول عنقه تغمض عينيها تشعر بالاحتياج القاتل لاحتضانه.

الشعور بالأمان بين أحضانه يكفيها عن العالم بأكمله. حاوطها بذراعيه بقوة جاذبا إياها له. شعر بوخزة ألم قوية في صدره: “عمري ما هسيبك، محدش بيسيب روحه تبعد عنها.” أخذ يمرر يديه على ظهرها ببطء. بينما نامت هي بأمان بين ذراعيه. رغم أن النوم كان يجافي رماديتيها. بعد انتظام أنفاسها وسكونها بداخله تحرك قليلا ليضي نور الأباجورة. نظر لوجهها لكن شعر بذهول وكان البرق صعقه. وجهها أحمر قاني يبدو وكأنها تبكي منذ وقت طويل.

وأثر الدموع على وجنتيه. مد أنامله يزيح تلك الدموع. لكن أقسم بداخله أن يعرف سبب تلك الحالة وحتما لن يقف مقيد الأيدي. سيجعل المتسبب في دموعها يبكي مثلها. ضمه بقوة له وهو يبتلع الغصة في حلقه ليجذبها لاحضانه مرة أخرى. يحاول النوم. لكن هيهات.. لم يغفي للحظة واحدة. في أحد معارض السيارات يجلس رشاد يضع قدم فوق الأخرى وهو يرتشف من كأس الخمر. ينظر لتلك الفتاة بتركيز. ملامحها عالية ترتدي فستان أزرق طويل.

تضع وشاح أسود على شعرها تبدو في نهاية العشرينات. قاطع الصمت ذلك مساعد رشاد: “أهي دي بقى ‘عفت’ لسه جايه من الشرقية. إنما إيه بت لهلوبة يا سعادة البيه تكنس تمسح تعمل أي حاجة.” عفت بضحكة أنثوية صاخبة: “أي حاجة يا سعادة البيه اومرني بس.” رشاد بتفكير: “بس انتي مش هتشتغلي عندي.” ضر”بت الفتاة بخفة على صدرها. بينما شهقت بذعر: “ليه يا سعادة البيه والله دا أنا شغلي كله زي الفل واشتغلت في بيوت ياما.

وكلهم بيحلفوا بشغلي.. دا حتى خالد هو اللي قالي إنك عايز خدامة وخلتوني أسيب الشغل اللي كنت فيه.” رشاد بابتسامة ملتوية: “ما انتي هتشتغلي بس مش عندي.” خالد: “أومال فين؟ ابتسم بخبث وهو يتنفس ببطء ولذة: “جلال الشهاوي.” في صباح يوم جديد. نهض صالح مبكرا كعادته. لكن تلك المرة لم ينام ولم تغفى عينيه حتى جلس بجوارها. فقط الصمت قد خيم على المكان. بينما يدور عقله في مئة اتجاه. فتحت زينب عينيها ببطء لتسمع صوت صادر من الحمام.

أغمضت عينيها مرة أخرى بارتباك من فعلتها أمس. من المؤكد أنه سيأتي الآن ولن يتركها إلا بعد معرفة سبب ما حدث. سمعت لصوت الباب يفتح. أغلقت عيناها بقوة محاولة النوم مرة أخرى وهي تسمع صوت الخزانة يفتح. فتحت عينيها ببطء لتراه يقف يرتدي ثيابه. خرج من الغرفة دون قول كلمة واحدة. رغم علمه باستيقاظه ورؤيته لها بالمرآة. تنهدت زينب بارتياح وهي تحتضن وسادته. شاعرة ببعض الراحة.

دخل صالح شقة والده وجد إيمان تجلس في الصالون تتطلع على أحد الملفات بانتباه. صالح بجدية: “صباح الخير يا إيمان.” إيمان بارتباك: “صباح النور.. أنا هدخل.” صالح بحدة: “استنى عندك رايحة فين؟ ابتلعت ريقها بصعوبة تنظر لحالة أخيه وعيناه الحمراء يبدو وكأنه لم ينام جيدا: “كنت هغير وأجهز أصل لازم أروح المستشفى بدري كنت شاغلة على حاله و.” قاطعها بحدة وضيق: “إيمان إيه اللي حصل امبارح وخلى زينب بالشكل دا؟! إيمان:

“طب ما تسأل بابا أحسن أنا.” “ردي يا إيمان وانجزي.” إيمان بسرعة: “شروق وأمها كانوا هنا امبارح وحصل موقف بدون قصد زينب والفناجين وقعت. وثرى قالت إن زينب متعرفش حاجة عن الأصول وإزاي هتعرف وهي معندهاش أم تربيها. وزينب طلعت على شقتها لكن بابا طردها وقالها إن الشغل اللي بينه وبين جوزها ملغي يعني مالوش داعي تعمل حاجة.” اضطربت أنفاسه بقوة وكأنها في صراع حاد وهناك حد فاصل بين الفوز والخسارة. عليه إنقاذ نفسه.

صعد لشقته وعيناه تتطاير منها الشرار. فتح باب غرفة النوم وجدها تجلس على الفراش يبدو وكأنها تستعد للنهوض. فزعت حين رأته أمامها. صالح بحدة: “قدامك ربع ساعة وتكوني تحت. أنا في العربية انجزي.” زينب: “صالح الموضوع.” رفع سبابته بوجهها قائلا بحزم: “ولا كلمة ربع ساعة وتنزلي.” غرست أسنانها بشفتيها السفلية بضيق قبل أن تنهض وتتوجه للحمام. بعد مدة. جلست بجواره في سيارته. بينما توجه هو إلى منزل عثمان والد شروق.

حاولت التحدث معه لكن لم يقبل أي نقاش. صف السيارة أمام منزل عثمان. نزلا الاثنان. بينما شعرت زينب بالخوف لتجده يقترب منها. حاوط خصرها بذراعه يحثها على التقدم معه. صعدا إلى شقة عثمان. فتحت لهم شروق وكان وجهها متورم وأصابع والدها تاركة أثرها على وجهها. بعدما حكت له ثريا عما حدث. شروق بغضب: “انتي جاية لحد هنا يا بجحتك.” صالح بغضب وحدّة: “احترمي نفسك وانجزي. نادي على أبوكي.” عثمان: “أنا هنا اتفضل يا صالح اتفضل.”

دخل وهو يشابك أصابعه معها. عثمان: “اتفضل في الصالون لازم نفطر سوا. الفطار يا ثريا.” صالح بحدة: “وأنا مش جاي عشان أضافك يا حج عثمان. أنا ليا حق وجاي آخده.” عثمان بارتباك: “وأنا أدبتها يا صالح لولا البت اللي حليتنا كنت رميت عليها يمين الطلاق بس.” ثريا بمقاطعة وغضب وتسرع: “وإحنا غلطانين في إيه بقى يا صالح. ولا أكون كذبت لما قلت كدا. إيه ولا هتنكر إن الحلوة دي ملهاش أصل.”

لم تكمل جملتها حيث صفعها زوجها بغضب وغيظ من غبائها الذي يخسره الكثير. وأهم خسارة هو صالح الشهاوي وأبيه. “اخرسي بقى يا بنت ال. أنا مش واقف بينكم.” تركها تبكي وشفتيها تنز”ف أثر ضربة لها. عثمان: “حقك عليا أنا يا صالح.. حقك عليا يا بنتي.” صالح بحدة: “وأنا مش مستني اعتذار. أنا عايز اللي غلطت هي اللي تعتذر.” عثمان: “حاضر حاضر.. انطق يا ولية بدل أقسم بالله أرمي عليك يمين الطلاق.” ثريا بدموع: “تطلقني؟! عثمان: “اعتذري.”

زينب بحزن واشفاق: “مالوش لازمة يا.” بترت جملتها بعد أن رمقها بنظرة حادة قاسية. ثريا: “أنا آسفة يا زينب.” صالح بحدة: “زينب هانم.” ضغطت على أسنانها بعنف قائلة بحنق: “أنا آسفة يا زينب هانم.” صالح: “وحاجة لازم تحطيها حلقة في ودنك.” “زينب مش مراتي وبس دي بنتي واسمها على اسمي زينب صالح الشهاوي.” “يمكن منصور مش أبوها ويمكن متعرفش مين أهلها. لكن من يوم ما اتجوزنا وهي بنتي.”

“على الأقل هي رغم ظروفها إلا إنها دايما كرامتها فوق الكل. مش زي بنتك اللي كل كم يوم تنطلي في الشغل وأنا عامل نفسي مش واخد بالي وبقول عيلة طايشة. لكن هي معندهاش دم ولا اتربت.” “أنا لا عمري بصتلك ولا هبصلك ولا حتى تفرقي معايا. لا قبل ما اتجوز ولا بعد. وقبل ما تتكلمي على خلق الله بصي لنفسك.” غادر من منزله بينما دوى صوت صراخ حيث ضربها والدها بغضب. في سيارة صالح.

أخذت تفرك في يديها بارتباك وهي تنظر لزجاج السيارة تحاول تفادي النظر لها. ومع ذلك تشعر بسعادة من فعله تلك. لأول مرة يدافع شخص ما عنها بتلك الطريقة. صالح بجدية وهدوء: “إيديك هتوجعك من الفرك بطلي يا بت بقي.” زينب بضيق وهي تزم شفتيها بحنق: “أي بت دي كمان يا سي صالح؟! صالح بابتسامة جذابة: “بنتي ومراتي.. إيه رأيك تحبي أروحك ولا نخرج؟ زينب: “عادي ممكن أروح عشان تروح أنت الشغل. على فكرة أنا بقلق لما تتأخر ومتكلمنيش.

مش هيحصل حاجة لو كلمتني مش وزير الداخلية هو يعني أبو شكلك وأنت مز كدا.” أطلق ضحكة خافتة. مالي عليها طابعا قبله حانية على وجنتها. بينما ابتسمت بسعادة: “تعالي نتمشى على البحر شوية وأبقى أوصلك البيت.” زينب: “أوكي.” في وقت لاحق في منزل نورهان. صعدت السلم بإرهاق مع تدندن ببعض الكلمات حتى وصلت أمام شقته. دلف إلى الداخل وهي تخلع حذائها. بينما صدح صوت ضحكات عالية من الداخل. ابتسمت وهي تنادي على أخيها. حتى آت صوت والدها:

“تعالي يا نور.” نور بحب: “السلام عليكم ورحمة الله.” بترت جملتها وهي تنظر له جالس على الأريكة في مقابلة والدها. ابتلعت ما في حلقها بارتياب وضيق وهو ينظر لها بعسليتان مميزتان. سالم: “تعالي يا نور.” نور بحدة: “انت بتعمل إيه هنا.. أنا بلغت والدك.” قاطعها بصرامة وهو ينظر لوالدها قائلا بجدية: “ممكن تسيبنا نتكلم شوية يا عمي معلش بس حابب أصلح سوء التفاهم اللي بينا.” سالم بتعب: “ماشي يا ابني أنا هدخل آخد الدوا تشرب إيه؟

باسل بابتسامة: “مالوش داعي تتعب نفسك.” سالم: “لا والله ما تحصل. قولي تشرب إيه؟ باسل بابتسامة: “ممكن قهوة.” سالم: “من عيوني.” خرج وتركهما. بينما شعرت بالذهول وهي تنظر له: “سوء تفاهم إيه؟ انت قلت لأبويا إيه وبعدين انت بتعمل إيه هنا. أنا بلغت أبوك برفضي جاي تعمل إيه.” وضع ساق على الأخرى بغطرسة. بينما أخرج علبة السجائر لينفث سيجارا ببرود قائلا بحدة: “مجتيش في المعاد ليه؟! مسحت على وجهها بغضب وضيق: “انت عايز إيه؟

اديني مجتش عايز تعرف ليه عشان عرضك مرفوض وأنا مقبلش أكون زوجة لواحد زيك. لا وكمان في السرزي الحرامية يعني أقل حقوق أي بنت مش هتكون من حقي. لا يا باشا تشكر مش أنا.” رفع عيناه ينظر لها بوجه خالي من التعبير: “ومين قال إنه في السر.” صمتت للحظات وهي تستمتع لما يقول: “أنا طلبت إيدك من والدك وقلتله إني شفت في المصنع مش أكتر من كدا. وحصل سوء تفاهم بينا واني معجب بيك وعايز اتجوزك.” ابتلعت الغصة بحلقها قائلة: “والحقيقة إيه؟

انت عايز تتجوزني عشان تشيل العائق اللي قدامك وتبقى منعت أبوك عني. لا انت معجب بيا ولا عايز تتجوزني. أقصدك بيعة وشروة. إيه يعني لما تعلن جوازك مني بس هل فعلا هيكون جواز طبيعي. لا يا باشا أنا مش موافقة.” نفث دخان سيجارته قائلا: “مين قالك إني مش معجب بيكي. بالعكس أنا منكرش دا أبدا. وإنك مختلفة عن الأربعة اللي اتجوزتهم وعن أي واحدة تانية.” شهقت بصدمة ووسعت عينيها بارتياب: “أربعة؟!! نهار أسود ومنيل وأنا الخامسة..

اطلع برا.. اطلع برا بقولك.” وقف أمامها وهو ينظر لها بعينانا جميلتان: “أظن الأربعة دول كانوا علاقة هشة. ومفيش واحدة فيهم قدرت تجذب انتباهي حتى. شوفي يا نور وجودك معايا أمان ليك ولأخواتك وتأمين لمستقبلك ومستقبلهم.” نور: “وياترى هتطلقني بعد قد إيه؟ شهر اتنين؟! باسل بغرور وهو يميل عليها قليلا: “مين قال إني هطلقك؟ أقصد يعني إني مش هعمل كدا إلا لما تطلبي دا لو قدرتي تبعدي عني. أصل أنا برضو مش سهل يا شبح.” سالم:

“أحسن فنجان قهوة يظبط الدماغ.” اعتدل سريع وابتسم بود ليجلس بجواره: “تسلم إيدك يا راجل يا طيب.” سالم: “مالك يا نور؟! كانت نظراتها مصوبة عليها منذ دخوله لحياتها. وهناك شيء ما يختلف ببطء وضراوة. شيء متناقض هو. نور بخفوت: “مفيش يا بابا، جاية تعبانة من الشغل هدخل أرتاح شوية بعد إذنك.” تركتهما ووضعت يديها موضع قلبها تشعر بخفقات قلبها المتسارع. مر حوالي ربع ساعة غادر باسل وتركها وقد عبث بمشاعرها منذ أول لقاء.

اعتدلت في جلستها وهي ترى والدها يدلف لغرفتها. سالم: “كويس إنك لسه صاحية يا قلبي، قوليلي مالك؟ نور بجدية وكذب: “مفيش يا بابا بس انت عارف ضغط الشغل.” طبع قبلة حنونة على قمة رأسها بود: “عارفه يا نور، انتي ربنا هيرزقك بواحد ابن حلال عشان انتي بميت راجل. أنا بقيت زي الكرسي في البيت دا حتى مش قادر أصرف عليكي انتي وأخواتك. وانتي اللي شايلة البيت وكل حاجة على دماغك. من يوم ما تعبت وانت اللي شايلة كل حاجة.

عشان كدا ربنا هيكرمك وبكرة تقولي ابويا قال.” نور بحدة: “أولا انت هنا الكل في الكل وبلاش الطريقة دي يا برنس. ربنا يحفظك لينا يا بابا هو أنا أسوي من غيرك. وبعدين ما انت كبرتني وخلتني شاطرة أهو. ولو على الشغل فأنا اتعودت خالص.” سالم بود: “انتي تعرفي الأستاذ دا؟ على فكرة طلب إيديك مني؟ نور بخفوت: “دا دا صاحب المصنع اللي اشتغلت فيه أيام العيد شفته كم مرة. بس موضوع الجواز دا أنا مش بفكر فيه.

وبعدين دا مش شكلنا يا بابا وحياته مش زي حياتي. تفتكر لو قلتله هات أهلك وتعالى اطلبها مني هيجيبهم. معتقدش. أنا حاسة بالضياع يا بابا محتاجة حضنك.” “شكله شاريكي يا نور.. أنا شايف إنك تفتكري يا بنتي طريقته بتقول إنه ابن عيلة متربية.” أغمضت عينيها وهي تتشبث في قميص والدها. بداخلها صراع حاد.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...