شعور السعادة.. هو الأحساس الذي يغمرك فجأة دون سابق إنذار فتصبح مذبذب بداخلك. يطوف في ذهنك السؤال المتردد: هل ستدوم تلك السعادة؟ أم أنها مجرد محطة قصيرة وجدتها فقط لتستريح من عناء الطريق الشاق؟ وتكمل الرحلة على أيه حال؟!
فتحت عينيها بتثاقل وتعب. حركت رأسها يمينًا ويسارًا بفزع، لتجد نفسها على فراش ناعم الملمس شاسع. خرجت شهقة مكتومة وهي تجذب الغطاء على جسدها بارتباك. توغل الذعر برماديتيها، ثم فتحت عينيها هذه المرة برعب وهي تنظر لمن ينام بجوارها متسطحًا على بطنه ذاهبًا في سبات عميق. يرتدي برمودا قصيرة، جزءه العلوي عارٍ بظهر ممشوق صلب وذراع ضخمة تضخ بالعضلات القوية.
بلعت ريقها وهي تتأمل قسمات وجهه الوسيمة وهيئته الجذابة نائمًا هكذا مسالمًا للحياة بما فيه. ارتسمت بسمة خجل على محياها وسط تأملها الهائم لهذا الرجل الوسيم. لحظات أمس تلوح على ذاكرتها، كان مراوغًا عابثًا، مبعثرًا لمشاعر الأنثى بداخلها. همست لنفسها بارتباك ممزوج بخجل: "إزاي سمحت له يقرب بالشكل دا… أنا… أنا لازم أقوم حالا…".
نظرت حولها بارتباك لعلها تجد شيئًا ترتديه، لكن وجدت ذلك المئزر ملقيًا على الأرض. أخذته بدون تفكير، ارتدته وهي تحكم رباطه جيدًا. كانت تنظر لصالح النائم في ملكوت آخر. لاحت على شفتيها تلك البسمة. اتجهت نحو الخزانة، وقفت حائرة وهي تنظر لما تحتويه من ثياب قصيرة وفساتين قصيرة جدًا. استدارت تنظر له بغضب وغيظ وهي تربط يديها أمام صدرها عند تذكرها لما قاله: "تلك الثياب ذوقه الخاص". زمت شفتيها باستياء تلُوم نفسها:
"غبية… غبية يا زينب، متوقعة منه إيه يعني، واحد قليل الأدب". نظرت مرة أخرى للخزانة، اختارت فستانًا. خرجت من الحمام بعد قليل بفستان أبيض مزين ببعض اللمسات الذهبية، متلألئ جذاب، يلتف على جسدها بحياء، قصير قليلاً، بالكاد يصل إلى قبل ركبتيها بقليل. كان شعرها مبللًا ووجهها ناضرًا براقًا، شفتيها حمراء، حمرة صارخة أثر عبثه بعد اقتحامه لها بالأمس. تقدمت من صالح بحرج وهي تنادي عليه برفق: "صالح… قوم يالا بقى كفاية نوم… صالح".
فتح ناظريه بانزعاج، فظهرت تلك العيون الزيتونية الضاربة القاتلة لأي ثبات بداخله. تردد صوتها وهي تضع يديه على كتفه بحنان: "يالا قوم…". اعتدل في جلسته ودعك في عيناه متسائلاً بنبرة ناعسة: "صباح الخير يا زينب… هي الساعة كم؟ زينب بفتور: "صباح النور… الساعة عشرة ونص… أنا هنزل أحضر الفطار…". كانت ستنهض من مكانها، لكنه أمسك يديها ليجذبها بسرعة له قائلًا بخبث: "رايحة فين؟ إحنا مش بنتكلم؟ نظرت له بخجل لتجيب بضيق:
"نازلة أحضر الفطار وبعدين بطل قلة أدب لو سمحت". مالي عليها وهو يطبع عدة قبلات حانية على وجنتها قائلًا بمراوغة: "اخص عليك يا زبدة… أنا قليل الأدب برضه… بس قوليلي هو إيه اللي حصل امبارح، لأن حاسس إني مش فاكر أي حاجة". حاولت دفعه بخجل وضيق من أسلوبه الماكر: "صالح سيبني أقوم… مينفعش كده… وبعدين أنا جعانة سيبني بقى".
كبل خصرها جعلها تستلقي بجواره. ضحكت بصدمة بها لمحة مرح وهي تحاول دفعه. طُل عليها بهيئته الرجولية التي تزعزع كيانها، مذبذبة ثباتها أمامه: "والله يا صالح جعانة سيبني بقى أنزل وبطل تحرجني". نظر لها طويلًا متأملًا بهدوء. سألته زينب بخجل: "بتبصلي كده ليه؟ سافرت عيناه على وجهها يخبرها بخفوت: "إنتي حلوة أوي يا زينب". ابتسمت بعذوبة وهي تقول برقة: "بجد ولا بتجبر بخاطري؟ أكد بنفس الهمس والنظرات: "بجد حلوة…".
ابتسمت بحماس وهي تلف يديه حول عنقه قائلة بخبث: "طب إيه أكتر حاجة حلوة فيا؟ مد يديه يزيح خصلات شعرها عن وجهها وعيناه تأبى ترك رماديتها: "كل حاجة… عيونك.. شعرك الطويل.. ابتسامتك.. ملامحك.. كل حاجة فيك". ابتسمت له بحياء معترفة بدون إدراك، مفصحة عن مشاعر مبعثرة: "وانت كمان حلو أوي". رفع حاجبيه بدهشة مصطنعة وهو يسأله بمزاح: "إيه دا بجد… أنا حلو…". ردت بعفوية: "آه والله قمر.. ملامحك مش ملزقة.. عيونك كل حاجة قمر فيك".
تعثر في ضحكة قوية من ردها السريع والعفوي، فسألها بدهشة: "إنتي بتعاكسيني ولا إيه؟ أخبرته وهي تضحك على ضحكته: "إيه يعني ما أنت بقالك ساعة بتعاكس…". غمز لها وهو يخبرها بغرور: "أنا أعاكس بس متعاكسش.. دا أنا صالح برضو". ردت بغيرة وعفوية: "وعاكس كم واحدة على كدا بقى إن شاء الله يا سي صالح…". مالي عليها ليهمس برفق مذيبًا لها: "أنا عاكسك إنتي يا زبدة".
لم تستوعب بعد أن أطبق على شفتيها يقبلها بنهم. لكل قبلة طعم ولكل لمسة معنيان. انتابها الضياع من بين عواصف مشاعره. في كل لمسة يحاول بشتى الطرق أن يطفئ رغبته بها، يكره ذلك الشعور بالضياع والضعف بين يديه، لكن يبدو أنه حينما اقترب منها شعر وكأنه شرب السحر وقد بدأ المفعول الحقيقي. ربما لأن الأمر لا يتعلق بالرغبة في الاقتراب منها، ربما لأن السبب الحقيقي أنه وجد بها شيئًا أقوى، شيئًا أقوى بكثير من الرغبة. هل هو الحب؟!
ومتى سيعترف به أو بوجوده؟! *** نزلت الدرج بخطوات شارده وعقلها لا يستوعب كل ما حدث منذ أتت معه بالأمس لتلك الفيلا الفخمة. تشعر وكأنها فراشة تتمايل بحرية في بستان خاص، في أرض لم يتم استهلكها بعد. قلبها متيم بتلك الأرض، لم تعترف بعد، فقط تنساب بنعومة بين طيات زهور تلك الأرض. تلك الأرض هي قلب حبيب تيمها قلبها بعشقه. ابتسمت وهي تغمض عينيها بسعادة وانتشاء. ما سر تلك الحلاوة الجميلة معه؟
لم تحلم يومًا بتلك المشاعر، لم ينتابها الشوق لحياة مثل تلك. الأمر لا يتعلق بالرفاهية على قدر ما يتعلق بصالح نفسه. زوجها؟! ذلك المراوغ الوسيم القوي، ذلك الحنون، زوجها؟! هذا الذي تشعر به معه… الكمال وسعادة تغمرها معه، زوجها!!
يشعرها بأنوثتها التي أهملتها طوال حياتها في الكفاح لأجل حياة مستقرة على الأقل. لكن جاء هو ليغمر كل ذرة من مشاعرها. إلى الآن لا تصدق أنه أصبح زوجها. هل عليها تكرار تلك العبارة كثيرًا حتى تصدق أنه زوجها؟! يا الله. صعدت بعد قليل لغرفتهما بعد أن حضرت وجبة الإفطار. ذلك المكان لا يوجد به أي شخص آخر غيرهما. لا خدم ولا ضيوف ولا أي شخص سواه.
أخذ حمامًا دافئًا وارتدى طاقمًا مريحًا. صفف شعره الأسود للخلف. دلفت للغرفة وهي تحمل تلك الصينية بين يديها لتضعها بجانبه. "يالا الفطار جاهز…". ابتسم وهو يجلس على الأريكة لتتركه ثواني بقا ينتظرها إلى أن أتت. جلست بجواره بخجل وحياء رغم كل ما حدث بينهم. "مش هتفطري ولا إيه؟ "لا افطر انت… أنا ماليش نفس و…". قاطعها وهو يضع قطعة من الخبز في فمها قائلاً بلوم وجرأة: "معقول مكسوفة… مش معقول بعد كل دا".
رمقته بنظرة حادة غاضبة تبتلع الطعام. ليضحك بخفوت وهو يتناول طعامه ويختلس النظر لوجهها الغاضب. "صالح هو… هو إيه اللي حصل لمليجي في السجن… معقول فعلًا مات زي ما بيقولوا؟ جن جنونه في لحظة لفظ اسم ذلك الحقير: "مليجي". سحبها بقوة في جلستها المجاورة له لتكن ملصقة به في لحظة. لاحت بوادر الخوف على ملامحها منه. "بتسألي عليه بتاع إيه… انطقي". انكمش جسدها بارتياع قائلة: "أنا مقصدتش حاجة أنا بس…". هدر صالح بجزع من
بين أسنانه المطبقة عليهم: "أول وآخر مرة اسمه… يجي على لسانك… فاهمة". تركها بعنف وهو ينهض من مكانه ليقف في الشرفة. شعرت بدموعها تترقرق بعينيها قبل أن تنهض ترتدي المئزر الطويل على فستانها القصير. وضعت حجابًا بسيطًا على شعرها قبل أن تدلف للشرفة لتقف وراءه مباشرة. تجرأت ووضعت يديها على يديه الممسكة بالسياج. اضطرب جسده من تلك اللمسة المباغتة منها، فرفع عيناه الغاضبة عليها. ابتسمت معتذرة وهي تنظر له:
"أنا آسفة والله مقصدتش أي حاجة يا صالح أكيد يعني مش هحب أذكر اسم واحد حاول يعتدي عليا… صدقني أنا مقصدتش أي حاجة من اللي ممكن تفهمها… كان سؤال عادي أنا بس كنت عايزة أعرف لو لك يد في اللي حصل أنا مش عايزة أك تأذي نفسك". أخبرها بحزم وغضب لا يستهان به: "لأ يا زينب ماليش زفت يد، وما يتكررش تاني يا زينب… فاهمة". أومأت له بطاعة وهي تقترب منه بدلال تضع يديها على صدره. رفعت رأسها إليه ببراءة معتذرة:
"مفهوم… والله آسفة… خالص بقى يا صالح". زمجر بضيق وهو يضغط على ذراعها: "لأ مخلصناش…". رفع رأسها بقوة وانحنى عليها منقضًا على شفتيها من جديد بغضب. بادلته بحنان ونوع من الاعتذار ليجن جنونه من جديد، وكأنها أول مرة يقبلها أو يقترب منها. تظن أنك قادر على الابتعاد، وأظن أنا أنني قادرة على امتلاكك.. وما العشق إلا ذنب يطالب بالغفران. ***
في شقة يوسف الصاوي. دلفت إيمان ببطء وعلى محياها ابتسامة جميلة ومع ذلك خوف ينهش بواصلها. آخر ليلة وبعد سيغادر من أجل عمله. يعود مرة أخرى للندن. حاولت التخفيف عن نفسها بقضاء وقت جميل معه في آخر كم ساعة بينهم. جلست على طرف الفراش وهي تنظر له. ابتسمت بخبث وهي ترفع الغطاء لتضع يديها الباردة على صدره. فتح عينيه بانزعاج أثر مشاغبة تلك الفتاة. ابتسم وهو يجذبها تنام في الجهة المقابلة له وهو يحتضنها باشتياق. رد بنبرة ناعسة:
"إيديك ساقعة كده ليه يا إيمان؟ ابتسمت بينما تمرر أصابعها على صدره بنعومة: "يوسف أنت خلاص هتسافر؟ فتح عينيه مرة أخرى بتركيز وهو ينظر لها: "مش اتفقنا خلاص يا إيمان.. وخلاص الطيارة بتاعتي كمان كام ساعة". ردت باختصار صادق: "عارفة بس إنت هتوحشني". ابتسمت وهو يميل عليها ليصبح وجهه مقابلاً لوجهها قائلاً: "تعرفي بعد هتوحشني دي أقسم بالله عندي استعداد ألغي السفرية خالص".
وجدته يميل عليها مراوغاً يلثم شفتيها ببطء مذيباً لاعتراضها هامساً: "لو عليا يا إيمان آخدك ونبعد عن كل حاجة ونفضل أنا وانتي وبس…". دفعته بعيدًا عنها قائلة: "خلاص إنت طيارتك بليل…. تحت تتغدى إيه؟ إيه أكتر أكلة بتحبها؟ ابتسم وهو ينام مرة أخرى جاذبًا إياها: "مش مهم يا إيمان اعملي أي حاجة مش هراجع وراكي يعني…". ردت بتصميم: "لأ طبعًا هيفرق معايا… ها إيه أكتر أكلة بتحبها…".
"طب هقولك أسهل أكلة مش لازم أكتر أكلة يعني.. مش هتعرفي تعمليها صدقيني". إيمان بحدة: "إنت مالك قول بس؟ بطل رخامة يا يوسف". "خلاص يا ستي مش رخامة عليك أكتر أكلة بحبها.. بصي هو ممكن ورق العنب مع كوارع مع طبق صغير بتنجان مخلل…. هتعرفي تعملي كوارع؟! زمت شفتيها للأمام باستفزاز: "بص هجرب بس الصراحة هكلم ماما هي بتعرف تعملها هسألها يعني…. خلاص الساعة أربعة إن شاء الله نتغدى سوا. إنت هتروح فين دلوقتي؟ "زهقتي مني ولا إيه؟
"لأ بس أنا أقصد لازم تروح لوالدتك ونيران وتسلم على الجماعة قبل ما تسافر". "عندك حق هروح أطمن على ماما وأسلم عليها وكمان نيران". "تمام يا حبيبي اللي تشوفه… يالا أنا مجهزة الفطار بطل كسل……". نهض من على الفراش قائلاً بمزاح: "طب مفيش بوسة كدا على الصبح عشان النشاط يحلو والواحد يقوم بنفس مفتوحة". لكزته بقوة وغضب قائلة: "احترم نفسك و قوم يالا……".
"يا بت دا أنا مسافر حتى….. افرضي عيني زاغت على واحدة كدا ولا كدا في لندن مش هيبقى بسببك…. آآه هتخنق يا بت المجنونة". مسكت عنق قميصه بغضب وهي تجز على أسنانها قائلة بنبرة محذرة: "عينك تزوغ كدا ولا كدا…. ليه إن شاء الله إيه مش كفاياك عشان تبص برا وبعدين لو واحدة من اللي شغال معاهم حاولت كدا ولا كدا…". قاطعها بغمزة شقية: "هغض بصري طبعًا يا عيوني". ضحكة شقية شقت شفتيها بفخر وهي تعيد هندمته:
"برافو عليك…. شاطر يا حبيبي… محترم". قبّلها من وجنتها ليقول معقباً: "من يومي… ولا إنتي ليكي رأي تاني؟ إيمان بحدة: "رأي إنت تقوم زي الشاطر كده تاخد شاور وتيجي نفطر يالا……". "ربنا على الظالم". بعد مدة طويلة. تقف في المطبخ لتبدأ في إعداد الطعام، وعلى الناحية الأخرى تتحدث مع والدتها في الهاتف. "آه يعني أحط الطاجن كده في الفرن خلاص؟ "أيوه بس الأول ملح وفلفل أسود والبهارات مظبوطة". "ثواني كده….. آه آه".
"تمام متنسيش بقى تحطي بمون على ورق العنب زي كل مرة". "مش لازم تسيحلي يا حاجة خلاص ماشي افتكرت….. حاجة تاني؟ "مكنتش أعرف إن الجواز هيخليكي تقفي في المطبخ تعملي كوارع لو كنت أعرف كده كنت جوزتك من زمان للواد يوسف ده، طلق ليه تأثير قوي عليكي". ابتسمت إيمان ليزهر وجهها أصبح أكثر إشراقًا: "وحضرتك كنتي زمان تتوقعي إنك انتي تتعلمي كل الأكل ده…". تنهدت براحة قائلة:
"لأ طبعًا بس بحب أشوف نظرة الانبهار في عيون جلال فكنت بتعلم أي أكلة حتى لو حرقتها في الأول كان بياكلها……". "علشان كده بابا عمره ما بص لواحدة غيرك…. أنا هقفل دلوقتي قوليلي عايزة حاجة أجي أعملها معاكي". "استنى بس إنتي هتروحي المستشفى امتى أبوكي بيقول إنك خلاص هتبدأي شغل".
"آه بكرة إن شاء الله… بس يعني على خفيف لحد ما المستشفى تثق إن إيدي بقت كويسة وقادرة إني أشتغل بيها بمهارة وإن شاء الله مش هياخد وقت طويل، بصي يوسف يسافر وأنا هجيلك ونرغي براحتنا…". "أوكي هستناكي سلام". *** بعد فترة قصيرة. انتهت من إعداد الطعام وتجهيز سفرة مميزة. "كده كله حاجة ظبطت الحمد لله..".
دَلفت لغرفتها لتأخذ حمام دافئ استعدادًا لمقابلة زوجها بحماس. وقفت بعد قليل ترتدي ثيابها والتي اختارتها بعناية لتبدو في غاية الأناقة. ارتدت فستانًا زهريًا يصل لركبتها ينساب بنعومة ليبرز جمال قوامها الممشوق. أخذت عقد الألماس الذي هداها إياه ترتديه مع بعض لمسات المكياج لتبدو في غاية الجمال. تتمايل بنعومة وحماس. لو أحببت بصدق لوجدت الحب أمامك. يناديك بلهفة. فلا تكن غبيًا وتقدم.
نظرت لنفسها برضا وهي تخرج من الغرفة، من المؤكد أنه سيأتي بأي لحظة. ما إن فتحت باب غرفتها حتى وجدته يدلف من باب الشقة. نظر لها جمالها الخلاب بغضب وحدة قبل أن يتقدم منها. "مالك يا يوسف…. " "فين موبايلك؟ …" سألها باختصار حاد. "هناك أهوه….. حصل إيه؟ جذب هاتفها يفتحه وهو يزم شفتيه بحنق: "رنيت عليك كم مرة…. ردي". نظرت للهاتف أمامها قائلة بارتياع: "خمسة عشر مرة؟ ليه حصل إيه؟ كنت باخد شاور وسمعته بس…. بس كنت…. مشغولة".
يوسف بصدمة وتهكم: "يعني عارفة إني بكلمك وطنشتي". إيمان بسرعة: "والله أبداً بس أنا آه عارفة إن دي رنتك بس كنت باخد شاور وبعدها قلت لما أخرج هكلمك وخرجت أغير و طبعًا نسيت و…". جز على أسنانه وهو ينظر له بغضب أكبر: "نسيتي…. تمام… تمام يا إيمان". إيمان بدلال: "خلاص بقى يا جو متكبرش الموضوع والله نسيت…". ضرب الحائط بجواره قائلاً بغضب: "بلاش الكلمة دي بتعصبني…. بلاش تيجي تبرري بغباء عشان بتنهيلي الدنيا أكتر".
"إنت مش ملاحظ إنك بتفور يا يوسف في إيه يعني والله مكنتش أقصد". "عارف إن يمكن بفور…. بس أنا برتاح لما يطمن عليكي وخايف أسافر وأنا عارف إنك هتهملي الرد عليا ساعتها ببقى هاين عليا أرجع. عشان خاطري يا إيمان بلاش تطنشي مكالمتي بعد كده". ابتسمت بهدوء معتذرة: "طب والله العظيم أنا آسفة وأوعدك مش هتحصل تاني أبدًا…. خلاص بقى فك إنت خضتني أصلًا وأنت داخل…. ". مسك خصرها بقوة وقربها منه قائلاً بحدة:
"تردي على طول ولو أي ظروف وما عرفتيش تردي عليا ترني عليا أول ما تشوفي مكالمتي وبلاش كلمة نسيت دي بتعصبني……". "حاضر يالا بقى عشان نتغدى أنا جهزتلك شنطتك وكل حاجة جاهزة يالا بقى بلاش تضيع وقت في خناقات ملهاش لازمة". "ماشي يا ستي يالا أم نشوف آخرتها بس إيه الجمال ده… إنتي بتغريني عشان مسافرش ولا إيه…. ". اكتفت بابتسامة تتمنى لو تخبره ألا يسافر. قاطعها من شرودها صوتها المصدوم:
"إيمان إنتي بجد عملتي الأكل ده…. دا أنا قلت هتكنسلي الموضوع". إيمان: "إزاي بقى ومن إمتى بنت الشهاوي بترجع في كلمة قلتها". "ياواد يا جامد إنت يا واثق من نفسك". أخبرته بفتور: "طب دوق الأول بس يمكن متعجبكش". طبع قبلة على قمة رأسها قائلاً: "أي متعجبنيش كفاية تعبك…".
ابتسمت وهي تجلس بجواره يبدأ بتناول طعامه بإعجاب وكم سيشتاق لذلك المذاق. مذاق الحب الذي لم يجربه يومًا إلا بقربها وحدها. يبدو وكأن تلك الفتاة جمعت لوعة واشتياق لتلك السنوات الضائعة لتغمره بها الآن. وبين غمرة ضياعك أتفنن بالعشق. ***
خرجت نور من المصنع بعد انتهاء يوم عملها. دلفت من البوابة الكبيرة لتخرج إلى الشارع الرئيسي، لكن انتبهت لوجود "زيدان العلايلي". كان يجلس بداخل سيارته أمام مبنى المصنع وكأنه في انتظار أحد. توترت مما يحدث وهي تنظر له، وخصوصًا بعدما أخبرت نريمان بموقف الحارس الشخصي في الصباح ورغبة صاحب المصنع في رؤيتها بمكتبه الخاص، لتخبرها نريمان بأن تستبشر وأنها محظوظة، ومؤكد أنه اختارها هي لتكون زوجته التالية أو بمعنى أدق (لعبته)
يتسلى بها لفترة قصيرة ثم يتركها في النهاية. شعرت بالاشمئزاز كلما فكرت في الأمر. كيف لامرأة أن تبيع جسدها تحت مسمى الزواج المؤقت. أخذت نفس عميق. تسير ببطء الناحية الأخرى من الطريق. لكن ما إن سارت بجوار السيارة وجدت أنه ينادي عليها بلطف: "آنسة نور…". ترجل من سيارته وهو ينظر لها، بينما توقفت بحنق وضيق قائلة بحدة: "في حاجة يا فندم؟ ابتسم وهو يلمح نظرة الشراسة تلك بعينيها، ليعرفها بنفسه:
"أهلاً يا آنسة… أنا زيدان العلايلي صاحب المصنع، أظن تعرفيني". امتعض وجهها بحنق قائلة بحدة: "آه يعني عايز إيه؟ وإيه اللي يخلي بيه زيك يوقف واحدة زي في نص الشارع كده… إنت صاحب المصنع على عيني ورأسي بس أنا هنا بشتغل بتعبي واللي ليك هو شغلي واللي ليا هو المرتب…. إيه بقى اللي يخلي حضرتك توقفني كده يا زيدان باشا". أجابها بهدوء وهو ينظر حوله:
"أنا عايز أتكلم معاكي في موضوع بس أظن إن المكان مش مناسب… تعالي نقعد في أي حتة ونتكلم". حاولت كبح غضبها بتقول بحدة: "معلش يا باشا مبروحش مع حد معرفوش وتشكر بعد إذن حضرتك". كانت ستنهض وتتركه، لكن أمسك يديها قائلاً بفتور: "مش هاخد من وقتك كتير". صاحت بغضب وحدة: "سيب إيدي أحسن لك عشان قسما بالله إن عليا حتة دين صوت ممكن يجيب بوليس النجدة لحد هنا، ولسه فاتحة دماغ واحد من يومين بلاش تكون إنت اللي عليك الدور".
ترك يديها وهو يتجه نحو سيارته، فتح الباب لها. وقفت لثوانٍ تفكر في الأمر، وجدت نريمان وبعض الفتيات يقفن أمام البوابة ينظرون لها بحقد، وكأن طاقة القدر فُتحت لها. غرزت أسنانها بشفتيها السفلية بغضب وهي تدلف إلى داخل السيارة. انطلقت سيارة زيدان، بينما يراقبها سيارة أخرى خاصة بأحد رجال (باسل العلايلي)
بعد حوالي نصف ساعة. في مقهى راقٍ جدًا لا يوجد به الكثير من الأشخاص، أو بالأصح خالٍ تمامًا. أخذت نور تطرق على الطاولة أمامها برفق وهي تستمع لعرضه المغري ذاك. فاقت من شرودها على صوت النادل يقف بجوار الطاولة حيث وضع أمامها كوبًا من الشاي كما طلبت، ووضع أمامه فنجان قهوة. "حاجة تانية يا فندم؟ ابتسم زيدان من باب الذوقيات ليسألها برفق مبالغ فيه: "تحبي تاخدي أي حاجة مع الشاي؟ همست ببعض الكلمات لنفسها بحنق:
"نفسي عزرائيل يجي ياخد روحك يا بعيد…". قالت بصوت هادئ: "شكرًا…. روح إنت دلوقتي". غادر النادل تاركًا وراءه زيدان يترشف من فنجان القهوة وهو يتفحص ارتباكها الواضح. لأول مرة تتعرض لموقف كهذا: "ها يا أستاذ زيدان مش فاهمة برضه حضرتك عايز إيه عمال تلف وتدور والصراحة أنا عايزة أمشي".
"بصي يا نور مش هلف وأدور عليك أنا شفتك امبارح في المصنع والصراحة عجبتني.. يعني فيكِ حاجة مميزة عن باقي البنات…. طبعًا بعد كده جبت عنك كل المعلومات اللي تخصك". ليتابع وهو ينظر لها باهتمام:
"زي مثالًا إنك عايشة مع أبوكي الراجل المتقاعد عن العمل وأخواتك الاتنين أصغر منك… سيف وعبد المنعم… زي مثالًا الشقة اللي بالإيجار اللي إنتي عايشة فيها وممكن في أي لحظة تطردي إنتي وأخواتك في الشارع… خطوبتك اللي اتفسخت من مدة صغيرة وحياتك المتلخبطة دي". ابتسمت نور بخبث وهي تقرب وجهها للطاولة، بينما تسند ذقنها على كف يديها قائلة بضيق: "آممم طب وبعدين.. يعني عايز إيه؟
وحضرتك ليه تهتم بكل المعلومات دي عني، ولا يكون المرتب اللي هتدولي هيقصر مع ميزانية شركاتك، لو كده يا عم الله الغني عنك مش عايزة المرتب ده…". انتهت من كلمتها بغضب وهي تنهض تكاد تغادر المكان، ليأتيها صوت حاد مُهيب: "لو مشيتي دلوقتي أوعدك هترجعي مش هتلقي مكان تباتي فيه لأن شقتك والعماره أنا اشتريتهم وناوي أهدمها وأبني عمارة تليق باسم شركات العلايلي…". أخذت نفس عميق قبل أن تستدير لتنظر له بحدة:
"ما تنجز وتقول إنت عايز إيه يا عم إنت؟ ابتسم بخبث وبدأ بفرض سيطرته عليها: "طب اقعدي بس اقعدي بلاش الحمقة دي". جلست مرة أخرى بقلة حيلة: "كويس قعدتي يبقى نتفق…. شوفي يا نور أنا عايز اتجوزك وقبل ما تفهمي غلط… أنا أقصد جواز عرفي عند مأذون أوكيه، لكن مفيش مخلوق هيعرف حاجة عنه وخصوصًا الصحافة، لأن لو شمت خبر قولي على نفسك يا رحمن يا رحيم…… هتستفادي إنتي إيه؟
مبلغ محترم هيتحط باسمك في البنك… شقة في مكان راقي… مستقبل متأمن ليكي إنتي وأخواتك…. وبعدين هتنبسطي معايا أوي… كل اللي هتطلبيه هيكون مجاب…. هتكوني ملكة تأمري وتنهي…. مش واحدة الدنيا عمالة تلطش فيها وهي بتنوح عشان في الآخر تترمي مهدودة من شغل طول النهار على كم مليم. واحدة زيك تستاهل باشا ينشلها من الفقر اللي هي فيه……".
لا تعرف هل سحر الكلمات هو من جعلها بذلك الهدوء أمامه…. أم أن تخيلها لما يقول هو من جعلها هادئة…. مهما كانت صلبة من الخارج، لكنها هشة جدًا من الداخل. مرت بالكثير والكثير. لكن هل تلقي بنفسها في النهاية بين يديه؟ نور بحدة وكبرياء أنثى تقبل أن تعيش فقيرة طول حياتها حرة. لا أميرة تعيش في سجن. كلما تفكر بحالها تشمئز من نفسها: "ولو رفضت؟ ابتسم وهو يخرج سيجار ينفثه ببطء وهدوء مريب:
"عادي…. إنتي حرة بس شوفي بقى هتروحي فين إنتي وأخواتك لما يجي وقت الإيجار ومتعرفيش تدفعيه بمرتبك ده… هتخليكي زي ما إنتي على فكرة أنا مش هوفر ولا يمكن أذيكي حتى لو رفضتي بس هتكوني خسرتي عرض لا يمكن يتكرر يا نور…. أنا طلبي في الحلال يا نور…. فكري أنا مش عايز ردك دلوقتي، ووقت ما تقرري هستنى مكالمتك…. ". حاولت ألا تظهر ارتباكها والصراع بين عقلها والواقع. محاولة الهرب من ذلك العرض المغري. "أنا لازم أمشي بعد إذنك…".
ابتسم بخفوت وكأنه قرأ حيرتها تلك: "تمام اتفضلي هوصلك…". "لأ شكراً هاخد أي ميكروباص". زيدان بهندمة وشياكة: "لأ طبعًا ميحصلش هوصلك… اتفضلي". ابتسمت بارتباك وهي تتضبط حجابها، تخرج من ذلك المقهى تصعد معه في سيارته، بينما يتوجه بها إلى منزلها. حيث كانت شارده الذهن. توقفت سيارته أمام الحي التي تسكن به. "لو سمحت وقف هنا مينفعش تدخل أكتر من كده… أقصد يعني عشان الناس".
أومأ له بتفهم. ترجلت من السيارة بخطوات مرتبكة، بينما زيدان ابتسم لها. يظن أنه قادر على امتلاك أنثى متقلبة كهذه. دلفت نور لشقتها وأخذت تحدث نفسها بالكثير والكثير لتشعر عقلها يكاد يفتك بها ويلعن ضعفها وللحظات أمامه قائلة بعتاب وجلد للذات:
"نور بلاش ترخصي نفسك هتستفادي إيه لما تتجوزي واحد أد أبوكي وبعدها بكم شهر يرميكِ، لأ ولأ، وإن شاء الله أبقى مفلسة أنا مش رخيصة عشان أبيع جسمي للي يدفع، وإن شاء الله ربنا هيفرجها… يارب". *** في قسم البوليس في (…..)
بالتحديد في مكتب وكيل النيابة. يجلس باسل خلف مكتبه ينفث سيجارته ببرود وهو يعمل على تلك الأوراق أمامه، يضع ساقه على الأخرى بغطرسة كعادته. رفع رأسه وهو ينظر لهاتفه الذي صدح للتو معلنًا عن اتصال من مساعده الشخصي. فتح الخط يستمع لأهم المعلومات. أطفأ السيجار وهو ينهض من مكانه، يضع يديه في جيب بنطاله. خرج من المكتب ليقف في الشرفة بينما يستمع لما يدوي عليه. لم يعلق سوى بسؤال واحد: "اسمها إيه؟ أجاب نيروز باحترام:
"نورهان سالم……". عقد ما بين حاجبيه باستنكار وما زال صدى الاسم يرن بأذنيه، قائلاً بارتياب: "ساكنة في (….) نيروز: "بالظبط يا باشا…. هو حضرتك تعرفها؟ زفر بشك وارتياب يشعر بثقل على صدره. تلك الفتاة!!! هل رخيصة كذلك؟ هل خدعه عقله عندما شعر للحظات بأنها تختلف عن الأخريات؟ قائلاً بحدة: "معقول وهي وافقت على عرضه؟ نيروز:
"البنت دي مش شغالة في المصنع حضرتك عارف الضغط اللي بيكون على مصنع الشكولاتة في فترة العيد وهي من البنات اللي اشتغلوا بعدد الساعات….. زيدان باشا قعد تقريبًا معها نص ساعة في الكافيه". باسل بسخرية: "طالما وصلها يبقى وافقت… ماشي يا شبح. خلاص يا نيروز أنا هتصرف اقفل دلوقتي". نيروز: "تمام يا باشا حضرتك هتيجي الشركة النهارده". باسل:
"أنا خلاص هقدم استقالتي… المجموعة محتاجة كل وقتي وأنا مش محتاج إني أفضل وكيل النيابة وفي غيري يستاهلوا المكانة دي…". أغلق الهاتف وهو ينظر من تلك الشرفة للطريق وذلك الازدحام. "ماشي يا شبح… ماشي يا بنت ال…". *** في إحدى العيادات الخاصة. يجلس جلال وبجواره حياء في انتظار الطبيب. "ممكن تهدأ لو سمحت… التوتر مش كويس عشانك يا جلال".
ابتسم بارتباك يحاول الثبات على قدر المستطاع أمامها، لكن خوفه يغلبه. فردت يديها أمام يديه ليشابك أصابعه بأصابعها مبتسمًا برفق: "هو أنا باين عليا أوي إني خايف عليك". حياء بهمس: "أوي أوي…". جلال بهدوء: "تفتكري صالح وزينب فين دلوقتي وليه رفض يقولنا هما سافروا فين؟ ابتسمت وهي تغمز له بشقاوة: "يا جدع إنت مالك هو أنت حد كان سألك أنا وانت رحنا فين في شهر العسل بتاعنا؟
فاكر يا جلال قعدنا أسبوع لا بتنزل لا الوكالة ولا الشادر، لدرجة إن نوارة الله يرحمها كانت كل ما تشوفني تقولي أسبوع يا قادرة أسبوع كنت بضحك أوي الصراحة وانت أصلًا مفتري". جلال بسعادة: "إن كان عليا مكنتش عايز أنزل خالص بس أعمل إيه بقى… بس أمي قالتلك كده إمتى؟ مش فاكر إنك قولتيلي حاجة زي كده". حياء: "كنت بتكسف أقولك عشان عارفة إيه اللي هيحصل بعدها….. كنت قليلة الأدب أوي الصراحة والناس كلها بتشهد باحترامك حكم".
جلال بمراوغة: "قلة الأدب دي للحبايب بس يا عيوني…. ". حياء: "وربنا هسيبك وأمشي وبطل تكسفني ويالا بقى ظبط عشان الدكتور جاي……". دلف الطبيب إلى المكتب معتذرًا: "آسف لو اتأخرت عليكم…". جلال: "ولا يهمك يا دكتور ها إيه الأخبار؟ الدكتور بابتسامة:
"الحمد لله نتيجة التحليل كلها بخير الحمد لله بس المشكلة في المعدة. كنت شاكك إن المشكلة في الكبد بسبب الأعراض دي، بس الحمد لله المشكلة طلعت بسيطة في المعدة والألم اللي حصلت دي بسبب لخبطة في الأكل، غير هكتبلها شوية أدوية لازم تلتزم بيهم وبلاش أكل الشارع أو الحلويات أو الآيس كريم والحاجات دي واضح إن حضرتك بتاكليها كتير". جلال: "فعلًا يا دكتور". الدكتور:
"تمام الحاجات دي ممنوعة تمام ولازم نظام غذائي صحي وبلاش أكل في وقت متأخر…". حياء: "بس أنا مبحبش الطريقة دي". جلال بحدة: "تمام يا دكتور هنعمل اللي بتقوله". حياء بحنق: "جلال؟! نظر لها بضيق وحدة قائلاً بصلف: "اسكتي أحسن لك……". صمتت للحظات بضيق وهي تربط ذراعها أمام صدرها بحركة طفولية لإغاظته. "لو مسكتش هتعمل إيه يعني؟ بعيون مشتعلة من الغضب: "هكسر راسك……".
هدرت أنفاسها بخشونة قائلة بغضب أحمق لن تتغير أبدًا مهما مرت السنوات. جميلة. أردفت بعند: "…..تمام يا دكتور أنا بقى مش هاخد الأدوية دي وأبقى وريني شطارتك يا سي جلال". تركته وغادرت العيادة. أخذ نفس عميق بغضب ليبتسم وكأن تلك المرأة منفصلة عن الواقع، لا تهتم بالعمر ولا السنين، لا تهتم سوى بفعل ما يدور برأسها. بعد مدة دلفت إلى شقتهم، بينما ساد الصمت طول الطريق، لم يريد أن يفرغ طاقة غضبه عليها وهي كذلك. همست
لنفسها ببعض الكلمات بحنق: "كل شوية هكسر راسك هكسر راسك لحد ما في الآخر عايز يخنقني، أكل إيه وأعمل إيه وأدوية إيه…. إيه القرف ده…. وأهو حتى مهنش عليه يجي يكلمني وراح لصاحبه. طب ما يولع……".
دَلفت للحمام لتأخذ حمامًا دافئًا يريح أعصابها المشدودة وكأنها ليست المخطئة أبدًا. خرجت بعد مدة ترتدي ثياب الاستحمام، توجهت وهي تجفف شعرها بالمنشفة إلى غرفة الملابس لتبديل ثيابها بأخرى مريحة. أغلقت الباب خلفها بدون أن توصد جيدًا. بدأت باختيار الملابس عبارة عن بيجامة سوداء ذات ملمس ناعم. أغلقت الخزانة واستدارت لتصدم جسدها بحائط صلب…. شهقت بصدمة وهي تفقدت ما أمامها لتجده جلال يقف أمامها لا يفصلهم شيء.
"جلال بتعمل إيه هنا؟ " سألته وهي تبتلع ما ريقها بغضب وحرج كذلك. تلامس خصلة مبللة من شعرها بأطراف أصابعها: "كنت جاي أتكلم مع سيادتك… ياريت تفضي شوية وقت من وقت معاليكِ". نظر لها بوقاحة متفقداً قوامها المغطى بذلك الثوب وكأنه يجرده من عليه. شتت عقلها بتلك المراوغة الواضحة. أشاحت ببنيتها خجولتان قائلة: "ماشي يا جلال أنا هغير وأجي نتكلم، ممكن بقى تستناني برا".
تنهد بخبث واستدار مبتعدًا عنها. أوتلت له ظهرها عمدًا لحين ذهابه من أمامها سريعًا. هدأ المكان من حولها، فلفتت متفقده الغرفة. شهقت بفزع حين وجدتـه مستندًا بظهره على الحائط يتفقد هاتفه باهتمام. "بتستهبل يا جلال…. إيه دا؟ معنى إيه مش فاهمة؟ رفع عينيه وتقوّست شفتيه باستمتاع لإغاظتها: "مش قولتي استناني واديني واقف مستني…". مسحت على وجهها بنفاذ صبر ومن ثم تمتمت بصوت خافت:
"والله العظيم هيجيلي الضغط…. كدا كتير عليا وأنا واحدة صاحبة مرض مش ناقصة". ثم تابعت بصوت مرتفع: "اتفضل يا جلال بيه سمعني إيه الموضوع المهم اللي عايزني فيه ومش قادر يتأخر لدرجة إن حضرتك واقف كده حتى مش عايز تسبني أتنيل أغيري… سمعني". ابتسم بخبث قائلاً بحدة مريبة وهو يتفقدها مليًا: "اعتذري……". رفعت حاجبيها باستنكار قائلة: "اعتذر…. أنا اللي اعتذر…. اعتذر على إيه إن شاء الله". حدثها بعتاب:
"لسانك الطويل…. وعلى طول ماشية بدماغك وبتنطحي في الصح و…". "بتنطحي…. شايفين طور". "لما تركبي دماغك في الغلط تبقى طور وطور هايج كمان…..". رفعت سبابتها في وجهه بغضب: "جلال مسمحلكش تهيني".
"بت.. بت نزلي صباعك إيه قلة الأدب دي.. وبعدين في ست محترمة تسيب جوزها وتقوم تمشي كده…. مش شايفة إنها إهانة ليا ولا نسيتي مين جلال الشهاوي. قسما بالله أكسر دماغك مكانك فاهمة يا حياء، واعقلي ماشي اعقلي…. عشان أنا مش عيل صغير على آخر الزمان تيجي إنتي وتحرجيني… وبعدين إيه شغل المراهقين ده… أنا عارف مصلحتك أكتر منك إنتي شخصيًا فاهمة". صوته العالي.. غضبه.. حدة نبرتها. شعرها بالفزع متحدثة بعتاب ممزوج بلمعة دموع:
"على فكرة إنت بتخوفني منك… طول عمري بخاف من قلبت وشك بالطريقة دي يا جلال…. طول عمري ما أول يوم شفتك في السوق وأنا بخاف من الوش ده… كنت فاكرة إن حبك ليا هيخفي الشخصية دي لأنها بترعبني لكن كانت موجودة دائمًا بتحاول تداريها…..". جذبها بقوة لأحضانـه مرتبًا على ظهرها بحنان:
"الشخصية دي موجودة دائمًا عشان تحميكي…. مينفعش يا حياء… الحب مش كده… مينفعش أسكت وأنا شايفك بتأذي نفسك…. ومينفعش تحرجيني جوزك بالشكل ده، إنتي عارفة إن صح بس عمالة تقوحي… بطلي عياط يا هبلة… ". تحشرج صوتها أثر بكائها:
"على فكرة مش بعيط…. وأنا مش قصدي أحرجك ولا عمري يا جلال فكرت أحرجك طول عمرك بكبر منك وعمري ما قللت منك قدام حد، إنت نفسك متقدرش تنكر ده بس…. بس أنا… مبحبش طريقة الأكل دي والأدوية إنت عارف إنها دائمًا بتتعبني أكتر". أنامله ليرفع رأسها إليه:
"عارف إنك عمرك ما قللتِ مني وعمري ما هنكر ده وعارف إنك ست البنات وهفضل شايلك فوق راسي عشان اللي عيشتيه معايا مفيش واحدة استحملته عشان راجل. عارف إنك بنت أصول وقفتي معايا في شدتي وعمرك ما عيرتيني بضعف ماليش ذنب فيه، ولما كانوا هيجيبوا في سيرتي قلتي إنك إنتي اللي مبتخلفيش ومسلمتش من لسانه. استحملتي حياتنا في الفقر وفي الغنى… واستحملتي أذية أمي ليكي وسامحتي أخويا مع إن كان له يد في موت أبوكي.. ربيتي ولاده وكنتي أمهم…
وعمرك ما جرحتيني بكلمة تكسرني….. عشان كده يا حياء مش عايز أخسرك والله العظيم ما هقدر أخسرك….. عارف إنك بتكرهي الطريقة دي في العلاج…. لكن أنا مش هستحمل…. أقسم لك برب الكعبة ما هستحمل يوم واحد…. عارفة زمان لما اتخانقنا وإنتي قلتي إنك سلمتيني نفسك عشان مطلّقكيش رغم إني كنت مقهور وحاسس لأول مرة إن في واحدة جرحت كبريائي ورجولتي إلا إن مكنتش قادر على البعد… مكنش يعدي يومين أرجع من بورسعيد عشان أقعد جنبك ساعة واحدة… ساعة
واحدة أملي عيني منك وإنتي نايمة… مبالك دا من بعد حبي ليكي بمدة صغيرة… تفتكري دلوقتي بعد واحد وتلاتين سنة عندي استعداد ولو واحد في المية إني أخسرك".
أجهشت ببكاء ترى عينيه تلمع بدموع مخيفة: "إنت بتبكي……". جلال: "كنت دايمًا بحس إن حبي ليكي ضعف لأنك الوحيدة اللي قادرة تخلي دموعي تنزل". "هو إنت إزاي بتحبني وأنا بالغباء ده…. فيا إيه يتحب عشان تستحمل غبائي وعصبيتي". حاوطها أكثر بذراعيه قائلاً ببحة عميقة أثر تلك العاصفة الهوجاء:
"إنك مش زي أي واحدة تانية… أنا معنديش شروط في حبي ليكي… بس كل جروحي اتعافت معاكي… إنتي متهورة آه و عمرك ما هتخلصي من الخصلة دي لكن أنا حتى مش عايزك تسبيها لأن اتعودت عليها وحبيتك كده.. دي ما إنتي بكل خصالك…..". لفت ذراعيه بقوة مكبلة إياه مغمضة العينين بين أحضانه تخاف أن يبتعد.. تعشق قربه المهلك لروحها… رغم السنين لم تتغير وبقي هو أيضًا كما هو (دافئ.. حنون لأبعد الحدود) "أنا آسفة".
ابتسم بلطف وهو يبتعد قليلًا عنها يزيح خصلاتها الرمادية عن وجهها (مزيج بين الأبيض والأسود) قائلاً بخبث ومراوغة: "بس طعم الاعتذار بيكون أحلى كده…". مالي عليها يقبلها باشتياق وكأن العالم بأسره يقف عند تلك اللحظات. ابتعد بعد مدة وهو ينظر لها بخبث ماكر: "بس تعرفي أحلى حاجة فيك إنك بتتعصبي وتنزل على مفيش وأنا بعمل اللي أنا عايزه في الآخر…". حياء بخجل: "جلال احترم نفسك ويالا اخرج انت صدقت نفسك ولا إيه برا…. ".
نظر لها وهو يعض على شفتيه السفلية بغيظ وهو يقرص وجنتها بلطف: "لسانك الطويل ده عايز قصة يا بنت الهلالي". ثم خرج وتركها، لكن استدار قبل أن يغادر الغرفة قائلاً: "ابقي اقفلي البرنس كويس يا شعلتي عشان متسقعيش". ثم أنهى جملته بغمزة شقية وهو يخرج من الغرفة. خرج وتركها تنظر إلى فتحة الصدر لتحدها متسعة. شهقت بصدمة وهي تلملم ثوب الاستحمام بسرعة: "يلهوي.. دا.. يا منحرف". "بصوت عالٍ غاضب لتسمع صوت ضحكاته الصاخبة من الخارج قائلاً
بعتاب: "بقالنا كل ده متجوزين ولسه واخدة بالك؟ اشكي إليك يا رب…. ". ضحكت وهي تجلس على أقرب كرسي، تنهدت براحة وهي تحمد الله، كانت على ثقة كبيرة به. "أنا نازل أصلي المغرب في الجامع عايزه حاجة من برا". حياء بحماس: "آه عايزة لب وكاجو". ودلف مرة أخرى للغرفة وهو يدفع الباب بعنف لتشهق بصدمة: "استغفر الله العظيم يا بت إنتِ عايزة تشليني، انسى يا ماما كل الحاجات دي لا لب ولا كاجو ولا بتاع ماشي". حياء بغيظ:
"اومال بتسأل ليه يعني هكون عايزة إيه من برا غير تسلية". جلال: "أنا نازل يا حياء أنا اللي غلطان إني سألتك سلام…. ". حياء: "متتأخرش هستناك نتفرج على التلفزيون سوا وإلا والله لتيجي تلقيني بأكل إندومي". انفجرت في الضحك وهي ترى وجهه المحتقن من شدة الغضب قائلة: "يا عم بهزر معاك انزل يالا صلي متخافش اطمن يا جدع وراك رجالة…". "على الله يا حياء". حذرها قبل أن يخرج من الغرفة لتنفجر في الضحك وهي تعض على شفتيها بسعادة عارمة.
وآه من قلب عاشق شاب على العشق. لم تبدله الأيام ولا السنين. *** دلف إلى منزله بعد يوم عمل طويل ومرهق، وخصوصًا بعد سفر صالح، وإلى جانب ذلك تجهيزاته للمصنع الخاص به، رغم أنه ما زال في البداية وصغير، لكن يحتاج للكثير من العمل. "يا ست الكل يا أم علي…". خرجت والدته من المطبخ بوجه بشوش: "أنا هنا يا حبيبي… أما بقى عملتلك طاجن باميه باللحمة الضاني هتاكل صوابعك وراها يارب أعيش وأعلم مراتك يا واد". علي بسعادة:
"طب تعالي طالما جبتي سيرة العروسة…". هدى بحماس: "إيه يا ولا خلاص نويت تريح قلبي ده يوم المنى". علي: "نويت يا حاجة… بس تعالي نقعد برا عشان الموضوع محتاج قعدة". هدى: "تعالي قولي مين هي العروسة". جلست على الأريكة وهي تنظر له بتمعن: "حبيبة يا أم علي……". تلك البسمة اختفت بالتدريج مع تشنج ملامحها قليلاً قائلة بحدة: "حبيبة مين؟ حبيبة مرات شاكر؟!
ضغط على يديه بغضب، حاول أن يهدئ أعصابه قليلًا يشعر نيران كلما تذكر أنها كانت ملك شخص غيره. ماذا عليه أن يفعل ليخمد تلك النيران التي ستهلكه يومًا ما. "لأ يا أمي مش مرات شاكر… حبيبة اللي إنتي ربيتيها على إيديك… حبيبة اللي عيشتي طول عمرك بتحلفي بيها وبالأخلاقها وحتى لسانها الطويل".
"معقول عايز تتجوزها…. ليه بتفكر فيها بعد ما اتجوزت غيرك وحرقت قلبك ولا هي عايزة تقوّش على كل حاجة تاخد فلوس شاكر وتتجوزك لما يموت. لأ يا علي مش موافقة يا ابني…". علي بهدوء: "يا أمي بلاش تظلميها إنتي متعرفيش حاجة عن اللي عاشته… والله العظيم حبيبة متستاهل كل ده… صدقيني هي دلوقتي مش محتاجة لا فلوس ولا أي حاجة هي بس محتاجة إننا نحن عليها شوية اللي شوفته في حياتها مفيش واحدة عاشته… وافقي عشان خاطري لو عايزاني أبقى مرتاح".
"يا حبيبي أنا عايزك دائمًا مرتاح بس إنت عمرك ما هتلاقي راحة معاها دي اتجوزت مرة وكانت حامل… يعني مفتحة على الدنيا لفة وعارفة يعني عايزة واحدة تمشيه على مزاجها". علي بعتاب: "على فكرة يا حاجة إنتي مش بتغلطي في حبيبة بس إنتي كمان بتغلطي فيا هو أنا مش راجل قدامك". ضربت بخفة على صدره قائلة بسرعة: "يا ابني إنت سيد الرجالة بس… لأ يا علي لأ وبعدين دي لسه جوزها مات والناس و…". علي:
"هو إنتِ قلتي هنروح نخطبها دلوقتي اسمعيني بس…. حبيبة طول عمرها بتحبك وهي الأيام دي تعبانة ولازم نكون جنبها إيه رأيك تروحي تزوريها وأقعدي معاها لو حسيتي إن حبيبة اتغيرت عن حبيبة بتاع زمان يبقى ليكِ الحق إنك ترفضي…. أنا لا يمكن أعمل حاجة بدون رضاكي لو عايزة تكسري بخاطري ارفضي". تنهدت بقلة حيلة وهي تنظر لابنها بحب أبوي:
"ماشي يا علي أنا موافقة عشان عارفة كويس أوي إنك مش صغير وبتعرف توزن الأمور وهاخد زيارة وأروح أشقر عليها دي مهم كانت برضه كنت بعتبرها بنتي في يوم من الأيام…. وربنا يسعدك يا ابني". ابتسم بسعادة وهو يقبل يدي والدته قائلاً: "ربنا يحفظك ويخليك ليا يارب يا ست الكل". "يا بكاش كل ده عشان السنيورة بتاعتك ماشي يا علي". "متقوليش كده دا إنتي الخير والبركة يا ست الكل". ***
في بيت حبيبة القديم. تجلس في غرفتها ممددة على الفراش وهي تنظر لسقف الغرفة. جذبت الغطاء بقوة وهي تضم جسدها، تشعر بالبرد رغم أن الطقس حار، لكن تشعر ببرودة تسري بجسدها. تلالأت الدموع في خضراوات عينيها. دلفت والدتها لغرفتها، لكن ما إن دخلت حتى شهقت بفزع: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. في إيه يا بنتي مضلمة الأوضة كده ليه…". اتجهت نحو الستار لتفتحه، انتشر الضوء بأرجاء الغرفة:
"يا حبة عيني يا بنتي مالك يا حبيبة… مش ناوي تخرجي بقى دا حتى إحنا في أيام مفترجة". اعتدلت في جلستها بارهاق قائلة: "ماليش نفس أخرج يا ماما حاسة إني مش قادرة أشوف حد ولا أكلم حد". فاطمة بود: "وبعدين؟ هتفضلي في الكآبة دي كتير…". جلست بجوارها بخبث:
"على فكرة… علي اتصل عليا كان بيطمن عليكي وبيقول لازم تاكلي وبلاش الحزن ده.. بيحبك يا حبيبة…. بيحبك أوي….. وعلى فكرة الواد ده ابن أصول حتى لما كنتي على ذمة شاكر كان بيكلمني يطمن عليا دايمًا….. متديله فرصة يا حبيبة… بلاش تضيعيه من إيديك…". حبيبة:
"أنا خايفة يا ماما…. خايفة أوي… الناس مش هترحمني… وخالتي هدى نفسها مش هتقبل إن ابنها الوحيد يتجوز واحدة أرملة وسبته عشان الفلوس…. غير على نفسه…. علي محتاج واحدة تديله السعادة مش واحدة زي… أنا أصلًا خايفة أديله أمل لأن أنا معنديش أمل في أي حاجة…". فاطمة:
"اسمعيها مني يا حبيبتي الناس عمرها ما هتسيبك في حالك هيفضلوا كده ينحروا في فروتك… ما هي دي الحاجة اللي في إيديهم يعملوها…. يالا فُوقي كده وتعالي نتمشى على البحر ده الجو النهارده جميل برا وبطلي كسل…". ***
في الساحل الشمالي. سارت زينب على الرمال بصعوبة وهي ترتدي كعب حذاء عالٍ، أصرت أن ترتديه على ثوب السهرة الذي اختاره صالح وأصر أن ترتديه. كانت جميلة جدًا بذلك الثوب المتألق ذات الألوان الأسود طويل مطرز ببعض الورود المتلألئة مع اللون الفضي اللامع. ارتدت حجابها مع بعض لمسات المكياج لتكمل صورتها الجميلة في عيناه. حينما أبصرته وأبصرت ما حوله، وقفت مكانها بعدم استيعاب. كان "صالح" متألقًا جدًا، يرتدي حلة أنيقة، جذاب بها
وكأنها صُممت خصيصًا له. فسحر عينيها حينما وقعت عليه. رفع صالح عيناه عليها وتقدم منها وعيناه تطوفان بإعجاب على ذلك الثوب الأنيق الذي يبرز جمال ورشاقة جسدها. فاتنة اليوم كنجمة براقة في السماء. تنورة فستانها تتأرجح حولها مع هواء البحر المنعش. صورتها الآن تشعل صدره كلما تأملها. حاول التقدم منه بخطوات مبعثرة كادت أن تقع بسبب ذلك الحذاء. قائلاً
برفق: "مش تاخدي بالك كنتي هتقعي". يمسك بذراعها بين يديه بابتسامته المشرقة. حاولت التبرير بلطف وارتباك: "أصل الجزمة عالية والرمل و…". انحنى أمامها وجدته يخلع لها حذائها واحدًا تلو الآخر ثم ألقاهم أرضًا بإهمال قائلاً بابتسامة: "كده أحسن بدل ما تقعي". زينب بضيق: "على فكرة شكله حلو والمشكلة بس عشان الرمل وبعدين همشي حافية…". شهقت بقوة حينما وجدته يحملها بين ذراعيه يتجه نحو البوابة يخرج من الفيلا. قائلة بدهشة:
"خفت أتعود على الدلع ده كله وكده هتتعب معايا". إعجابها بمكر ذكوري وهو ينظر لسيارته: "براحتك.. دا شهر عسل برضو… بعد كده بالجزمه". ضربته بخفة في صدره قائلة بغضب: "مين دي اللي هتاخد بالجزمه يا سي صالح". همس بالقرب من أذنها وهو يتركها لتقف أمامه مباشرة: "أي حد يفكر يزعلك يا زبدة…".
ابتسمت برضا وهو يفتح لها باب السيارة لتصعد. ابتسم وهو يتجه الناحية الأخرى يصعد سيارته لينطلق في طريق طويل. بعد أن دعاها للعشاء في مكان خاص. توقف بعد حوالي نصف ساعة في مكان بعيد عن الفيلا وعن الكمبوند بأكمله…. لمكان آخر خالٍ من البشر والزحام تقريبًا، متلألئ بأنوار خافتة. يوجد ممر طويل بين أمواج البحر الذي ينشر رذاذه. في نهاية الممر طاولة مستديرة عليها عشاء شهي مع الشموع التي تضيء المكان وتعطي له منظرًا ساحرًا. لم تكن
الشموع فقط على الطاولة، كان هناك أيضًا شموع ذات الألوان والأشكال ملفته غاية في الجمال تتألق بأناقة على رمال الشاطئ. نظر لها ليرى نظرة الانبهار والسعادة بعينيها. أخذت عيناه تسافر بإعجاب على ملامحها وابتسامتها التي شقت شفتيها لتتسع. شعور جميل يجتاحه كلما وجدها تبتسم أو تضحك بقوة… يشعر بسعادة عارمة وكأنه هو من يشعر بالسعادة وليس هي!
زينب بصدمة وانبهار: "دا بجد… أنا أول مرة أشوف مكان بالجمال ده". "إن شاء الله عيونك الجميلة دي متشوفش غير كل حاجة حلوة…". زينب بضيق: "طب دلوقتي هعمل إيه الفستان هيبهدل على ما نوصل للترابيزة". صالح بمراوغة وخبث ذكوري وهو يحملها مجددًا: "شكل حضني عجبك أوي…. ".
اكتفت بتلك الابتسامة وهي تضع رأسها على صدره يسير بها في ذلك الممر ورذاذ البحر يتلاعب بنعومة مع حركة الهواء المنعش. أنزلها أمام الطاولة، تلك تتلامس قدمها ببرودة المياه المنعشة قبل أن تجلس على المقعد أمامه. تجده يمد يديه يفك حجابها قائلاً: "مفيش حد معانا". انسدل شعرها لتكتمل تلك اللوحة، ويا لله من جمالها الخلاب، ولا يليق بعينيها سوى رؤيته. لا تعرف من أين صدرت الموسيقى من مكان بعيد لكن مسموعة جيدًا. صالح بغمزة:
"تسمحي لي بالراقصة دي". ردت بحرج قائلة: "بس أنا مبعرفش أرقص". صالح: "هعلمك". زينب بخبث: "شكلك بتعرف تعمل حاجات كتير". رد بخبث أكبر ومراوغة ذكورية يتخللها الجرأة: "بعرف أعمل حاجات منها اللي حصل امبارح والنهاردة مثالاً". سعلت بقوة وهي تضع كوب الماء جانبًا ووجهها يشتعل بنيران الخجل. نظرت له بغضب. صالح: "يالا".
قامت بمد يديه الكبير لها. ابتسمت وهي تضع يديها بيديه. خطوة بخطوة معه كالفراشة تلتف بين يديه الماهرة. يداه تعانق خصرها ويديها تحيط مؤخرة عنقه بنعومة والموسيقى الناعمة تدور من حولهما بتناغم. ينافس خطوات رقصتهما. مع اقتربها منه ليهمس ببعض الكلمات. احمرت وجنتيها، فأطلق سراحها ممسكًا بيديها يجعلها تلتف حول نفسها، ثم ضمها بقوة وهما يميلان معًا يمينًا ويسارًا. تشعر وكأنها بحلم لا مثيل له، تخاف بشدة أن ينتهي بكابوس. يدللها بطريقة تذيب جليد قلبها ليجعلها تغرف معه في تلك الجنة، تنغمس برفق بها، ومع لمساته.
*** في بيت نور. خرجت من المطبخ تمسك بيديها سندويتش تأكله بنهم ولذة رغم بساطة ما يحويه. تضع على الطاولة أمامها كل النقود التي تمتلكها. قضمت لقمة بجوع لتقول بفتور وهي تضع ساقًا على الأخرى بلامبالاة: "كده ألف ومية وخمسين جنيه…. والله الواحد حاسس إنه ملك". لتضحك بسخرية: "يالا إن شاء الله أقبض اليومين بتوع مصنع الشكولاتة وأنا اشتغلت ست ساعات وقت إضافي…. إن شاء الله خير وبابا كده كده جاي بكرة من القاهرة يارب بس ما يتعب".
في ذلك الوقت سمعت صوت الباب يُفتح. عقدت ما بين حاجبيها بارتياب قائلة: "بابا إنتوا جيتوا ولا إيه… سيف… عبده". انتابها الخوف قليلاً، أخذت حجاب خفيف كان موضوعًا على الأريكة القديمة بجانبها، وضعته على شعرها وهي تدلف لترى ما سبب ذلك الصوت. لكن شهقت برعب، وسعت عينيها بفزع وهي تراه أمامها بعسليته الحادة المتربصة وطوله الفارع. وضع يديه على فمها يمنعها من الصراخ قائلاً بحدة: "هسيبك بس صوتك لو طلع هتزعلي…".
حاولت دفعه بغضب وهي تضربه بعنف في صدره بشراسة، لكن تحكم بقبضة يديه في يديها. "بطلي بقى…. مش هاكلك يا شبح…". تركها وابتعد وهو يدلف إلى الصالة البسيطة جدًا. جلس على الأريكة كانت قاسية تبدو قديمة كباقي أثاث المنزل. وضع قدمًا على الأخرى بعنجهية وهو ينظر لها، تقف أمامه ببيجامة قطنية وحجاب بسيط ليظهر له شعرها البني. ربعت يديها أمام صدرها قائلة من بين أسنانها: "ممكن أعرف جبت مفتاح بيتي منين؟
وايه قلة الذوق دي… وإزاي تدخل كده ولا كأنه بيت أبوك…. ونزل رجلك متقعدش كده بتعصبني". ابتسم بخفوت تلك الفتاة رغم أي شيء قادرة بطريقتها تلك أن تثير فضوله و… إعجابه؟!
رغم علاقته النسائية المتعددة… ورغم أنها تعتبر أقل جمالًا من أي امرأة رآها… أقل جمالًا من أي واحدة تزوجها. رغم أنه يحب المرأة الهادئة كما يظن، لكن تلك الفاتنة تثير رغباته وبقوة. بها شيء يميزها… عيونها الشرسة تلك….. شفتيها التي تنطق بأبشع الكلمات ليست منمقة أبدًا… نظر لها بعسليته القاسية تلك قائلاً بحدة: "عندك إيه يتشرب…".
"عندي سم هاري ما تبطل ملعنة يا جدع إنت وقولي بتعمل إيه هنا.. أنا قاعدة لوحدي على فكرة مينفعش كده". "عندك إيه يتشرب؟ " سألها من بين أسنانها. أخذت نفس عميق قبل أن تتحرك من أمامه لتجلس على الكرسي المقابل له. "عندي شاي ومن غير سكر لسه هاجيل التموين آخر الشهر كمان أربع أيام.. معلش بقى يا سعادة البيه مقدرش أضيفك… إلا لو بتشربه من غير سكر".
ابتسم وهو يخرج علبة السجائر الخاصة به لينفث واحدة، بينما تنظر له بضيق تحاول استكشاف ما يخفيه. تشعر وكأنها بحلم. هل حقًا بقلب بيتها الآن؟ "نفث دخان سيجارته بوجهها قائلاً بهدوء سام: "الموضوع اللي جايلك فيه يخص زيدان العلايلي……". رفعت حاجبيها الأيسر بشك: "وإنت مالك بـ زيدان الع…. إنت باسل زيدان… باسل زيدان العلايلي؟! سألته بصدمة وارتباك…. ابتسم ليجيبها: "باسل زيدان أحمد العلايلي….. المهم خدي دول عشان نعرف نتكلم…. ".
وضع رزمه من المال أمامها على الطاولة بجوار نقودها القديمة. نور بسخرية: "إيه دول؟ باسل: "شوفي يا نور….. أنا مهما حصل مش هسمح للجواز دي إنها تتم…. أظن عارفة حجم العلايلي جروب واسمها في السوق. تفتكري في النهاية هسمح إن ده كله يتهد عشان أبويا جاي على آخر الزمن عايز يتجوز بنت أصغر من عياله…. عارف إن أكيد عرضه مغري ليكي وإن الفلوس لمعت في عيونك بس مش معقول تكون رخيصة أوي كده… ". نور بغضب:
"اطلع برا… وعايزة أقولك إن مش كل الناس رخيصة بتجري وراء الفلوس. رفض أنا هوصله لوالدك والفلوس دي متلزمنيش في حاجة…. أنا لا عايزة فلوسكم ولا عايزة منكم حاجة سيبوني في حالي أنا وعيلتي…..". رمقها بنظرة ساخرة: "عايزة تفهميني إنك رفضتي عرضه… طب لو رفضتي ليه سمحتي له إنه يوصلك لحد هنا؟ "إنت مالك…. وبعدين بتحاسبني على إيه؟ على عيون أبوك الزايغة ولا على إن ربنا اداكم من وسعه واحنا لأ…. خد فلوسك وامشي يا حضرة وكيل النيابة".
لا يعرف ما سر تلك السعادة التي غمرته من رفضها القاطع، ربما لأنه شعر بأنه لم يخسر الرهان؟! أي رهان؟! رهان عليها أنها تختلف عن أي امرأة رآها. استقام وهو يضبط بدلته لتقف هي أيضًا أمامه، تبدو أقصر منه بقليل. نظر لها بعينيه العسلي الضاربة والقاتمة بشدة قائلاً: "تمام يا نور… يبقى هيحصل تعديل بسيط في عرض والدي وهتوافقي عليه…". نور بصوت عالٍ: "يا جدع مش عايزة أتزوجه ده أد أبويا… أنا مش هتجوز واحد عجوز".
شقت شفتيه ابتسامة لعوبة وهو يميل عليها قائلاً: "التعديل هو إن أنا اللي هتجوزك……". ابتعد قليلاً ليرى وجهها المتشنج بصدمة واضحة. *** جزء خاص.
استيقظت ببط لتحسس الفراش بجوارها. اعتدلت في جلستها وهي تضيء نور الأباجورة. تفقدت الغرفة مليًا لم تجده، لكن استمعت لصوت خافت من الصالون. صوت خاشع جميل. عقدت ما بين حاجبيها بارتياب وهي تنهض من الفراش. وضعت حجابها على رأسها وخرجت. خرجت من الغرفة تدلف للصالون، وجدته يجلس في ركن بعيد هادئ يقرأ في كتاب الله العزيز. يتلو القرآن بسلاسة ورفق… غرفة مظلمة لا يوجد بها سوى ضوء خافت. خشوع صوته وهدوءه يجعلك ترى شابًا نشأ على القرآن حفظ وتلاوة. لم تشعر بدموعها التي انسابت من عينيها وهي تستمع له. رفع رأسه وهو ينظر لها بتصدق بهدوء. ابتسم بود.
"تعالي يا زينب…". اقترب وهي تنظر له بارتياب. يبدو أحيانًا جريء فظ وأحيانًا هادئ هدوء مريح للنفس. "مالك؟ "مش عارفة مستغرباك…. صوتك هادي أوي إنت حفظت القرآن فين؟ "أبويا
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!