الفصل 18 | من 70 فصل

رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الثامن عشر 18 - بقلم دعاء احمد

المشاهدات
21
كلمة
3,817
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 26%
حجم الخط: 18

تقف إيمان أمام حاجز النافذة تضم جسدها بيديها. تخاف. هي من تدفعه ليُستمر في تحقيق حلمه، لكن هل حقاً مستعدة للبعد؟ يتركها شهوراً يسعى وراء هدفه، وهي أيضاً تسعى من أجل حلمها. مر يومان وهي في صراع بين رغبتها ورهبتها. أفاقت من شرودها على صدى رنين جرس الباب. استدارت لتأخذ حجابها من على ذراع الكرسي في غرفة نومها. خرجت بعد ثوانٍ وهي تضبط هيئتها. إيمان: مين؟ صوت والدها: أنا يا إيمان.

ابتسمت بلهفة ما إن سمعت صوت والدها. احتضنته بسعادة واشتياق. إيمان: بابا... أنا محتاجة أتكلم معاك. انتاب جلال الشعور بالخوف، ليقول بضراوة وهو يُبعدها عن أحضانه: جلال: في إيه؟ إنتي كويسة؟ يوسف عملك حاجة؟ ابتسمت بسعادة ولمعت عيناها بحب. إيمان: تعالي بس ادخل كدا يا باشا. أول مرة تيجي البيت بعد جوازي بعد أربع أيام؟

أربع أيام يا بابا. والله لو كان عدى النهاردة من غير ما أشوفك كنت هعيط. أهل العروسة بيجوا من يوم الصباحية. تشرب إيه؟ هنتغدى سوا، الغداء جاهز ومافيش أعذار. ابتسم بود وهو يستقر على الأريكة. يغمض عينيه. جلال: إنتي عارفة ما بعرفش آكل من غير حياء، وهي أكيد مستنياني. احكيلي بقى في إيه، مالك؟ جلست أرضاً تضع رأسها على قدمه تضم جسدها.

إيمان: يوسف عنده شغل ضروري في لندن، ويمكن يسافر كمان شهر بالكتير قوي. وشغله هناك هياخد وقت طويل، يمكن سنتين. وأنا مش عارفة أعمل إيه يا بابا، خايفة. مرر أصابعها بشعرها الأسود. جلال: إنتي شايفة إيه يا إيمان؟ يفضل ولا يسافر؟ إيمان: أنا عارفة إن ده حلمه ومينفعش يتخلى عنه، لكن... لكن برضه مش عايزاه يسيبني يا بابا. إنت فاهم قصدي؟ أنا خايفة من البُعد. جلال: طب ما تسافري معاه؟ سألها بارتياب وتوجس.

إيمان بذهول: أنا أسافر برا مصر؟ لالا، مش هعرف. أنا عاملة زي السمكة، أخاف أخرج من المياه. إسكندرية بالنسبة لي حياتي، أخاف أخرج منها. أي مكان في مصر أقدر أتأقلم عليه، لكن براها. ومع ذلك مش عايزاه يسافر. إحساس متناقض قوي يا بابا، إني أبقى عايزاه معايا ومش عايزاه يسيب حلمه. أعمل إيه؟ جلال بجدية: بصي يا إيمان، هقولك المفيد. أي واحدة عايزة تحافظ على بيتها وجوزها بتفضل معاه في أي مكان. يعني مثلاً، إنتي هتسيبيه يسافر دلوقتي؟

المفروض إنك هتشتغلي في المستشفى هنا كمان أسبوعين بالكتير، وطبعاً دخولك العمليات مش هتكوني الطبيبة الرئيسية لحد ما تثبتي إنك قادرة فعلاً على تحريك إيدك بمهارة، وأنا واثق إنك قادرة على ده. هتاخدي مثلاً تلات شهور. أنا من رأيي تفضلي هنا المدة دي، وبعدها يكون معاكِ شهادة رسمية إنك تقدري تشتغلي في أي مكان وتسافري ليوسف. هتفضلوا مع بعض لحد ما يخلص مشروعه وترجعوا. ترجعوا يا إيمان.

أخذت نفساً عميقاً بحيرة. ليبتسم أبوها بحب وهو يتلمس وجهها بحنان. جلال بهدوء: بصي يا إيمان، يوسف هو اللي بعتني ليكي النهارده. أنا كنت جايلك بس لقيته جاي الوكالة، قالي إنك عايزة تتكلمي مع حد، ومافيش غيري هيفهمك. وموصلك معايا رسالة، اللي إنتي عايزاه هو هيعمله. لو قلتي لأ، مش هيسافر وهيفضل معاكِ. ولو وافقتي، هيسافر.

إيمان: بابا، أنا بحب يوسف، وبحب أشوفه بيحقق أحلامه وبيسعى ليها. وللأسف اتربيت على الشغف وإني أتابع أحلامي وأثق إني هحققها في يوم من الأيام. وأنا واثقة قوي في يوسف وأفديه بعمري. وأروح معاه مكان ما يكون. وحضرتك عندك حق. هفضل معاه، بس هستنى هنا شوية لحد ما آخد ما يثبت إني أقدر أمارس مهنة الجراحة، وهسافر له. بس وعد، هنرجع. هنرجع سوا علشان البلد دي تستحق إننا نديها. حاوط وجهها بيديه وهو يطبع قبلة على قمة رأسها بحب.

جلال: ربنا يكملك بعقلك يا بنتي. في تلك اللحظة، صدح رنين جرس الباب. جلال بغمزة: ده يوسف. أنا هدخل أشوفك عاملة غدا إيه. نظرت له بارتياب، ثم قامت لتفتح الباب تتفاجأ فعلاً به. يوسف بسعادة: متأكدة من قرارك؟ ربعت يديها بغضب أمام صدرها. إيمان: ده أنتم متفقين بقى؟ دلف لداخل منزلهما وهو يغلق الباب خلفه، ممسكاً بيديها متوجهاً ناحية غرفتهما. إيمان: يوسف استنى... بابا هنا. يوسف: ما أنا عارف. تعالي.

بسبب دخل غرفتهما، يمسك حقيبة سفره يضعها على الفراش. أخرج منها علبة قطيفة سوداء تبدو في غاية الأناقة. أوقفها أمام المرآة، ويقف خلفها لتشعر بشيء بارد على عنقها. نظرت للمرآة أمامها، فتحت فمها بدهشة وهي تراه يغلف مفتاح عقد أنيق من الألماس. إيمان: يوسف؟ إيه ده؟ حاوط خصرها وهو ينظر للمرآة أمامه ليُرى انعكاسها المندهش. يوسف: هديتك. إيمان: بس إنت اشتريت شبكة غالية ليا. وده شكله شكله غالي قوي.

ابتسم بود وهو يطبع قبلة سطحية على خدها الناعم كملمس الورد. يوسف: دي هديتك مني، مالهاش علاقة بالشبكة. وبعدين مفيش حاجة تغلى عليكِ، حتى يوسف نفسه. أنا سمعت كلامك مع عمي، أصل نسيت أقولك، هو أنا طلبت منه يفتح الاسبيكر وأنتم بتتكلموا؟ كنت عايز أطمئن إنك موافقة بجد. إيمان بعتاب: ليه؟ إنت مش واثق فيا وفي كلمتي ليك؟

يوسف: واثق أكتر إنك مش عايزاني أتسلى عن شغلي، عشان كده كنت حابب أسمعها منك. بس بعيد عني، مع حد تكوني بتعرفي تحكي له اللي في قلبك زي باباكِ. إيمان بحب: اطمنت خالص. خلينا بقى نقفل الموضوع ده، عشان أنا وإنت وصالح وزينب وبابا وماما مسافرين بكرة المنصورة، هنقضي أسبوع هناك. وأهو نغير جو، وكمان نكون كلنا سوا قبل ما تسافر. يوسف: ماشي يا ستي، يالا نخرج نقعد مع الحج. *** في وقت لاحق.. في شقة جلال.

تقف زينب بجوار حياء يثرثران فيما يخص أمور النساء. كل واحدة منهما مشغولة بصنع وجبة معينة للغداء. حياء بود: قوللي بقى إنتي وصالح علاقتكم ماشية إزاي؟ أنا عارفة ابني صعب شوية، بس طيب والله.

كانت زينب تعطيها ظهرها تُقلب الحساء. أخذت علبة الشطة دون وعي لتضع منها مرة أخرى وهي تبتسم وتشعر بشيء كالسحر وهي تتذكر معاملته معها طوال الأربع أيام الماضية. كم أنه غريب، متقلب، حنون، لكن مازال هناك جزء غامض من شخصيته لم تعرفه بعد. جزء إن ظهر سيجعلها تود الموت حقاً. زينب: الحمد لله. الصراحة، من يوم جوازنا وهو بيعاملني بما يرضي الله. حياء: يا رب دايماً يا زينب، إنتي تستاهلي كل خير.

سمعا صوت الباب يُفتح ويُغلق ليعلما برجوع جلال وصالح من الوكالة. بينما طفت زينب عن الأكل وبدأت في تجهيز السفرة. جلال بصخب كعادته: يا أهل البيت.. حد قا.. لع رأسه. حياء: تعالي يا جلال. دلف للمطبخ وهو يتمتم ببعض الأذكار. جلال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حياء: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. ابتسم وهو يقبل قمة رأسها ليتحدث بخوف بعد رؤية شحوب وجهها في الفترة الأخيرة مع هزلان جسدها. جلال: كويسة دلوقتي؟

حياء: جلال، أنا كويسة، متقلقش والله العظيم كويسة. جلال بحدة: والله ما مصدقك يا حياء، وخالي في علمك إني حجزت عند دكتورة، هنروح سوا بعد المغرب. حياء: طب اهدي كدا، مفيش حاجة تستاهل كل ده. أنا كويسة. اومال فين صالح؟ صدح صوته من خارج المطبخ بمرح. صالح: أنا هنا يا جميل.. واقع من الجوع. حياء بحب: ثواني والأكل يكون جاهز. يالا يا زينب. _في وقت لاحق.

كانت زينب جالسة على طاولة الطعام بجوار صالح الذي كان منشغلاً بالحديث مع والده فيما يخص العمل في الوكالة. أخذ جلال يسعل بقوة، وقد احتقن وجهه من النيران المشتعلة بداخل حلقه من أول ملعقة وضعها بفمه. وضع يديه على قلبه وهو يسعل بحدة. انتفضت حياء من مكانها تتناول كوباً من الماء تعطيه لها. أخذ يرتشف بتعثر من كوب الماء محاولاً إخماد الحريق الذي لحق بحلقه. وقف صالح بجواره وقلبه منقبض من الرعب على والده.

صالح بخوف: في إيه يا حج؟ أكلم الدكتور؟ أخذ نفساً بطيئاً وهو ينظر لها وعيناها المترقرقان بالدموع. ابتسم بعيداً عن المرح فقط ليهدأ من روعها. جلال: أنا كويس، متقلقوش. بس أنتم ليه حاطين شطة كتير كدا على الأكل؟ ده نار. حياء بخوف ودموع: بس أنا مش بحط شطة على الأكل وعاملة زي ما بتحب.

كانت نظرات صالح قاتلة للحظات وهو يمسك ملعقته يتذوق الحساء ليرفع وجهه المحتقن. ذبلت ملامح زينب ما إن تقابلت عيناها بعين صالح المشتعلة بنيران الغضب، فقد كان يحدق بها بوجه متصلب وعلامات الشر مرسمة عليه، ما جعل وجهها يشحب وقد جفت الدموع بعروقها فوراً، إدراكها أنها من فعلت ذلك دون إدراك، فقط كانت شاردة الذهن لتضع كمية كبيرة من الشطة بالطعام لتخرب الطعام دون قصد.

أطلقت تأوهاً متألماً منخفضاً عندما قبض على يديها من أسفل الطاولة يعتصرها بقوة مؤلمة من بين يديه وهو يزمجر بصوت قاسٍ لاذع بجانب أذنها. صالح: وحياة أمي لأدفعك الثمن غالياً أوي، اصبري عليا. همست بصوت مرتجف تحاول التبرير. زينب: أنا.. أنا ماكنتش أقصد والله. رمقها بقسوة وهو يزيد من ضغطه على يديها يتحدث بنبرة يتخللها الغضب العارم. صالح: نطلع شقتنا بس... حياء: جلال، تعالي استريح وأنا هجهزلك أي حاجة تانية. يالا لو سمحت.

وضع يديه على يديها يساعده على الخروج من المكان. صالح: خالي عنكم. مسك بيد أبيه ساعده حتى أجلسه في فراشه. صالح بجدية: متأكد إنك كويس ولا أكلم الدكتور؟ جلال بصرامة: أنا كويس يا جماعة، في إيه؟ والله كويس. يالا اطلعوا كملوا أكلكم وأنا... حياء بمقاطعة وغضب بين دموعها: صالح، سيبنا لوحدنا دلوقتي. أومأ برأسه بقلة حيلة وهو يخرج من غرفة والده يغلق الباب خلفه بغضب. بالداخل.

حياء بدموع: أنا آسفة، معرفش إزاي ده حصل، والله العظيم أنا آسفة. بص، هكلم دكتور مصطفى يجي علشان نطمن، مش هيحصل حاجة لو اطمنا. ياريتني أنام. مرر يديه على وجنتيها يمسح دموعها الحارقة لروحه. جلال: طب ينفع كدا؟ بتعيطي؟ مرر جلال يديه على وجنتيها يمسح دموعها الحارقة لروحه. جلال: طب ينفع كدا؟ بتعيطي ليه دلوقتي؟ أنا كويس، بس الظاهر إني فعلاً كبرت وأي أكل فيه شطة بيتعبني. وبعدين إيه "ياريتني" دي؟

حياء، مبحبش الطريقة دي. وياستي أنا آسف لو قلقتك، بس والله العظيم أنا كويس. ممكن بقى تبطلي حركاتك العيال دي وتبطلي عياط؟ حياء بغضب ووجه أحمر: حركات عيال؟ أنا يا جلال؟ ماشي يا سيدي، ممكن بقى ترتاح وأنا هطلع أجهز أي حاجة خفيفة. كانت ستغادر المكان لولا جذبه لها دافناً وجهه بعنقها قائلاً بصوت مريح هادئ. جلال: ششش، أنا كويس. اهدي. خدي نفس بطيء. جلال كويس طول ما حياء كويسة. متخافيش.

حاوطته بذراعيها تستمد منه الأمان وهي تغلق عينيها تتنفس ببطء. حياء: وأنا مش عايزاه حاجة من الدنيا غير إن جلال يكون دايماً كويس، لأنه وطني. جلال بخبث ومراوغة ذكورية: طب ما تجيبي بوسة كدا ولا نسيبنا على الرف؟ حياء بغيظ: والله العظيم قليل الأدب ومش هتتغير. مال عليها يقبل وجنتها بعبث رجولي. جلال: وعمري ما هتغيري. ابتسمت بهدوء وشغف لرؤية مشاكساته تلك، يود لو يحتضنها يُسكنها بداخل صدره ليصبحا شخصاً واحداً. أليس كذلك؟

بلى، إنهما جسدان بروح واحدة. *** بعد مرور نصف ساعة. صعدت زينب لشقتهما والقلق يتسلل لقلبها بعنف. تقف بتوجس خلف باب الشقة تستمع لصوت قدمه يصعد الشقة. ما إن فتح الباب حتى أرخت دفاعاتها وهي تنظر لما بين يديه وهي طنجرة الحساء التي صنعتها. نظر لها بوجه خالٍ من التعبيرات، حاد، غريب. ليضع الطنجرة على الطاولة أمامها. أشار برأسه نحوها بصرامة وعيناه تشتعلان بنيران محرقة قائلاً بصرامة: صالح: شايفة الحلة دي؟ تشربيها كلها.

تراجعت للخلف بذهول وعيناها تترقرقان بالدموع قائلة بتوتر: زينب: بس دي... دي فيها شطة كتير... أنا كدا هتعب. صاح بغضب وحدة وهو يدفعها نحوها قابضاً على ذراعها يهزها بقوة وقسوة. صالح: ولما إنتي خايفة على نفسك أوي كدا مخوفتيش على الناس الكبيرة اللي عندهم ضغط واللي هياكلوا من القرف ده؟ افرضي لا قدر الله أبويا جرى له حاجة. ليكمل وهو يدفعها بقوة نحو المقعد لتسقط جالسة عليه بوجه شاحب كشحوب الأموات. صالح: اشربي.

ظلت جالسة تتطلع إليه بعينين متسعتين ممتلئتين بالدموع فور إدراكها فضاحة فعلتها، فهي لم تفكر أبداً بإيذاء أي شخص. ابتلعت بصعوبة لعابها وما إن فتحت فمها بالاعتراض ولكنها أسرعت وأغلقت فمها وهي ترى تحفز عضلات صدره والتي كانت تشير بأنه على حافة غضبه. أمسكت الملعقة بيد مرتعشة تشجع نفسها على تناولها حتى ينتهي هذا الأمر، فهو لن يتركها إلا بعد تنفيذ ما قاله. أمسكت الملعقة ثم بدأت ترتشف الحساء الذي ما إن وضعته بفمها حتى أطلقت صرخة متألمة، تشعر بنيران مشتعلة بعنقها. تركت الملعقة من يديها وهي تنظر لذلك الواقف بجوارها بعينين ممتلئتين بالدموع، لعلها ترق قلبه عليها، لكنه قاطعها بصوت صارم.

صالح: اشربي. ظلت صامتة تنظر لطنجرة الحساء الممتلئة وعيناها تترقرق بالدموع واليأس دب في قلبها. ظل صالح ينظر لها وهي تأخذ ملعقة أخرى حتى يوقفها ويعلمها أن تلك الأشياء لا يستهان بها. لكن اتسعت عيناه بصدمة وهو يراها تقوم بحمل الطنجرة بين يديها تقوم بالشرب منها مباشرة حتى تنتهي منها سريعاً. شعر صالح بالصدمة تشل حركته فوراً إن رأى ما فعلته، فهو كان سيجعلها ترتشف ملعقة أخرى ولم يكن ينوي تنفيذ تهديده.

اندفع نحوها يجذب الطنجرة بعيداً عن فمها والتي قد ارتشفت منها أكثر من نصف محتواها. صالح: بتعملي إيه يا مجنونة؟ تركتها من يديها وهي تشعر بالنيران في كامل جسدها لتنفجر باكية بانتحاب، تشعر بمعدتها تنعقد من شدة الألم. ركضت نحو الحمام بتعثر وهي تضع يديها على بطنها والتي كانت تؤلمها بشدة. أسرعت بدخول الحمام مغلقة الباب خلفها بقوة. بينما اندفع صالح وراها ينتابه القلق والخوف ينهش قلبه. أخذ يضرب على باب الحمام بقبضته.

صالح: زينب.. افتحي.. إنتِ كويسة. لكنها لم تجبه وكان الصمت سيد المكان حتى سمع صوتها المتألم وهي تفرغ ما في معدتها. شعر بقبضة قوية تعتصر قلبه يكاد يحطم روحه عندما وصل لمسامعه صوت بكائها المرير. لم يشعر بنفسه وهو يضرب على الباب بقوة يصرخ بها من شدة الألم الشاعر به. صالح: زينب افتحي، وإلا قسمًا بالله هكسر الباب.

لكن لم يجد منها أي ردة فعل سوى البكاء الحاد مع صوت تقيؤها وشهقاتها المرة. حاول فتح الباب لكن وجده مغلقاً من الداخل. مرت بضع دقائق على هذا الوضع يتمزق قلبه لما سببه لها من الألم، رغم تيقنه أنها لم تقصد ما فعلته، فقط كان يريد تعليمها درساً، لكن هي فاقت كل توقعات بفعلتها.

خرجت زينب من الحمام وهي تمسك بطنها من الألم ووجهها وعيناها محتقنان باللون الأحمر الدامي. ألقت عليه نظرة لوم وعتاب قبل أن تمر بجواره تتجه ناحية غرفتها تغلق الباب خلفها. ألقى بجسده على الفراش ويبكي بعنف وغصة، ليقسم أن تجعله يذوق من نفس الكأس. بينما وقف صالح يتابعها بندم معتصر قلبه ليتركها ويغادر المنزل. *** بعد حوالي نصف ساعة.

دخل صالح المنزل أغلق الباب ببطء، يمسك بين يديه كيساً عليه اسم الصيدلية بعد أن اشترى لها بعض الأدوية، حيث أخبر الطبيب عما تعانيه من الألم أعطاه دواء مناسباً لها سيخفف ألم معدتها، ونصحه بجعلها تشرب كمية كبيرة من اللبن الرائب، لذا توجه إلى أقرب سوبر ماركت ليجلب الكثير من عبوات اللبن الرائب كما نصحه الطبيب.

وضع يديه على مقبض الباب، فتح باب غرفتها، لكن ما إن رآها حتى شعر بألم يعصف بروحه. مستلقية على الفراش تضم جسدها متكومة بشكل محزن، تبدو نائمة مع شعورها بالألم ليبدو ذلك على تشنج ملامحها وعرقها، شعرها مشعث على وجهها الأحمر جعله يدرك عظمة خطأه. تحرك نحوها وهو يجلس بجوارها يحاول إيقاظها. صالح: زينب.. قومي، متناميش كدا.

تكلم بينما يضع يديه أسفل ذراعها مساعداً إياها في الجلوس على الفراش، واضعاً بيديها إحدى عبوات الحليب قائلاً بحنان: صالح: اشربي دا.. هتكوني كويسة. أطاعته بهدوء عكس الغضب بداخلها، تقسم أن تجعله يئن من الألم مثلما فعل بها. حقاً، إن كيدهن عظيم. ظل يراقبها وهي ترتشف الحليب الرائب حتى أنهت العبوة، قام بتبديلها بأخرى يحثها بلطف على ارتشافها. وما إن انتهت حتى بدل بأخرى ممتلئة. لتهامس بصوت ضعيف. زينب: كفاية كدا، مش هقدر أكمل.

مرر يديه برفق على وجنتيها مبعداً شعرها المتناثر عن وجهها، يضع وراء أذنيها، ساعدها في تناول الدواء الذي جلبه لها، ثم جعلها تستلقي على الفراش مرة أخرى هامساً بلطف. صالح: كويسة دلوقتي؟ بهدوء مصطنع: أحسن، بس عايزة أنام.

أنهت جملتها وهي تتمسك بالوسادة تحاول كبت دموعها. ثوانٍ وغرقت في نوم عميق. اتجه صالح نحو الحمام يبدل ثيابه، وما إن انتهى حتى استلقى بجانبها، كاسراً أي قواعد وضعها. شعر بالتردد للحظات قبل أن يقترب منها محتضناً إياها، مرر يديه برفق على ظهرها، دافناً وجهه بعنقها يشعر بالراحة حيث نام بعمق. *** في الصباح.

استيقظت زينب وشعور غريب من الراحة يسيطر عليها، فلم تعد بطنها تؤلمها ولم تعد تشعر بالنيران. فتحت عينيها بصدمة عندما شعرت بجلد حار يلامس خدها لتصطدم بوجهها مدفون بعنق صالح الذي يحضنها بقوة. شعرت بكامل جسدها يهتز بعنف عندما وجدت أنه كان يحيطها بجسده الضخم كما لو كان يخشى أن تهرب من بين يديه.

نزعت ذراعه برفق قبل أن تنهض بهدوء من جواره. ظلت تنظر له بشر وغضب رغم تذكرها لما فعله معها بليلة أمس واعتناءه بها، ولكن فور تذكرها للألم الناشب بمعدتها والذي جعلها تتلوى وتبكي لوقت طويل، ينتابها رغبة قوية في الانقضاض عليه تذيقه من نفس الكأس. ابتسمت بشيطانية وهي تنحني ببطء تطبع قبلة هادئة على خده لتمثل دور البراءة وهي تتجه نحو الحمام.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...