الجو كان حرّ، بس الهوا في بعض الأماكن كان لطيف. قلعة محمد علي والشمس نازلة على القباب بلون دهبي يخطف العين. كان واقف قدام مجموعة أجانب، بيشرح لهم عن الجامع. صوته هادي وواثق. وسط الكلام لمح بنت واقفة بكاميرا بتصوّرهم، لدرجة أن الفلاش ضرب في عينه. رفعت الكاميرا بسرعة والتقطت لقطة بسرعة من غير ما حد يشوفها، أو زي ما هي افتكرت كده.
سكت ثانيتين، استأذن من المجموعة بابتسامة وراح ناحيتها. نادى لها، بس هي كانت بتحاول تهرب، لحد ما وقف قدامها وقال بالإنجليزي بصوت محترم وواضح: "معلش، حضرتك بتعملي إيه؟ بصّت له وهي بتعدل الكاميرا على كتفها، وقالت ببساطة: "بصوّر." قال وهو رافع حاجبه: "ما أنا واخد بالي... بس حضرتك بتصورينا إحنا؟ سايبة الجامع كله وبتصورينا إحنا؟ ردّت وهي بتضحك بخفة: "لفتّوا انتباهي، فيها مشكلة؟ قال بثبات:
"أكيد مشكلة. محدش قالّك مينفعش تصوّري أشخاص من غير إذنهم؟ هزّت كتفها وقالت: "أنا بصوّر عادي، لفتّ انتباهي إن في تركيز أوي وأنهم مركزين في كلامك فصورت، لحظة عابرة عادي." قال بنبرة فيها حزم وهو محافظ على نبرة صوته الواطية: "طب بعد إذنك امسحي الصورة، مش مسموح تمامًا تصوّري أشخاص من غير إذنهم." بصّت ناحية السياح اللي لسه واقفين، بيتكلموا وبيشاوروا على سقف الجامع، وقالت وهي بتميل راسها شوية: "بس أنا شايفة إن محدش اعترض...
غيرك." ردّ بهدوء وجدية: "لأن محدش أخد باله أصلاً، بس لو عرفوا هتتحطّي في مشكلة." سكتت لحظة، بصّت له بنظرة فيها تحدي بسيط وقالت: "همسحها... بس بشرط." ضيق عينيه وقال بنفاذ صبر: "شرط؟ إزاي يعني؟ قالت وهي بتبتسم بخفة: "أنا محتاجة أسمع كلامك عن الجامع... ممكن؟ سكت لحظة وبعدين قال بهدوء: "اتفضّلي."
رجع ناحيتهم، وهي مشيت وراه. وقفت على بُعد بسيط. كانت عينيها متعلقة بيه وهو بيتكلم، صوته ثابت، مليان ثقة. كان بيشرح للسياح عن تاريخ المكان، عن اللي بناه، وعن معنى كلمة الله أكبر اللي مكتوبة على الحيطان. كلامه بسيط ومفهوم، وبيختار كلمات بسيطة علشان الأجانب اللي مش أمريكان. خلص شرحه بابتسامة وودع المجموعه وانسحب. بس قبل ما يبعد نادت عليه: "إكـسكيـوز مي! لفّ ناحيتها، فابتسمت بخفة وقالت وهي بتقرب منه: "إنت مصري؟
قال بابتسامة هادية: "هو شكلي يقول غير كده؟ ضحكت وقالت: "ممكن، بس نطقت الإنجليزي غريب شوية... مختلف عن باقي المصريين اللي سمعتهم." رد ببساطة: "ممكن عشان شغلي فمتعوّد أتكلم كتير مع أجانب." سكتت لحظة، بصّت له باهتمام صادق وسألته وهي بتميل راسها بخفة: "هو احنا ليه لما دخلنا الجامع قلعنا الشوز؟ بصّلها وهو بيبتسم نص ابتسامة وقال: "عشان المكان ده بيت ربنا، المفروض ندخله بنضافة واحترام." قالت وهي بتفكر:
"بس أنا يعني مش شايفة إنها حاجة ضرورية." قال بهدوء وهو بيبص قدامه: "يمكن بالنسبالك، بس ده مكان طاهر مقدس، مينفعش تدخلي فيه بالشوز بتاعك وهو لامم زبالة الشارع." سكتت لحظة، فضلت تبصّله لحظات. عاجبها أوي طريقته في الكلام. سألها بابتسامة مهذبة: "انتي اسمك إيه؟ قالت بابتسامه: "لارا." رد: "تشرفنا يا لارا." ردّت وهي بتبتسم بخفة: "وأنا كمان يا... "فارس." "يعني إيه؟! شرحها لها بالإنجليزي وهيا ابتسمت وقالت: "اسم جميل بجد."
"شكراً على ذوقك." سألها: "انتي جاية سياحة؟ لوحدِك؟ ردت بإيجاب: "آه، جايه في سياحة وشغل مع بعض." قال بسخريه: "وشغلك هو إنك تصوّري أي حد كده عادي بدون إذنه؟ ضحكت وقالت: "هو أنا بحب التصوير، وبصوّر اللي يعجبني مش شرط حاجة معينة، بحب اصوّر حاجات عشوائية." قال بابتسامة خفيفة: "تمام، أنا بهزر معاكي، ربنا يوفقك." اتحرك خطوتين فوقفته بسؤالها: "ممكن طلب؟! بصّلها ورفع حاجبه: "اتفضلي." قالت بنبرة فيها تردد بسيط:
"أنا طريقة كلامك عجبتني جدًا... عايزة أسمع أكتر عن الجامع ده ممكن؟ وهديك اللي إنت عايزه." بصّلها لحظة طويلة وبعدين بص في ساعته وقال: "بعتذر جدًا، كان نفسي والله بس للأسف عندي معاد بعد نص ساعة." قالت وهيا بتميل راسها بخفة: "لسه بعد نص ساعة، مش كفاية؟ ضحك وقال وهو بيهز راسه: "مش قصدي كده... بس النص ساعة دي هي مسافة الطريق اللي لازم أكون فيه قبل المعاد." قالت بنبرة فيها شوية إصرار لطيف: "طب ينفع بُكره؟
أنا هكون موجودة بُكره في مصر برضو." فكر لحظة، وبعدين قال بهدوء: "مقدرش أوعدك، لسه هشوف عندي إيه بُكره." قالت: "تمام... ممكن رقم فونك؟ بصّلها ثانيتين كأنه بيوازن الأمور في دماغه، وبعدين قال بابتسامة بسيطة: "أكيد." مدت إيديها بالفون وهو أخده منها، كتب الرقم ورجعهولها تاني. بصّت في الشاشة وقالت: "تمام، هكلمك بالليل." ابتسم وقال وهو بيمشي: "اتفقنا... رحلة سعيدة يا لارا."
فضلت تبصله لحد ما اختفى من قدامها ورجعت تاني تكمل تصوير. فارس خرج بخطوات سريعة، خرج بره تماماً. مشي شويه لحد ما شاف صاحبه "زيزو" مستنيه عند العربية. أول ما شافه قال بصوت عالي: "إيه يا عم كل ده تأخير؟! فارس نفخ بخفة وقال وهو بيقرب منه: "هو أنا بلعب؟ مهو شغل يا سيدي." زيزو زم شفايفه بغيظ وقال: "ومكلّمني أجيلك بدري ليه يا سمج؟ فارس رفع حاجبه وقال: "عايز عربيتي، هتفضل محتلّها كتير يعني؟ زيزو قال وهو بيتمطى:
"لسه عربيتي بتتصلّح." رد فارس وهو بيهز راسه: "يبني دي بقت خردة خلاص، ده انت لو جمعت كل الفلوس اللي صلحتها من ساعة ما جبتها، كان زمانك جايب واحدة جديدة دلوقتي." زيزو رفع حاجبه وقال بسخرية: "خردة؟! مش أما تقولها صح الأول." فارس رمقه بنظرة جانبية وقال: "اتريق، اتريق." ضحك زيزو وقال: "اتريق؟! اركب يا عم خلينا نخلص." ركب فارس وسأل: "هتجيب عربيتك إمتى؟ زيزو قلد لدغته في الكلام وهو بيضحك: "هجيب عربيتي بُكره."
فارس ضربه بكوعه بخفة وقال: "يبني اتلم خلينا ساكتين." زيزو قال وهو بيضحك: "لاء اتكلم، وريني آخرك." فارس رمقه بنظرة جانبية من غير ما يرد فزيزو كمل: "ياااااه، بكره الخميس، أكل." فارس بصله وقال: "دايمًا همّك على بطنك، ارحم يا دولي." زيزو ضحك وقال بحماس: "قول لحنون تعمل ورق عنب وجلاش ومكرونة بشاميل... والحلو جلاش وبسبوسة! فارس قال وهو بيضحك: "انت دخلت قصر محمد علي انت كمان؟! إيه ده كله؟! رد زيزو بسخرية:
"كفاية انت بتدخله." فارس قال بسخريه: "يبني انت ناقص تاكلني بالمرة." "لما تتحول لدكر بط حاضر." فارس اتنهد وهو بيبص قدامه. وبعد لحظة زيزو سأل: "هو إنت نازل شغل بكره؟ فارس قال وهو بيبص قدامه: "أيوه، جولة واحدة." زيزو بصله باندهاش وقال: "هتنزل على جولة! فارس قال ببساطة: "في واحدة أحرجتني وطلبت مني آخدها جولة، أخدت رقمي، حطتني قدام الأمر الواقع ومرضتش أكسفها." زيزو ضرب كف على كف وقال بصوت مصدوم تمثيلي: "يا نهار أبيض!
علشان متكسفهاش تنزل مخصوص عشانها؟! ضحك فارس وقال: "انت عارف مش بقدر أكسف حد، عادي حصل خير." زيزو سأل وهو بيبصله من فوق لتحت: "حلوة؟! فارس رمقه بنظرة جانبية وقال: "معرفش، مبركزش." زيزو رفع حاجبه وقال بخبث: "حد ميركزش في النعمة، بترفس النعمة يا جاحد." فارس بصله وسأل: "ها؟ خلصت؟ زيزو ضحك وقال: "لسه، لسه هبدأ التنغيم دلوقتي." فارس مد إيده وفتح الراديو، شغّل أغنية بصوت متوسط وهو بيقول بهدوء: "طنشتك رسمي." زيزو ضحك وقال
وهو بيهز راسه على المزيكا: "كل ما تتزنق تشغّل أغاني يعني... طب البس صوت طرب من الزوز مجاني." فارس زوّد الصوت شوية وقال بابتسامة خفيفة: "جرب." زيزو حاول يغني مع الأغنية بصوت عالي ومزعج. فارس بصله وقال بضحك: "يبني اسكت، انت بتغني ولا بتستغيث؟ زيزو ضحك وقال: "ده صوت الإحساس يا جاهل يا عديم الإحساس." فارس قال بسخرية وهو بيرجع ضهره لورا: "إحساس إيه اللي بينبح الحنجرة كده؟! زيزو قال: "مش عاجبك صوتي؟ والله زمان." فارس لف
وشه الناحية التانية وقال: "هتسكت ولا أنزلك تمشي بقية الطريق؟ زيزو ضحك وقال وهو بيرفع إيده: "تمام تمام، سكتت." ضحك فارس بخفة، وزود صوت الأغنية أكتر. تاني يوم. فارس لمحها من بعيد بعد ما كلمها وعرف مكانها بالظبط. كانت واقفة بهدوء، لابسة لبس صيفي قصير، بتبص حواليها بانبهار وهيا بتصور كل اللي يعجب عينيها. قرب منها بخطوات سريعة وقال بابتسامة خفيفة: "آسف جدًا على التأخير." لفت ناحيته بابتسامة دافية وقالت بلطف:
"عادي ولا يهمك، المهم إنك جيت." وهو بيعدل شنطته على كتفه: "معلش، مش متعود أنزل الخميس... الطريق كان زحمة جدًا وده اللي أخرني، أنا أصلاً متعود متأخرش." ضحكت وقالت: "يعني إجازتك النهارده؟ هز راسه وقال: "مش بالظبط، بس نادرًا ما بنزل يوم خميس." ابتسمت بخفة وقالت: "حسستني بالذنب، بس بجد آخر يوم ليا النهارده، قولتلك امبارح." ابتسامته كانت بسيطة وهو بيرد: "ولا يهمك." قالت وهي بترفع الكاميرا: "تمام... نبدأ؟ رد بهدوء: "أكيد."
بدأ فارس الجولة وهو بيشرح بثقة وهدوء، صوته ثابت، نبرته مريحة. كل كلمة كانت طالعة منه بسلاسة مخلياها مركزه في كلامه وفي كل كلمة بانبهار. كاميرتها في ايديها بتصور كل حاجة تقريباً. كل ما يشرح معلومة كانت ترد بابتسامة صغيرة أوقات وتسأله عن بعض الكلمات إزاي تنطقها بالعربي برغم صعوبتها عليها. بعد فترة طويلة لفّ ناحيتها بابتسامة بسيطة وقال: "كده تقريباً خلّصنا الجولة." لارا نزلت الكاميرا من على كتفها وقالت وهي بتتنفس بعمق:
"بجد... شكراً جدًا يا فارس، حقيقي شكراً، أول مرة أحس إني همشي وأنا عندي خلفية كبيرة أوي كده عن المكان اللي زرته." ابتسم بمجامله وقال: "ده واجبي، وأنا لازم أشكرك على استماعك." ضيقت حواجبها وقالت: "لازم أصلاً أسمعك بكل حواسي، أكتر حد شفته هادي ولبق، بجد كانت فرصة سعيدة، كويس إني صورتك امبارح علشان أتعرف عليك." قال بابتسامة خفيفة: "أنا في الصورة أصلاً؟ قالت وهي بترفع عينيها ليه بابتسامة غامضة: "يمكن."
ضحك وقال وهو بيهز راسه: "انتي قلتي صورتك؟! سكتت لحظة وبصت في عينيه وهيا بتقول: "أيوه بصراحة، ملامحك حلوة جداً ولفتت انتباهي." كملت بالأسباني: "انت جذاب جداً، أتمنى لو كنت حبيبي، كان م.... قاطعها فارس بخجل وهو بيحكّ رقبته وقال بصوت واطي شوية: "شكراً على المجاملة يا آنسة لارا." قربت خطوة صغيرة وقالت بابتسامة واثقة: "دي مش مجاملة، أنا بكلمك بصراحة، محدش قالك قبل كده إنك حلو أوي." ضحك بخفة، حاول يخبّي ارتباكه وهو بيقول:
"يمكن، أو يمكن محدش بيقولها بالطريقة دي أكيد." ردّت بسرعة وبنظرة مباشرة: "الطريقة دي اسمها صراحة." اتنحنح وقال وهو بيبص بعيد: "واضح إنك صريحة جدًا، خاصة بعد كلامك اللي بلغتك، سواء اللي قولتي أو اللي كنتي ناوية تقولي." لارا اتصدمت لحظة وقالت: "انت بتفهم أسباني؟! ابتسم بخفه ورد: "مش زي الإنجليزي أكيد بس فاهم فيه شوية." سكتت لحظة وهيا حاسة بإحراج، فقطع الصمت وسأل: "نازلة سياحة ولا ده شغل؟ ردّت ببساطة:
"الاتنين، بس الأكتر سياحة، كنت محتاجة أغيّر جو وأشوف أماكن جديدة وفي نفس الوقت اشتغل." ابتسم وقال: "وهتمشي بكره؟ ردت بهدوء: "آه، للأسف." سأل: "وزورتي إيه بقا في مصر؟ وعجبك؟ لمت شعرها وهيا بتقول بحماس: "أنا جيت هنا 3 أيام بس مش كفاية خالص، يوم للأهرامات، ويوم للقلعة، والنهاردة هنا... بس لسه قدامي المتحف، حاسة إن فيه كتير أوي فايتني." ابتسم فارس وقال وهو بيبصّ قدامه:
"فعلاً فايتك كتير أوي، مصر لو فضلت فيها سنين مش هتكتشفيها كلها أصلاً." قالت بتأكيد: "بجد فعلاً... مصر حلوة أوي، بس للأسف زيارتي انتهت." سكت لحظة وبعدين سأل بهدوء: "هترجعي بلدك يعني؟ هزّت راسها وقالت: "لاء، في بلد تانية هزورها الأول، دي بقا شغل أكتر، مجبرة يعني." قال بابتسامة بسيطة: "أممم... تمام، ربنا معاكي." بصّتله ثواني وقالت بنبرة فيها جدية خفيفة: "ولو إني مش مؤمنة بكلماتك... بس هحترم دعوتك." فارس رفع
حاجبه باستغراب بسيط وقال: "لاء مش فاهم... تقصدي إيه؟ قالت وهي بتبصّله مباشرة بصوت هادي وواضح: "يعني مش مؤمنة إن ربنا اللي بتتكلم عنه هيكون معايا." سكت لحظة، ملامحه اتبدلت من الاستغراب للتركيز، وسألها: "بتقولي كده ليه؟ اتنهدت بخفة وقالت وهي بتبصّ بعيد: "لأني أصلاً مش بؤمن بالله اللي إنتوا بتؤمنوا بيه... بيقولوا علينا ملحدين يعني."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!