في كل مرة تسقط، تستقيظ وهي في أحضان الجحيم، لكن تلك المرة اختلف الأمر، فهي استيقظت والأمان يجتاحها، طمأنينة غريبة تشعر بها، وكأنها وجدت أخيرًا حصنها المفقود. كان ما حدث بعد فقدانها الوعي هو عبارة عن أصوات متشابكة، رحلة طويلة في سيارة، هتاف أشخاص، أحدًا يمسك ذراعها ويدس شيئًا حادًا بها، يدٍ تمسك بيدها، همس وصل إلى أذنيها: "أحفظها لي وسلمها من كل شر يا رب العالمين."
بعدها غابت عن الوعي عدة مرات، لتعود كل مرة بسماع أصوات مختلفة، وهمس يصل إلى أذنيها من جديد يحمل الاختناق والألم في آن واحد: "أصمدي يا لينا، أصمدي علشاني." لمعت عيناه برجاء خفي وهو يهمس بتضرع: "أحفظها ليا يارب من كل شر." حاولت أن تطمئنه، إلا أنها تشعر بأنها تحارب أمواج البحر، وكل موجة تلقيها على أحد الصخور، فيصيبها جرح عميق، حتى في النهاية وبعد فترة طويلة سقطت على الشاطئ. وما كان الشاطئ إلا صدره النابض بعشقها.
فتحت عينيها السوداويين بتثاقل، محاولة أن تعتاد على الإضاءة، وما أن استوعبت وجودها في المشفى حتى التفتت برأسها لتراه يجلس على المقعد بجوارها عاقدًا ساعديه أمام صدره الضخم، ورأسه قد سقطت على كتفه نائمًا بتعب. تأملته بقلب مفطور وهي تناديه برفق: "مراد، مراد إنت صاحي؟! يبدو أن نومه كان قلقًا، فتح عينيه بتعب، ولكن سرعان ما فتحهما على أخرهما وهو يثب واقفًا بلهفة. قبض على يدها برفق وهو يمسح على خصلات شعرها متسائلًا
بقلب خائف: "لينا، إنتي كويسة؟ حاسة بإيه؟ ابتسمت له وهي تجيبه بهدوء متوتر: "أنا كويسة، هو إيه اللي حصل؟ تنهد بحدة قبل أن يجيب بصوته الأجش القاسي: "المفروض أنا أسألك السؤال ده؟ عاوز أعرف إيه اللي حصل؟ هاجمتها ذكرى هجوم الشخص المجهول عليها وإنذارها باللعب مع الكبار، لتهز رأسها نفيًا ببطء وهي تهمس: "محصلش حاجة." قبض على ذقنها بقوة لتشهق بألم عنيف، بعد أن اجتاحتها آلام عنقها. حدقت في عينيه التي لمعت بقساوة مخيفة
وهو يسألها بلهجة متشددة: "إنتي بتستعبطي؟ في أثر على رقبتك، مين اتهجم عليكي وكان هيقتلك؟ مين يا لينا انطقي." بلعت ريقها بصعوبة تحت كفه المهددة، ثم ردت عليه بوهن غريب: "اللي انت مش عايز تقول أسماءهم يا مراد." اتسعت عيناه بذهول مؤلم، فقد عادوا إلى نقطة الصفر من جديد، وما حاولت دفنه قد عاد من جديد وسيترصد ما يخصها. أرخى قبضة يده عنها وهو يلقي بجسده الضخم على المقعد مطلقًا سبة نابية يتبعها قوله الغاضب:
"الموت بقى أقرب ليكي مني، مش هينفع نسكت." مسحت جبينها بتعب وهي تخبره: "اتصل باللواء سامي، خليه يجي ونشوف هنتصرف إزاي." أومأ رأسه ببطء، ورغمًا عنه عيناه الحادتان عادت تنظران إلى نقطة شاردة، فهو من بعيد يرى مستقبلهما معًا بهذه الحياة المخاطر وفقط، لا راحة.. لا سعادة، ولكن يكفي أنها معه الآن. ***
خلال الأشهر الماضية، تقرب منها كثيرًا حتى أصبح يعلم عنها كل شيء، فتاة تعيش في تلك البلاد الأجنبية، بينما والديها يعيشان في بلد أخرى حيث مقر أعمالهما، يتصلان بها مرة واحدة في الشهر والشهر الذي يليه يتناسون بوجود ابنتهما، فأصبحت الوحدة رفيقتها، والبكاء صديقها في الليل حينما تنام على الوسادة، لكن في الصباح تكون فتاة جميلة.. جميلة جدًا، حيث ابتسامتها الواسعة في كل صباح هي من تشعره بوجوده في الحياة.
كالعادة، كانا يسيران معًا إلى حيث مقرهما الأفضل والأقرب إلى قلبيهما، البحر وأمواجه ونسائمه التي تريح الروح الجريحة. هتفت "مريم" فجأة وهي تنظر إلى الغروب بشغف: "تعرف إني بحب الغروب؟ عقد ما بين حاجبيه وهو يسألها: "ليه؟ صمتت قليلًا قبل أن تجيبه بصوتها الناعم وبسمتها الصغيرة تتسع قليلًا: "دافي، ممتع، عامل زي البحر بيطبطب عليك، وكأنه بيقولك ابدأ من جديد، ده يوم وعدى، تعالى نبدأ من جديد."
نظر أمامها عاقدًا حاجبيه بتعجب، ومع ذلك قال بجدية وهو يضع يديه في جيوب بنطاله: "أنا بقى شايف العكس." "إزاي؟ صمت لفترة قبل أن يقول بلهجة شاردة: "اللي زيي وقت ما يشوف الغروب، بيقول لنفسه خلاص، فرصتك ضاعت، جه أوان الدفع، أول ما البحر يحضن الشمس وتختفي، بتبقى بالنسبالنا هي دي النهاية." أختنق صدره وهو يتابع: "كأنه بيقولي أغرق في سوادك." استدارت إليه بكامل جسدها وهي تسأله بحاجب مرفوع:
"آريان، برغم أنك تعرف عني حاجات كتير، لكن أنا لأ، معرفش غير اسمك، إيه حكايتك؟ تنهد بعمق وهو يبتسم من زاوية فمه مرددًا: "بلاش يا مريم، لو عرفتي حاجات عني ممكن تغرقي في سواد ملوش آخر، أنا مش شخص سيء، بس الظروف أرغمتني أني أبقى بالشكل ده." دنت منه قليلًا وهي تضع يدها على كتفه، تهمس ببسمة رقيقة: "آريان، إحنا نعرف بعض بقالنا فترة، وأنا عمري ما قرأت شخص قدامي غلط، أنت نضيف من جوا."
أطرقت رأسها تزفر بحرارة قبل أن تعاود رفعها وهي تضيف برقتهـا: "وبعدين إحنا هنا في الغربة منعرفش إلا بعض، معقولة بعد كل الفترة دي لسه موثقتش فيا؟ ضيق عينيه قليلًا وهو يحدق في بريق عينيها اللامع برقة اللامنتهية. يثق بها؟ إنه لا يعرف أحد الآن في العالم سوى صديقته وسواها، لا يثق سوى بهما، لكن ماذا عن مصير حياته؟ زفر بحرارة وهو ينظر لها قائلًا بجدية:
"أنا بثق فيكي زي ما بثق في نفسي، ودي مش حاجة سهلة أني أثق في واحدة ست أيًا كان." سألته مرة أخرى بتردد: "هو إنت ممكن تحب؟ ضيق "آريان" حاجبيه وهو يجيبها بتهكم: "حب إيه بس يا مريم؟ هو أنا فاضي أحب؟ أنا مش حمل الحب، وبعدين هو أنا هحب ليه أصلًا؟ حاولت "مريم" تمالك نفسها من الصدمة، أطرقت رأسها محاولة أن تخفي دموعها وهي تبتسم بخفة، وقد حسمت قرارها بالابتعاد عنه وهي تهمس: "معاك حق يا آريان. إنت صح." ***
في اليوم التالي، جلست "ريما" على الأريكة بضيق وهي تحادث أخيها الذي يقف أمامها بجمود يضع يديه في جيوب بنطاله. صمتت قليلًا تأخذ أنفاسها قبل أن تعاود قائلة: "حاتم، لازم نعرف فين لانا؟ دي مختفية من امبارح وملهاش حد، والمفروض أنها جاية معاك يعني في حمايتك." قال "حاتم" بصوته الجاد:
"أنا مشوفتهاش امبارح خالص يا ريما، عملت اتصالاتي، وبحاول اكلمها على الموبايل، وكلمت كتير من المستشفيات والفنادق ولسه كلمت واحد معرفة بعتله صورتها، هشوف هيقدر يلاقيها فين ولا لأ؟ زفرت بغضب خفي قبل أن تستمع إلى لهجته الغامضة: "البنت دي وراها حاجة يا ريما، خدي بالك." وقبل أن تسأله وجدت رنين هاتفه يرتفع، فأجاب على الفور باهتمام: "ها؟
"صورة البنت اللي انت بعتها واسمها أنا قدرت أوصلها، لكن لقيت حاجة غريبة هي اسمها مش لانا، اسمها لانا." عقد حاجبيه بشدة وهو يتسائل بحدة: "إزاي يعني؟ إذا كنت أنا شوفت أوراقها وبطاقتها واسمها لانا." "يا باشا أنا طلع عيني من ساعة ما كلمتني، عمومًا هي في مستشفى (... ، بس مش هتكمل هناك كتير، وده بسبب أن في حد حاول يقتلها في فرح أخت مراد الحسيني."
هنا، تعبيرات وجهه زادت قتامة وعنف. مسح على وجهه بقوة وهو يدرك أنه كان مجرد لعبة تحت يديها، وفي خلال الأشهر الماضية استطاعت أن تعرف عنه كل شيء إلا أنه لم يأخذ عنها إلا معلومات كاذبة. تسائل بحدة خافتة ولكن تحمل الغضب: "في حد معاها هناك؟ "لما سألت قالولي مراد الحسيني ذات نفسه هو اللي لحقها." نطق اسمه بذهول وهو يشعر أنه في دوامة كبيرة: "مراد؟ ***
كان "مراد" واقفًا بالخارج ينتظر خروجها من الغرفة بعد أن تقوم بتغيير ملابسها، فبعد قليل أصرت أن خروجها من هنا حتى تلتقي باللواء سامي، كي تعرف ما يدور من حولها، ومستقبلها المجهول يتجه إلى أين. التفت برأسه حينما سمع صوت انفتاح الباب لينظر إلى "لينا" التي وقفت عن بعد ببنطال الجينز وهي تدس يديها في جيبيه، بينما كان شعرها متناثرًا حول رأسها ذات اليمين واليسار. هل يخبرها أن النظر إليها هو بهجته الوحيدة في الحياة؟
هل فات الوقت ليخبرها بأنها ما كانت إلا جمال الوحيد الذي رآه من هذه الحياة؟ تلم الفتاة القوية المكتنزة من مكونات الأنوثة المبهجة، تفوق جمال نساء العالم بأسره، لكن عوضًا عن هذا كله سألها بصوت جاد: "جاهزة؟ ابتسمت بهدوء وهي تتحرك أمامه حتى يصلا إلى أقرب وقت إلى المخبئ السري الذي أخبرها اللواء سامي عنه، فذلك سيكون مخبأهما الجديد في التحدث.
بعد فترة طويلة، كان "مراد" يجلس على حمم بركانية من الغضب وهو يرمق الجالس أمامه بعينين كجمرتين من النار، في حين وقفت "لينا" مذهولة تنظر للواء سامي بعينين مصدومتين وهي تقول بخفوت: "حضرتك بتقول إيه؟ نظر لها اللواء سامي بجدية وهو يقول: "هما مستنين رد فعل منك، ورد فعلك هيخليهم يقولوا يا إما ترجعي ليهم، يا الحل التاني." سحب نفسًا عميقًا وهو يتابع:
"الحل يا لينا، أنك تندسي تاني في وسطهم لغاية ما يقعوا، وتأكدي أن دول لو وقعوا يبقى انتي خرجتي برا اللعبة دي خالص." ثم نظر لـ"مراد" وهو يقول بهدوء: "ومراد هيكون أمانك هناك، وهيساعدك." هتفت بتوهان: "مراد ظابط في مكافحة المخدرات؟! ابتسم اللواء سامي ابتسامة جانبية وهو يخبرها: "ده في العلن بس، أما الحقيقة، ظابط في المخابرات يا لينا." صمت للحظة وهو يضيف: "يعني دي تاني عملية تكوني فيها مع مراد ضد مافيا جديدة!
اتسعت عيناها بذهول وهي تلتفت إلى "مراد" الذي أشاح بوجهه بعيدًا عنها. همست بتعب غير مسبوق منه: "ياربي، ياربي، أنا مبقتش حمل اللي بتعملوه فيا ده، إنتوا فاكرني إيه، حجر؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!