الفصل 19 | من 27 فصل

رواية أتحداك أنا الفصل التاسع عشر 19 - بقلم أميرة مدحت

المشاهدات
18
كلمة
2,047
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 70%
حجم الخط: 18

بعد مرور أكثر من شهرين ونصف، أيامٍ هادئةٍ تمامًا، ولكن هناك إشتعال خفي يحدث دون أن يدري أحدهم. في ذلك اليوم كان هناك بداية عاصفة. أنتهى "حاتم" من عمله، فوثب واقفًا يجذب حقيبته السوداء الجلدية. تحرك نحو الخارج ليجد سكرتيرته المتميزة "لانا"، جالسة أمام حاسوبها تعمل بعملية. حرك رأسه بعدم فهم، فبرغم تلك الفترة التي قضاها معها إلا أنه لم يستطع فهمها ولو لمرة. وقف قبالتها وهو يسألها بدون مقدمات: -لسه وراكي شغل يا لانا؟ هبت

واقفة وهي تجيبه باحترام: -أيوه يا مستر حاتم، نص ساعة وهكون خلصت الملف ده، لأننا هناخده معانا في سفرية مصر بكرا. أومئ برأسه بجدية وهو يخبرها: -تمام هستناكي قدام بيتك على الساعة 8 الصبح، عشان نطلع على المطار. -تمام، هكون جهزت وقتها. صافحها بهدوء يودعها، ثم غادر من أمامها. لتجلس على مقعدها وهي تشعر بثقل فوق كتفيها، هموم كبيرة اجتمعت من جديد، كونها ستعود إلى مصر. ولكن كيف تخبره، أنها كانت مجرمة ومتخفية في اسم جديد.

بعد نصف ساعة، كانت تخرج من أبواب الشركة. وصلت إليها رسالة من جديد من ذلك الشخص المجهول. أغمضت عينيها بعنف وهي تقول بغضب مكبوت: -يارب صبرني. فتحت هاتفها لتجد رسائل عديدة منه، أهمها: -"حوريتي، ألم تعودي إلى البيت؟! -"أنا قلق عليك، ردي على رسائلي." -"حوريتي، اليوم وأخيرًا رأيت غرفتك، إنها حقًا رائعة." وضعت "لينا" يدها على جبينها ترتجف بصدمة وهي تغمغم: -ينهار أسود، لأ كدا كتير، ده مجنون.

مسحت على وجهها في شئ من الخوف، فهو يبدو مهووس لعين، يراقبها بدقة عالية. أستقلت سيارة أجرة، وهي تعطيه عنوان منزلها. ظلت طوال الطريق تفكر عن ذلك الشخص المجنون، حتى وصلت إلى منزلها. ترجلت من السيارة بعدما أعطته نقودًا، لينطلق مبتعدًا عن المكان. دقائق، وكانت تدخل منزلها تنير الأضواء. ظلت تبحث بعينيها عنه، لتجد ظرف كبير على الطاولة. توجهت نحوه تسحبه، ثم فتحته لتتفاجئ بثلاثة من السكاكين –حجم متوسط وورقة صغيرة مكتوب فيها:

-إياكِ أن تتأخري مرة أخرى هكذا، لقد كنت قلق عليك، بمناسبة أعلمي أنكِ لي، وأن أقترب منك أحدهم سأقتله. ألقت الورقة والسكاكين على الأرض تصرخ بغضب. أبعدت خصلات شعرها عن وجهها وهي تهدر بعصبية: -هو في إيه؟ أنا مش هخلص بقى، بهرب من عصابات ومن مراد عشان ألاقي واحد مجنون في الآخر! أنا تعبت. جلست على أقرب أريكة وهي تقول بضعف:

-يارب أنا تعبت، أنا مش آلة، مش آلة خالص عشان أشوف كل ده، محتاجة أعيش، إنما كدا أنا مدفونة بالحياة، يارب ساعدني، أرجوك ساعدني. أغمضت عيونها بعدما هبطت دموعها بألم وهي تتمتم باختناق: -اللهم أخرجني من حولي إلى حولك، ومن عزمي إلى عزمك، ومن ضعفي إلى قوتك، ومن انكساري إلى عزتك، ومن ضيق اختياري إلى براح إرادتك، ولا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.

في تمام الساعة الثامنة، خرجت "لينا" من منزلها لتجد كل من "حاتم" و"ريما" ينتظرونها. ركضت "ريما" نحوها تحتضنها لتبادلها الأخيرة عناق وهي تشعر بأنها إن استمرت في ذلك العناق ستنهار وستبكي. حاولت أن تبتسم وهي تسألها بدهشة: -إيه ده، هو إنتي هتنزلي معانا مصر؟ منحتها أروع ابتسامة وهي تقول: -من زمان وأنا نفسي أنزل مصر، وبصراحة لما لقيتك نازلة مسكت في أخويا إني لازم أنزل، وبصراحة أنا متحمسة جدًا وأنتي؟

-آه طبعًا متحمسة، متحمسة جدًا. سحب "حاتم" منها حقيبة السفر ثم وقف قبالتها وهو يسألها بهدوئه: -جاهزة يا لانا؟ اتسعت ابتسامتها التي أخفت خوفها، ثم ردت عليه موافقة بتنهيدة خافتة: -جاهزة.

وقف "مراد" أمام المرآة يرتدي تلك البذلة السوداء. أسفلها قميص رمادي اللون يتناسب مع لون عينيه الحادتين. وقف أمام المرآة وبدأ يقوم بمهمة تمشيط شعره. عقب انتهائه من تلك المهمة كان يرتدي حذاءه الأسود، ووضع ساعة يده الثمينة، وقام بإشباع ملابسه من عطره الفاخر والمفضل.

توجه بخطوات هادئة نحو الكومود كي يلتقط هاتفه الثمين ووضعه بداخل جيب سترته. ثم استدار وتوجه بعدها نحو الباب. أمسك بمقبض الباب وأداره ليدلف للخارج بخطى واثقة ثابتة. بدأ يهبط من على درج القصر بهدوء مريب حتى وصل للأسفل وقابل في طريقه امرأة يبدو عليها التقدم في العمر. وقفت أمامه بثبات وهي تنظر له باحترام. ثم حيته ليسألها باهتمام: -كل حاجة جاهزة؟ أجابته كبيرة الخدم بابتسامة سعيدة:

-أيوه يا باشا، ودينا هانم راحت الكوافير، ربنا يتمملها بخير. أومئ برأسه بالإيجاب وهو يبتسم بمجاملة، قبل أن يغادر. توجه نحو سيارته قبل أن يستقلها. كاد أن يتحرك بها لولا ذلك السؤال الذي سأله بضيق وإحساسه بالعجز يغضبه: -ألاقيكي فين؟ قوليلي ألاقيكي فين بقى؟

حل المساء وكان الجميع قد تجهز للذهاب إلى حفل زفاف "أدهم" و"دينا". تحرك "مراد" بعد أن انتهى من هندمة نفسه وكان يبدو وسيمًا بحق. فكان شعره الكثيف مرفوعًا إلى الأعلى بطريقة أنيقة إضافة إلى ملابسه ذات الصنع الفرنسي. وبرفقته "جاسر" يستقلان سيارتهما. وصلوا أخيرًا إلى هناك، وجميع الأنظار توجهت نحوهما من نساء ورجال. توجهوا نحو غرفة صغيرة تسبق القاعة، لا يوجد سوى أريكة جلس عليها كل من "مراد" و"أدهم" والمأذون.

ابتسم "أدهم" لرفيقه وهو يردد خلف المأذون، حتى صدحت الجملة المعتادة: -بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في الخير. تعالت الزغاريد في كل مكان. وقع كل من "أدهم" و"دينا"، وكذلك الشهود. انتفض "أدهم" من مكانه يهرول نحو "دينا" يعانقها بقوة، يحملها بين ذراعيه يدير بها في المكان بسعادة وهو يهدر: -أخيرًا اتجوزتك يا بنت قلبي.

تعالت ضحكاتهم، فبدأ يدق الطبول وأشتعلت الموسيقى في المكان. دخل "أدهم" القاعة مع عروسه وهو يرقص فرحًا، والجميع يضحك على طريقته. الكاميرات لا تتوقف عن التصوير، حتى جلس العريس مع عروسه. في تلك اللحظات، دخل "حاتم" وخلفه كل من "لينا" و"ريما". كان "مراد" يضحك بصخب حينما وجد جسد "جاسر" متصنمًا في مكانه وهو يسأله بذهول: -مش دي لينا؟ اتسعت عيناه وقد تجمد محدقًا في الفراغ. التفت ببطءٍ ليراها من بعيد ليهمس مبهوتًا

بعد برهة بذهول عظيم: -لينا!! تأملها بعينين مشتاقة، ولكن اشتياق مؤلم يحرقه بشدة. وجدها ترتدي فستانًا طويلاً باللون الأسود، ومصنوعًا من قماشي الستان الممزوج بالشيفون، ومطرز من الصدر حتى الخصر باللأليء والفصوص اللامعة. أما فتحة الصدر فكانت ليست واسعة ولا ضيقة. أما أكتافه فهي قصيرة تغطي مقدمة ذراعيها. فبدون شعور تحرك نحوها، فقد وجد أخيرًا مملكته.

كانت "لينا" تتحرك بخطى بسيطة حتى اتسعت عيونها فجأة وهي تراه، يتحرك نحوها بخطى سريعة وكأنه يخشى أن تهرب منه. التفتت حولها بخوف محاولة الهروب، ولكن قبل أن تفعل ذلك وجدته يقبض على ذراعيها وهو يهمس لها بصوت خفيض شرس: -رايحة فين؟ رايحة تهربي تاني؟ مش هسيبك المرة دي يا لينا ولو فيها موتي.

اشتعلت موسيقى لدى المكان ليسحبها بالإجبار نحو قاعة الرقص. واجهته بأعين مذهولة، في حين أحاط خصرها ببطءٍ، ليتميلان على الموسيقى. حاولت أن تتملص منه، ولكن حينما رأت عينيه تحولتان إلى جمرتين مشتعلتين غضبًا قاتم، تراجعت عن موقفها وهي تهمس: -مراد، سبني. ابتسم ببرود مجيبًا: -تبقي عبيطة، استحالة أسيبك، أنا ما صدقت. حاولت دفعه وهي تقول بغضب: -سبني يا مراد، إنت مش فاهم حاجة.

ظلا يتميلان على الألحان ولكن ملامحها جامدة. أخفضت عينيها حينما شعرت بنغزة في قلبها خاصةً حينما قال: -وحشتيني. رفعت عيونها اللامعة نحوه ليضيف بهدوءٍ مع عينيه الحادة ألمًا: -اليوم عندي بسنة، كنتي فحلمي دايمًا، حاولت أنساكي، بس معرفتش، عرفت مؤخرًا إنك عايشة في دمي يا لينا. وضعت جبينها على جبينه قبل أن تهمس باختناق: -أنا بحبك يا مراد، بس مش هقدر، انتهى.

قالت كلمتها الأخيرة وهي تدفعه بألم، تركته متوجهة نحو المصعد تهرب إلى أي مكان مؤقتًا. دلفت إلى المصعد، ولكن عقدت ما بين حاجبيها بريبة حينما رأت رجل يرتدي ملابس مهندمة ولكن يرتدي قبعة سوداء وهذا ما لم يتناسب مع ملابسه. لم تهتم للأمر، ضغطت على زر الطابق، في حين ابتسم هذا الرجل الغامض بخبثٍ، وهو يستدير إليها بحركة سريعة قابضًا على عنقها الأبيض خانقًا إياها بقوة وهو يهمس لها بشر: -إياكِ تفكري تلعبي مع أسيادك مرة تانية.

ظلت "لينا" تتلوى محاولة تخليص نفسها من ذراعيه القوية التي تخنقها بقوة. وجدت الصعوبة في إنقاذ نفسها من قبضته، تباطأت مقاومتها تدريجيًا دليلًا على فقدانها لأنفاسها الأخيرة. فتح باب مصعدها عند الطابق الأخير، فعاد يبتسم بخبث بعد أن حررها، فسقطت أرضًا وأخذت تتنفس بقوة وهي تسعل واضعة يدها المرتجفة على عنقها وهي تهمس: -سبني عايشة ليه؟ هو في إيه، مين دول.

حاولت الوقوف ولكن عادت تسقط من جديد وهي تسعل بعنف. ضغطت على زر الطابق الأرضي بعنف وهي تشعر أنها على وشك الغياب عن الوعي، حتى هبط بها المصعد، وما أن فتح حتى خرجت منه بصعوبة، ولكن بدأ الخدر يسري بجسدها وعيناها تغمضان. شعرت فجأة أنها سقطت فوق سحابة. وبعد ثوانٍ قليلة، سمعت كما لو من تحت الماء، صوته المألوف يناديها بذعر: -لينا، لينا، لينا مالك؟ كان هو آخر شيء رأته قبل أن يغيب الظلام وجهه، وساد الصمت بعدها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...