قبل ذلك بستة أشهر، كان يسير بسيارته على سرعة هادئة. تنفس بعمق وهو يضيق عينيه بتفكير في أمر ما. ارتسمت ابتسامة قاسية غريبة على وجهه وهو يصف سيارته بقرب من البناية التي يقطن فيها مؤقتاً. ترجل عن سيارته ثم سار بخطى هادئة، ولكن أوقفه صوت همهمة يأتي من خلف سيارته. وضع يديه داخل جيب بنطاله وهو يتراجع قليلاً، ثم التفت برأسه وقد اقترب من ذلك الصوت.
عقد ما بين حاجبيه بتوجس عندما وجد شيئاً متكوماً على الرصيف، ليجد أنه ما هو إلا جسد بشري متكوم على نفسه. هتف بصوت حاد متسائلاً: "إنت مين؟ انتظر أن يرفع وجهه بعينين جادتين. سرعان ما أصابه الذهول عقب أن رأى أنها فتاة، فقد كانت تخفي شعرها وترتدي ملابس رجال. ومع ذلك لم يستطع إدراك ملامحها من شدة الظلام المحيط بالمكان. وقف أمامها مباشرةً وهو يسألها في شيء من الحدة: "إنتي سمعاني؟ إيه إللي مخليكي قاعدة بالشكل ده؟
سمع صوتها المرتجف قائلة: "ساعدني! ضيق عينيه أكثر عقب كلمتها المريبة تلك. اقترب منها أكثر وانحنى بـ جسده نحوها لتتسع عيناه بصدمة واضحة وهو يرى أنها مصابة بطلق ناري، وثيابها السوداء مليئة بالدماء. أعتدل في وقفته وهو ينظر حوله محاولاً التفكير. مسح على شعره بقوة قبل أن يهمس بغضب مكتوم: "ينهـــــار أسود." انحنى مرة أخرى وهو يسألها: "مين عمل فيكي كده؟ لم ترد عليه، فـ أخرج هاتفه سريعاً وهو يقول:
"طب استعملي شوية، أنا هتصل بالإسعاف." وقبل أن يعبث بـ هاتفه، وجدها تمسك معصمه قائلة بوهن لا يليق بها: "لأ، إسعاف، لأ." التفت برأسه للجانبين قائلاً: "استنى أشوف في حد في الشارع ولا لأ." وحينما تأكد من عدم وجود أي مارة في هذه الساعة المتأخرة، رمقها بنظراته القوية ثم انحنى بجزعه ليحملها عن الأرضية الصلبة وتوجه بها بخطى سريعة نحو مدخل البناية. همس لها بصوته العميق: "لازم تروحي المستشفى، حالتك مطمئنش." سمع صوتها
المتقطع وهي ترد عليه: "لأ، أ.. أوعى تـ.. تعمل كده، يـ.. يا إما تسبني." صعد بها إلى الطابق الثاني. بدأت تلك الفتاة تعلو حرارتها ويرتخي جسدها المرتعش بين يديه؛ حيث ظهرت قطرات العرق الباردة على جبينها، فـ استسلمت لفقدان وعيها وخارت قواها تماماً حيث سقطت رأسها على كتفه. انتبه لها فـ هز رأسه نفياً قائلاً بإمتعاض: "هو أنا كنت ناقص."
أنزلها برفق حتى لامست قدميها الأرض، وذراعه لا يزال محاوط خصرها، بينما رأسها على كتفه. أخرج سلسلة مفاتيح المنزل وهو يهمس بكلمات غير مفهومة. عاد يحملها بين ذراعيه قابضاً عليها بين يديه. دخل منزله ثم أغلق الباب بـ قدمه. ركض نحو غرفته ثم وضع جسدها المرتخي على الفراش برفق. أخرج هاتفه من جيب بنطاله وهو يعبث فيه. وضعه على أذنه ثم قال بلهجة حادة خطيرة: "عايزك تيجي حالاً على العنوان اللي هبعتهولك." التفت برأسه
نحوها وهو يقول بجمود: "في واحدة مصابة بطلق ناري، فمن غير كلام كتير، تيجي ومتقولش لأي حد إني كلمتك." أنهى المكالمة دون أن ينتظر رده. زفر زفيراً حاراً وهو يجلس على طرف الفراش بجوارها. سحب منديلًا ورقيًا من حافظة المناديل ومسح عنها حبات العرق الملتصقة على جبينها فـ بدا وجهها أكثر وضوحاً له. تأمل تفاصيله بدقة، حرك رأسه بتفكير وهو يهمس بشرود: "إنتي حكايتك إيه؟ "آنسة، يا آنسة، إنتي سمعاني؟
حاولت أن تفتح عينيها ولكنها شعرت وكأن أجفانها كتل رصاص. ألم شديد في كل مكان بجسدها. تأوهت بخفوت وهي تحرك رأسها بتعب، بينما هو يمسح جبينها بمنشفة ورقية. ثم وضع يده على جبينها فزفر بارتياح حينما تأكد من انخفاض درجة حرارتها. فبعد أن أتى الطبيب، قام بنزع الرصاصة وطهر الجرح جيداً بالمواد المطهرة وضمد الجرح جيداً، حتى لا يكون تلوث الجرح قد وصل للدم. وعندما غادر من المكان، قام بعمل كمادات لها لتخفيض حرارتها المرتفعة.
كادت تصرخ من هول الألم ولكن كبحت انفعالاتها وحاولت فتح عينيها المشوشتين لتدقيق النظر فيما حولها. سمعت صوته من جديد وهو يقول: "إنتي سمعاني طيب؟ حاولي تفتحي عينيكي." وأخيراً فتحت عينيها وأتضحت الرؤية أمامها لتصطدم بـ وجهه. حاولت أن تعتدل في جلستها ولكن اشتدت عليها الوخزات الحادة. أغمضت عينيها وقد ارتجفت شفتاها مخرجة آهة خافتة. سمعت صوته مرة أخرى وهو يحاول أن يجعلها تتحدث بأي كلمة، فقالت بوهن: "عايزة أشرب مياه."
وكأنـه كان يعلم ذلك، فقد كان كوب الماء جاهزاً. جذب الكوب من على الكومود بينما فتحت عينيها واعتدلت في جلستها بحرص. قرب الكوب من شفتيها فبدأت تشرب المياه الباردة بهدوء حتى أنهت نصفها. عاد يضع الكوب مكانه وهو يسألها بصوت جاد ممتزج بالاهتمام: "أحسن دلوقتي؟ حركت رأسها إيجابياً وهي تتسائل بحيرة: "إنت مين؟ وإيه اللي حصل؟ آخر حاجة فاكرها إني.."
صمتت قليلاً حينما هاجمتها الذكريات والأحداث ليلة الأمس. بلعت ريقها بصعوبة وهي تضع يدها تلقائياً على مكان إصابتها. أغمضت عينيها بضيق وهي تهمس بداخلها: "يا إلهي." تأمل معالم وجهها بدقة وهو يسألها بدون أي مواربة: "افتكرتي؟ فتحت عينيها ببطء وهي ترد عليه بخفوت: "أيوه افتكرت، شكراً إنك أنقذتني، عارفة إني تعبتك معايا أوي." رد عليها بجدية: "مفيش داعي، بس أحب أعرف إنتي مين؟ صمتت قليلاً قبل أن تسأله باللامبالاة:
"هتفرق معاك يعني لو عرفت اسمي؟ مط شفتيه وهو يومئ برأسه قليلاً متسلياً، ثم قال بثقة مراقباً ملامح وجهها الثابتة: "أيوه هيفرق معايا." نظرت أمامها بصمت وبملامح باهتة، قالت بلا تعبير: "لينا." نهض من مكانه وهو يسألها بلهجة خشنة: "إزاي اتضربتي بالنار؟ قالت بصوت غريب غير مقروء: "آسفة، مش هقدر أقول." ضيق عينيه قليلاً وهو يضع يديه على خصره. حينها التفتت برأسها نحوه وهي تتابع بجمود:
"إنت أنقذتني وكل حاجة، بس ميدلكش الحق بإنك تستجوبني." ظل ينظر إليها طويلاً بتعبير غامض، ثم قال أخيراً بصوت أجش خافت: "لأ لازم أعرف، إنتي مين بالظبط؟ وإيه اللي حصل؟ قالت بلا تعبير وهي تشير بيدها: "أُعذرني يا.." هز كتفيه وهو يقول: "مراد." ابتسمت لينا وهي تومئ برأسها قائلة بخفوت: "أُعذرني يا مراد، مش هقدر أتكلم." أخفضت عينيها عدة لحظات ثم رفعتهما مجدداً إليه تقول بخبث: "وبعدين بصراحة أنا جعانة جداً، مفيش أكل هنا؟
انعقد حاجبيه قبل أن يرتفع احداهما وهو يحدق في عينيها مباشرةً. عيناها تلمعان بترفع هادئ عجيب وثقة تفوق طولها المتآكل. تمالك نفسه وهو يهز رأسه قليلاً كي يستوعب أنها تطلب منه الطعام.. وتجلس على فراشه بكل أريحية وكأنه منزلها. قست عيناه للحظات وقد تقوس فمه بابتسامة ماكرة قائلاً: "لأ مفيش، على العموم أنا هنزل أجيب أكل دلوقتي، وإكراماً مني هجبلك لبس بدل اللي إنتي لبساه ده؟
انعقد ما بين حاجبيها بإستغراب، قبل أن تخفض رأسها لترى الكثير من الدماء على ملابسها، فـ عادت تنظر إليهِ وهي تقول ببراءة لا تليق عليها: "يبقى كتر خيرك." أقترب منها وهو يرمقها بنظرات غريبة هادئة، ثم قال بثقة: "لينا كلام تاني مع بعض." كانت عينيها واثقة للغاية وهي تحدق في عينيه مباشرةً، لم تهتز من كلماته بل ابتسمت له ابتسامة غامضة. انتظرت أن يغادر من المكان، وحينما سمعت صوت باب المنزل يُغلق، وجدت نفسها تقول بإختناق:
"إيه المصيبة اللي وقعت نفسي فيها دي؟ منذ أن عاد وهو يرمقها بنظرات حائرة خفية، وهي تنظر للطعام بنظرات شاردة. ظل يراقبها طويلاً والحق يقال أنه قد بدأ يشعر بالتسلية قليلاً رغم خطورة الموقف الكارثي الذي وضع نفسه به. شعر بأن وجودها سيكون خطر عليه لذا قرر أن يخرجها من منزله في أسرع وقت ممكن، ولكن اجتاحه الضيق وأخفض عينيه وهو يفكر أنه سيجعلها تنصرف وقد أصيبت بطلق ناري منذ عدة ساعات فقط.
تنهد بضجر وقبل أن يهتف بأي شيء كانت تبتسم بثقة مرددة بلهجة هادئة: "مفيش داعي تفكر في وجودي." رفع عينيه مذهولاً نحوها، فرفعت عينيها الجميلتين إليه أيضاً وهي تكمل مضغ الطعام ببساطة، ثم أضافت بهدوء: "بعد ما أخلص أكل، هتحرك من هنا، كفاية إنك تعبت معايا." رفع مراد يده إلى جبهته وهو ينظر إليها مذهولاً هامساً بداخله: "دي بتقرأ الأفكار كمان! رمقها بعيون قوية وهو يقول بحزم في نفسه: "مش هينفع أسكت، أنا مش مرتاح."
رفع ذقنه ونفخ صدره بنفس صارم، ثم قال بلطف: "لينا، طب لو اتحركتي من هنا هتروحي فين؟ ردت عليه لينا وهي تكمل مضغ الطعام ببساطة: "للأسف يا مراد مش هقدر أقول أي معلومة تتعلق بيا." أخذ مراد نفساً آخر، ثم أغمض عينيه لعدة لحظات قبل أن يعد للعشرة محاولاً تهدئة نفسه، بينما لم تهتم بحنقه الواضح. تمتم بصلابة: "لينا، أنا أنقذتك ومن حقي أعرف إيه سبب حادثتك، اتكلمي أحسنلك." تركت الخبز وهي تقول بلهجة غريبة:
"مش هتكلم، ومش هقول أي معلومة عني، ولو عايز تمن إنقاذك ليا، قولي عايز كام وأنا هديلك اللي إنت عايزه، غير كده ملكش عندي حاجة." انتفض مراد من مكانه ثم انقض على فكي وجهها وهو يكاد يعصره بين يده القاسية، صاح بها بصوت جهوري: "لينااااا، أسلوبك يتعدل معايا، وإلا هتشوفي وش عمرك ما شفتيه، وبعدين فلوس إيه اللي أنا هعوزها، إنتي عبيطة؟
أنهى كلماته الأخيرة وهو يدفع وجهها. عاود الجلوس وهو يخلل أصابعه بخصلات شعره البني الغزير محاولاً تهدئة نفسه. أما هي فنظرت إليه بتعابير غير مقروءة، ثم هبت واقفة وهي تهدر فيه بحدة شرسة: "اسمع يا إسمك إيه أنت، مش عشان أنا في بيتك وأنك انقذتني يبقى هسكتلك لما تهني، المرة الجاية لو إيدك اترفعت عليا هقطعهالك." رمقها بصدمة وهو يقول في شيء من غضب: "نعم، أنتي بتقولي إيه؟ ردت عليه بذات اللهجة: "اللي أنت سمعته."
أدارت له ظهرها متوجهة نحو الداخل. راقبها بعينين حادتين كالصقر حتى اختفت عن أنظاره. زفر أنفاسه بحرارة وهو يهمس بغضب: "البنت دي مش سهلة، وراها سر كبير، لازم أعرفه، على الأقل أعرف أأمن نفسي، لتكون تبع...
بعد أن غادر من المنزل لسبب ما، انتهت من ارتداء ملابسها التي أحضرها لها، كانت تليق عليها كثيراً. دققّت النظر في صورتها المعكوسة هناك لترى وجهاً ارتسم عليه الحزن بدقة عالية، على الرغم من لمعة القوة التي ظهرت بداخل عينيها السوداويتين. سحبت نفساً عميقاً مرتجفاً وهي تمسك هاتفه الصغير لتعبث فيه قبل أن تضعه على أذنهـا منتظرة رد الطرف الآخر. وحينما أتى همست بخفوت: "أنا راجعة." صمت الطرف الآخر قليلاً قبل أن
يقول بلهجة تشف عن سخريته: "وتفتكري إني موافق أنك ترجعي." تلك المرة هتفت بثقة غير قابلة للتشكيك: "طبعاً هتوافق، لأنك محتاجني." تمتم بإزدراء: "واضح أن الرصاصة اللي خدتيها هي اللي خلتك تعقلي." تراقصت ابتسامة قاسية على شفتي لينا وهي تقول في ألم: "طبعاً، رصاصة اللي أدهالي واحد من رجالتك هي اللي ساعدتني إني أرجع لعقلي وأجيلك." سكتت للحظة قبل أن تضيف بخبث:
"بس عرفتني قد إيه إنت محتاج وجودي، وإنك لما يأست فإني أرجع قولت أما أخلص منها ولا أنا غلطانة؟ قال في شيء من الضيق: "لأ مش غلطانة، المهم هترجعي إمتى، لأني مش عايز قلق؟ ردت عليه بجدية: "ما أنا محتاجة الباسبور بتاعي و.." قاطعها بصوته الأجش: "فهمتك، هبعتلك رسالة دلوقتي فيها عنوان واحد اسمه 'نشأت'، تروحيله الليلة وهو هيديلك كل اللي إنتي عايزاه، وتفضلي عنده لغاية ما يجي وقت السفر وتجيلي، مفهوم؟ همست بإقتضاب: "تمام."
أغلقت هاتفها ثم رفعت وجهها نحو المرآة. رمقت نفسها بنظرات غير مفهومة ثم همست بقسوة: "لازم تعملي ده، لازم يا لينا، لغاية ما تخلصي منهم كلهم."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!