الفصل 11 | من 27 فصل

رواية أتحداك أنا الفصل الحادي عشر 11 - بقلم أميرة مدحت

المشاهدات
23
كلمة
1,990
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 41%
حجم الخط: 18

تابعه بعينين مظلمتين حتى وجد جسدها يتراخى وتفقد وعيها ببطء، هنا لمعت عيناه بضعف مفاجئ، وهو يشعر وكأن أحدهم يعتصر قلبه بعنف، نكس رأسه وهو يسحب نفسًا عميقًا قبل أن يستدير حتى يبتعد عنها تمامًا، حتى لا يزداد ألمه. لكن سرعان ما التفت في شيء من الريبة وهو يرى صراخ بعض من الضباط يقولون: -الإسعاف بسرعة، لينا أصابت. بلع ريقه بذعر وهو يشعر بنبضات قلبه تتزايد، وجد زميل له يدنو منه قبل أن يدفعه بعنف هادرًا فيه:

-إنت اتجننت، إزاي تضربها بالنار؟ أظلمت عيني "مراد" وتوحشت ملامحه بطريقة مخيفة وهو يهدر: -دي لسه قاتلة ظابط قدامي، وآآ... أجابه هادرًا: -هو إنت اتعميت ولا الغضب مالي قلبك من ناحيتها، دي ضربت المجرم اللي وراه، ولو إنت ركزت من البداية هتلاقيها كانت بتحارب رجالة عماد. علق عليه محذرًا بجمود ليحثه على الاعتراف بما يخفيه: -يعني إيه الكلام ده؟ رفع صوته المتعصب:

-يعني لينا الصاوي معانا في العملية دي من البداية، وزي ما إنت كنت بتجيبلنا المعلومات، هي كمان كانت بتجيب معلومات عن كل شخص هنا، عرفت بقى إنت هببت إيه؟ هدر "يامن" متسائلاً وهو لا يزال غارقًا في صدمته: -إنت بتقول إيه؟ -زي ما سمعت كدا يا مراد، لينا كانت معانا في العملية دي.

عقله لا يستجيب لأي مؤثر خارجي، لا يسمع صوته الصارخ، هو فقط يعيش صدمته وآلمه المبرحة بتروٍ، ثم فجأة اشتعلت عيناه وتأججت النيران فيهما وهو يصرخ مجددًا وكأنه استوعب الأمر للتو، متجهًا إليه بسرعة هادرًا فيه بغضب جامح: -وإزاي معرفش أنا الكلام ده؟ إزاي متبلغونيش، إزااااااي؟ أفتر عن وجهه بسمة ساخرة، فرد عليه بوجه متجهم:

-إنت عارف كويس إن الشغل يبقى كدا، وأن المعلومات اللي بتوصلك بتبقى جزء من اللي وصلهم، الأوامر كانت كدا يا مراد باشا. اتسعت عيناه وقد تجمد محدقًا في الفراغ، ليهمس مبهوتًا بعد برهة بذهول عظيم: -يعني أنا نهيت كل حاجة بإيدي!

وجه أنظاره المصدومة نحو "لينا"، ليركض في اتجاهها غير مستوعبًا الكابوس الذي يحياه، وجد اثنين من المسعفين يحملان جسدها على ناقلة طبية، فغر شفتيه قليلاً ينظر إليها بعدم تصديق لكنه أرغم نفسه قبل أن يصاب بالدوار ثم قال أخيرًا بصوت مبهوت: -آآ... لينا، إزاي؟ منعه أحد الضباط الاقتراب من جسد "لينا" أكثر من ذلك وهو يقول بتحذير: -مراد باشا، معانا أوامر بحراسة لينا. صمت "مراد" وقد أظلمت عيناه على الأخير ليضيف بتمهل مرعب:

-وأنا هركب معاها عربية الإسعاف، وأظن إنت عارف مركزي كويس وأبقى مين. أخفض الضابط رأسه قليلاً قبل أن يعود برفعها قائلًا بجدية: -تمام يا مراد باشا، اتفضل وأنا كمان هركب العربية، لأن دي الأوامر ولازم تتنفذ. ***

وكأنها تصارع الظلام الذي يغلفها، تحاول أن تخرج من تلك الحفرة العميقة التي وقعت بداخلها دون سابق إنذار، تحارب بما بقى لديها من قوة لتخرج إلى بر الأمان، أتاه صوتُه فأخترق آذانها وهي تنساق نحو ظلماتها الحالكة، ندائه المتكرر باسمها، أعطاها بريقًا من الأمل للتمسك بالحياة رغم أنه من قام بدفعها، فتحت "لينا" عينيها للحظة ليمتزج طيفه بصوته الذي يملؤه الألم وهو يقول: -لينا، ماتسبنيش.

عادت إلى عالمها المظلم بإستسلام تام، لمعت عيني "مراد" بالدموع الندم، وغضبه تجاه نفسه يشتعل أكثر وأكثر، توقفت سيارة الإسعاف عند مدخل استقبال المشفى، فُتح الباب الخلفي لتُسحب نقالتها الطبية بحذر، تحرك كبير الأطباء الذي أخذ على عاتقه مسئولية رعايتها حتى تتماثل كليًا للشفاء، أعطى تعليماته للطاقم الطبي التابع له بالتعامل مع حالتها بحذر تام، لحق بها "مراد" بخطوات متعجلة، ليراها يضعونها بغرفة العمليات لمباشرة حالتها الصحية، تسمرت قدماه في مكانه مستصعبًا مواجهة ما يحدث بسببه.

ساعة وأخرى وأخرى، الوقت يمر ببطء شديد وعليه أن يتحمل خوفه، من تطلع إلى وجهه لأدرك أنه منفصل ذهنيًا عما حوله، شرد "مراد" في لحظات بعينه مجسدًا طيفها في عقله، قاوم قدر استطاعته البكاء ألمًا وندمًا على من أحبها، ولكن كان للقدر رأي آخر. انتبه إلى صوت الضابط -الذي تولى أمر حراستها

-وهو يحدث الطبيب المعالج لـ"لينا"، فأدار رأسه في اتجاه الاثنين، كان الأخير قد خرج لتوه من الداخل وبدأ في نزع قفازه الطبي من كلتا يديه، تحرك نحوه بخوف وهو يحبس أنفاسه متوقعًا خبرًا سيئًا، أصغى إليه بأعصاب تحترق وهو يجيب بهدوء معتاد: -أطمن يا باشا، إحنا خرجنا الرصاصة، والحالة بقت مستقرة. تسلل إلى "مراد" شعور مريح أزاح الكثير من قلقه عليها، تساءل بتلهف: -طيب هي هتفوق إمتى؟

-أول ما مفعول المخدر يروح إن شاء الله، عن إذنكم. غادر من أمامهم، ليأتي في نفس اللحظة "أدهم"، رفيقُه الوحيد والذي ما إن تلقى اتصالًا منه بوصوله إلى مصر، وأنه في إحدى المشفيات، ترك ما لديه من الأعمال؛ كي يذهب إليه، ركض نحوه بقلق شديد وهو يقول: -مراد، إيه اللي حصل؟ إنت كويس؟ وقف "مراد" قبالته، وعينيه المظلمتين يظهر بداخلهما بريق من الألم، ابتلع غصة مسننة في حلقه وهو يجيبه بصعوبة وبطء وقد تضاعفت أشجانه:

-النهاردة قتلت روحي بإيدي يا أدهم. عقد "أدهم" ما بين حاجبيه وهو يسأله بقلق: -يعني إيه؟ إنت عملت إيه؟ قهقه ثانية وهو يقرع على صدره بقوة مؤلمة: -ضربتها بالنار، ضربتها بالنار من غير ما أسمعها، ظلمتها زي ما الكل عمل، آآ... أنا نهيت كل اللي بينا. حاول "أدهم" أن يستوعب كلماته، ولكن دون جدوى، ازداد انعقاد حاجبيه بشدة وهو يسأله: -إنت بتقول إيه؟ أنا مش فاهم حاجة. اختنق صوته ليخترقه ألم مضنٍ هاتفًا بحرقة:

-مش هتفهم، محدش هيفهم، أنا غبي، غبـــــي. *** ثلاث ساعات ونصف، تحرك "مراد" بقلب متلهف نحو باب غرفتها، ما إن وصل إليه خبر إفاقتهــا، وجد ثلاث من الحراسة يقفون أمام باب غرفتها، تنحى أحدهم؛ كي يدخل الغرفة، فوجدها قد اعتدلت في جلستها، تنظر أمامها بعينين قاسيتين.. شاردتين، أغمضت عينيها للحظة وهي تشعر باقتراب خطواته من فراشها، رفعت عيناها تناظره بحدة وهي تسأله: -إيه اللي جابك هنا؟

-تغضن جبينه بوجع أحمق ضرب قلبه كقبضة حديدية، قال بهدوء زائف: -لينا، أنا ظلمتك، ظلمتك زي ما الكل عمل، أنا.. أنا آسف. ردت عليه بوجه جامد الملامح ونبرة باردة: -كلمة آسف دي تروح تقولها لما تكون زقتني، اتكلمت معايا بطريقة صعبة، إنما تضربني بالنار وتظلمني في وقت واحد، يبقى لا وألف لا، مش أنا يا مراد اللي تسامح على حد ظلمني، ما بالك حد حاول يقتلني. جن جنونه لما آل إليه الأمر، هل أفسد الموقف من جديد؟ ليهب واقفًا يصيح بجنون:

-وإنتي فاكرة بقى إن أنا هسيبك، لا يمكن يحصل أبدًا، لا يمكن أسيبك تروحي مني، ولازم تقدري إنك كنتي في نظري مجرمة. قالت بنبرة متحسرة ونظراتها الخائبة بها تقتله.. تنغزه كالسكين البارد بلا رحمة: -قولتلك قبل العملية بيوم إني هحكيلك على كل حاجة، قولتلك تديني فرصة، لكن إنت سبتني ومشيت، يبقى تتحمل نتيجة تسرعك. يبتلعه نشب في داخله جراء كلماتها اللعينة! .. فصاح بحرقة أوجعت قلبها العصي وهو يدور في الغرفة بشيء من الجنون:

-كنت هسمعك، حاولت كذا مرة أعرف إذا كنتي معاهم ولا ضدهم، حاولت أبينلك من غير ما أكشف نفسي، لكن النهاردة وأنا شايف الظابط بيقع، ومسدسك رايح ناحيته، ورغم أن المجرم وراه، لكن أنا عارف إنك زيه، لما الاتنين وقعوا قولت أكيد إنتي اللي ضربتي على الظابط، أنا غلط بس معذور يا لينا. تجمدت نظراتها، بل تجمدت كل ملامحها ليحفر الألم بقوة في عمق عينيها هامسة بتعجب ونبرة مبهوتة لم تسيطر عليها: -إيه يا مراد، عايز تطلعني غلطانة في الآخر؟

فقال هامسًا بذات الصوت المختنق المعبأ بالألم: -عشان خاطري اديني فرصة، اديني فرصة وعذر بإللي عملته، أنا غلط ومش بنكر لكن كنت شايفك بصورة المجرمة المطلوبة من العدالة. ثم منحها نظرة عميقة لعينيها عن قرب قائلاً ببسمة ألم: -اديني فرصة يا لينا. اتسعت بسمتها المخادعة التي تخفي ألم كبير وهي تقول: -اطلع برا. دموع الرجال تعني القهر، هبطت دموعه وهو يدنو منها مستشعرًا خسارتها مناديًا باسمها: -لينا.

تطلعت "لينا" فيه بغموض مريب، فتساءل وهو يمسح عبراته بقوة: -بتبصيلي كدا ليه؟ أجابته "لينا" بصدق: -بحتقرك. أرغم "مراد" نفسه على الابتسام ببرود قبل أن يرد بلهجة تمكن من جعلها عادية: -هسيبك تهدي شوية، وبعد كدا هنتكلم. تحرك بخطى سريعة كي يلج إلى الخارج، تاركًا إياها تناظره بألم خفي، لكن ما فعله سيدفع ثمنه غاليًا، فـ"لينا الصاوي" لا يوجد لديها قانون الغفران. ***

هو كان يحترق، كان يتلظى بنيران الوجع بعد تلك المواجهة التي كانت كل كلمة فيها كخنجر يغرز في صميم روحه، العرق البارد يتصبب من جبينه وهو يشعر ببوادر دوار، فتح الباب ودخل ملتاث الخطى كالمخمور. وجد فجأة "سلوى" تركض نحوه بعدما قام "أدهم" بمهاتفة "دينا" وهي كانت معها بنفس التوقيت، وقفت قبالته وهي تقول بلهفة: -مراد، حمدلله على السلامة. نظر أمامه بتشوش مجعد الجبين، فدنت منه أكثر لتقف هامسة اسمه بارتباك: -مراد!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...