وكأنه يحيا داخل كابوس سينتهي ما أن يأتي النهار، إلا أن النهار لم يأتي ولن يأتي. ما يحيا به واقع يتمثل أمامه، فـ انهار من الداخل كل ثوابته. يرفض ذلك الواقع. أخذ نفسًا عميقًا يعبئ صدره بالهواء، لكن عبثًا، فالاختناق الذي يشعر به مصدره قلبه. جذوات محترقة تكويه بنيران الندم والوجع. وليكن ملعونًا إن اعترض! ، لم يستطع الإجابة وظل واقفًا دون حراك. ليسمع صوت شقيقته "دينا" يقترب: -مراد، أخيرًا وصلت بالسلامة يا حبيبي.
تقوست شفتاه عن ابتسامة متعبة وهو يستوعب وجودهما. فتح ذراعيه كي يحتضنها بشوق كبير. تنفست "دينا" بارتياح. ترقرقت عيناها بالدموع وهي تقول بصوت مبحوح: -أخيرًا وصلت بالسلامة. أنا كنت دائمًا أعد مرعوبة عليك، خايفة في يوم الباب يخبط وأسمع خبر وحش عنك. لاح شبح ابتسامة باهتة على ثغره وهو يقول بلطف: -إزاي بس، ده أنا عايش عشانك. ثم التفت باتجاه "سلوى" مبتسمًا لها بهدوء: -إيه أخبارك يا سلوى؟ أتسعت ابتسامتها وهي تجيبه ببهجة:
-بقيت كويسة لما شوفتك بخير. بخير! كلمة لم يشعر بها منذ أن التقى بـ "لينا". والعجيب أن الجميع يعتقدون لمجرد عودته، أنه أصبح بخير. اتسعت بسمته المخادعة التي تخفي ألم كبير: -أنا فعلًا بخير. أبتعدت "دينا" عن أحضانه تتمعن في تعبيرات وجهه بدقة. وقبل أن تتحدث، وجدته يتراجع للخلف وعينيه مصوبة على ضابط ما. وهو يقول بجمود: -عن إذنكم. تحرك "مراد" بخطى هادئة نحو الضابط الذي استقبله بسؤاله: -أخبار لينا إيه دلوقتي؟
لم يتحرك وجهه الجامد، وظل الوجوم مصاحبًا تعبيراته وهو يقول: -بقت كويسة الحمدلله. صمت قليلًا قبل أن يسأله فجأة بريبة: -إنت عرفت منين إللي بيني وبين لينا؟ ابتسم الضابط ابتسامة جانبية وهو ينظر أمامه بشرود قبل أن يرفع عينيه نحوه يجيبه بكل جدية:
-إنت ناسي إننا اتدربنا على قراءة الوش والعيون. أنا شوفتك وإنت بتضربها. شوفت الوجع والغضب إللي فيك، بس ملحقتش أمنعك بسبب اشتباكي مع رجالة عماد. ده غير لما اتواصلت معانا قبل كده وقولت إن لينا شخصية متناقضة. في حاجات بتعملها وفي حاجات مطلوبة منها من المافيا وبتوهم الجميع إنها نفذت. ده غير طلبك بإنك تحاول تعرف هي معاهم ولا ضدهم. كل الاهتمام ده ونظراتك ليها وإنت رايح تضرب عليها نار خلاني أشك، واتأكدت فعلًا لما نطقت بالجملة دي ليك.
شعر "مراد" أن قدميه لم تعودا قادرتين على حمل وزنه الضخم. فجلس على أقرب مقعد وهو يقول بجمود خافت: -أنا إيه إللي عملته في نفسي ده؟ بس لو رجع الزمن بيا كنت عملت نفس الحركة. كانت في نظري مجرمة، شيطانة في جلد إنسان. غضبي منها عماني، وفوقت لنفسي على إن القانون مع إللي زيها هو الموت. كنت عاوز أموت حبي ليها بنفسي. كنت عاوز أفكر نفسي إنها مجرد مجرمة، وأنا الظابط إللي مطلوب منه يقبض على إللي زيها ويقتل كمان لو لزم الأمر. تنهد
الضابط بحرارة وهو يقول: -الخوف دلوقتي من إن الخبر ده يوصل للقيادة، ساعتها هتحصل مشكلة كبيرة بينك وآ... قاطعه "مراد" بلهجة غاضبة: -إللي يحصل يحصل، مبقاش يفرق معايا حاجة خلاص. اتجه "أدهم" نحوه ثم جثى على ركبته أمامه متسائلًا بقلق: -مراد، إنت كويس؟ هدأ "مراد" قليلًا، ثم رمقه بهدوء مريب وهو يجيبه: -أنا كويس، بس ياريت يا أدهم تاخد دينا وسلوى يروحوا. أنا مش عاوز حد معايا، وكمان شوية هرجع البيت. أشار له بتفهم، ثم باغت بقول:
-تمام، بس خد بالك من نفسك. وياريت قبل ما تروح بيتك، تعدي عليا نتكلم شوية. -هبقى أكلمك. *****
في المساء، ظلت "لينا" نائمة لعدة ساعات متتالية دون قلق. بنفس الوقت دخل شخص غامض يرتدي زي طبي. ما أن رآها مستكينة هكذا، حتى أخرج تلك الإبرة المليئة بالمواد السامة. رفع يده قليلًا وقبل أن يدس الإبرة في المحلول، وجدها تفتح عينيها. نظرت له بعدم استيعاب وقبل أن تصرخ فيه، كان ألقى بالحقنة وسحب الوسادة يضعها على وجهها، يكتم به صراخاتها. تلوت بانفعال وهي تحاول أن تتشبث بالحياة.
ظنت أنها ستلتقي اليوم بخالقها. وقبل أن تستسلم لحالة الضعف، شعرت بدخول أحدهم إلى الغرفة. سمعت صوت "مراد" وهو يهدر فيه بغضب. وقد بدأ يسدد له اللكمات قبل أن يدخل الحراس يخرجونه من الغرفة. تحرك "مراد" نحوها يبعد عنها الوسادة، وهو يحدق في معالم وجهها الواهنة الشاحبة. شهقت "لينا" بعنف محاولة أن تتنفس بطبيعية. احتضن وجهها براحتيه وهو يتمتم بخوف: -لينا، لينا فوقي معايا. إنتي كويسة؟
رمقته بعيون واسعة وهي تلهث بشدة محاولة أن تبعد يديه عنها. اشتعل الرعب بداخله وهو يتحرك نحو الخارج يصرخ بصوته الجهوري: -دكتور، دكتور بسرعة. أتى كبير الأطباء وخلفه الممرضة. دخل كل منهما ليبدأ الطبيب محاولة تهدئتها حتى يتم فحص حالتها بدقة. مسح "مراد" على وجهه بقوة، وقلبه ينهش بخوف. تراجع للخلف عدة خطوات قبل أن يخرج وهو يصرخ بالحراس بلهجة جهورية: -أنا عاوز أعرف إيه الاستهتار ده؟ إنتوا أكيد بتستعبطوا؟
هتف أحد الحراس قائلًا بجدية خائفة: -يا فندم إحنا مش عارفين كل الدكاترة إللي هنا، والراجل ده مكنش باين عليه أي حاجة مريبة. قبض على تلابيبه وهو يهدر فيه بعنف: -لولا دخولي عليهـا كانت ماتت. كانت ماتت وكنت دفنتك بالحيا إنت وهو على الاستهتار إللي إنتوا فيه. دفعه بعنف فـ اصطدم جسده بالحائط وهو يردد: -أنا آسف يا فندم. خرج كبير الأطباء من الداخل، متوجهًا مباشرة نحو "مراد" الذي التفت إليه متسائلًا بقلق: -ها، إيه أخبار لينا؟
أجابه بمنتهى الهدوء والعملية: -ماتقلقش، هي بخير، ولقينا في الأوضة الحقنة دي. رفع يده بالإبرة ليضيق "مراد" حاجبيه بجدية. استقام في وقفته وهو يشير بيده قائلًا بصيغة آمرة: -أنا عاوز تحللوا الحقنة دي، ونعرف فيها إيه؟ -تمام يا مراد باشا، نص ساعة وهقولك الحقنة كان فيها إيه بالظبط. أومأ برأسه بالإيجاب وهو يراه يغادر من أمامه وخلفه الممرضة. استدار نحو الحراس قائلًا بلهجة مخيفة: -حسابكم معايا بعدين.
سحب نفسًا حادًا قبل أن يتحرك نحو غرفتها، ليجدها تعتدل في جلستها وهي تبعد خصلات شعرها للخلف. دنا منها بخطوات بطيئة وهو ينظر لها بقلب متلهف. وقف قبالتها ليتفاجأ بصوتها قائلًا: -اقعد يا مراد. دون أن يتحدث جلس على طرف الفراش، لترفع رأسها نحوه وهي تنظر له بعينين جامدتين. التوى ثغرها بابتسامة جانبية وهي تهتف بجدية: -الكلام إللي هقوله، هيتقال مرة واحدة، عشان بعد الكلام ده، علاقتي هتقطع بيك للأبد. أجابها بلهجة شبه حادة:
-وإنتي تفتكري إني هسيبك؟ أجابته بثقة: -أنا إللي هسيبك يا مراد. سألها بحدة وقد أوشك على فقدان قدرته على التحكم في أعصابه: -هتقدري تعملي كدا؟ -حتى لو مقدرتش، بس لو كان في قصة حب بينا فهي انتهت بموقفك يا... يا مراد! زفرت باختناق قبل أن تبدأ بالحديث الجاد قائلة بصوتها الهادئ:
-أنا كنت بشتغل مع أبويا من البداية في تجارة المخدرات. أتولدت وأنا شايفة قدامي البودرة والهيروين وكل حاجة تقدر تتخيلها. اشتغلت معاه بعد ما خلصت دراستي. الحاجة الوحيدة إللي رفضتها من أول يوم هي إن حد يلمسني. حاولت قبل كده أنفذ لكن مقدرتش، وعشان أهرب مثلت إني أغم عليا. وبعدها لو اضطريت أدخل بحد معايا أوضة النوم، أحطله منوم، ولما يصحى من النوم يا يلاقيني خارجة من الحمام، يا برا الأوضة. يعني يوم ما "روكان" استدعاني، كنت حطيتله حباية منوم، ولو كنت خرجت بعد ما عملت كدا، كان حد من رجاله هيبلغه، وأتشنق أنا ساعتها.
قطم عبارته مصدومًا وقد تجمدت عيناه على وجهها. شعر بدقات قلبه تتلاحق بقوة. ابتلع ريقه متسائلاً بذهول: -إزاي؟ إنتي بتقولي إيه؟ ظل ينظر إليها بصدمة وهي تبادله النظر إليه بهدوء. لتخفض عيناها أمام نظراته القاتلة في تعبيرها القوي، تابعت كلامها بألم رغم تلك الابتسامة الصغيرة التي على وجهها:
-أمي اكتشفت إن أبويا تاجر مخدرات بعد ما خلفتني بسنتين. حاولت تهرب لكن قدر يوصلها. كان قدامها اختيارين، يا تموت يا تفضل ساكتة وتربيني. اختارت الاختيار التاني بشرط واحد، إنها لما أكبر مشتغلش مع أبويا، وميكونش في علاقة بيني وبينه في الشغل. وافق لكن خلف وعده معاها لما كبرت وكنت أشتغلت معاه. لما جت تمنعني وتهرب عشان تفضحه وتلحقني من الحفرة إللي وقعت فيها، وصلتله أوامر بأنها تموت قدام عيني، عشان يكون درس ليا لو فكرت أعمل زيها. حاولت أنقذها لكن رجالة داود منعوني. فضلت أصرخ فيه وهو بيرفع سلاحه ناحيتها، وفي لحظة كانت بتقع قدامي وبتنزف لغاية ما...
ما ماتت. هدر "مراد" وهو لا يزال غارقًا في صدمته: -ومن هنا فوقت لنفسك فعلًا؟ هزت رأسها بالإيجاب وهي تضيف بشرود:
-فضلت سنة كاملة عايشة في صدمة وبرفض أي شغل، لغاية ما كان ناوي يدخلني مستشفى الأمراض العقلية. وقتها فوقت وبقيت بحاول أعرف عنه كل حاجة وعن شغله، لغاية ما بقيت أفضل عميلة عندهم. وبعدها لجأت لآريان. هو صديق طفولتي وكان بيحب والدتي جدًا. كان نفسه يبدأ حياة نضيفة، اتفقت وعمل خطة هروب ليا من إنجلترا لمصر عشان أبدأ أعرف أشتغل مع مكافحة المخدرات. وبالفعل ده حصل وقابلتك. نكس رأسه قليلًا قبل أن تبتسم بسخرية وهي تتابع:
-ولما مشيت من عندك كنت لازم أرجعله، لأن هو إللي ضرب عليا نار. وبعدها قابلتك تاني. وبضيق ظهر في تعبيراته وهو يسألها: -ومحاولة قتلك دلوقتي وقبل كده؟ وجهت نظراتها له مقطبة بعبوس:
-أنا حياتي في خطر مش من عصابة أبويا بس، تؤ عصابات تانية، واحدة منهم في اليونان وواحدة منهم في فرنسا ده غير إنجلترا. في منهم المنافسين لينا، وفي إللي كانوا بيتعاملوا معانا. إللي أذوني قبل كده هما إللي كنا بننافسهم، لكن دلوقتي إللي كنا متحدين معاهم هما إللي هيأذوني. نظر لها بجمود مستفهم فقال بصوته الرخيم: -يعني حياتك في خطر دلوقتي؟ -أومأت برأسها تؤكد ظنه هامسة بفتور:
-أيوة، أنا قولتلك كل حاجة، دلوقتي تقطع علاقتك بينا نهائي يا مراد. قبل أن يهدر فيها بغضبه، هتفت بتلك الجملة التي سمرته في مكانه: -أنا عارفة إنك كنت ظابط من البداية. اتسعت عيناه وقد تجمد محدقًا في الفراغ، ليهمس مبهوتًا بعد برهة بذهول عظيم: -عارفة!! رددت ساخرة وهي تبادله ابتسامة متهكمة: -أيوة، وحاولت أقولك، لكن السرية كانت أهم حاجة في مهمتنا، فمعرفتش أقولك.
ظل ينظر إليها عاقدًا حاجبيه بشدة، إلا أن الذهول كان ظاهرًا بعينيه ثم قال حانقًا بحدة: -كان لازم تقوليلي يا لينا، كان لازم. -مراد، خلاص إللي بينا انتهى، أوعى تفتكر إنك لما رفعت عليا السلاح مكنتش هقدر أدافع عن نفسي، لأ كنت أقدر كويس أوي، لكن سبتك بمزاجي. صمتت قليلًا قبل أن تقول بصوت بارد للغاية: -أنا سبتك تعمل ده، عشان أكرهك بضمير.
رفع عينيه المصعوقة ليتطلع إليها بصدمة. اشتدت عيني "لينا" بلهيبها المحرق فأستطردت كلماتها الثابتة كالخنجر الذي يعلم مكان الإصابة بالتحديد: -وعشان أنا عذراك يا مراد، مش هنتقم منك. لو مكنتش ظابط وشايفني بنظرة المجرمة، كنت عرفت أخد حقي منك كويس، لأن إللي يجي عليا أنا بمحيه من على وش الأرض. همس بخفوت عادي غير مستوعب للصدمة: -لينا. -اطلع برا يا مراد، خلاص قصتنا انتهت، وأنت إللي كتبت النهاية، لكن أنا كتبت الخاتمة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!