وقفت «لينا» خلف أحد الحاويات بالميناء وقد اتخذتها ساترًا لها من الطلقات النارية التي يعج بها المكان بعد أن كانت تحيطها الرصاصات من كل جهات. بدأت تطلق الرصاص بحاجبين منعقودين بشدة، فتسقط الجثث هامدة أمامها في مشهد مأساوي. حاولت التحرك أكثر من مرة متسللة إلى خارج المكان، كلما هدأ صوت الرصاص لتطالها طلقة مفاجئة إما خلفها أو أمامها أو بجانبها، لتتراجع عن فكرتها متسمرة في مكانها.
مضى بعض الوقت على وضعها، حتى وجدت أن الأجواء هدأت أخيرًا. سحبت «لينا» نفسًا عميقًا وتحركت عدة خطوات؛ كي تبحث عن «مراد»، ولكن سرعان ما عادت أصوات الرصاص تملئ المكان. أنحنت بجسدها قليلًا محاولة أن تبتعد عن الرصاص، ولكن شعرت بمن يطوق خصرها، يجذبها بقوة نحوه بعيدًا عن مرمى النيران. حاولت التملص منه لكن قبضته القوية أبت تركها، حتى استقر كلاهما خلف تلك الحاوية. استمعت إلى صوته الغاضب المكتوم:
-أهدي يخربيتك، فرهدتيني، أنا مراد. التفتت له برأسها تطالعه بعيون حادة رغم لمعة الخوف الذي ظهرت بهما رغمًا عنها؛ وكأنها تتأكد من كونه «مراد». تأمل ملامح وجهها سريعًا قبل أن ينظر إلى الأجواء حولهم، هتف بلهجة قوية لها: -ركزي معايا يا لينا، لازم نخرج من هنا في أسرع وقت ممكن.
أومأت رأسها بالإيجاب، ليراقب هو المكان بتركيز محاولًا إيجاد ثغرة ما يستطيعان من خلالها الخروج بأقل خسائر ممكنة؛ حتى وجد إحداها أخيرًا، فهو طريق مخفي مليء بالحاويات المتراصة جنبًا إلى جنب يغطي تحركهما ويمهد لهما الطريق إلى الخارج. عاود النظر إليها ليقول بصوت عميق، به شيء من القلق: -أسمعيني كويس، الطريق إللي هناك ده هنمشي فيه بسرعة لغاية المخرج إللي في آخره. هزت رأسها وهي تقول بإيجاز: -إطمن.
وقبل أن تتحرك وجدته يجذبها نحوه مجددًا، تطلعت إليه بتعجب لتجده يتابع بلهجة مشددة: -إنتي هتكوني ورايا يا لينا، وأنا هعاين الطريق، بلاش تهور ولا اختراعات، خلينا نطلع من هنا بأقل خساير. -ماتقلقش يا مراد، ثق فيا.
أومأ لها بالإيجاب، ثم أشار لها أن تتبعه، وبالفعل تحركا معًا، وكلما انتقلا من خلف أحد الحاويات إلى التالية لها يسمعان طلق ناري يوقفهما ثم يعاودان التحرك مرة أخرى. ومن كان يعترض طريقهما إما أن تطلق «لينا» رصاصتها في الخلف أو «مراد» يطلق دون أن ينتظر في الأمام، حتى وصلا لسيارته. تنهدت «لينا» بارتياح وهي تدس سلاحها قبل أن تقول بجدية: -كويس إننا خرجنا وآآ.. لم تكمل كلماتها وهي تلتفت له قبل أن تتسع عيناها بصدمة قلقة،
دنت منه وهي تتمتم: -مراد إنت اتصابت؟؟ حاول «مراد» كتم آلامه، وهو ينظر لها محاولًا التماسك قائلًا: -ماتقلقيش يا لينا، أركبي يالا. أقتربت منه وهي تقول بقلق: -أركب العربية، وأنا اللي هسوق، يالا بينا. استقل كل منهما في السيارة، بينما هو كان جرحه ينزف نزيفًا، ولكنه لم يبدي ذلك. اعتدلت «لينا» وهي تستقر في مقعدها من جديد، حاولت تفحص جرحه ولكنه صاح فيها قبل أن تلمسه: -متلمسنيش.
لم تستمع له، بل أزاحت السترة لتجد كمية غير قليلة من الدماء قد لوثت قميصه، شهقت بفزع وهي تقول: -أنت نزفت كتير أوي، هنعمل إيه؟؟ المشكلة مش هينفع نطلع على المستشفى. بدأت طاقته تضمحل، والرؤية تشوشت قليلًا، أنفاسه تسارعت ولاحقت بعضها البعض، جسده توهج بسخونة حامية. حاول التحدث وهو يقول بتعب:
-إسمعيني كويس يا لينا، مفيش مكان نقدر نروحله غير الفندق، أنا هدخل هناك بسرعة ومش هيبان عليا حاجة بسبب الجاكت الأسود اللي لابسه، وأول ما نوصل تختفي كام دقيقة في أوضتك، وبعدها تجيلي، ومعاكي الأدوات اللي تعالجيني بيها. حركت رأسها بالإيجاب وهي تبدأ تسيطر على عجلة القيادة لتقود إلى حيث الفندق، حاولت أن تبعد شعور التوتر الذي يعتريها، فيجب إنقاذه قبل فوات الأوان.
في إنجلترا، هب «داود» واقفًا وهو يدور حول مكتبه. انعكس الغضب على معالم وجهه، وقد ألتمعت عيناه بالشر الدفين وهو يصرخ بعصبية: -يعني إيه؟؟ ده أنا كدا هروح فستين داهية. صمت قليلًا قبل أن يصرخ بعصبيته: -طب أقفل، أقفل، وحسابك معايا بعدين. أنهى مكالمته وهو يهمس بعدة كلمات غير مفهومة. صدح صوت رنين هاتفه الصاخب، فتطلع إلى اسم المتصل باضطراب قبل أن يضع الهاتف على أذنه مجيبًا بتوتر كبير: -أيوة يا باشا. هدر بإنفعال بيّن:
-إزاي ده يحصل يا داود، يعني إيه الشحنة تتضبط، الشحنة ضاعت ووديتنا في داهية. قال «داود» بارتباك وهو يتحرك في أنحاء غرفة مكتبه: -يا باشا وأنا ذنبي إيه؟؟ آخر حاجة أتوقعها أن البوليس يطب علينا. هدر بصوت غاضب وهو يشعر بنيران تشتعل في رأسه: -في خاين وسطنا، لازم تعرفه، لازم يا داود وإلا هتدفع التمن، لينا كلام تاني مع بعض. أغلق الهاتف دون أن ينتظر رده، ألقى «داود» هاتفه على سطح مكتبه وهو يقول بحنق: -خاين إيه بس؟؟
مين يتجرأ ويخوني؟؟ أتى صوت «جوان» من خلفه وهي تقول بدون تفكير: -يبقى أكيد «لينا». بعد فترة وجيزة، دخلت «لينا» الغرفة الخاصة بـ«مراد»، ثم أغلقت الباب بالمفتاح. تنفست بعمق وهي تمسك الحقيبة الصغيرة متوجهة نحو غرفته، لتجده يمدد جسده على الفراش بوهن، وحرارة جسده ترتفع ونبضه ينخفض على أثر فقدان الكثير من الدماء. جلست بجواره وهي تهمس بلهفة: -مراد، مراد فوق أرجوك، إنت سامعني؟؟ فتح جفونه نصف فتحة وهو يهمس:
-سامعك، هتقدري تعالجيني؟؟ هزت رأسها سريعًا وهي تقول: -ماتقلقش، أعتمد عليا. فتحت حقيبتها لتجد أدوات طبية ومعقمة تفي استخدامهم بالكامل، ضيقت عيناها بتركيز وهي تحاول إخراج الرصاصة. حاول «مراد» كتم آلامه بصعوبة بالغة، وحبات العرق امتلأت بوجهه وهو يتأوه بألم: -آه. رفعت عيناها نحوه وهي تقول برجاء: -استحمل يا مراد، استحمل وخليك معايا، إياك تستسلم. بلعت ريقها بصعوبة وهي تضيف:
-أنا هكوي الجرح، أنا عارفة أنها خطوة صعبة لكن لازم تمسك نفسك. تنفس «مراد» بعمق محاولًا التماسك، رغم بدء ارتفاع درجة حرارته بشكل ملحوظ. وبالفعل ما أن قامت بتلك الخطوة الصعبة، حتى أطلق «مراد» صرخته من شدة الألم: -يا ليناااا، آه. سحبت منديلًا ورقيًا وهي تمسح حبات العرق من على وجهه قائلة بألم: -ألف سلامة عليك، استحمل، خلاص هانت.
أغمض عينيه بتعب، لتخرج هي من الحقيبة إبرة مسكنة وإبرة المضاد الحيوي. ترقرت الدموع في عينيها من اضطراب مشاعرها وهي تقول بارتباك: -أنا هديك حقنة المسكن ومضاد حيوي، وهتبقى كويس. تحرك عن جلسته وهو يتأوه بصوت مكتوم: -ماشي.
دقيقة واحدة وكان فقد وعيه بعد ارتفاع حرارة جسده. قامت بتغليف كتفه بالشاش الطبي تغليفًا جيدًا، ثم بدأت بعمل الكمادات له حتى تنخفض حرارته. استمرت على ذلك الحال لفترة طويلة حتى انتهت من كل شيء. زفرت بارتياح وهي تطمئن عليه، فبدأت تتخلص من آثار الدماء ثم خرجت من غرفته؛ كي تعود إلى غرفتها لتأخذ حمامًا باردًا تزيل إرهاق ما حدث اليوم.
في منزل بعيد عن كل الصراعات، نالت «دينا» عصير برتقال لـ«سلوى» قبل أن تجلس بارتياح على الأريكة وهي تمسك مشروبها أيضًا. شردت قليلًا وهي تبتسم بحزن، اشتاقت إليه كثيرًا، لا تعلم لمَ تشعر بنغزة عنيفة في قلبها؛ وكأنه يتألم. خرجت من شرودها على صوت «سلوى» المهتم: -مالك يا دينا؟ بتفكري في أخوكي؟؟ حركت رأسها بالإيجاب وهي ترد بشوق:
-وحشني أوي يا سلوى، نفسي أطمن عليه، بس مش عارفة، أكتر من سنة وما شفتوش، عايشة قلقانة عليه طول الوقت، بس النهاردة قلبي واكلني عليه. ابتسمت «سلوى» بمرارة وهي تهمس: -معاكي حق، نفسي أنه يطمنا عليه. ربتت «دينا» على كفها بحنو وهي تقول: -أنا عارفة إنك بتحبيه، ادعيله يا سلوى، ولما يرجع بإذن الله، أنا واثقة أن كلنا هنبقى فرحانين، ونعمل الخطوبة اللي هو أجلها لغاية ما يخلص من اللي هو فيه. شردت عينا «سلوى» بعيدًا وهي تغمغم:
-يارب. بعدما أخذت حمامًا باردًا، ولجت إلى الخارج وهي تتوجه نحو حقيبتها حتى تضع عدة أشياء. استمعت إلى صوت طرقات على الباب، اتسعت عيناها قليلًا قبل أن تسحب سلاحها وتدسه خلف ظهرها. اتجهت نحو الباب تفتحه وهي تقف بثبات. ليطالعها رجل طويل البنية، يمسك صينية الطعام. أشارت له بالدخول، فدخل بخطى هادئة يضع الطعام على الكومود. حدثته بجدية قاطعة: -تمام، تقدر تتفضل؟؟ تحرك نحو الباب وقبل أن يلج إلى الخارج، قال بصوت هادئ.. مريب:
-وصل فرمان موتك، ولازم يتنفذ حالًا. وقبل أن تستوعب وجدته يخرج سلاحه، غريب الشكل، فأدركت أنه كاتم للصوت. رفعه نحو جبينها بابتسامة جادة، ليتفاجئ بإبتسامتها المستفزة له وهي تقول: -وأنا جاهزة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!