الفصل 4 | من 27 فصل

رواية أتحداك أنا الفصل الرابع 4 - بقلم أميرة مدحت

المشاهدات
21
كلمة
1,520
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 15%
حجم الخط: 18

ضوضاء وتشوش يصاحبانها أحاطا بعقلها، غمامة سوداء باهتة تزحف بعيدًا عن وعيها، لتسمح بتأوهات خافتة متلاحقة تنطلق من صدرها، لتبدأ ذاكرتها باسترجاع اللحظات الأخيرة قبل أن تفقد وعيها، تشنج جسدها، وقاومت ثقل جفنيها بفزع، وهي تحاول فتح عينيها مرات ومرات، مقاومتها تزيد تدريجيًا مع زيادة نبض قلبها الذي يضخ الدم في عروقها بجنون، وقد تمكن منها الرعب قبل أن تفتح عينيها تمامًا.

وقبل أن تدرك وضعها الصعب، سمعت صوته الساخر الذي جذب انتباهها نحو الباب الخشبي العريض في زاوية تلك الغرفة الغريبة: -لما تستوعبي، ابقي قوليلي. تجمد بصرها ذاهلة فوق سطح وجهه البارد النظرات وهي تهمس باسمه: -مراد؟! كان واقفًا مستندًا بكتفه إلى حافة الباب المفتوح عاقدًا ذراعيه فوق صدره، ابتسامة ساخرة زينت شفتيه وهو يقول: -مفاجأة، بس ما تقلقيش مش هتدوم.

لحظة، اثنتان، ثلاث.. لا تتكلم، صامتة مذهولة كما هي تناظره بعينين شاخصتين، نهضت من على الفراش ببطء، محاولة أن تتغلب على دوار رأسها الذي هاجمها بضراوة قبل أن تقول بصوت متجهم: -عايز إيه يا مراد؟! رفع كتفيه بلامبالاة كأن الأمر لا يعنيه، مجيبًا وهو يحدق بعينيها: -الموضوع ما يخصنيش، دي أوامر والدك. انفرجت شفتاها بتساؤل قائلة: -يعني إيه؟! دنا منها عدة خطوات قبل أن يسألها بصوته الحاد:

-كنتِ بتعملي إيه لما هربتي من هنا على مصر؟! عشتي هناك إزاي في الشهر اللي اختفيتي فيه بعيد عن داود باشا. ألقت عليه نظرة محذرة نارية وهي تجيبه: -أنت جاوبت بنفسك، كنت هربانة منه، ولما بعت حد عشان يقتلني وضربني بالنار، أنت اللي عالجتني بنفسك، فقررت بدل ما أموت في الشارع، أرجعله ثاني. بحروف مهددة قال: -يعني أنتِ ما فكرتيش تخونيه؟! لحظة واحدة فقط، وصوت ضحكاتها تعالت بالمكان، بينما هو يحدق فيها بغضب جامح لا أحد يعلم سببه،

صمتت فجأة وهي تسأله بتهكم: -هروح مثلًا أبلغ عليه؟! طب إزاي وهو كل عملية كانت بتتعمل كنت ببقى أنا معاه فيها، هودي نفسي في داهية يعني؟! صمت طويل دام، قبل أن يخرج سلاحه الخاص به الذي كان مندسًا خلف قميصه، ثم صوبّه نحوها وهو يقول: -أنا عندي تعليمات بإني أبعتك لرحلة بدون رجعة، متأكدة إنك ما خُنتيناش؟! رمقته بثقة وابتسامة صغيرة مرسومة على وجهها وهي تقول:

-اللي زيي مش بيخاف من الموت، وردي هو هو، ما حصلش أي خيانة، لأن ده معناه هلاك لنفسي. ثم نظرت للسلاح وهي تضيف: -تقدر تضرب. اتسعت ابتسامته الساخرة، قبل أن يمد يده بالسلاح وهو يقول بثبات: -اثبتي ده بنفسك. أمسكت السلاح بعينين حادتين خلفهما الكثير من الألم، سرعان ما أغمضت عينيها وهي تضع فوهة سلاحه على جانب جبينها، تستعد لإطلاق النار، ضغطت على الزناد ولكن لم تنطلق أي رصاصة، فتحت عينيها بدهشة وهي تنظر للسلاح

قبل أن تسمعه يهتف بجمود: -كده أثبتي عدم خيانتك لينا، يلا بينا نرجع عشان نتفق على العملية، لأن السفر بكرة. نظرت له بعينين حادتين لتقابلها عينيه القاسيتين، أمسكت يده بقوة لتضع السلاح على راحة يده قبل أن تقول بصوت هامس خافت: -المرة دي هعديها لأنها أوامر داود باشا، غير كده مش هيحصل المرة الجاية إنك تقف قصادي وتهددني كده.

وبدون كلمة أخرى تركته مغادرة من ذلك المكان الذي أشبه بمخزن قديم، راقبها بعيون قوية وهو يمسح على شعره بقوة قبل أن يهمس بصوت شارد. وبه شيء من خيبة الأمل: -خسارة، خسارة يا لينا، أول مرة ظني يخيب. *****

ما أن عادت إلى القصر حتى ركضت بسرعة خفية نحو غرفتها، ثم أغلقت الباب بالمفتاح حتى تمنع دخول أي شخص مؤقتًا، نبضات قلبها تتزايد بعنف، اغرورقت عينيها بالدموع القهرة وهي تنظر حولها بغضب حارق، تكاد أن تنفجر، سحبت نفسًا عميقًا قبل أن تتحرك بهدوء غريب، انحنت بجسدها لتبعد البساط المفترش عن الأرضية، جلست في وضع القرفصاء وهي تتأمل تلك البلاط المقصودة، فوجدتها بالفعل غير مثبتة بالأرضية كالبقية. أخرجت "لينا" حديدية للاعتناء بالأظافر، وبدأت في رفعها، لتجد مجموعة أوراق مع كيس بلاستيكي به هاتف صغير، فالتقطته بلهفة.

دقيقة واحدة، وكانت تضع الهاتف على أذنها وهي تقول بصوت حاولت إخراجه طبيعيًا: -العملية بكرة على الساعة ٤، أيوة الشحنة هتوصل على المينا هناك، وأنا هكون موجودة، دي أوامر داوود باشا. بلعت ريقها بصعوبة وهي تسأله بتعب من أثر ما يحدث لها: -مطلوب مني إيه؟ *****

بعد قليل، مددت جسدها على الفراش، وأغلقت الأنوار واكتفت بتلك الإضاءة الخافتة التي تظهر من النوافذ والشرفة، زفرت بحرارة قبل أن تغمض عينيها محاولة جلب النوم إليها، حتى تهرب قليلًا من الواقع المرير، ولكن شعرت بوجود شخص ما بغرفتها، فتحت عينيها سريعًا وقبل أن تستوعب الأمر وجدت رجلًا ملثمًا على وشك أن ينقض عليها، شهقت بخفوت وهي تدير ذاتها على الفراش حتى وقعت على الأرض، ثم هبت واقفة لتجده يحمل سلاحًا ناريًا يوجهه نحوها،

وصوت خشن يقول بالإنجليزية: -يجب التخلص منك، أنتِ العقبة الوحيدة التي تقف في طريقنا منذ البداية. اتسعت عيناها قليلًا بقسوة وهي تقترب منه بهدوء، وقفت قبالته حتى أصبحت فوهة السلاح على صدرها مكان قلبها وهي تقول بهمس فحيح: -اقتلني إن كنت تستطيع.

وقبل أن يضغط على الزناد التقطت منه السلاح بعد أن قبضت على معصم يده كي تلف ذراعه خلف ظهره، ورفعت قدمها تضربه بكل قوة، فاندفع جسده إلى الأمام حتى وقع على طاولة التي وقعت معه، وكُسر زجاجها، ولكن سرعان ما وقف وهو يصرخ فيها بغضب قبل أن يحاول الانقضاض عليها ولكن هاجمته بكل قوتها، واستمر العراك بينهما حتى وقع على الأرضية، انحنت بجسدها وقبل أن تقتله بكسر رقبته، انفتح الباب على مصراعيه ليدخل "مراد" وتعبيرات وجهه تعكس عما بداخله.

نظرت له بذهول وبأنفاس عالية دون شعور، لتشعر بألم مفاجئ في ظهرها وفكها بعد أن لكمها الرجل الملثم، فاندفع جسدها للوقوع على مكان الزجاج المتناثر، وركض هاربًا، ولكن رصاصة "مراد" كانت أسرع منه، فاستقرت بقدمه وانطلقت صرخاته الآلمة. ركض "مراد" نحو "لينا" محاولًا إبعادها بحرص عن الزجاج الذي دخل بعضًا منه في ذراعيها، أمسك وجهها بين راحتيه وهو يسألها بقلق: -لينا، لينا، أنتي كويسة؟ أومأت رأسها بتعب، لتجده يضم رأسها إلى صدره دون

أن يمس بجسدها وهو يتمتم: -ما تقلقيش، أنتي في أمان. دخل حراس القصر ما أن وصلت إليهم إشارة من هاتف "مراد"، فركض جميعهم نحو الرجل الملثم، كي يأخذوه، ماعدا ثلاثة منهم الذين استمعوا إلى أمر "مراد" القائل: -يلا بسرعة خدوه عندكم وتعرفوا هو تبع مين. دقائق، نهضت "لينا" بمساعدته محاولة أن تظهر ثباتها، وضع ذراعه على كتفها وكأنه يحميها، ثم تحرك بها نحو الفراش، مددت جسدها عليه وهي تسأله بهمس خافت: -مش هتمشي؟

هز رأسه نفيًا وهو يتحرك نحو الركن البعيد عنها بقليل، ثم جلس على المقعد العريض والناعم وهو يجيب بابتسامة هادئة: -لأ، هقعد هنا شوية لغاية ما تنامي، عشان أبقى اطمنت عليكي، بس لازم نتكلم في اللي حصل ده. ردت عليه "لينا" بصوت جامد: -أوعدك بكرة، بس سيبيني أنام، أنا تعبانة.

لا يعلم لم شعر بأن تعبها ليس جسدها بل تعب روحها المشوهة، تأملها بعيون دقيقة وهو يشعر بجنون نبضات قلبه ما أن استمع إلى صوت عراك قوي وهو يمر بجوار غرفتها صدفة، ولكن حينما دخل ورأى سيطرتها تأكد أنها فتاة ليست قوية، بل شرسة. ولكنه الآن يخشى كثيرًا، أن يقع في حب تلك الفتاة، ابنة تاجر المخدرات، والذي مصيرها بالتأكيد الموت. *****

بعد عدة ساعات كثيرة، وصل كل من "مراد" و"لينا" إلى أرض مصر، ليتجها معًا فور وصولهما إلى الفندق بعد أن قام كل منهما بحجز غرفة ولكن بأسماء مختلفة تمامًا حتى لا يكشفهما أحد، وبعد مرور ساعتين تحركا معًا مرة أخرى إلى الميناء والمقرر وصول الشحنة له وفور وصولهما، وقف "مراد" يتأمل "لينا" وهي تنظر حولها بثقة وذقنها مرفوعة قليلًا وكأنها ولدت هكذا، دنى منها وهو يسألها باهتمام: -أنتي كويسة؟ التفتت له وهي تجيبه باللامبالاة:

-آه كويسة، هيكون مالي يعني؟ حرك رأسه سلبًا وهو يقول: -مش باين يا لينا. جف حلقها فجأة، وهي تسأله في شيء من التوتر: -إيه مالي يعني. -عينيكي عكس شكلك، شكلك بيقول إنك باردة، لكن عينيكي بتقول إن جواكي غضب يقدر يحرقنا كلنا. -هتعمل فيها بتقرا العيون؟ قالتها بلهجة ساخرة، ليضع يديه بداخل جيبه وهو يقول بثقة تليق به: -أنا فعلًا بعرف أقرأ العيون كويس أوي، والكلام اللي قلته هو اللي موجود في عينيكي في اللحظة دي.

لم تعرف بماذا تجيب، فوجدت أنه من الواجب أن تصمت، ولكن سؤاله جعلها تتصلب في مكانها حينما قال بريبة: -اللي هجم عليكي امبارح ده أنتي تعرفيه؟ -لأ، معرفوش. قالتها باقتضاب محاولة أن تتحاشى النظر إلى عينيه الحادتين كالصقر، انتفضت من مكانها عندما سمعت أصوات سيارات الشرطة تداهم المكان لتنتشر حالة من الذعر والتوتر، وتجد الجميع يخرج سلاحه، يستعدون للهجوم، التفتت لـ"مراد" الذي هدر فيها بغضب وهو يخرج سلاحه:

-سلاحك يا لينا، يلاااااا. أخرجت "لينا" سلاحها وهي تخلع نظارتها الثمينة تلقيها بأي مكان تستعد للهجوم مع "مراد" والجميع، وبالفعل دقائق قصيرة وكان المكان بأكمله يعج بأصوات الطلقات النارية، وانتشرت الفوضى والدماء.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...