الفصل 14 | من 27 فصل

رواية أتحداك أنا الفصل الرابع عشر 14 - بقلم أميرة مدحت

المشاهدات
23
كلمة
2,412
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 52%
حجم الخط: 18

يوم آخر لقول أُحبك فقط لا أكثر. أستنشقت رائحة عطر قوي، وشعرت بيدٍ قوية تربت على وجنتها الناعمة، وصوتٍ من بعيد يُناديها باللكنة الألمانية، وصوت أنثوي أيضًا اخترق عقلها. فتحت "لينا" عينيها ببطءٍ ترمش بهما عدة مرات وهي تحاول جاهدة الخروج من تلك الشرنقة التي تبتلعها. وما إن وعَت إلى نفسها، حتى وجدت وجهًا منحنيًا إليها بقلق، وخلفه العشرات من الوجوه متعددة الجنسيات والألوان. تسائلت بريبة ولكن باللكنة الإنجليزية: -ماذا حدث؟

أين أنا؟ عبس صاحب الوجه الأقرب وهو يقول: -لقد أصبتِ بالإغماء بعد وصولك. لتتابع فتاة بلهجة مهمتمة: -إنكِ تجلسين على مقعد من أحد مقاعد صالة المطار. أستقامت في جلستها وهي تحك شعرها محاولة الاستيعاب. همست بتوتر ولكن بلكنتها: -من أولها كدا؟ إيه ياربي ده. رفع أحد حاجبيه وهو يفكر، ألتفت برأسه لتلك الفتاة تحديدًا ليجدهـا تبتسم ببهجة. عاود النظر إليها متسائلًا بتوجس: -هل أنتِ من مصر؟

أومأت برأسها بتوجس واضح وهي تنظر إليه كمفترس، بينما هو يرمقها بطرف عينيه قبل أن يخبرهـا: -طب ما كنتِ قولتي من الأول. أتسعت عيناها بذهولٍ، رفعت أنظارها إلى الفتاة التي أخبرتهـا ببسمة لطيفة مع كلماتها: -أنا و"حاتم" مصريين، آه شكلنا مش بيقول كدا بس دي الحقيقة. ضيقت حاجبيها بقوة وهي تنظر لهما بريبة. مد "حاتم" يده وهو يخبرهـا بإبتسامة هادئة معرفًا عن ذاته بثقة عالية:

-حاتم الدغيدي، رجل أعمال مقيم هنا من كذا سنة، وأختي "ريما". إبتسمت لهـا "ريما" وهي تسألهـا بإهتمام: -إنتي كويسة، حاسة بحاجة؟ شعرت "لينا" أنها بداخل كوكب آخر. بلعت ريقها بتعب عاجزة عن استيعاب أي شيء يحدث حولها. أخفضت رأسها تفكر على ما يجب فعله، لكن صوت "حاتم" الساخر أخرجها من عنق أفكارها حينما قال: -هي القطة أكلت لسانك؟ تجهم وجهها وهي تسأله بحنق: -أفندم؟ -أهو بتتكلمي، في إيه؟ إنتي كويسة. زفرت "لينا" بضجر وهي تجيبه:

-أيوة كويسة. نهضت من مكانها بحذر حتى لا يُصيبها الدوار مرة أخرى. نظر "حاتم" حوله قبل أن يضع يديه بداخل جيوب بنطاله لاويًا ثغره بتعجب. وجه أنظاره نحو شقيقته التي تدنو منها قليلًا متسائلة بجدية: -هو إنتي جاية لحد معين هنا. سؤال ألجمها، وجعل جسدها يتخشب. هي هنا هاربة.. ضائعة.. تائهة، تحتاج إلى يد تدعمها، إلى كلمات تبث لها الطمأنينة، تحتاج إلى "مراد" كثيرًا! سحبت نفسًا عميقًا وردت دون شعور بصوتها البارد:

-أنا جاية ببدأ حياتي من جديد هنا، فمعرفش حاجة هنا لسة. تمتمت بتلك الكلمات المقتضبة وهي تنظر حولها باحثة عن حقيبتها. ما إن وجدت ضالتها حتى قبضت عليها وهي تنظر لهما ببسمة متكلفة، ثم قالت بشكر مع إيماءة خفيفة من رأسها: -أنا بشكركم على إللي عملتوه حقيقي. تابعت كلامها وهي تتسائل في شئ من التردد:

-لو تعرفوا الأماكن هنا في ألمانيا كويس قولولي؛ لأني زي ما قولت أنا أول مرة أجي ألمانيا، وأنا في عنوان عاوزة أعرف مكانه فين بالظبط، عشان لو طلع بعيد ممكن أقعد في أوتيل. قبل أن يجيبها "حاتم"، قالت "ريما" بإبتسامة جادة رغم تلهفها الذي ظهر بلهجتها: -أوتيل إيه؟ طب ما تيجي تقعدي معانا كام يوم دول، إنتي في الغربة ومحتاجة القرشين دول. رفع "حاتم" حاجبيـه للأعلى وهو ينظر لشقيقته، يود كثيرًا أن يسألها بسخرية: -شوف مين بيتكلم.

شعرت "ريما" بنظرات شقيقها، فإبتسمت له بتوتر وهي تنظر له بعيون راجية. رفضت "لينا" بقوة وهي تتراجع للخلف قائلة بجدية: -لأ شكرًا يا آنسة ريما، أنا مدبرة أموري. قطبت "ريما" جبينها وهي تتسائل بخفوت متعجب: "آنسة؟! تنهدت في شئ من الضيق بعدما شعرت بالحرج من معاملتها الرسمية وليس الودودة. في حين دنا "حاتم" منها بهدوء وهو يقول لها مصححًا: -هي مش قصدها، على العموم وريني العنوان كدا.

أخرجت من جيب بنطالها الصغير ورقة مطوية ثم ناولته. قرأ العنوان بصوتٍ خافت مهتم، قبل أن يتقوس فمه بإبتسامة جانبية. نظر لها بتعبيرات وجهه الساخرة متمتمًا: -معقولة؟ شقتك في مكان فخم زي ده، إنتي طلعتي جنبنا. نظرت له "لينا" بغيظ مكتوم من تلك الكتلة المثيرة للاستفزاز فقط. أومأ برأسه بخفة قبل أن يسألها بتعجب: -صحيح، هو إنتي اسمك إيه؟ رفعت ذقنها قليلًا وهي تجيبه: -لانا.

نظر لها "حاتم" قليلًا ثم قبض على يد شقيقته برفق يسحبها خلفهـا، وبيده الأخرى أشار للواقفة تناظره بضجر قائلًا بصوتٍ جدي: -طب تعالي يالا أركبي معانا، هنوصلك في طريقنا. -لأ شكرًا أنا هشوف عربية أجرة. ألتفت لها على حين غرة وهو يقول بحدة: -بقولك إيه أنا لسة راجع من السفر تعبان ومش ناقص كتر كلام، وبعدين عيب أوي أسيب بنت بلدي وهي أساسًا جارتي، أتفضلي يالا. -ماشي، بس أتكلم عدل أحسن لك.

قالت كلماتها الأخيرة ببرودٍ قاتل وهي تجر حقيبتها خلفها وتتحرك من أمامه بكل ثقة. مسح على وجهه بنفاذ صبر وهو يسير مع شقيقته مغمغمًا بتذمر: -صبرني يارب. *** إزداد وضعه سوءًا بعد استيعاب صدمته، وقع مرة أخرى في حفرة عميقة لا نهاية لها من الظلام الدامس. كادت أن تتوقف نبضات قلبه لولا إلحاق الأطباء والذين استشعر بعضهم بخطورة الموقف. في حين ظلت "دينا" واقفة تنظر لباب الغرفة المحتجز فيها شقيقها بفزع.

جسدها بالكامل يرتجف، وجهها شاحب، شفتيها زرقاء، تشعر ببرودة قارصة تعصف بجسدها. ضمت ذراعيها تحتضن جسدها، و"أدهم" يقف عاجزًا، القلق ينهش قلبه من كل جانب. محبوبته ورفيقه! عليه أن يبدو صلبًا رغم أنه يود كثيرًا أن يقع جالسًا على الأرض بضعف ويبكي ألمًا. دنا في اتجاه "دينا" وهو يقول: -أهدي يا دينا، مراد هيعدي منها إن شاء الله. -مـ.. مش قاا.. قادرة، تـ.. تعبانة أوي.

انهمرت دموعها بقهر بنفس لحظة خروج الطبيب من الداخل وهو يزفر بتعب. انتفض جسدهما مع خروج صوت "دينا" المتحشرج بالبكاء وهي تهرع عليه متسائلة: -مراد كويس صح؟ طمني عليه أرجوك. كسى الحزن على وجه الطبيب الشاب وهو ينظر لهما مشفقًا على حالهما: -للأسف حالته بتتدهور، قلبه كان هيقف لولا ستر ربنا. هدر "أدهم" بعصبية وهو يشير بيده: -يعني إيه؟ أعمل أي حاجة، أجبله أحسن دكاترة أجانب هنا، أو أسفره برا، المهم يكون كويس. قال الطبيب بوجوم:

-للأسف هو مش بيعاني في الجسم أكتر من حالته النفسية، الصدمة اللي واخدها هو مش قادر يتقبلها. إحساسه بالندم مخليه مستسلم في الحالة دي، فهو حاليًا بإيده يخرج نفسه بنفسه أو يستسلم. كلماته ترددت بسرعة وعنف بداخلهما، فزع سيطر عليهما، جعل كل منهما يتصنم في مكانه. شعرت "دينا" أنها ستقع في إغماءة طويلة، فأستندت بيدها على ذراع "أدهم" رغماً عنها. انتبه لها فأسرع بإمساكها وهو ينطق بخوف: -دينا.

فغرت شفتيها وهي تنظر أمامها بعينين متسعتين ذاهلتين.. دامعتين. أرتجف جسدها بصورة مقلقة وهي تبكي بصمت. بدأت تدور بها الدنيا، وضعت كف يدها على جبهتها. أقترب منها الطبيب وهو يصيح على إحداهن لتلحق بها: -يا nurse تعالي بسرعة. أقتربت منه ممرضة شابة سريعًا وهي تجيبه باهتمام. أشار بيده نحو "دينا" وهو يقول: -خديها، خليهم يقيسولها الضغط لتقع مننا. وبالفعل استندت عليها "دينا" بتعب.

راقبهـا "أدهم" بعينين حزينتين وألم عنيف يضرب قلبه. هو بين نارين لا يعلم أي طريق يتخذه. انتشله الطبيب من تفكيره وهو يربت على كتفه قائلًا بوجوم حزين مقدرًا ما يمر به: -أنا عارف إحساسك، ماتقلقش كله هيعدي بأمر الله. أومأ رأسه بالإيجاب وهو يبلع ريقه بمرارة. غادر الطبيب من أمامه، وقف "أدهم" جوار باب الغرفة الشبه مغلق. رأى "مراد" المسطح على الفراش يتصل به الكثير من الأجهزة الطبية، مغلق العينين، جسده ساكن بطريقة مخيفة.

هنا لمعت عيونه بالدموع وهو يقول بصوتٍ خائف مرتعش: -إنت مش صاحبي وبس، إنت أخويا يا مراد، عملنا كل حاجة مع بعض، عشنا كل حاجة سوا، مش هقدر أشوفك كدا، هقع معاك، مش هستحمل.

ولكن عقل "مراد" يذهب إلى تلك الذكرى مجددًا، وقوفه بجبروته.. قوته المخيفة بعض الشيء، يرفع يده مصوبًا سلاحه نحوها، كلمات سامة ينطقها تطعن قلبها المسكين، ونقطة النهاية حينما أطلق عليها رصاصته مع وداعه البارد، وكلمتها قبل أن تفقد وعيها تتردد في عقله حتى أنه نطقها على أرض الواقع دون شعور: -هتندم! *** بعد هروبه إلى إحدى البلاد الأوروبية، تحرك "آريان" بخطى واثقة، وإبتسامة جادة تزين وجهه.

انتقل إلى غرفة الاستقبال الخاصة بالفندق الذي يود المكوث فيه مؤقتًا. توقف أمام الطاولة الرخامية العالية، استند بكلتا يديه عليها وهو ينظر لموظفة الاستقبال قبل أن يقول باللكنة الإنجليزية: -في حجز نازل باسم "آريان واكد"، مظبوط؟ أومأت موظفة الاستقبال برأسها وهي تنظر لشاشة الحاسوب. لم ينتبه إلى تلك العيون المتسعة بإنبهار نحوه. ألتوى ثغرها بإبتسامة صغيرة وهي تقول بلكنتها العربية المصرية:

-ياربي هو في كدا، ده كأنه بطل من أبطال الروايات اللي دايمًا بقرأها، يا خرابي على الحلاوة. أتسعت عيونه للحظة ولكن تمالك ذاته بصعوبة مكافحًا أن لا تخرج ضحكته. في حين تابعت وهي تقول في شئ من الخوف مع مرحها: -لأ لأ نقول ماشاء الله لا يجراله حاجة، بس ده جنسيته إيه طيب، يا خرابي على الفضول، شكلي هرجع متجوزة. بنفس اللحظة أعطت موظفة الاستقبال لكل منهما مفتاح غرفته.

وقع من تلك الفتاة ورقتين على الأرضية، وقبل أن تنحني بجسدها، وجدته ينحني بجذعه يجلبها ثم أعطاها بكل هدوء. شكرته باللكنة الإنجليزية، ليجيبها بإبتسامة جذابة باللكنة المصرية: -مفيش داعي للشكر، عن إذنك. تركها متسعة العيون ودقات قلبها تتعالى، خبأت وجهها بالأوراق وهي تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعها من شدة الحرج. تمتمت بإرتباك وهي تنظر حولها: -اتفضحت، يارب تكوني اتبسطتي. *** وصلت "لينا" أخيرًا إلى شقتها.

أبدلت ملابسها ثم مدت جسدها على الفراش، وقبل أن تغمض عينيها وجدت رنين هاتفها يرتفع معلنًا عن اتصال. سحبته من على الكومود وهي تعتدل بجلستها ثم أجابت باهتمام: -أيوة يا سيادة اللواء... آه وصلت بالسلامة الحمدلله... الله يسلمك. صمتت قليلاً قبل أن تسأله بجدية وقلبها ينبض بخوف دون إيجاد لسبب ذلك: -طيب هو أنا عايزة أعرف أخبار مراد؟

-للأسف مراد فاكر إنك ميتة، وأول ما عرف جتله جلطة في القلب قعد معاه 3 أيام، وأول ما فاق واستوعب الحقيقة بردو رجع تعب تاني، ومستسلم لحالة فيها خطورة على حياته. كلمات وكلمات ولكن بمثابة صفعات تلقتهـا على وجنتيها. توسعت عيونها السوداء بصدمة، مع هلع قلبها عليه، فمع ذكر اسمه تشعر أن عاطفتها بحرًا لا يهدأ أبدًا. فهو عالق في ذكرياتها؛ كالذنب لا يغتفر، كلما بحثت عن طريق لنسيانه، وجدته وإليه المفر.

ظن اللواء "سامي" أنها أغلقت الاتصال، ولكن تفاجئ بصوتها الشرس وهي تقول بقوة وكأنها صيغة آمرة: -مراد لازم يعرف إني عايشة، مش هسمح أنه يجراله حاجة، حتى لو حياتي أنا في خطر لازم يعرف، لأنه لو عاش حتى هيعيش قلبه ميت. -مينفعش يا لينا، إنتي كدا بترميـه هو نفسه في النار. قاطعته بحدة عنيفة جعلت الذهول يتمكن منه:

-مفيش خطر عليه، لو هو متسرع، فهو دلوقتي هيقدر خطورة الموقف، ولو حضرتك مخلتوش يعرف، أنا هوصله المعلومة بطريقتي، وأظن حضرتك عارف "لينا الصاوي" لما بتقول كلمة بتنفذها. وهناك من يموت شنقًا بالفراق، ستقاتل حتى لا يحدث ذلك، فهي ستختاره في كل مرة ومرة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...