الفصل 15 | من 27 فصل

رواية أتحداك أنا الفصل الخامس عشر 15 - بقلم أميرة مدحت

المشاهدات
17
كلمة
2,552
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 56%
حجم الخط: 18

ظلت تسير في غرفتها ذهابًا وإيابًا، وهاتفها بين يديها تنتظر مكالمة اللواء "سامي"، بشأن حادثة "مراد". ظلت لفترة طويلة تتحرك بتوتر وعيناها تتقلب فيما حولها بإرتباك. ما أن تعالى رنين هاتفها حتى أجابت بلهفة دون عمد: -أيوة، ها إيه الأخبار؟ تنهد اللواء "سامي" بضيق قبل أن يجيبها بهدوء:

-لانا، اسمعي كويس اللي هقوله. الناس اللي كنتي معاهم واللي بينفسوكي، مش هيقدروا يعملوا حاجة لمراد، لأنه يدوب ميعرفش غير الناس اللي اتقبض عليهم. لكن لو حسوا منه إنك عايشة حياته هتبقى في خطر. هما بيتابعوا حالته، استوعبي الكلام ده واركني عواطفك على جنب. قطبت جبينها بقوة وهي تتساءل بحدة: -يعني إيه؟ من جديد أجابها بهدوئه: -يعني مش أقل أسبوعين، أقل حاجة. صرخت فيه "لينا" بقهر:

-كدا مراد حياته في خطر بسببي، لو جراله حاجة أنا آآ... قاطعهـا اللواء "سامي" بجدية وهو ينهض من مكانه: -يا لانا، الموضوع دلوقتي مش بإيديا. أنا اتواصلت مع المستشفى، ولما بلغت الدكتور اللي ماسك حالته، قالي لو عرف أساسًا دي هتبقى صدمة تانية في حالته مش هستحملها، لأنه مش مستوعب. هيستوعب لو ظهرتي قدامه، وده شيء مستحيل يحصل، لأنك مش هتنزلـي مصر إلا بعد سنة. عقدت ما بين حاجبيها بقوة وهي تقول بغضب: -سنة!! ده مستحيل يحصل.

حتى ينهي ذلك النقاش قال بنفاذ صبر: -سيبها لوقتها، المهم الفترة دي تعدي وبعدين هنتفق. أنهى مكالمته معها، فصرخت بغضب وهي تلقي هاتفها على الفراش. وضعت يديها على رأسها تحاول السيطرة على ذلك الصداع الذي بدأ يغلبها. تنفست بغضب جامح وهي تحرك رأسها بالسلب متمتمة بحزم: -مش هيحصل، مش هفضل سنة هنا، كلهـا أسبوعين وهقوله. *****

خمسة أيامٍ أخرى مرت بأحداث حزينة.. جامدة.. مؤلمة. خرج "مراد" أخيرًا من المشفى وهو ينظر حوله بجمود. وبجواره كل من "أدهم" وشقيقته. تحركوا به نحو السيارة. فبدون حديث طويل هتف برفيقه بصيغة آمرة التوجه إلى شركته ثم أن يذهب بشقيقته إلى المنزل، فما كان من الأخير إلا أن يستجيب لرغبته.

قبل أن يدخل الشركة وجد يد تقبض على كفه. التفت بعينين حادتين سرعان ما ترخت عندما وجد ابن خالته أمامه ينظر له ببسمة واسعة وعينين قلقين تتأمله بدقة. دون شعور احتضن رفيقه متنفسًا بعمق ما أن رآه يقف على قدميه. أغمض "مراد" عينيه للحظة قبل أن يفتحهما وهو يتراجع للخلف. ابتسم له بشحوب متسائلًا: -آخر حاجة أتوقعها هو نزولك يا جاسر. ابتسم له "جاسر" وهو يربت على كتفه قائلًا بجدية:

-إزاي أسيبك لوحدك في أزمتك. إحنا طول عمرنا على الحلوة والمُرة، هسيبك دلوقتي؟ أومأ "مراد" برأسه إيماءة خفيفة. فتابع "جاسر" بقلق وهو ينظر له بعدم تصديق: -إنت إيه اللي جرالك؟ شكلك اتغير، وشك كله تعب وجسمك كمان، إيه اللي يستدعي لكل ده. مسح "مراد" على وجهه وهو ينظر أمامه بشرود قبل أن يتمتم بحرقة وعيناه تلمعان:

-أي حاجة بنعملها يا جاسر بيكون ليها ضريبة. أنا دلوقتي بدفع ضريبة الندم، وذنب في رقبتي هفضل شايله، ووجع في قلبي لو حكيت عنه من هنا لبكرة مش هعرف أوصفلك. تألم "جاسر" لحاله وقبل أن يسأله، وجده يضيف: -عارف إنك عاوز تعرف قصدي والحكاية كلها. أنا معنديش طاقة أحكي، لما أدهم يوصل أبقى أقعد اسمع منه. أنا محتاج أهرب شوية. دون أن ينتظر رده تحرك صوب داخل الشركة. زفر "جاسر" بحنق وهو يضع يديه في جيوب بنطاله. صمت قليلًا

وهو يقول بإمتعاض: -يعني ملقيتش غير أدهم، ده أنا مش بطيق أقعد معاه مع بعض ولا هو، أقعد أسمع منه الحكاية!! سحب نفسًا عميقًا قبل أن يقول بابتسامة ساخرة: -وهو ما هيصدق، ويتفشخر بقى بنفسه ويحط رجل على رجل ويطلع طاقة الخامة اللي مش بيطلعها على أي حد غيري، ماشي يا أدهم الزفت. ***** بعد قليل. دخل "أدهم" غرفة مكتب "جاسر" وابتسامة بلهاء مرتسمة على شفتيه. ما أن رآه "جاسر" حتى أغمض عينيه بقوة وهو يمسح وجهه بقوة، متمتمًا

من بين أسنانه: -يالهوي بقى. تحرك "أدهم" نحوه وهو يجلس المقعد ثم قال بابتسامة واسعة تثير غيظه: -جـاسو حبيبي، حمدلله على السلامة وصلت إمتى؟ رمقه "جاسر" من طرف عينيه مجيبًا بحنق: -نص ساعة. -لما قالولي إنك وصلت جاسو مصدقتش، بصراحة طول السنين دي ملقتش حد أرخم عليه غيرك، كنت أرخم على مراد لكن إيده بتسبقه، فضلت أقول فين أيامك يا جاسو فيــن أيامك يا جاسو وفضلت أصرخ وآآ...

قاطعه "جاسر" بغضب وهو يضرب بقبضة يده على سطح المكتب. انتفض "أدهم" من مكانه ينظر له بدهشة. رفع سبابته نحوه وهو يقول بصرامة: -إيه جـاسو دي؟ قلتلك 100 مرة متقولش أي اسم دلع ليا، بتنرفز. اتسعت ابتسامة "أدهم" وهو يحرك كتفيه قائلًا: -ده أحلى دلع يابني، هو حد طايل ولا إيه جوجو؟ توسعت عيناه وهو ينطق بصدمة: -جوجو!! -ده في كمان ساسو وسورو، وفين 3 تانيين بس يليقوا على البنات، هيبقى شكلك وحش لو قلتلهملك.

هب "جاسر" واقفًا وهو يدور حول مكتبه هادرًا بغيظ: -بس بقـــى قولتلك بتعصب. وقف "أدهم" قبالته وهو ينظر له بذهول: -بيعصبك الدلع ده؟ -أيوة، فياريت تتنيل على عينك تقعد وتحكيلي عن موضوع مراد. أومأ رأسه سريعًا وهو يقول ببسمة باردة مستفزة: -هحكي يا جاسو ولا جسوري، جسوري ساسو، سورو جاسر، جـ... آآآه...

سدد له لكمة عنيفة في فكه وقبل أن يستوعب وجده يسدد له لكمة أخرى أشد أسقطته أرضًا. جثى فوقه وهو يرفع يده كبضة يستعد لتسديد لكماته. رفع "أدهم" يديه يحمي وجهه وهو يقول: -خلاص خلاااص حرمت، بلاش إيديك وحياة عيالك يا شيخ، المرة اللي فاتت فضلت بايت في المستشفى. تنفس "جاسر" بغضب وهو يخفض يده، وثب واقفًا وهو يقول: -أيوة كدا اتعدل. حرك "أدهم" رأسه ببراءة وهو يجلس على المقعد وقبالته "جاسر". عدل من هيئته

قبل أن يقول وهو يشير بيده: -يلا اطلع بـ200 جنية. رفع "جاسر" وجهه نحوه وهو يسأله بحنق: -نعم!! بتوع إيه؟ استخدم "أدهم" يده في الإشارة قائلًا بثقة: -لأ ما أنا لازم استغلك، 200 جنية قصاد إني أحكيلك الحكاية بالتفصيل الممل، هتجيب ولا أقوم وساعتها أبقى قابلني إن عرفت.

دس "جاسر" يده في جيب بنطاله وهو يخرج محفظته الجلدية الثمينة. أخرج منها ورقة بمئتي نقدي وأعطاها له بوجه ممتعض. أخذهـا منه "أدهم" بابتسامة شامتة، قبل أن يضع ساقه فوق الأخرى ويرخي ظهره على مسند المقعد بفخر، ثم بدأ بسرد ما حدث منذ البداية، والأخير يستمع إليه بانتباه. ***** خمسة أيامٍ مرت دون أي جديد. لقد حفر السواد تحت عينيه ونحل وجهه بشدة، بل نحل جسده كله. وفوق كل هذا يتحتم عليه.. العيش بشكل.. طبيعي!!

يتوجب عليه التعامل مع هذا وذاك، تحية هذا، الابتسام لرجل الأمن، القيام باجتماعات مهمة يكاد لا يفقه منها شيئًا لذا لا يتركه كل من "جاسر" و"أدهم" في أي منهم. في حين كانت "لينا" جالسة تتابع أخباره باهتمام، تقص ملامحه من فوق الأوراق وتحتفظ بها في ألبوم مميز كبير خاص به وحده. ووقت الحنين، حين الاشتياق لا تملك إلا أن تضمه بين أحضانها. القلب يئن بألم، العين تدمع بتوسل لقاء، والروح تستجدي قربًا لم تنله وربما لن تفعل. *****

أيام وأيام أخرى، ليس بها سوى الألم، ولكن منذ متى والألم يدوم؟! .. كابوس جديد ككل ليلة. سلاح.. تصوبيه نحوها.. إصابتها بطلق ناري.. ثم الندم. حرك رأسه بعنف وكأنه يحارب، يحاول التنفس ولكن ثقل عنيف على جسده. صورتها وهي غارقة في دمائها ومن ثم الاشتعال بحريق هائل في قصرها جعل جسده يرتجف أكثر. ومن ثم أخيرًا فتح عينيه فجأة ينظر حوله بخوف وعدم استيعاب.

ظل على ذلك الحال لدقائق معدودة، قبل أن يعتدل في جلسته ويغادر فراشه. نومه أصبح متقطع، ظل يئن بقوة وحبات العرق الباردة قد تصفدت من جبينه. وفجأة بدأ بالصراخ؛ وكأنه يريد إخراج ما بداخله منذ أول يوم. كان يصرخ بصوت مبحوح وهو يضرب كل ما تطاله يده. لا يرى إلا حمرة الغضب تُغشي عينيه، أو ربما هو دمه الذي يغلي! انهار على الأرض متهالكًا ثانية هاتفًا برجاء، بصوت مذبوح ينحره سكين الألم:

-مش قادر، الندم معاكي صعب، ليه ذبحتيني يا لينا بموتك، ليـــــه؟ أخذ يضرب رأسه برتابة في الحائط خلفه، عدة ضربات هادئة ليعقبها بصرخة ألم محملة بكل حرقة العالم.. شقت دياجير الليل، من حنجرته المذبوحة، ولكن هل للألم ذاك علاج؟!

فتحت شقيقته الباب بقلق تزامنًا مع انتهاء صرخته لتجده متهالكًا أرضًا في حالة يرثى لها، يلهث بقوة واضعًا يده على صدره موضع قلبه الهادر. عيناه حمراوان كما بركتان من الدماء والأسوأ كانت تلك النظرة فيهما.. نظرة خواء شديد، ضياع وتيه، نظرة رجل مقهور!

دنت منه بصدمة وهي تضع يدها على فمها تمنع ذاتها من البكاء. أقتربت منه ثم جلست على الأرضية الصلبة تجذبه بداخل أحضانها. حاول أن يغمض عينيه ولكنه فشل، يرى صورتها حينما يغمض عينيه وهذا يؤلمه. مسحت على خصلات شعره ودمعاتها تهبط على وجنتيها قبل أن تهمس باختناق: -عمري ما شفتك بالضعف ده. كان جسده يرتعش رغم أحضانها الدافئة. قال بصوب شارد بعيد... بعيد جدًا:

-ذبحتني يا دينا، ذبحتني بموتها. كنت عاوز أعتذر لها، أعوضها، أقضي اللي باقي من عمري معاها، مش عارف أعيش من بعدها. أخفضت وجهها تنظر لمعالم وجهه الشاحبة وهي تقول بشهقة بكاء: -هتكمل حياتك، لازم تكمل، مش هستحمل أفضل شيفاك كدا. فقال هامسًا بذات الصوت المختنق المعبأ بالألم: -أول ما النهار يطلع هزور قبرها، وحشتني أوي، يمكن أرتاح بإحساسي أنها في نفس المكان اللي أنا فيه. *****

في اليوم التالي، جلس "مراد" أمام قبرها بعيون حمراء.. متألمة. كادت أن تهبط دموعه لكن تمالك ذاته، ورفيقه "جاسر" يقف خلفه ينظر له بألم مثله، يربت على كتفيه كنوع من الدعم. وضع "مراد" الورد الأحمر والأبيض على قبرها قبل أن يبتسم بشحوب: -وحشتيني أوي، أنا عارف إنك حاسة بيا، شفتي وصلت لفين؟!

.. موتك غير حاجات كتير أوي جوايا، كنت فاكر أني أقدر أخضع الكل بقوتي وهيبتي، لكن انتي هدّيتي كل اللي بنيته في أيام في لحظة واحدة. كان نفسي أعرف انتي مين من الأول، كنت هاخدك في حضني وأهربك من الدنيا كلها، بس نكون سوا. صمت قليلًا قبل أن يضيف بصوت متحشرج: -قلبي مدقش غير ليكي، مش هقدر أعيش كدا، كل لحظة بعيش في تعب وندم. قلبي محروق ومش عارف أهدى، انتي سمعاني صح؟!

.. أرجوكي تسامحيني، قلبك اللي ادتهولي أنا دوست عليه بشغلي، لكن موتك قتلني يا لينا، سامحيني.. أنا بحبك. أخفض رأسه تنهمر دموعه الحارقة على وجنتيه. تنفس بعمق وهو يمسحهم بعنف، وثب واقفًا بهدوء وهو ينظر لقبرها نظرات مؤلمة. شعر بألم حاد في قلبه، فوضع يده يسحب نفسًا عميقًا ويزفره بحرقة. ربت رفيقه على كتفه وهو يتمتم بشفقة: -يلا يا مراد.

أومأ برأسه ولكن تصلب جسده فجأة في مكانه. رائحة عطرهـا المميزة. فغر شفتيه قليلًا وهو يرمش بعدم استيعاب. استمع إلى صوت رفيقه وهو يتسائل بخشونة لفتاة ما ترتدي النقاب: -مين حضرتك؟ استدار "مراد" بعنف وعيناه متسعتان بذهول صادم. لم يرى سوى عيناها، ولكن كفى بهما. في عينيها أغلال وأصفاد معلقة. ارتجف جسده لوهلة حتى شعر أنه سيقع لولا رفيقه الذي أسنده وهو ينظر إليه بخوف وحيرة نحو تلك الفتاة صاحبة العينين الدامعتين رغم صلابتهما.

دنت "لينا" منه خطوة واحدة وهي تناديه بألم وعيناها تلتمعان بشدة: -مراد. أبعد "مراد" رفيقه عنه وهو يتحرك نحوها بعينيه الذاهلتين. وقف أمامهـا يحدق فيها بعيون بداخلهـا ألم وغضب يكاد أن يفجر العالم بأكمله. رفعت "لينا" النقاب حتى يراهـا ويتأكد. قطب جبينه بوجع وهو يشعر بأن قدماه لم تعد تتحمل الوقوف، فجثى على ركبتيه بضعف وهو ينظر حوله وكأنه تائه. جثت على ركبتيها أمامه قبل أن تنهمر دموعها وهي تلمس وجنته هاتفة:

-مراد، أنا عايشة، مموتش، عايشة وجيتلك. نظر لها بذهول وعيناه تلمعان. رفع يده نحوها يلمس وجهها، يريد التأكد من وجودها. خفق قلبه بشدة وهو يتمتم باسمها وكأنه يتذوق حروفها: -لينا؟! .. إنتي عايشة بجد، عايشة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...