قبل أن تأتي الشرطة، استطاعت "لينا" الهروب من على سطح الفندق، واتجهت نحو غرفتها، بعد أن تأكدت من مغادرة "هوزن" ورجالته. وقفت "لينا" أمام المرآة تنظر لإنعكاسها، تعبيرات وجهها جامدة، عيناها باردتان بشدة، رغم ظلامهما الدامس. سحبت نفسًا عميقًا وهي تهمس بضعف: -الموضوع انتهى. *** تلك الأيام مرت عليها بشكلٍ ثقيل جدًا، منذ أن اختفت صديقتها الجديدة "لينا"، والملل يقتلها.
وأخاها منذ أن علم الحقائق الجديدة قرر أن ينتظر نزول "مراد" إلى شركته، حتى يفهم ما يحدث، ولكن حتى الآن لا جديد. كالعادة، تحركت "ريما" بخطى هادئة، تبتسم بدفء وهي تقترب من كورنيش النيل، ذلك المكان المفضل لديها، حيثُ تجد راحة عارمة تغمر روحها. أرتدت السماعة بعد أن قامت بإيصالها للهاتف الخاص بها، تستمع إلى موسيقى هادئة.. ناعمة مثلها. ولكن شعرت بمن يقف بجانبها، ألتفتت برأسها لتجده شاب.
عاودت النظر أمامها ولكنه تحدث إليها قائلًا وهو يمد يده بكوبٍ من القهوة: -تشربي قهوة؟ نظرت إليه بتعجب، ليتابع وهو ينظر أمامه ببسمة صغيرة: -بقالك فترة بتيجي هنا، وشكلك دايمًا زعلان، رغم أن ضحكتك جميلة زيك. أرتفعت حواجبها بصدمة، فـ تراجعت للخلف كي تغادر، ولكن وجدته يقول بثبات: -الهروب مش حل. ألتفتت تنظر له بحنق وهي تسأله: -وأنت مالك أصلًا.
وجدته يبتسم وهو يضع يده في جيبه، بينما يده الأخرى الممسكة بالقهوة أرتفعت نحو فمه يرتشف بتلذذ، ثم قال بهدوءٍ جاد: -أنا قلبي عليكي. قطبت جبينها بقوة وهي تدنو منه خطوة واحدة قبل أن تسأله بحدة: -أنت عايز إيه؟ صمت قليلًا قبل أن يقول وقد أتسعت بسمته الهادئة وبدت جاذبة: -أنا بحبك. -أنت مش محترم على فكرة. هز كتفيه ببساطة وهو يتمتم: -تمام، بس ده مش هيغير حاجة. أرتجف قلبها المسكين، وتعالى خفقانه وهي تسأله بخفوت:
-أنت مين بالظبط؟ تنهد بحرارة وهو يقول بجدية: -أنا بشتغل مع أخوكي حاتم، وأكتر من مرة كنت عندكم في البيت، وكنتي بتيجي تقدميلي القهوة، بس يا شيخة مفيش ولا مرة فكرتي حتى تقوليلي السلام عليكم. أرتسمت الصدمة على تعبيرات وجهها وهي تسأله بذهول: -نعم!!! -البعيدة مش بتحس. وقبل أن تهدر فيه بغضبها، كان تقدم منها وهو يقول بصوتٍ واثق: -من غير كُتر كلام، تعرفي أخوكي أني جاي بكرة بليل، عشان هخطبك.
أرتدى نظارته السوداء وهو يلقي نظرة أخيرة ممتعة على تعبيرات وجهها المصدومة، قبل أن يهمس بصوته العميق: -يالا سلام. وبالفعل كاد أن يتحرك، ولكن قبل ذلك وجدها تقول بدهشة: -استنى يا... ألتفت برأسه بإبتسامته الجانبية وهو يخبرها: -جاسر، جـاسر يا.. ريما. وبدون كلمة أخرى تركها مع نسمات الهواء الطيبة، وجدت نفسها تبتسم بذهول وهي تنظر حولها بعدم استيعاب. حاولت أن تظل هادئة ولكن كلماته جعلتها تكاد أن تجن. همست
من بين ضحكاتها المصدومة: -هو في إيه؟ إللي بيحصل بالظبط؟ *** منذ شجارهما، وهو لا يتحدث معها إلا قليلًا، ينام على الأريكة تاركًا إياها في الغرفة. زفرت "دينا" بغضب وهي تهبط من على الفراش، تحركت نحو الشرفة محاولة أن تحدد مكانه. لتجده يخرج من حمام السباحة، وبعض الأنظار تتجه نحوه بإعجاب. وجدت فتاة تقترب منه وتبتسم له بمنتهى الرقة.
أتسعت عيناها وهي تراه يبادلها الضحك، ضحكاته تلك التي لم تعد تراها منذ حديثها الغاضب عن تلك الفتاة اللعينة "لينا". ظلت هكذا لدقائق، تتابعهما، حتى انصرفت الفتاة، فتوجهت نحو غرفتها تجلس على فراش وهي تنظر أمامها في نقطة فراغ، مستشعرة أنها تبتعد عن زوجها، على الرغم أنهما في شهر العسل. بعد فترة، دخل "أدهم" الغرفة غير عابئًا بوجود "دينا" التي هبت واقفة وهي تقول بمنتهى الهدوء: -مين دي اللي كنت واقف معاها؟
أجابها وهو يتجه نحو الخزانة مجيبًا: -زميلتي من أيام الجامعة. زفرت بضيق وهي تقول بتهكم: -آه عشان كده وشك منور ومورد. نظر لها تلك المرة وهو يقول ببرود: -الجو الحلو بيعمل كده، إنما العكننة بتجيب أمراض الدنيا، واخدة بالك يا.. يا دودو. هدرت بغضب وهي تتحرك نحوه: -مبحبش الدلع ده قلتلك. لم يجيبها بل ظل ينظر إليها نظراتٍ غريبة، قبل أن تقترب هي هاتفة بصوتٍ حزين:
-أدهم، أنت بعدت عني أوي، وأحنا ملحقناش، ملحقناش نفرح سوا مع بعض في شهر العسل. أستدار إليها وهو يقول بهدوء: -أنتي اللي وصلتينا لكده يا دينا. بدون أن تتكلم، تحركت في اتجاهه، قبل أن تضع رأسها على صدره، وكأنها وسادة. دمعة هبطت على وجنتها وهي تقول بصوتٍ مرتجف: -تعالى نتعاتب، تعالى نتخانق حتى، لكن بلاش سكوت، إنت كده بتدمرني. شعرت به وهو يرفع ذراعيه كي يضمها إلى صدره، فهمست بصوتٍ مهزوز:
-أنا أسفة، بس مشاعري ناحية لينا، مش هتقدر تتغير يا أدهم. سمعت صوته الأجش وهو يسألها: -اهتمي بحياتك أنتي وبس يا دينا، مشاعرك دي حاجة ترجعلك، بس إياكي تفكري تأذيها، وتوعديني أنك متتدخليش في حياة أخوكي تاني. صمت طويل دام قبل أن تقول بإستسلام: -أوعدك. *** في بريطانيا، أخيرًا استطاعت الدخول إلى قصره المهيب برفقته، بعد أن أعطى إشارة لجميع رجاله وحراسته وأتباعه، أنها باتت منهم الآن.
كانت تسير خلفه بثباتٍ وهي تنظر حولها بتمعن دقيق، صعدت على الدرج خلف "هوزن" الذي أتجه بها إلى غرفته. وما أن أغلق الباب عليهما حتى أقترب منها وهو يقول ببسمة قاسية: -أتعلمين أنني محظوظ بكِ كثيرًا. ظلت تنظر له بهدوءٍ بارد، تخفي هي خلفه بركانٍ يكاد أن يدمر القصر ومنطقة القصر. دنى منها قليلًا قبل أن يضيف بصوتٍ هامس قوي:
-لم أكن أصدقك حتى رأيت جثته في المشرحة، وحقًا وقتها استطاعتي أن تكوني أقوى امرأة في العالم، قتلت حبها حتى تعيش. همست "لينا" بصوتٍ بارد حاد كالسيف: -نعم قتلت حبها، وتقتل أي شخص سيقترب منها بالأذى. رفعت ذقنها قليلًا وهي تقول بفخر: -فأنا لينا الصاوي، لا يمكنك أن تتخيل ما يمكن أن أفعله إذا حاولت أذيتي. أقترب منها قليلًا وهو يخبرها بثقة: -أعرف، ولهذا أقدرك. ظهر بريق قاسي في عينيها وهي تقول بهمس: -لا، أنت لا تعرف.
دنت منه حتى لم يعد بينهما سوى خطوة واحدة، ألتمعت عيناها بقوة وهي تقول بإبتسامة بارقة: -حينما طلبت مني قتل مراد، أنت آذيتني وبشدة، لهذا ستنال عقابك يا هوزن. وبسرعة البرق أخرجت المدية، وبضربة واحدة حاسمة شقت عنقه لتتناثر دماؤه الدافئة عليها، وعلى أرض الغرفة. وما أن سقط جسده هامدًا على الأرضية، حتى جثت على ركبتيها كي تخرج تلك الفلاشة الصغيرة من جيبه. وما أن وضعتها في جيبها هي، حتى وجدت أحد رجاله يدخل الغرفة يصرخ بصدمة:
-السيد هوزن. حدقت فيه "لينا" بنظراتٍ قوية قبل أن تمسك المدية وتصوبها نحو رقبته وتطلقها عليه، فيقع جسده على الأرض. خرجت "لينا" من الغرفة راكضة لتدخل في عراك مع ثلاثة رجال مستخدمة حركات قدميها ويديها فقط. وبعد أن وقع أحدهم من على سور الدرج، استطاعت أخذ سلاحه لتبدأ حرب طاحنة بينها وبين رجال هوزن. قبل أن تشعر فجأة بمن يجذبها إلى إحدى الغرف، وقبل أن تقوم بأي حركة، استمعت إلى صوته العميق والأحب إلى قلبها:
-أهدي يا لينا، أنا مراد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!