تمّ نقلها إلى أقرب مشفى بعد إزدياد سوء حالتها. وقف الجميع يترقب خروج الطبيب من الداخل، بعد أن تم نقلها إلى غرفة الفحص. قد تضاربت مشاعر الجميع ما بين الخوف والقلق والتوتر والبرود. ما عدا كل من "داود" وعشيقتـه "جوان". فقد ظل "داود" واقفًا بجمودٍ يحسد عليه، وكأنها ليست ابنته. في حين بدأت تعبيرات "جوان" تعكس عن ما بداخلها من التوتر.
وضع "مراد" يديه بداخل جيوب بنطاله وهو يسير ذهابًا وإيابًا بخوف. و"آريان" يتابعه بعينين حادتين وكأنه يحاول فهم شخصية ذلك المارد. انتبه الجميع على صوت خروج الطبيب من الداخل. تحرك "مراد" نحوه وهو يسأله بتلهف واضح بلكنة الإنجليزية: "إيه أخبارها دلوقتي يا دكتور؟ طمني." أجابه الطبيب الإنجليزي بهدوءٍ تام: "بخير دلوقتي وفاقت، اطمنوا." عقد "مراد" ما بين حاجبيه وهو يسأله بحدة: "أومال سبب الإغماءة إيه؟ تنهد
الطبيب قبل أن يجيب بجدية: "واضح أنها بذلت مجهود ضخم الفترة اللي فاتت، لكن مع قلة الغذا، ضغطها وطى، وده سبب الإغماءة، لكن... صمت الطبيب للحظةٍ حتى يضمن انتباه الجميع له. فسأله "آريان" بقلق: "لكن إيه؟ التفت "مراد" على حين غرة يرمقه بحدةٍ قاسية. ولكن سرعان ما عاود النظر إلى الطبيب حينما قال:
"إحنا شكينا في حاجة، فعملنا تحاليل، وفعلًا شكي طلع صحيح. الآنسة لينا كانت بتاخد حبوب، الحبوب دي بتخلي أعصابها تسترخي تمامًا، ويبدأ جسمها يسترخي، لدرجة أن الموضوع كان ممكن يتطور وأنها متقدرش تحرك صباعها حتى." هدر "داود" في الطبيب بغلظة واضحة: "لا يمكن لينا تاخد حبوب زي دي، أكيد في حاجة غلط." أومأ الطبيب برأسه وهو يخبره بصوتٍ جدّي:
"مش لازم تكون هي إللي بتاخد، ممكن حد بيحطلها في الأكل، لكن التحاليل بتثبت أن الحبوب دي بتاخدها وآثارها بدأت تبان عليها." ضيق "مراد" حاجبيه بغضب أسود وهو يتسائل بحيرة بداخلـه: "هو في إيه؟ إيه البت دي، الكل عاوزها تموت وفي نفس الوقت محتاجنها، هو إيه إللي بيحصل؟ لم يشعر بمغادرة الطبيب إلا حينما ربت "آريان" على كتفه. واستمع إلى صوته المتسائل بإهتمام: "هتدخل تشوفها؟
همَّ بالتحرك؛ لكنه توقف في منتصف المسافة ليسأله بفضولٍ وبوجهٍ جامد كالصخر: "أنا عاوز أعرف إنت تقرب لـ«لينا» في إيه؟ ابتسم "آريان" ببُطءٍ وهو يُجيب بهدوء: "أنا صديق طفولتها، ارتحت كدا؟ لم يجيبه "مراد" بل زفر بضجر وهو يتركه متوجهًا نحو الغُرفة التي تقطن فيها "لينا". طرق على الباب بخفة قبل أن يدخل وهو يبحث بعينيه عنها. فوجدها تعتدل في جلستها مبتسمة له في هدوء مريب. جلس على طرف الفراش وهو يسألها ببسمة مهتمة:
"قلقتيني عليكي، أحسن دلوقتي؟ هزت رأسها بالإيجاب، وهي تسأله بلؤم: "وأنت بقى قلقت عليا؟ اتسعت ابتسامته الجذابة وهو يخبرهـا بصوته العميق المميز: "مش عارف، بس بحس إنك مسؤولة مني، بحس إني لازم أكون في ضهرك وأحميكي من الخطر إللي حوالينا دايمًا." ضحكت بخفة وهي تقول: "إيه يا مراد؟ من إمتى الكلام ده؟ أعتدل في جلسته وهو يرد عليها بشرودٍ:
"مش عارف، يمكن من وقت ما سافرنا مصر وواجهنا الخطر سوا هناك. أنا عمري ما شوفت بنت زيك يا لينا، ولا هشوف." تجهمت تعبيرات وجهها وهي تقول في شيء من الألم: "أوعى يا مراد، أوعى مشاعرك تتحرك ناحيتي. إللي زيي وزيك كلمة السعادة مش موجودة في قاموسهم، إللي زيي وزيك طريقهم طريق واحد وهو الموت، أوعى يا مراد." تجهم وجهه بشكلٍ ملحوظ غير راضيًا عن ما تقوله. وظل الوجوم مصاحبًا تعبيراته وهو يسألها مباشرةً:
"عاوزة تقولي إن مشاعرك متحركتش ناحيتي لغاية اللحظة دي؟ ارتبكت على الفور وهي تشيح نظراتها بعيدًا عنه. دقات قلبها تتعالى بعنف. تود أن تقبض عليه وتعتصره بين يديها حتى يتوقف عن ذلك. ابتسم "مراد" بسخرية وهو يقول: "إذا كنتِ إنتي مش قادرة، إزاي بتقوليلي أنا أعمل ده؟ التفتت له وهي تقول بهدوءٍ زائف: "اسمع يا مراد، أنا آآ...
لم تتابع كلماتها حينما فتح الباب ودخل كل من "آريان" و"داود" و"جوان". ابتسمت لهم بإقتضاب وهي تشيح بنظراتها بعيدًا عنهم. استمعت إلى لهجة والدها الحادة وهو يخبرهـا ببرود: "أنا اتكلمت مع الدكتور، قالي إنك هتباتي هنا النهاردة وبكرا تقدري ترجعي البيت. عاوزك تستعدي لأن عندنا عملية كبيرة جدًا قريب." رمقه "مراد" بحنق، ليتفاجئ برد "لينا" القائل بسخرية: "ماتقلقش يا داود باشا، اطمن على مصالحك." صمتت قليلًا قبل أن تقول
فجأة بإبتسامة ثابتة غريبة: "ممكن يا جماعة تسبوني شوية لوحدي مع.. «جــوان»." رفعت "جوان" عينيها بخوف نحوهـا وهي تسألهـا بإرتباك: "أنا، لـ.. ليه؟ "هتعرفي دلوقتي، سبوني معاها خمس دقايق بس." نظر "مراد" إليها بريبة، في حين هز "آريان" رأسه بيأس وكأنه يعلم ما تريده منها. أستقام "داود" واقفًا وهو يقول بكل هدوء وبرود في آنٍ واحد: "على العموم أنا همشي، وأنتي يا جوان شوفي هي عاوزاكي في إيه وابقي حصليني، هستناكي تحت في العربية."
حركت رأسها بإيماءة خفيفة وهي ترى الجميع يغادر من الغرفة. لتتحرك هي نحوها بخطى بطيئة متوترة. ليزداد ارتباكهـا وهي تجدهـا تهبط من على الفراش، وتقف بصلابة تجعلهـا تخشى منها كثيرًا. ابتسمت "لينا" بثقة وهي تهتف بسخرية: "إيه يا جوان، تعالي اقفي قدامي يالا، زي ما بتقفي قدام داود باشا وتسخنيه عليا." توجهت "جوان" نحوهـا وهي تقول بثقة زائفة: "عايزة إيه يا لينا، عايزة توصلي لإيه."
وقفت قبالتها بثقتهـا الزائفة أمامـها ثباتهـا المخيف. غابة من السكون امتدت قبل أن يدوي صوت صفعة قوية في المكان. شهقت "جوان" بصدمة وهي تضع يدها على وجنتها مكان الصفعة. وقبل أن تستوعب وجدتهـا تجذبهـا من خصلات شعرها. لتنطلق منها صرخة ألم وهي تقول: "في إيه؟ إنتي عايزة مني إيه؟ همست "لينا" بصوت فحيح كالأفاعي:
"بقى إنتي يا حشرة تحطيلي حبوب في الأكل، عايزاني معرفش أحرك في الآخر صباعي حتى عشان داود باشا يخلص عليا، وتاخدي مكاني يا بنت الـ... ، لااااا مش لينا الصاوي إللي يتعمل فيها كدا يا بنت الـ... قالت كلمتها الأخيرة وهي تترك خصلات شعرها لتقوم بصفعهـا مرةً أخرى. احتدت عيني "لينا" وهي تقبض على يدها ثم قامت بلفها خلف ظهرها. لتنهمر دموع "جوان" وهي تقول برعب: "خلاص يا لينا، خلاص آسفة." هدرت فيها "لينا" بغضب جامح وهي تسألهـا:
"أصرفها منين، راحة تلعبي من تحت لتحت، بدل ما تيجي توقفي قصادي." شهقت "جوان" ببكاء وهي تردد: "دراعي يا لينا، دراعي هيتكسر." رفعت "لينا" ذقنها وهي تقول بقوة: "عشان بس تعرفي إني ممكن أفسكك زي الحشرة، صبرك عليا لما أخرج من هنا، أوعدك هتشوفي أيام سودة." شهقت بألم بعدما أرخت "لينا" قبضتها عنها. نظرت لها برعب وهي تتراجع للخلف. انتفضت من مكانها وهي تستمع إلى صوتها الهادر قائلة: "يالا غوري من هنا."
أومأت برأسها سريعًا وهي تركض نحو الباب لتفتحه ثم فرت هاربة وكأنها كانت في مواجهة وحشٍ شرس. ابتسمت "لينا" بتهكم قبل أن تتحرك نحو المرحاض بخطى بطيئة. أغلقت الباب خلفها وهي تتنهد بحرقة قبل أن تستمع إلى صوت مراد من الخارج. عقدت ما بين حاجبيها وهي تتحرك نحو النافذة الصغيرة والتي تطل على خارج غرفتها في الطابق تحديدًا. فتحت جزءًا بسيطًا منه لترى "مراد" يقف أمام النافذة يوليهـا ظهره، ويتحدث في هاتفه بصوتٍ عميق قائلاً:
"ماتقلقش يا فندم، كله تحت السيطرة، وفي عملية كبيرة قريب." سكت للحظات قبل أن يؤكد له: "لأ اطمن مفيش حد قدر يكشفني، وقريب أوي هيتقبض عليهم في العملية الكبيرة دي، لأننا هنقابل الراس الكبيرة." أغلقت النافذة ببطء حتى لا يشعر بها. تراجعت للخلف بصدمة وكأنها أصيبت بالصاعقة. مسحت "لينا" على وجهها بقوة وهي تهمس بذهولٍ: "ينهار أسود، مراد يبقى ضابط!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!