الفصل 8 | من 27 فصل

رواية أتحداك أنا الفصل الثامن 8 - بقلم أميرة مدحت

المشاهدات
21
كلمة
2,207
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 30%
حجم الخط: 18

اللامبالاة التي أنا عليها الآن لم تُهدي إليَّ بالمجان، بل بمواقف كلفتني عمرًا بأكمله. ثلاثة أيام مرت بدون أيّ أخبار جديدة، تجنبت لقاءه، ولا تزال الصدمة تعتريهـا. معنى ذلك أن خلال أيام ستنتهي، حياتها هنا ستنتهي. أغمضت عينيها وهي تتنفس بعمقٍ، محاولة أن تهدئ تمامًا، ولكن لا تعلم لمَ تحترق روحها بتلك الطريقة.

هبّت «لينا» واقفة فجـأة وهي تتحرك نحو خارج غرفتها، لتصطدم بـ«مراد» واقفًا أمامها يعقد ساعديه أمام صدره الضخم. تنفست «لينا» بحدة وهي ترمقه بنظراتٍ غاضبة قبل أن تشيح وجهها بعيدًا عنه متوجه نحو غرفة الرياضة. تصلبت ملامح «مراد» تمامًا وأشتعلت عيناه بلهيب أسود مخيف. قال بلهجة هادئة لكن امتلأت بنبرة الحزم الذي لا يقبل الجدل: -فاكرة كده هتقدري تبعديني عنك؟! .. ماشي يا لينا، هنشوف.

سحب نفسًا عميقًا وهو يتجه بخطواته الثابتة نحو صالة الرياضة. أستمع إلى صوت أقدام، وتأتي الجلبة من الداخل، ففتح الباب وهو يجوب ببصره الحاد نحو المكان، ليراها مولية ظهرها، تركض بسرعة عالية أعلى اللعبة الشهيرة الماشية، وقد بدأ يتعرق جسدها بغزارة، فكان مكيف الهواء مغلقًا. شعرت «لينا» بوجوده فقامت بخفض سرعة اللعبة تدريجيًا حتى توقفت. ألتقطت أنفاسها ثم نظرت إليه وهي تسأله بجفاء: -نعم، عايز إيه؟!

وكأنها أطلقت سراح الغضب الكامن بداخله فدبّت العاصفة بملامحه دون أن يهتم بإخفائها هذه المرة وهو يقول بصوتٍ خافت لكن يثير الرجفة: -إنتي فاكرة بإللي بتعمليه ده، أنا هسيبك يا بنت الصاوي؟؟ عيناها اليوم فاقدت لبريقهما.. فاقدتين للحياة.. شعر بشيء قابع في حنجرته من الشعور بها، هناك وتر كهربائي وصل بينهما يجعله يشعر باختلاجتها بوضوح، فتابع بصوته الخافت يملؤه الشراسة: -فاكرة إني هسيبك؟؟

ظلت «لينا» متصنمة في مكانها، حجرًا في حنجرتها يتثاقل، النيران في عينيها تشتعل غضبًا، حتى قالت أخيرًا بهدوء: -زي ما قلت قبل كده، طريقي أنا تحديدًا هو الموت، وبذات بعد العملية الكبيرة، لو أنا عايشة النهاردة، بكرة هموت يا مراد، وأظن إنت عارف ومتأكد من ده.

ارتفعت نبضات قلبه فجأة بخوفٍ، فهي في نظر العالم، أكبر مجرمة ارتكبت الكثير من الجرائم في حق الوطن، ويعلم حق المعرفة أن حياتها ستنتهي بعد تلك العملية الكبرى. اتسعت عينا «مراد» للحظةٍ قبل أن تعودا لبرودهما وهو يقول بصوتٍ خطير: -ولغاية ما يجي اليوم ده، تتعاملي معايا كويس، إحنا بنكمل بعض في شغلنا ده، وكلهـا عملية واحدة ونرتاح، وقتهـا ابقي اتعاملي بالطريقة إللي تحبيها.

عم الصمت داكن مشحون بينهما.. وعيناهما في حربٍ يائسة، إلى أن قالت "لينا" أخيرًا: -مش هتلحق يا مراد تشوفني بعد العملية الجديدة، كله خلاص هيكون.. انتهى. تصلب فك «مراد» وارتجفت عضلة في خده إلا أنه لم يتحرك إنشًا بينما «لينا» تكمل: -أظن إنت عرفت السفر بكرة بليل، هنسافر اليونان، عشان نتفق على العملية، ياريت بقى تسبني أستعد ليها، وتسبني في حالي.

وكأن كلماتها أصابت قلبه بألم قوي، لم تتغير ملامح «مراد» وهو ينظر إليها، إلا أن عينيه ألماعت ببريقٍ أكثر قسوة. دنا منها عدة خطوات حتى وقف قبالتها، رفع يده يبعد خصلات شعرها المتمردة من على جبينها وهو يهمس بصرامة دون أن يرفع صوته: -تأكدي يا لينا إني مش هسيبك، لو سبتك.. يبقى هسيبك وإنتي ميتة، تمام؟!

ظلت تنظر إليه بصدمة وهو يبادلها النظر إليها بهدوء، ليخفض عيناه أمام نظراتها القاتلة في تعبيرها القوي، ودون أن ينتظر ردها، أولى لها ظهره ثم سار نحو باب الغرفة يلج إلى الخارج تاركًا إياها في صدمة من كلماته. ***** يوم وآخر، حتى أتى وصل كل من «مراد» و«لينا» إلى أثينا في اليونان. هبط إلى الأسفل بخطوات ثابتة، شاب بمنتصف العقد الثالث من عمره، وسيم الملامح، قوي البنية. ابتسم لهم «روكان» بسمة جذابة وهو يتحدث باللغة

العربية وكأنه يتقنها: -حمدلله على السلامة. انتبه كل من «مراد» و«لينا» على صوته الأجش، واللذان بمجرد وصولهما إلى أثينا أصطحبهما شخص ما من المطار حتى إلى قصر «روكان»، والذي كان على الطراز اليوناني الأصيل الفاخر، تحفة فنية بحق، فنان من أبدعها ورسم تفاصيلها. تقدم «روكان» نحوهما لتنتقل أنظاره من «مراد» إلى «لينا» وألتقط كف يدها الحر منحنيًا نحوه يقبله برسمية وودّ قائلًا بصوته الجذاب بلكنة الإنجليزية:

-مرحبًا آنستي الجميلة. أشتعلت النيران بعيني «مراد» يجز على أسنانه بغيظ، ثم اعتلى أحد المقاعد الشاغرة وأسند ظهره عليها بارتياح. وكذلك «لينا» التي وضعت ساقها فوق الأخرى بثقة. جلس «روكان» قبالتهم، وهو ينظر لهم بثباتٍ قائلًا: -بما أن آريان، لسه موصلش، فـ يشرفني أستضيفكم في بيتي المتواضع لحين وصوله. ثم وجه أنظاره لـ«لينا» وهو يقول ببسمة خبيثة: -لينا، أنا عاوزك كمان شوية في موضوع.

تجهمت تعبيرات وجه «مراد»، وأظلمت عيناه بطريقة مخيفة قاسية وهو يدرك جيدًا معنى بسمته وكلمته الأخيرة. وجه أنظاره المظلمة نحوها ليرى ردة فعلها، وجدها تبتسم له بهدوء وهي تومئ برأسها. أغمض عينيه يكاد يعتصرهما وبركان من الغضب بداخله يشتعل يود كثيرًا أن يحرق العالم بأكمله، مع حرقة قلبه التي ازدادت بعد موافقتها. *****

بعد قليل، دخل «روكان» وهو يطوق خصر «لينا» التي ابتسمت له بكل هدوء خبيث، وعيناها تلتمعان بشكلٍ مغري. ظلت تنظر إليه طويلاً بملامح مرتخية واهنة، قبل أن تهمس برقة معذبة: -قبل أي حاجة، لازم أتكلم معاك شوية. ابتسم وهو يقربها منه أكثر ليقول بصوت خافت أجش: -قولي يا لينا، أنا سامعك. تنهدت بحرارة قبل أن تسأله بشك: -هو إنت فعلًا إنت إللي بعت الراجل عشان يقتلني في مصر؟؟ اتسعت ابتسامته وهو يجيبها:

-كنت عارف إنك هتسألي السؤال ده، تفتكري إني ممكن أضحي بعميلة زيك، وبجمال زي ده؟! .. أبقى مغفل يا بيبي. ضحكت بخفة وهي تضع يده على صدره ثم قالت بصوتٍ ناعم: -مش يمكن تعمدت تعمل ده، لما هربت ونزلت مصر؟؟ صمت قليلًا قبل أن يقول بجدية:

-لينا، إللي عاوز يأذيكي هما عايشين معاكي في نفس المكان، ده غير متنسيش إنتي أهم عميلة عندنا، فأكيد العصابات التانية خايفين على مصالحهم من قوتك، فنفسهم يخلصوا منك، ولما إنتي بتلحقي نفسك بيحاولوا يوقعوا بينا، أظن إنتي جربتي ده قبل كده، مش كده؟! برقت عينا «لينا» وهي تستقيم قليلاً لتقول بشك: -هو قالي الكينج عاوز ده، ومفيش كينج غيرك يا روكان. قربها إليه بشدة وهو يقول مؤكدًا:

-أنتي عارفة كلمتي يا لينا، لو عاوز أقتلك، مش هتبقى بالطريقة دي، هتبقى أشرس وأظن إنتي متأكدة من ده، كفاية كلام. قال كلمته الأخيرة وهو ينحني كي يقبلها، ولكن وضعت أصابعها على شفتيه مبتسمة له بنعومة قائلة: -مش لازم نشرب الأول، ولا إيه يا روكان؟!

هتفت باسمه بطريقة مغرية وهي تسبل جفنيها، فأومأ برأسه وهو يرخي قبضة يده على خصرها. تنفست «لينا» بعمق، وهي تتحرك نحو الطاولة الصغيرة، التي بها زجاجة من الخمر، وكأسين. نظرت من طرف عينيها نحوه لتجده يقوم بفك أزرار قميصه، فبخفة يد أخرجت زجاجة صغيرة جدًا.. سريعة المفعول، وسكبتها بداخل الكأس، ثم أخفتها جيدًا، ثم فتحت زجاجة الخمر وسكبتها بداخل الكأسين. شهقت بصدمة حينما شعرت يطوق خصرها من جديد، فحاولت الإبتسام وهي تمد بيده بالكأس

الخاص به هاتفة بدلال: -تؤتؤ، نشرب الأول. زاد حماسه وهو يبتسم لها بجاذبية، لتشعر بنفور من اقترابه منها بتلك الطريقة، وما أن تجرع المشروب، حتى قربها إليه وهي تحاول عدم التجاوب معه، بدأ يحرك يديه بجرأة على جسدها، ويقبل عنقها، تجعلها تقشعر ويصيبها النفور أكثر والإشمئزاز. وقبل أن يقبل شفتيها، تراجعت للخلف وهي تهمس له بهمسٍ مغري: -استنى الأول أغير هدومي.

بلع ريقه بصعوبة لتتحرك بخطى ثابتة نحو المرحاض، ما أن أغلقت الباب حتى أصابها الغثيان، اندفعت بجسدها تتقيء بعنف، دوار عنيف هاجم رأسها وهي تحاول التغلب على حالتها. أخرجت كل ما في جوفها، ثم أسندت جسدها على الحائط بإجهاد، لم تشعر بدموعها الحارقة التي انهمرت بغزارة، ولا بالوقت الذي مر. *****

في مصر، ركضت «دينا» نحو هاتفها الذي يصاحبه رنينٍ صاخب، تناولته من على الأريكة تنظر لاسم المتصل بضيق لتتبدل نظراتها على الفور إلى سعيدة وهي تبتسم ببهجة. ضغطت على زر الرد وهي تضعه على أذنها هاتفة بعشق: -«أدهم». سمعت رده من على الجهة الأخرى قائلًا بلهجة يملؤها السعادة: -عيون أدهم، وقلب أدهم كله، إيه أخبارك؟! جلست على الأريكة وهي تجيبه: -تمام الحمدلله، وأنت طمني عليك وعلى الشغل؟؟ ترك القلم وهو يتنهد مجيبًا بهدوء:

-الشغل تمام يا حبيبتي، خلاص هانت، قريب هفتح الفرع الجديد، وإللي طبعًا أخوكي شريك فيه معايا، وبالنسبة إيه أخباري، فأنا تمام. صمت لحظةٍ قبل أن يقول بابتسامة جادة.. شغوفة: -عندي ليكي خبر حلو. هتفت «دينا» بلهفة: -إيه، إيه قولي يا أدهم بسرعة؟ -وصلتي ليا أخبار بأن أخوكي هيرجع قريب خلاص، هيكون انتهى من العملية دي نبدأ حياتنا بقى. انتفضت «دينا» من مكانها وهي تصرخ بسعادة: -الله إنت بتتكلم بجد؟؟

.. يا فرحة عمري أخيرًا، ده كدا فرحتين، مراد هيرجع، وإحنا هنتجوز. قال «أدهم» بغيظ مكتوم: -الله يسامحه، بسبب العملية جوزانا اتأجل أكتر من مرة، والله لو حصل إيه المرة الجاية لأخطفك وأتجوزك يا دينا. اتسعت ابتسامتها وهي تقول بخجل: -لأ إن شاء الله مش هيحل حاجة، المهم أن خلاص يا أدهم، هانت يا حبيبي. -معاكي حق، هانت. *****

في صباح يوم التالي، اغتسلت «لينا» أكثر من مرة وهي لا تزال تشعر بقبلاته على عنقها. خرجت من المرحاض لتجده مازال غائصًا في النوم، زفرت بارتياح قبل أن تبثق عليه بكل غل. أبعدت خصلات شعرها عن وجهها وهي تتحرك بخطى سريعة نحو الباب لتخرج من غرفته.

حاولت أن تتماسك وأن لا تبكي مرة أخرى، ركضت نحو غرفتها حتى وصلت إليها وما أن دخلت وأغلقت باب غرفتها، وجدت فجأة من يلثم فمها ويشل حركتها كليًا لتصرخ بصوتٍ مكتوم، تلوت بانفعال لتتصلب في مكانها بخوفٍ وهي تستمع إلى صوت «مراد» القائل بلهجة قاسية مخيفة.. مخيفة جدًا: -نمتي معاه يا لينا، نمتي معـاه؟! .. طلع بمزاجك يعني، أنا النهاردة مش هسيبك، يا هاخد إللي أنا عايزهُ منك يا هقتلك.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...