الفصل 17 | من 27 فصل

رواية أتحداك أنا الفصل السابع عشر 17 - بقلم أميرة مدحت

المشاهدات
22
كلمة
1,860
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 63%
حجم الخط: 18

تحدث عن حزنك بسخرية، كي لا يشفق عليك أحد.

منذ وفاة والدتها لم تستمع إلى تلك الكلمة العظيمة رغم بساطتها، "الصلاة". لم تفكر مرتين وهي تنهض من على الأريكة، متوجهة بخطى ثابتة نحو المرحاض كي تتوضأ. وقد عزمت إلى الذهاب إلى باب الله، فحينما شردت قليلًا وجدت جميع الأبواب مغلقة إلا هو، فلتلجأ إليه، فهي على ثقة بأن الله ألطف من أن يحزن قلبها ثم ينساه، وأكرم من أن يعطيها الحزن الطويل لا يعقبه الفرح، الله أعظم من أن يزرع فيها أمل ثم يميته.

دقيقة وأخرى وأخرى، وكانت قد ارتدت زي الصلاة الخاص بـ"ريما". أغمضت عينيها للحظةٍ مستشعرة تلك الراحة الغريبة التي اجتاحت قلبها. قررت أن تبدأ من جديد، تبدأ حياة خالية من الذنوب، ولكن هل سيحدث كما تتمنى؟! .. أم أن هناك لعبة قدر جديدة؟! *** في الجهة الأخرى حيثُ يوجد مكان للسعادة، خرجت "مريم" من ذلك المكان بخطواتٍ راكضة وهي ترتدي سترتها. شهقت بخوف حينما وجدت "آريان" يربت على كتفها، يعقبه سؤاله المدهوش: -إنتي جريتي ليه؟!

.. الحق عليا إني لحقتك وبعرفك على نفسي؟! أشاحت عينيها بعيدًا عنه بتوتر، وهي تعض على شفتها السفلى بحرجٍ. تفهم "آريان" موقفها.. فبدون شعور ابتسم بمكر وهو يقول بشقاوة: -آه مكسوفة، عشان معاكستك ليا آآ.. هدرت فيه بخجل: -بس متكملش. ضحك بخفة وهو يقول: -من زمان مشوفتش بنت مكسوفة. تابع كلماته وهو يمد يده لها للمصافحة: -آريان. صافحته "مريم" في شيء من الارتباك: -مريم. أومأ له برأسه وهو يتمتم ابتسامته الجذابة: -إسم جميل زيك كدا.

-آه ده إنت بتردلي المعاكسة بقى؟! -تؤ، أنا مبعرفش أجامل. هزت رأسها وهي تلقي نظرة سريعة على ساعة يدها، قبل أن تقول بجدية: -طيب شكرًا على إنقاذك ليا، أنا لازم أمشي. قالت كلماتها سريعًا ثم غادرت من أمامه دون أن تنتظر الرد. اتسعت ابتسامته وهو يتمتم بخفوت: -هبلة.

وضع يديه بداخل جيوب بنطاله مقررًا أن يمشي سيرًا، وأن يتوجه إلى البحر، فهو صديقه الثاني بعد "لينا". فكر قليلًا في حياته الغامضة، وكيفية البدء بحياة نظيفة. شعر بأن هموم الدنيا تتثاقل فوق كتفيه ولكن تلاشى كل ذلك ما أن رآها مجددًا تقف وحدها أمام البحر، مغمضة عينيها وكأنها تحاول أن تداوي شيئًا ما في روحها. وقف خلفها وهو يقول بصوت أجش: -هو إنتي؟! استدارت نحوه وهي تقول بدهشة: -آريان؟! .. بتعمل إيه هنا؟! -جاي لصديقي التاني.

قال كلمته وهو يشير نحو البحر. لم تجيبه بل عاودت النظر إلى البحر وأمواجه. خرجت من شرودها على سؤاله: -معلش بس الفضول هياكلني، إنتي سرحانة في إيه؟! -حلو البحر أوي. -بتحبيه؟! صمتت قليلًا قبل أن تقول بشرود: -مختلف، يقدر يفرحك بموجة ويبكيك بإعصار، يقدر يحتوي دموعك بمياهه الدافية، ويمسحها ببرودته، فاتحلك دراعته في أي وقت ودايمًا. ظهرت ابتسامة متعجبة على جانبي ثغره قبل أن يؤديه: -حلوة الفلسفة دي.

-كلنا فلاسفة، لكن وقت الفعل بنختلف. قال مبتسمًا بعد صمت دام للحظات: -معاكي حق. ثم السلام على الزمان بما معناه. *** ظلت "دينا" جالسة مع "أدهم" لفترة طويلة يتحدثان معًا عن حفل زفافهما. موضوع وآخر يتحدثان معًا فيه بضحك ومرح إلا أن أتى موضوع خاص بـ"مراد" وحبيبته التي في عالم آخر. هنا.. اعتدلت "دينا" في جلستها وهي تتنهد بحرارة قبل أن تقول بجمود:

-نهاية لينا كانت هتبقى كدا فعلًا، سواء إمبارح أو النهاردة .. بكرا، كانت نهايتها هي الموت يا أدهم، إللي زيها مينفعش يعيش، أنا مش عارفة.. مراد إزاي فكر يحب واحدة زيها. رفع رأسه ليخاطبها بهدوء: -دينا، خدي بالك إنتي بتتكلمي عن واحدة ميتة، وبعدين لينا اتفرضت عليها الظروف دي، آه كانت شيطانة، لكن رجعت للحق، ولو هي ماتت، فهي ماتت شريفة قدام العالم كله بعد ما سلمت أبوها وأكبر مافيا للإنتربول. أشارت "دينا" له بنظراتها،

وأخبرته بهدوء زائف: -إنت بتقول إيه يا أدهم؟! .. حية أو ميتة هي زي ما هي، البني آدم مننا ملوش غير سمعته واسمه، وهي لو كانت عايشة كانت سمعتها وبلاويها هتفضل تطاردنا، وهتبوظ سمعة أبويا النائب العام، لمجرد أنها بنت أكبر تاجر مخدرات. حاول "أدهم" أن يضبط إيقاع تنفسه ليخرج صوته هادئًا وهو يتابع بتمهلٍ علها تتخلى عن عنادها الأهوج:

-دينا، إنتي متعرفيش حاجة عن حياتها فمن الأفضل تقفي لحد هنا، إنتي أصلًا بتتكلمي عن واحدة ميتة، لكن لسه عايشة في قلب أخوكي، لازم تراعي مشاعره. نظرت إليه بجدية وهي تقول بتهكم: -مع الوقت هيكتشف أن حبه ده وهم، وأن ده مجرد ذنب حسه لما ضربها بالنار. صمتت للحظةٍ وهي تضيف بشرود: -إللي تستاهل واحدة زي مراد هي "سلوى"، بتحبه وعندهـا كرامة، وعيلتهـا محترمة جدًا، هي دي إللي تناسبنا، وإللي تستاهله يا أدهم، غير كدا لأ.

رد "أدهم" بهدوء وهو يشبك كفيه على الطاولة ناظرًا لعيينهـا بنظرة العارف: -مع الوقت هتكتشفي إنك غلط، وأن كلامك عن العيلة وإللي يناسب وميناسبش كلام فاضي، وأن إللي زي لينا يستاهلوا فرصة تانية. هو فقط ألقى تلك الكلمات بهدوء بارد خالٍ من أي انفعالات. ***

عاد "حاتم" أخيرًا بعد يوم طويل من العمل. ألقى سلسلة المفاتيح وهاتفه على أقرب طاولة، قبل أن يعقد ما بين حاجبيه باستغراب حينما وقعت نظراته على "لينا" برفقة شقيقته. توجه نحوهمهـا ثم صافحهـا ببسمة مجاملة، وجلس قبالتهما. انتبه إلى سؤال شقيقته وهي تقول باهتمام: -إيه يا حاتم، عرفت تتصرف في موضوع السكرتيرة ده؟! مسح على وجهه بإرهاق وهو يجيبها:

-للأسف لأ، السكرتيرة من يومين مشيت خلاص عشان فترة الولادة قربت، وأنا مش عارف أجيب مين مؤقت مكانها. تعلقة عيني "لينا" عليه قليلًا تفكر بعمق، قبل أن تقول فجأة: -أنا ممكن أبقى مكانها. ابتسم "حاتم" بسخرية وهو يسألها ببرود: -يا سلام وده إزاي بقى؟! ابتسمت له بثقة وهي تضع ساقها فوق الأخرى قبل أن تجيبه: -أنا بعرف أتكلم أربع لغات، إنجليزي وفرنسساوي وألماني وصيني، وشوية إيطالي، وبالنسبالي الشغل ده سهل لأنه تخصصي.

رأت بوضوح ذلك البريق اللامع بعينيه، وما كان إلا بريق إعجاب. نظرت له بثقة لتجده ينهض من مكانه، ثم يقول بلهجة هادئة لكن امتلأت بنبرة الحزم الذي لا يقبل الجدل: -بكرا تكوني في مكتبي الساعة 7 الصبح، ومعاكي أوراقك وشهادة تخرجك، هستناكي. قالها وهو يشير بإصبعه قبل أن يولي لها ظهره متوجهًا نحو الدرج يصعد عليه نحو غرفته. نظرت لهـا "ريما" بانبهار وهي تقول: -معاكي 4 لغات!! .. لأ إنتي كدا تعلميني بقى. ابتسمت لها "لينا" بخفة،

قبل أن تقول ببسمة صغيرة: -إنتي متعرفيش أنا ارتحت قد إيه معاكي، أنا عمري ما اتكلمت كتير قد ما اتكلمت النهاردة. اتسعت ابتسامتها السعيدة وهي تقول: -بجد؟! .. طب طالما كدا، ليه عنيكي فيها حزن؟! سحبت نفسًا عميقًا وهي تجيبهـا بابتسامة تخفي ألمها: -النصيب، لسه في جوايا حتة مدفونة، صعب أنها ترجع تحيا تاني. تبًا كم هي بارعة في إخفاء ألمها. مسحت "ريما" على خصلات شعرها بحنوٍ وهي تقول:

-إنتي جميلة أوي يا لانا، وصدقيني مهما كان إللي حصلك ربنا هيعوضك. أومأت برأسها وهي تقول بثقة غريبة: -أنا واثقة من ده، وهعيش أستنى العوض ده، لأني محتاجة حاجة ترجع قوتي من جديد، عشان أعرف أبدأ من جديد. بلعت ريقها بصعوبة قبل أن تهب واقفة وهي تقول: -أنا لازم أمشي. -تمام يا حبيبتي، المهم متنسيش ميعادك في شركة أخويا، هبعتلك اللوكيشن على الواتساب. ستشفي جراحك، وتضحك من أعماقك، ستمضي ناسيًا وليس متناسيًا. ***

كان جالسًا على مقعده الجلدي، يضع رأسه بين يديه، والشرود والألم يبقيان معًا بجواره. قست عينا "مراد" وهو ينظر أمامه، لا يعرف كم ظل جالسًا هنا، تجرفه ذكرياتٍ وترميه أخرى، لكن كل موجةٍ منها كانت تعود به إلى نفس الشاطئ، "لينا".. بره الآمن. يريدها أن تعود إليه حتى تصبح ملكه، كي يقيدها به للأبد، فهي أرضه.. وطنه.. أمانه من ذلك العالم الأسود الذي يحيط به. قال بعد فترة طويلة وهو يبتسم بعمق متوحش:

-تبقي أكبر غبية ومغفلة لو فكرتي إني ممكن أسيبك، أنا بحبك يا غبية، لازم تفهمي ده، مش بالسهولة دي تمشي وتسبني، أنا مع كل القسوة إللي فيا والتحدي بحاول أحاربهم عشانك، لأن بإختصار مقدرش أخرجك من حياتي. مرر يده على شعره وهو يقول بألم: -لازم ألاقيها. ***

وصلت "لينا" إلى منزلها بعد يوم طويل من الألم وقليل من المرح. تنهدت بحرقة، وما التنهيدة إلا هي صراخٍ مكبوت. قاطع الصمت في منزلها صوت رنة هاتفها معلنًا عن وصول رسالة. أمسكت الهاتف ظنًا أنها من "ريما" ولكن تعجبت حينما رأت أن الرقم غريب وغير مدون لديها. فتحت الرسالة لتتسمر في أرضها وهي تقرأ ما كتب فيها بالإنجليزية: "المرة القادمة لا تعودي إلى المنزل متأخرة هكذا، فنبضات قلبي ارتفعت قلقًا عليكي يا حوريتي الجميلة"

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...