عيناها السوداويان ترمقانه بخوفٍ، أبعد يده عنها يضعها على صدره موضع قلبه؛ يسحب نفسًا عميقًا بعدما شعر بنغزات عنيفة تضربه، هز رأسه بالسلب والدموع تصل إلى عيونه لأول مرة أمامه، قائلًا بضعف: -أنا مش قد الوجع ده، أنا مش قدّه. أحتضنت يداه ليرتعد وهو يحدق فيها بذهول. أغرورقت عيناها بالدموع وهي تنظر له بوجع على حاله، بدون ندم أو أن تفكر مرتين، ألقت نفسها بين ذراعيه ودموعها تنهمر بسعادة وهي تقول:
-أنا مامتتش يا مراد، أنا عايشة، الظروف فرضت عليا كل ده، أنا عايشة. قاطعه عناقه القوي الممزوج بالسعادة والشجن واللهفة.. والإشتياق. أغمض عينيه قليلًا يتنفس بعمق، وقلبه الأليم قد بدأ يجتاحه الشعور بالإرتياح. تراجع للخلف يبعدها عنه برفق، ووضع يده على وجهها يتأكد.. بأنامله المرتعشة وعيون تتساقط منها الدموع قال: -يعني إنتي مش خيال، ده مش حلم!! .. وهصحى بعدين على الوجع اللي عشته من بعدك، ردي عليا.
كان "جاسر" واقفًا خلفه يناظره بعينين قلقتين.. خائفتين عليه، والصدمة تعتريه من ضعف ابن خالته، وشعوره بأن الحياة عادت إليه من جديد بظهور تلك الفتاة الغامضة. تابع ما يحدث بصمت رغم حزنه وخوفه على ما هو قادم! أحتضنت "لينا" وجهه بحنوٍ وهي تمسح دموعه برفق قبل أن تقول: -أنا عايشة، ده مش حلم، ده حقيقي. حرك رأسه بالسلب وهو يهمس بآخر سؤال توقعته: -إزاي هونت عليكي تعملي فيا كدا؟!
تبدلت تعبيرات وجهها إلى جمودٍ مخيف. نهض "مراد" ببطء. كاد أن يساعده "جاسر" ولكنه منعه بإشارة من يده، فتراجع للخلف. أختفت آثار الألم من وجهه ليحل مكانها الذهول وشيء من السخرية، فقد ظهر ذلك بوضوح في لهجته حينما تساءل: -سبتيني بين الحياة والموت ومشيتي عشان تنتقمي؟! .. معقولة تفكري تنتقمي بالطريقة دي؟! بلعت ريقه بصعوبة وهي تنهض من مكانه، قبل أن تقول:
-أنا فعلًا فكرت أنتقم منك، فكرت أني أسيبك العمر كله تعيش بذنبي، تتعذب ببطء، لكن مقدرتش. أول ما عرفت إنك في المستشفى بلغت القيادة إنك لازم تعرف، لكن منعوني، لأن حياتي وحياتك في خطر. نظرت خلفه للحظة قبل أن تعاود النظر إليه وهي تضيف بجدية: -إنت متراقب، ومش هيسبوك إلا لما يتأكدوا من موتي، ورغم خطورتي إني أنزل، بس نزلت عشان تتأكد بوجودي. لو هنتقم منك مش هيبقى بالطريقة دي، مش هنكر إني كنت عايزة أشوفك ضعيف، لكن دلوقتي لأ.
لاح شبح ابتسامة باهتة على ثغره وهو يقول بألم: -بس إنتي فعلًا أنتقمتي، أنتقمتي مني يا لينا وشوفتيني ضعيف. التوى ثغره للجانب معلقًا: -لو كنتي متغيرتيش الفترة دي، كنتي ممكن تلاقي رد فعل مني صعب، مفيش واحدة في العالم ده كله قدرت تحرك مني شعرة أو تشوفني على حقيقتي، إلا إنتي. تنهد بحرقة وهو يتمتم بسخرية: -بس يوم ما شوفتيني على حقيقتي كسرتيني. ابتسمت "لينا" بعذاب وهي تقول:
-وإنت قبل ما تديني فرصة يا مراد أظهرلك على حقيقتي كسرتني برضو. وضعت يدها على صدرها وهي تقول بعينين حمراوين: -أثر رصاصتك موجود ومش هيتشال أبدًا. سحبت نفسًا عميقًا وهي تتابع كلماتها المعذبة له ولهـا: -مراد، أنساني، أنساني يا مراد، أنا وإنت مننفعش لبعض خالص، لا المجتمع هيرضى بينا، ولا الظروف، ولا كسرة اللي جوانا كل واحد فينا اللي كانت على إيد التاني، أنساني وعيش حياتك. دنى منها عدة خطوات يقبض على ذراعهـا
بقوة وهو يهدر بها بغضب: -إنتي جاية عشان تقوليلي الكلمتين دول، أنساكي؟! .. كنت نسيتك وإنتي ميتة. نظرت له بثباتٍ قبل أن تقول بجمودٍ رغم نبضات قلبها المرتفعة: -حتى لو عدينا من كل ده، الموت مستنينا لو أتجمعنا، أنا مش فارق معايا نفسي، لكن إنت آآ.. بترت باقي عبارتها قبل أن تشرع فيه لتتحول تعابيره للوجوم المضطرب، تبدلت نبرته متسائلاً بعبوس مخيف: -وأنا إيه؟! .. مش فارق معايا نفسي عشانك؟! .. إنتي متخيلة إني هسيبك؟!
.. تبقي مجنونة. -هتسبني، لأن لو إتجمعنا هتلاقي أحلى رصاصتين مستنينا، لكن لازم نبعد حتى لو مؤقتًا، سبني يا مراد، خلينا أبدأ حياتي على نضافة، أنا أطمن عليك دلوقتي. كان وجهه صلبًا.. مرهقًا.. وغير حليق الذقن، وعيناه غائرتين مظلمتين من الأسرار. سألها بحدة: -إنتي أطمنتي عليا، طب وأنا إيه؟! .. إنتي ليه بتعملي فيا كدا؟! أخذت نفسًا عميقًا لتقول بقسوة متحسرة:
-مش أنا، قولتلك أنا وإنت مننفعش نكمل يا مراد، طريقنا كله شوك، وهتلاقي نهايته هو الموت، فـ ليه نمشي فيه؟! أتسعت عينا "مراد" للحظةٍ قبل أن تعودا لبرودهما وهو يقول بصوتٍ خطير: -وإنتي هتقدري تعيشي من غيري؟! عم الصمت داكن مشحون بينهما.. وعيناهما في حربٍ يائسة، إلى أن قالت "لينا" أخيرًا: -محدش بيموت من الفراق. لم تتغير ملامح "مراد" وهو ينظر إليها، إلا أن عينيه ألمعتا ببريقٍ أكثر قسوة، وهو يقول مصححًا:
-صح، لكن بنتعلق ما بين السما والأرض، مش قادرين نطول أي حاجة، والوجع بيفضل عايش معانا طول العمر. أخفضت وجهها لتقول بجهد بعيدًا عن عينيه القاتمتين: -خلاص يا مراد، على العموم أنا هفضل برا مصر مش أقل 8 شهور، لازم عشان الكل وقتها يكون أتأكد من موتي. ألقت نظرة سريعة على ساعة اليد الخاصة بها قبل أن تغمغم: -أنا لازم أمشي، طيارتي بعد ساعة، يدوب ألحق.
وقبل أن تستدير وجدتـه يناديهـا بصوته العميق، ألتفتت له بعينيهـا الحزينة، لتجده يدنو نحوهـا، يجذبهـا برفق من معصمهـا نحوه، أحتضن وجههــا وهو يتأمل تعبيراتـهـا الحزينة، قبل أن يهمس لهـا بصوتٍ عميق: -لينا، أنا مش هقدر أنساكي، هستناكي من دلوقتي، بس لازم تعرفي إنتي في الآخر ليا. فغرت شفتيها قليلاً تنظر إليه بعدم تصديق لكنها أرغمت نفسها قبل أن تصاب بالدوار ثم قالت أخيرًا:
-أتمنى، لكن معتقدش، لأني زي ما قولت، لا المجتمع ولا الظروف، ولا الكسرة اللي جوانا هتخلينا نتجمع. نظرت لـه نظراتٍ أخيرة قبل أن تغطي وجههـا بالنقاب، عادت لمعة القوة بعينيهـا وهي تشير بيدهـا قائلة بهدوء مخيف: -من الأفضل إنك تنساني، زي ما أنا هعمل. -كدابة.
قالهـا ببساطة وهو يحرك كتفيه، لتشتد الحدة بعينيهـا وهي توليه له ظهرهــا، وبخطواتها الثابتة تحركت نحو الخارج، تاركة قلبهـا العاشق المحطم، مع قلب من حطمهــا، تحت نظراتــه القاتمـة. أقترب "جاسر" منه يربت على كتفه بدعم، ليجده يقول بلهجة قاسية غريبة عليه وهو يرتدي نظارته السوداء: -مش عاوز حد يعرف اللي حصل ده مهما كان مين. ***
جلست "دينا" بغرفة الجلوس مع "أدهم" الذي لازال يرمقها بمكر، يفكر بحماس أنها بعد عدة أشهر ستكون زوجته. تعالت نبضات قلبه تلقائيًا وهو يتنهد. نهضت من مكانها بتوتر وهي تقول: -هاروح أجيبلك حاجة تشربيها. نهض وسبقها عند باب الغرفة قبل أن تخرج لتصطدم بصدره. أبتعدت عنه بنظرة حادة وقالت بتحذير: -أدهم، خد بالك. رفع حاجبيه وهو يقول بجدية: -كلها شهرين وتبقي كلك ملكي. قطبت جبينها بقوة وهي تسأله بدهشة: -إنت بتتكلم بجد؟!
.. هنتجوز ومراد في حالته دي؟! زفر زفيرًا حارًا وهو يقول بجدية تلك المرة: -أخوكي حالته صعبة فعلًا، بس في الشهرين دول هنكون جنبه برضو، وهيكون حاله أتحسن، لكن تأجيل والله ما هيحصل، بسببه أجلنا فرحنا سنة بحالها، المفتري. قال كلمته الأخيرة بغيظٍ، ليتفاجئ بنفس اللحظة دخول "مراد" من باب المنزل، فقد كانت "دينا" تركته بسبب جلوسها بمفردها معه. رمقهم "مراد" ببسمة باهتة وهو يقول بهدوء:
-أطمن يا صاحبي، الفرح في ميعاده، أنا بقيت كويس. نظرت له شقيقته وهي تقول بإرتباك: -مراد، إنت آآ.. أتسعت ابتسامته لكن لم تصل إلى عينيه وهو يؤكد لها: -صدقيني أنا بقيت كويس، هدخل أغير هدومي وبعد كده هطلع على الشركة. ضيق "أدهم" عينيه بريبة وهو يراه يتركهمـا متوجهًا نحو غرفته. غابة سكون أمتدت بينهم قبل أن تتسائل "دينا" بتعجب: -هو حاله أتغير كدا إزاي؟! نظر لها في حيرة قبل أن يقول بشك:
-أنا عارف مراد كويس، في حاجة حصلت غيرته، وخلت حاله يتحسن شوية، بس في نفس الوقت في نار جواه مش قادر يخرجها، حالة مراد مطمنش، بس بكل ثقة أقدر أقولك في مصيبة جاية. شهقت "دينا" بقلق وهي تسأله بذعر: -مصيبة!! .. هو إحنا ناقصين. مسح على وجهه بقوة وهو يقول بجدية: -هبقى أسأل جاسر، وربنا يستر، المهم دلوقتي أن الفرح في ميعاده وإلا مكنتش هقدر أسكت أكتر من كده. -لا والله؟! .. كنت هتعمل إيه؟! نظر لها بتحدٍ وقال
وقد أظهرت نبرته قوة تحديه: -لو حصل، هخطفك. *** ابتسمت "مريم" وهي تقف على الشاطئ بالقرب من مجموعة تقدم رقصة فلكلورية فوق الرمال. كان الجميع تعلو الضحكات شفاههم لهذه الفرقة التي تتراقص على لحن لاتيني. كانت تراقبهم بحماس، لم تشعر أن جسدها بدأ في التمايل بخفة، أغمضت عينيها لرائحة البحر بتلك النغمات، كانت تعيش سحرها الخاص، إلا أنها انتفضت فجأة حين شعرت بملمس غريب على خصرها.
لتجده رجلاً أربعينيًا.. من الواضح أنه أجنبي عن البلد، يضحك إليها مشاركًا في المرح والرقص، إلا أنه لم يقف باتزان تمامًا، وعيناه زائغتان ضاحكتان. حاولت "مريم" الابتعاد عنه، ولكنه قبض على خصرها بقوة، صرخت فيه بلغته وهي تدفعه في صدره: -أبتعد عني، لا أريد الرقص.
إلا أن صرختها ذهبت هباءً وسط باقي صرخات الغناء الصاخبة، ولم يلتفت إليها أحد سوى ذلك الثور، حيثُ جذبه بعنف من ظهره قبل أن يبدأ حواره معه بلهجة غاضبة، وكذلك الأخير أصدر تهديداته إلا أن جملة ختامية منه جعلته يتراجع ويبتسم بسماجة ثم يغادر من المكان. تحرك نحوها وهو يسألها باهتمام بلغتها: -إنتي كويسة؟ أتسعت عيناهـا وهي تسأله بذهول: -هو إنت؟! ابتسم بخفة وهو يرى عبوسها، قبل أن يعقد ساعديه أمام صدره الضخم وهو يقول:
-آريان، اسمي آريان. *** في المساء، وصلت "لينا" إلى ألمانيا، كانت تسير بخطى شاردة وهي تتجه نحو منزلها قبل أن تقابلها في الطريق "ريما". تحدثت معها قليلًا لتهتف الأخيرة بقلق: -إنتي مالك وشك أصفر كدا ليه؟! .. تعالي عندي الفيلا، اشربي حاجة ونقعد بالمرة مع بعض شوية نتكلم، وعلى فكرة أخويا مش موجود دلوقتي.
تلك المرة وافقت "لينا" بدون مجادلة، هي في أشد حاجة إلى الجلوس مع أحد حتى لو كان غريب. وصلت معها وولجت إلى الداخل، أصدرت "ريما" أوامر للخادمة بجلب كوب من عصير، ثم جلست معها تتحدث بحماس لوجود فتاة مصرية معها بنفس المكان. وفجأة هبت "ريما" واقفة وهي تقول: -ياربي، أنا هاروح أصلي صلاة العشاء، تيجي تصلي معايا؟! تصلب جسد "لينا" في مكانها، تقلبت عيناها فيما حولها بإرتباك جلي، وهي تتمنى أن تهرب من هنا.
همست بتوتر وكأنها تسألها: -أصلي؟!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!