فى المطار كان مؤمن يجلس فى أحد الأماكن سارح وشارد، يبتسم بين الحين والآخر حينما يتذكر كلام أخته عن ملك، ولكن سريعاً ما تغيب الابتسامة عن وجهه حينما يتذكر نظرة ملك القاسية له، وخوفها ورعبها منه، واختفائها عنه طول الوقت فى غرفتها، حتى هو يحاول أن يحتفظ بملامح وجهها حتى لا تغيب عن باله أبداً، ولا يعرف السبب. فجأة نهض من مكانه حينما لمح شخصاً يأتي من بعيد. مؤمن بفرح وبصوت عالٍ: مكاوي!
أسرع مؤمن إلى حيث يوجد صديقه واحتضنه بشدة. مؤمن: وحشتني يا أخي، إيه الغيبة دي؟ مكاوي بابتسامة فرحة: حاسس إني ابنك وراجع من بره. مؤمن: ابني وصاحبي وأغلى الناس عندي كمان. مكاوي بتريقة: بس بس، لحسن أنا قلبي رهيف ودمعتي قريبة وهغرق لك المطار دموع. إيه يا مؤمن الجو ده؟ مؤمن: تصدق إنك عيل رخيم وفصيل. مكاوي بضحك: خلاص يا عم، ما تزعلش، أنت واحشني أكتر مليون مرة، بس خدني على أي مطعم، هموت من الجوع أخوك واقع.
ذهب الاثنان إلى حيث سيارة مؤمن وقادها مؤمن إلى أحد المطاعم التي كانا يترددان عليها سوياً. مؤمن بضحك: يا عيني يا ابني، هما ما كانوش بياكلوك في كندا ولا إيه؟ مكاوي وهو يبتلع الطعام: احسب عليا اللقمة بقى. مؤمن: الله يقرفك يا أخي، بتفكرني بواحدة بتتكلم وهي بتاكل نفس الطريقة. مكاوي وهو يغمز بعينه: واحدة؟ ماشي يا عم، يسهلوا. مؤمن بسخرية: دماغك ما تروحش بعيد يا أخويا، أنا أساساً اتجوزت.
كان مكاوي يشرب ماء، وما إن سمع هذه الجملة من مؤمن حتى ألقى الماء كله في وجه مؤمن. مؤمن بارف: يخربيتك يا أخي، إيه الارف ده؟ مكاوي بدهشة: أنت اتجوزت بجد ولا بتشتغلني؟ مؤمن وهو يمسح وجهه: ده موضوع يطول شرحه، هحكيهولك بالليل على رواقة. المهم هتروح على شقتك ولا هتروح فين؟ مكاوي: أنت رايح فين؟ مؤمن: أنا عندي شغل في الشركة.
مكاوي: تمام أوي، أجي معاك هناك، أفضل قاعد معاك لغاية ما تخلص، وبعدين أروح أنام، أصلي بصراحة هلكان ولو سبتك دلوقتي هصيع وألف مصر حتة حتة، مش هبطل صياعة، وفي الآخر هنام في الشارع عادي. ظلوا يتناولون الطعام ويتحدثون الكثير من الوقت حتى نهضا الاثنان من مكانهما إلى شركة مؤمن. *** في النادي كانت نيفين كعادتها تجري بأقصى سرعة وهي تضع الموسيقى في أذنها، ورغم ذلك تفكر في موضوع ملك وصورتها أمامها لا تغيب.
وقفت نيفين فجأة حينما وجدت صديقتها ساندي تنتظرها. نيفين وهي تنهج بشدة: إيه اللي جايبك النادي بدري كده؟ مش عوايدك. ساندي: جايلك يا صاحبتي. ثم وهي تنظر على نيفين التي تنهج بشدة وتتصبب عرقاً: إيه اللي أنتِ بتعمليه دا في نفسك؟ دا اسمه عذاب مش رياضة. نيفين: ااااه، دا أنتِ جايلالي بقى. ساندي: شاطرة، عرفتيها لوحدك، يللا اقعدي، عاوزاكي. جلست نيفين مع صديقتها على إحدى الطاولات بالنادي.
ساندي: هاااا، احكي يللا، السر اللي تعبك وموتك كده. نيفين وهي تنظر بعيداً: سر إيه؟ ما فيش حاجة أحكيها. ساندي وهي تقترب منها: ملك مثلاً. نظرت لها نيفين بدهشة وقد اتسعت حدقتا عينيها بشدة: أنتي عرفتي إزاي؟
ساندي بسخرية: أنا ما أعرفش أي حاجة، بس بقالي كتير لا بشوف ملك لا هنا ولا حتى في القصر، وأنتي مش بتجيبي سيرتها خالص، فحسيت إن في حاجة حصلت وأنتي مخبياها. شوفتي بقى إن في سر أنتي مدرياه، بس شكله كبير أوووي، لأنه مخليكي تعبانة ومش بتبطلي تفكير، وبعدين بعرف إنك مخبية حاجة أو في حاجة تعباااكي لو لقيتك بتحاولي تتعبى نفسك وتجهديها عشان متفكريش.
نيفين وهي تتنهد بشدة: بعدين يا ساندي، بعديييييييييين. أنا دلوقتي ما أقدرش أحكيلك حاجة، بس لو جه وقت مناسب صدقيني هحكيلك. *** على الجانب الآخر في إحدى العيادات النسائية كانت ملك تجلس وهي تمسك بيد هنا كأنها تختبئ بداخلها، وللحظات بدأت تشعر أن هذا المكان ليس مكانها وأنها أتت إلى هناك خطأ، وأن كل من حولها ينظرون إليها نظرة سيئة بالرغم أنهم لا يعرفون عنها شيئاً.
ودون أن تشعر بدأت تتحسس بطنها برقة شديدة كأنها تتطمئن على نصفها الصغير، فقد أعجبت بشكل كل من كان موجود من الفتيات. هنا وهي تشد قبضتها على يد ملك: شايفة يالوكة البنوتات اللي هنا شكلهم عسول إزاي؟ يجننوا. نظرت لها ملك بابتسامة باهتة ولم تتحدث. بعد وقت ليس بالقصير جاء دور ملك لتدلف إلى غرفة الطبيبة. وما إن دلفت ملك حتى اندهشت بشدة من منظرها، فكانت الطبيبة صغيرة في السن وجميلة ورشيقة وملامحها جذابة تريح من ينظر إليها.
هنا بابتسامة مداعبة: إيه يا نورا؟ كل البنوتات الحلوين اللي بيكشفوا برا دول. نورا بابتسامة عذبة: عسلات خالص، عقبال ما أشوفك زيهم كدا. هنا بطفولية: ياااارب، نفسي يبقى عندي بيبي عسول كدا والعب بيه. نورا بضحك: يا عيني تلعبي بيه؟ والله هيصعب عليا. ثم استدارت تجاه ملك وقالت: مش تعرفينا على القمر؟
هنا: دي يا ستي ملك، تبقى مرات مؤمن أخويا، ودي يالوكة دكتورة نورا جارتنا في الفيلا اللي جنبنا وطول النهار والليل مصدعاني بصوت الكلب بتاعه. نورا بدهشة: بتهزري بقى؟ مؤمن عزام اتجوز؟ اللي ما فيش في دماغه غير شغله اتجوز؟ هنا بضحك: شوفتي بقى؟ ومش أي حد، دا ملك صحبتي الانتخا. وهي جاية النهاردة عشان حامل وهتابع معاكي على طول. نورا: أهلاً يا ملك، اتشرفت بيكي. هاااا بقى، إيه الأخبار؟ كانت ملك تنظر لها نظرة خوف وألم ولم تتحدث.
شعرت نورا بخوفها فقالت بهدوء: ما تقلقيش ياحبيبتي، هو أول حمل بيبقى فيه خوف كدا، أنتي في الشهر الكام؟ فرت دمعة من عين ملك فابتعدت بعينيها عنها ولم ترد. نهضت نورا من مكانها وقالت: طب يللا بينا نشوف البيبي الحلو دا اخباره إيييييه. نظرت ملك لهنا بخوف شديد، فنظرت لها هنا نظرة اطمئنان، فنهضت ملك من مكانها مع الطبيبة. بعد دقائق من الكشف رجع الاثنان إلى مكانهما مرة أخرى.
نورا: البيبي زي الفل خالص، بس أنتي اللي صحتك مش حلوة وجسمك ضعيف، لازم تهتمي بأكلك شوية، أنتي بتاكلي لاتنين دلوقتي يا ملك، وشكل في حاجة مضايقاكي وماثرة عليكي، ودا بيأثر على البيبي بردو، أنا هكتب لك على أدوية ومكملات غذائية لازم تهتمي بيها. ثم أكملت بضحك: ولما تيجي تاني ما تبقيش تجيبي البت دي معاكي. هنا: بلاش أنتِ لحسن تصحي بكرة ماتلاقيش بوتشا بتاعك دا. نورا: وحياتك يا ملك؟ في واحدة تسمي كلبها بوتشا؟
نورا بضحك: مالكيش دعوة يا رخمة، ويللا امشي عشان عندي ناس عاوزة تكشف. هنا بطريقة مضحكة: من غير طرد، إحنا ماشيين أصلاً، بت رخمة. كانت ملك منذ أن دخلت ذلك المكان مضطربة وخائفة، لم تتحدث ولم تنطق بحرف، فقط تتحسس بطنها برقة بالغة. ظلت يدها تتحسس ذلك المكان بسعادة لا تعرف سببها، وكرهت هذه المشاعر بشدة، حتى أنها لم تنتبه لما كان يقال بين الطبيبة وهنا. ثم نهضت مع هنا خارج العيادة وذهبوا إلى إحدى الأماكن. ***
دلف مكاوي مع مؤمن إلى الشركة وكان كل من هناك يحيونه بترحيب وباابتسامة فرحة. مكاوي بطريقة مضحكة: شكراً شكراً، بحبكم كلكوا. مؤمن بضحك: يخربيتك يا أخي، والله الواحد كان مفتقدك. ما إن دلفا الاثنان إلى مكتب مؤمن حتى نظر مكاوي لكل شيء بانبهار. مكاوي بصفير: إييييييه يا عم الشغل العالي دا؟ أسيبك وأرجع ألاقيك عامل كل دا؟ أنت إيه؟ ما كنتش بتعمل حاجة غير شغلك ولا إيه؟
مؤمن وهو يجلس على مكتبه: ما أنت عارف صاحبك بقى، دماغه متبرمجة على الشغل وبس. جلس مكاوي هو الآخر وقال: ما أنا بعد ما أصفّي شغلي في كندا هفتح شركة هنا بردو، وهنافسك وهفلسكم. مؤمن بضحك: براحتك يا عم، بس أنت تعالى. ثم بانتباه: أنت قلت إيه؟ هتصفى إيييييه؟ مكاوي: هستقر يا مؤمن، مش راجع تاني خلاص، كفاية كده. مؤمن: إيوووووه كدا بقى يا مكاوي، وإن شاء الله تحقق هنا أحسن من اللي حققته هناك ميت مرة.
مكاوي: بقولك إيه، عاوز أحجز في فندق، أحجز فين؟ مؤمن: وشققكم؟ مكاوي: صباح الخير، ما أنا بعتها قبل ما أسافر، وهدور لي على واحدة قريب. مؤمن: آه صحيح، طب بص، النهاردة تبات في الفيلا بتاعتي تمام، أمي مسافرة وأختي بايته مع مراتي في شقتي. مكاوي باستغراب: ومالك؟ ابتسمت وأنت بتقول مراتي كدا. مؤمن بابتسامة: أصلها جديدة عليا، المهم تمام كدا. مكاوي: واثق إن مفيش حد في الفيلا ولا هيتعمل معايا الصح؟
مؤمن بضحك: لا يا عم، متقلقش، أنا هخلص شغلي وهاخدك على هناك، نحكى عشان عندي كلام كتير أوووووي ومحتاجك فيه، وبعدين أسيبك تنام، وهحجز لك بكرة في أي فندق. كانا يتحدثان حتى دلف إليهم صديقهم أحمد الذي يعمل بشركة مؤمن. أحمد بفرح: وأنا أقول الشركة مالها مدلمة ليه؟ قصدي منورة ليه؟ يا أهلا بالدماغ العالية. مكاوي: حبيب قلبي وربنا، ليك وحشة يا ضنا. أحمد: أخبار كندا إيه؟ مكاوي: بتسلم عليك. أخبارك إيه؟ وأخبار الجواز إيه؟
أحمد: زي الفل. إيه؟ أنت اتجوزت ولا لسه؟ مكاوي بطريقة مضحكة: عيب عليك، أنا اتجوز من بلدي، بت جدعة كدا تقف جنبي تبقى حبيبتي، أمال إيه. مؤمن بضحك: لا ياراجل، يعني كل اللي هناك دول محدش لفت انتباهك؟ مكاوي بهيام: كلهم قمرات ياض يا مؤمن، حاجة كده رز بلبن مهلبية، بس بردو ما اتجوزش منهم. ثم التف إلى أحمد وقال: جبت كام عيل بقى يا أبو حميد؟ نظر لها أحمد وبدأ يبتلع ريقه بصعوبة ولم يرد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!