الشيخ ردد قرآن كتير. ومع ترديده للقرآن حصلت حاجة كانت سبب في إن عماد يتنفض من جواه. الشيخ كان بيقرأ آيات محددة ومعينة لأنه حس بحاجة ما اتكلمش فيها. الآيات اللي قرأها كانت سبب في إن أطياف... قذاف... يختفي من قدامه.
آه، اللي راح مع عماد للشيخ جابر كان قذاف مش أطياف. أطياف لسه في البيت، لسه في سريرها. قذاف مسمحش لأطياف تروح مشوار زي ده. الشيخ جابر له سمعة، معروف إنه بيقدر يطرد الجن، بيقدر يعالج. وده اللي قذاف مش هيسمح بيه. وعلشان كده قدر يخدع عماد ويروح هو معاه بدل أطياف.
ولما اختفى من قدام جابر وعماد مع ترديد آيات القرآن، كان عماد بيرتجف من جواه ومن برة كمان. لأن الشيخ جابر مش أول مرة يعالج حالة بالشكل ده. اتعامل مع الموضوع بهدوء. كمل اللي بيعمله علشان يقدر يحصّن نفسه بعد ما عرف إن الجن اللي مع أطياف مش جن مسلم... ولا جن سهل التعامل معاه.
خلّص قراية وأخد وضع الاستعداد لشرح اللي حصل لعماد علشان يخليه يهدى شوية. لكن أول ما جه يتكلم، قطعت الكهربا. وبرغم إن الدنيا نهار، إلا إن المكان حواليهم بقى ضلمة وكأنهم في عز الليل والقمر ما ظهرش كمان. ابتدت تظهر أصوات مخيفة حواليهم، وحاجات كتير بتهبّد في بعضها، وفحيح مرعب كتير، وكلام مش مفهوم وصوت. وأول الشيخ جابر ما شاف كل ده، ابتدا يردد آيات القرآن لأنه عارف إن ده حصنه الوحيد.
لكن عماد اللي اتغير. في الضلمة ملامحه مش باينة، لكن صوته اتغير وتخن وبدأ يقول كلام مش مفهوم ويهجم على الشيخ جابر. لكن الشيخ جابر بيردد: –أعوذ بكلمات الله التامات، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
اترمى عماد على الأرض والنور بدأ يرعش ويروح ويرجع. برق الشيخ جابر عينيه وهو باصص على الأرض مكان ما عماد مرمي. عمال يتنفض ويطلع لفوق في الهوا ويتهبد على الأرض ويصرخ ويعوي. والشيخ جابر برغم صدمته وذهوله، إلا إنه مستمر في الترديد لحد ما رجع النور. وصوت عماد اختفى. وفجأة: –لا حول ولا قوة إلا بالله، أستاذ عماد.. أستاذ عماد… حد يبلغ الحكومة يا اللي برة.
قعد جنب عماد على الأرض وهو مصدوم من اللي حاصل. عماد غرقان في دمه وعينيه عمالة تنزف وفاضية تقريبًا. عرف الشيخ جابر اللي حصل. قذاف وقت التحصين قرر إنه يأذي عماد على اللي عمله. دخل جسمه، لكن مع استمرار جابر في التحصين، مقدرش قذاف يستمر جوه جسم عماد. ومن الألم خرج من جسمه… لكن مخرجش والسلام، ده خرج من عينيه، ضيّعها له ومش عارفين إذا كان ضيّع عينيه بس، ولا كمان فارقت روحه الدنيا.
فعلاً البوليس جه. وبعد التحقيقات مقدروش يوصلوا لسبب ملموس. وعلشان طبعًا مش هيعترفوا بأن اللي حصل ده نتيجة وجود جن، قرروا إن السبب يكون طبي. وبعد المعاينة والتحقيقات ونقل عماد للمستشفى، اتصلوا على أهله يجوا يستلموه. طبعًا كانت كارثة وصدمة. رجع عماد بيته، لكن من جواه بيتمنى لو كان مات. مش قادر يتحمل إنه يعيش أعمى… يعيش كأنه ميت. ده إحساسه.
أول ما أطياف شافت أبوها بالحالة دي، مقدرتش تتحمل. دخلت أوضتها وقفتلت على نفسها وبدأت تعيط، تصرخ بصوت بتحاول تكتمه، تلطم على وشها، بتلوم نفسها: –أنا السبب، أنا ليه موجودة لحد دلوقتي؟ أنا ليه مش بأذي نفسي وبس؟ ليه كمان اللي حواليا يتأذوا؟ ليه مش بتاخدني وترحمني وترحم الناس اللي مالهاش ذنب في اللعنة دي؟
كانت بتدعي على نفسها ومن جواها إحساس بالذنب رهيب. لحد ما فجأة ظهر قدامها، ظهر قذاف بصورته المرعبة اللي اتعودت تشوفها من سنين. هو مش بقاله يوم ولا شهر ولا سنة بس، ده معاها من زمن طويل. برغم إنها كل مرة بتشوف صورته المرعبة دي، وكل مرة بتحس بالخوف، لكن المرة دي خوفها كان مختلف. واقف يبص لنظراتها له وجسمها اللي بيرتجف من الخوف وهي عينيها ثابتة عليه… كيان طويل جدًا، بعين واحدة بس في نص رأسه، سنانه ونابه كتير جدًا جدًا ومعندوش شفايف، عنده إيد واحدة بس ومافيش فيها غير صوابع، شكله مرعب بكل الأوصاف.
لكن خوفها منه المرة دي مش من شكله بس، لأ. خوفها بسبب إن أذاه بدأ يطول أهلها، بدأ يبقى حقيقة مش عليها هي بس. أذاه هي شافته بعنيها أول ما أبوها دخل من باب البيت. خوفها كان مختلف وهو حس بالخوف ده… وعلشان كده قرر إنه في لحظة يتحول ويتجسد في هيئة إنسان… شاب وسيم جدًا، رياضي وشعره ناعم ولامحة رجولية تخطف العين والقلب.
قرب منها وهو قادر في لحظة يسيطر على تفكيرها ويلغي خوفها. عنده قدرة على التملك منها من زمان لأنها مبتقاومش، مش بتحاول تساعد نفسها. مسك إيديها وقالها بصوت ناعم هادي: –سِراء، متخافيش، أنا قذاف حبيبك، عماد كان عايز يأذي قذاف حبيبك ويخلص منه، كان هينهي على حياتي. برغم الغضب والكره اللي جوه أطياف، إلا إنه كان قادر يخليها تفكر في اللي هو عايزها تفكر فيه بس. أما سِراء فده الاسم اللي هو مسميها بيه في عالمهم.
كمل قرب منها وقالها تاني: –حبيبتي أنا كنت بحافظ على حبنا، ده كان عقاب على اللي عمله وعلى اللي حاول إنه يوصله، عاقبته علشان ما يفكرش يكررها تاني.. استسلمي يا سِراء، استسلمي وتعالي معايا.. تعالي معايا للعالم بتاعي، مملكتي.. باطن الأرض، هناك العالم بتاع حبيبك وهيكون العالم بتاعك، أنا بقالي سنين معاكي عايش بينكم، تعالي معايا لحياتي ولأرضي يا سِراء.. تعالي يا حبيبتي… تعالي مع حبيبك وجوزك… تعالي.
مد إيديه الاتنين ليها وهي كمان بدأت تمد إيديها وتقريبًا بدأت تفقد كل وعيها وكانت في طريقها للمراواح معاه. لكن فجأة باب أوضتها اتفتح واختفى قذاف من قدامها وقالت مودة: –أطياف، وائل بره جاي يطمن على بابا، اطلعي سلمي عليه. جهزت أطياف وطلعت تسلم على وائل. كان باين عليه إنه زعلان جدًا من اللي حصل لهم. اتكلم تاني وفتح موضوع الجواز، وقال:
–أنا عارف إنه مش وقته خالص، لكن أعتقد إننا لازم نستعجل الجواز، لازم أكون جنبكم أكتر علشان الوضع دلوقتي محتاج وجودي. عماد بيأس وحزن: –أنا موافق يا وائل، خلينا على آخر الشهر نتمم كل حاجة. وائل: –وعلشان الوضع اللي إحنا فيه كلنا ده، معلش لو الفرح يكون عائلي علشان بس الظروف يا عمي… حضرتك ووفاة ضياء.
اتوافق على الكلام، وبرغم إن أطياف بتتشتت ما بين قذاف ووائل، إلا إنها فرحت باللي اتقال. كانت باصة لوائل ومبتسمة ابتسامة من قلبها. برغم إنها مش عارفة إيه الصح من الغلط، لكن فرحت. وقذاف مسمحش بأنها تحس بالفرحة دي. والوقت اللي هي باصة لوائل فيه ومركزة معاه، ظهر هو من وراها علشان يشتت تفكيرها وما يسمحش لها بالموافقة. مستحيل يخليها لغيره. لكن لأول مرة أطياف تتجاهل وجوده وتركز عينيها على وائل. من جواها حابة تقول لقذاف:
–أنا اخترت حياتي، اخترت اللي هكمل معاه. لكن هو رفض ده، وعقابًا ليها وخلال تركيزها مع وائل، بدأ قذاف يرسم على وشها الصلبان من تاني… وعينيها بدأت تنزف دم. في اللحظة دي بقى أنا كوائل، فهمت كل حاجة. اتخضيت في البداية وقمت وقفت مكاني وأنا بقول: –بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بالله. مبقاش فيه مجال للتشكيك في حقيقة اللي بيحصل. اللي قولته ده آذى أطياف وخلاها تترمي على الأرض وتجيلها نوبة من النوبات اللي أشبه بالصرع، لكن ألعن.
هنا حماتي انفعلت وقالت لي: –بسسسس… اسكت يا وائل، اسكت بدا ما تتأذى زي عماد اتأذى.. اسكت. كنت واقف مش مستوعب، لكن حماتي قالت: –استنى بس تهدى أطياف وتدخل أوضتها، وأحكيلك وأفهمك كل اللي بيحصل، اللي حصل لعماد ده مش زي ما اتقال… الموضوع غير كده خالص. سكت فعلًا وساعدنا أطياف واستنينا لحد ما هديت خالص ودخلناها أوضتها في سريرها. طلعنا وقعدت مامتها وقالت كلام مالهوش علاقة باللي قاله حمايا في البداية:
–الموضوع مالهوش علاقة بهالة يا وائل، آه هي هالة ماتت فعلًا، وقعت من اللعبة في الملاهي زي ما قالك عماد، لكن حالة أطياف مالهاش علاقة، حالة أطياف مش نفسية يا وائل، الحكاية دي حصلت من أكتر من سنين، لما اتقدم لأطياف أول عريس وكان ابن عمتها، اتفقنا وتاني يوم لما جه يلبس الدهب حصلها الحالة اللي حصلت قدامك يوم ما عماد اتكلم معاك، ومن يومها كل ما يتقدملها عريس يتكرر نفس اللي بيحصل ده لحد ما العريس يطفش ويهرب منها. الحالة دي بتحصل كل ما بيظهر في حياتها عريس، وإحنا غلبنا معاها، دكاترة وشيوخ مسبناش، لكن… مافيش فايدة، محدش عرف يعملها حاجة، واللعنة مش بتنتهي.
كنت لسة هتكلم، لكن حماتي مسمحتش بده وكملت كلامها وهي بتقولي: –أنا عارفة انت عايز تقول إيه، وحاسة باللي عندك، وعشان أكون بعفيك من الإحراج أنا عارفة انت شاري قد ايه، وعارفة إنك جدع وشهم ومش كتير اللي زيك، لكن يا ابني حقك تتراجع عن الاتفاق، ثواني أجيب لك حاجتك من جوة، ربنا يكتب لك الأحسن يا وائل. قامت حماتي، لكن مقدرتش أمنع نفسي من إني أمنعها من اللي هتعمله: –إيه يا طنط ده؟ مين قالك كده بس؟
أنا آسف في اللي هقوله لو فيه جرأة شوية، لكن أنا بحب أطياف وعايز أتجوزها، بحبها وعايزها مراتي ومش عايز أسيبها، وأنا معاها وهساعدها، صدقيني يا طنط لو سيبتها هي مش هتخف، أنا معاها وجنبها وهنعدي من كل ده، ومن بعد الجواز مش هرتاح غير لما كل ده ينتهي… مع بعض هنلاقي حل.
طبعًا موقف بالنسبالهم خلاهم عايزين يحطوني على دماغي. بدأنا الاستعجال في التجهيزات، لكن بدأ قذاف يظهر بشكل مؤذي… آه بدأ يظهر لي… بدأت أنا كوائل أشوفه. وفي يوم وأنا طالع البيت بليل، قطعت الكهربا على السلم، ومش عارف إزاي اتحدفت عليا القطة السودا المرعبة دي اللي بدأت تزوم بطريقة ترعب. اتخضيت وترعبت، طلعت أجري وأنا بتردد اسم الله لحد ما دخلت البيت وجريت على أوضتي آخد نفسي. أنا عارف إنه مش هيسيبني.
بدأت أقرأ قرآن، وأول ما عملت كده فجأة وأنا بولع النور، كل اللمض اتحرقت. صرخت لأمي من وأنا في الأوضة وقولتلها بصوت عالي: –ماما… ولعي قرآن بسرعة.
محدش فاهم حاجة، ولا أنا هقدر أحكي حاجة، والوضع كمان مش سهل إنك تكون عارف إنك بتحارب شيطان ومطلوب منك تهزمه. آه أنا قررت ألتزم بالتحصين والصلاة والأوراد، لكن هو مصمم يحارب. وأول ما أمي شغلت القرآن، الكهربا اتقطعت في المنطقة كلها. وبرغم الخوف والرعب اللي جوايا، إلا إني حاولت أولع الشمع. أمي وأخويا الصغير كمان كانوا يولعوا شمع زيادة. الدنيا ليل والكهربا لما قطعت بقينا مش شايفين كفوف إيدينا. لكن لما ولعنا الشمع وصرخ أخويا وليد برعب، بدأت آخد بالي من اللي بيحصل مع ضوء الشمع… وأمي كمان بدأت تصرخ أول ما لاحظت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!