لم يظهر وائل ولا حس ولا خبر. المشكلة أنه لم يتكلم مع أطياف ولا أحد وصل لها ما حدث أصلاً. لا أحد يعرف مكانه ولا أحد يستطيع الوصول إليه. اضطرت أطياف للخروج من الكوافير وذهبت إلى القاعة، على أمل أن يظهر أو أن يصلها أحد به أو أن يأتي ويبرر ما حدث منه. بعد ذلك، لا يهم. تشعر بكسرة نفس وحسرة ووجع قلب وفضيحة. "معقول وائل يفعل بي هكذا؟
هذا الشيطان لم يفعل هذا. قذاف الذي من نار لم يفعل بي، ولا هان عليه أن أتحسر بهذه الطريقة. لم يبعني ولم يتركني سنين وأنا أحاول التخلص منه. كنت على أمل أن أعيش حياتي كأي إنسانة طبيعية. كنت على أمل أن أبدأ أعيش مع إنسان طبيعي. لكن لا.. البشر مؤذون، كلهم يهربون، كلهم يبعدون، كلهم أيضاً يجرحون." فكرة أنه لم يرسل رسالة حتى يعتذر فيها عن ما ينوي عليه أو يبلغها به كانت توجعها جداً. أصبحت تتفرج على نظرات
الناس وتقول من داخلها: "قلت له اذهب، لماذا أصر على أن يكمل معي؟ لماذا تعيشني في حلم لتوقظني على كابوس؟ لماذا تفعل بي هكذا؟ لماذا دائماً يؤذونني؟ كانت أطياف فرجة أمام الناس، وبدأت تشعر أن قذاف، رغم أنه شيطان وملعون، إلا أنه لم يفضحها. نعم، جعلها منبوذة من الناس ول وحدها، لكنه لم يتركها ولم يبعد عنها رغم السنين هذه. بدأت تقارن بين الشيطان والإنسان، وتشعر أن الشيطان عنده رحمة أكثر من الإنسان.
بدأت تستسلم لما كان قذاف يتمنى أن تستسلم له منذ زمن. أما مودة، فكانت مقهورة على ابنتها التي دموعها تنزل وهي تتفرج على نظرات الناس لها، وعمالة تردد: "لماذا يا وائل هكذا؟ منك لله، الله لا يسامحك. الناس ستقول ماذا الآن عن البنت؟ ما كنت تركتها من الأول ونحن من طلبنا منك هذا. ربنا ينتقم منك... يا رب عندك الحل يا رب، لا تفضحنا يا قادر يا كريم." بدأت أطياف تسمع كلاماً من حولها يقال بصوت مسموع: "يا خبر، فعل هذا لماذا؟
"ترى، عرف عنها ماذا يجعله يتركها يوم الفرح؟ "تستاهل، هذه البنت حواراتها كثيرة وكلما يتقدم لها عريس يطفش منها." "لا حول ولا قوة إلا بالله، هذه كالقمر، خسارة فيها والله." "يا شيخة خسارة إيه؟ هذه يقولون عليها ملبوسة، يبدو أنه عرف حقيقتها ونفد بجلده." كلام كثير جداً صعب عليها تحمله. وفجأة شعرت أنها لوحدها. كل الناس أمامها، لكن هي في دنيا أخرى لوحدها، بعيدة عن أصواتهم وكلامهم. لا تسمع إلا: "سراء حبيبتي...
لا تزعلي، أنا لن أتحمل رؤية دموعك." جاء الصوت من وراءها وهي جالسة تتفرج وفي حالة صدمة، ساكتة ولم تلتفت حتى وراءها. وفجأة شعرت أن هناك من يحاوطها ويضمها له. ولأول مرة تكون في وعيها، لكنها لم تقاوم ولم تحاول أن تبتعد. كانت مستسلمة تماماً، لأنها في هذه اللحظة تحتاج فقط لمن يحسسها أنها ليست لوحدها، تحتاج أن تشعر أنها في أمان. همس في أذنها وهو يقول: "أوعي تخافي يا سراء، كل هذا سيخلص في لمح البصر."
وفجأة انقطعت الكهرباء في القاعة كلها. وفي أقل من لحظات رجعت... أصوات زغاريد، أصوات هيصة كبيرة، صوت الزفة والناس تقول: "العريس جاء، أخيراً وصل." اتخضت أطياف من الكلمة، غير مصدقة. قامت من مكانها وهي مذهولة. وقفت تنظر إلى باب القاعة، رأت وائل واقفاً على باب القاعة وماسك بوكيه ورد كبير جداً. لم تشعر أطياف بنفسها إلا وهي تجري ناحية وائل وترتمي في حضنه وهي تقول له: "لماذا هكذا يا وائل؟
كيف حتى لا يهن عليك أن تكلمني وتقول لي ما الأمر؟ كيف تهون عليك أن تفعل بي هكذا؟ وائل بهدوء: "أنا آسف يا حبيبتي، كانت هناك حادثة جامدة جداً على الطريق عطّلت الطريق كله." أطياف بدموع وقلبها يدق جامداً: "طيب كلمني، أنا كلمتك كثيراً وتليفونك مقفول." وائل: "فصل مني، انشغلت عن أني أشحنه." أطياف: "طيب حتى كان مروان كلمني وبلغني." وائل: "خلاص بقى يا أطياف، أصلاً لمحت أنا وهو وقرر ألا يأتي."
وفي لحظة، أمسك بيدها وسحبها وراح بها ناحية الكوشة، وغمز لبتاع الدي جي الذي شغل أغنية هادئة وبدأ يرقص بها على أنغام الأغنية. الرقص الذي كان يرقصه كان أروع من أن يوصف. كان يحملها يلف بها وكأنها فراشة في الهواء. سعيدة وتطير من الفرحة. نظرات إعجاب من كل الموجودين وانبهار بما يحدث، وكأن أطياف أميرة من أميرات أفلام الأنيمي. وفجأة وقفت الموسيقى وركع وائل على ركبته أمام أطياف التي عيونها تلمع من الفرحة وقال لها:
"سراء، تتزوجيني؟
في هذه اللحظة، كل شيء تحول. تحول إلى لعنة. المعازيم كلهم تحولوا إلى شياطين مخيفة مرعبة. الأنوار كلها في القاعة تحولت إلى مشاعل نار ترهب. فستانها الأبيض تحول إلى الأحمر بلون الدم. كل من حولها أبيض وأسود، ما عدا النار فقط. وائل تحول إلى قذاف. جسمها مليان وشوم غريبة. المكان كئيب مظلم إلا من ضوء النار. القاعة البسيطة الجميلة تحولت إلى كهف مهجور غريب. حتى الكوشة التي كانت جالسة عليها من دقائق تحولت إلى مدافن من حجارة. جسمها قشعر وهي تدور بين الوجوه المخيفة عن أهلها، أمها، أبوها،
أي أحد تعرفه: "أين أمي؟ أين أبي؟ بقوتها، زقته ليبتعد عنها وجرت منه. جرت وكأن المكان لا يوجد فيه بوابات للخروج. أصبح يتركها تجري في كل مكان وهو يتفرج عليها ويضحك. يظهر في وجهها فجأة ويقربها منه بالعافية، والأغاني المخيفة تعمل ويرقص بها ثاني، لكن غصباً عنها. تدفعه ليبتعد عنها ويتكرر هذا ثاني، حتى دفعته آخر مرة وقالت له: "أنت ملعون، أنت شيطان، ابتعد عني، مستحيل أن أكون ملك لك." ابتسم بصوت مرعب وقال لها:
"سراء، أنت بالفعل زوجتي منذ زمن بعيد. أنت ملكي شئت أم أبيت." وقرب منها وهو يحاول الوصول بها لرحلة الخلود، الرحلة التي لن تستطيع أن تعود منها أطياف مرة أخرى لا لعالمها، ولا لحياتها، ولا حتى أن تنعم بأنها تموت وترتاح من كل ما هي فيه. فجأة، وقبل أن يلمسها ويقرب منها، حدث أغرب شيء ممكن تتخيلوه. وقع قذاف على الأرض وبدأ يقطع في جلده ويصرخ ويردد كلاماً غير مفهوم: "نار حق خرق طاعة لعنة طسم مس قب خق فذ قن"
كان برغم الصراخ الذي يصرخه وجسمه الذي يسيح على الأرض، وعظمه الذي يذوب ويختفي، إلا أنه مستمر في الذي يقوله، يكرر وكأنه قرر أن يلعنها بلعنة لا تنتهي حتى قبل أن يفارقها. كرر ثاني: "سمممممم طس مطس لعناااا ت حق خق فذ قذ قن"
فجأة اختفى قذاف. اختفى واختفت كل شيء. وانفتحت البوابات أمام أطياف التي انطلقت تجري. انطلقت تجري وهي لا تعرف إلى أين ذاهبة ولا من أين قادمة. تجري ولا تجد أحداً حولها، لكن مقتنعة أن النور الذي في نهاية الطريق هذا بالتأكيد سيصل بها لشيء. وفعلاً وصلت للنور وهي تأخذ نفسها بالعافية. كانت تشعر أنها ستموت قبل أن تهرب من المكان هذا بما فيه. وجدت نفسها أخيراً على طريق عام، ومن حظها أنها بعد وقت ليس طويلاً قابلت سيارة قادمة وشغلت الانتظار. كانت واقفة تشاور للسيارة وهي تبكي. كانت خائفة ومرعوبة، لكن لا توجد سيارات كثيرة تسير على هذا الطريق. المكان ليس عامراً أصلاً. كانت التي تقود السيارة بنت...
نعم، شكلها يقول إنها ليست تماماً. لكن للأسف، لا يوجد حل أمام أطياف غيرها: "لو سمحتي، أنا كنت مخطوفة ولا أعرف أنا فين، ممكن تبعديني عن هنا لأي مكان عامر بس." البنت: "طيب اركبي." ركبت أطياف وهي مرعوبة من كل شيء، لكن في كل الأحوال، عندما تكون تتعامل مع بشر أهون من الذي رأته من دقائق هذا. تكلمت أطياف: "هو احنا فين؟ أنا لا أعرف المكان هذا؟ البنت: "إحنا قبل السلوم بـ 2 كيلو، إيه حكايتك؟ أطياف:
"السلوم هذه يعني بعيدة عن الإسكندرية؟ البنت: "نعم بالتأكيد بعيدة، اهدي بس ولا تقلقي، أنا سأوصلك لأي مكان، بس فهميني إيه اللي حصل." كانت أطياف خائفة، سكتت ولم تستطع أن تحكي شيئاً. تكلمت البنت وقالت لها: "أنا ميرال... من مصر، حظك حلو أني قابلتك." نظرت أطياف لميرال بقلق من شكلها ومكياجها الغريب، لكن لن تستطيع أن تقول شيئاً. شعرت البنت بتوتر أطياف فقالت لها:
"لا تخافي، لن أخطفك وأشربك شيئاً أصفراً وأعمل فيكِ أشياء عيب، أنا حتى شكلي يقول هذا، لكن أنا بنت ناس جداً على فكرة... بلاش تحكمي على أحد من شكله."
ساكتة أطياف وغير مستوعبة لما حدث، ولا مستوعبة أنها خلصت من الذي كانت فيه هذا. بدأت ميرال تتكلم وتتكلم، كثيراً جداً. حكت قصة حياتها المأساوية لأطياف وكم عانت مع زوجة أبيها التي اضطرتها أن تقتل وهي قاصر لا تزال، وهذا كان سبب أنها تدخل الأحداث من قبل أن تكمل 16 سنة. ميرال تكلمت ومن كثر ما كانت تحكيه صعب، دموعها نزلت. ودموعها كانت كافية أن أطياف تتحسر على كل ما هي فيه وتبكي هي أيضاً. مسحت ميرال دموعها وقالت
وهي تحاول أن تداري حزنها: "تبكين علي؟ لهذه الدرجة صعبت عليك؟ يلا، اتركي الآن كل ما حكيته هذا، أناكد قليلاً، احكي لي أنتِ الآن ما قصتك." كانت لا تزال ساكتة، لكن ميرال قالت لها: "يا ستي، دردشي، نقصر الطريق على بعض، كلها شوية وقت وأنا وأنتِ بالتأكيد لن نتقابل مرة أخرى." تكلمت أطياف وقالت: "أنا... أنا كنت مخطوفة و... لا لا...
أنا سأقول لك ما حدث. كان عرسي اليوم، وعريسي هرب، لم يأتِ، فضحني أمام كل الناس، لا أعرف لماذا فعل معي هكذا؟ كان قال لي، أنا تحايلت عليه أن يتركني." بكت كثيراً أطياف وميرال كانت متأثرة جداً بحالتها، لا تعرف كيف تواسيها، ولا تعرف كيف تخرجها. فجأة وصلوا لاستراحة على الطريق وقالت لها ميرال بمزاح لكي تفك عنها قليلاً وتخرجها من الحالة هذه:
"تعالي الآن أعزمك على شيء ساقع، وهنا هناك سيدة من العرب تبيع حنة سوداني مالهاش حل، تعالي أعمل لك تاتو تذكريني به." رفضت أطياف في البداية، لكن ميرال أصرت وقالت لها: "انظري، أنا لا أعرف كيف أواسي أحداً ولا أعرف ماذا أفعل معكِ، دعيني أحاول أن أواسيكِ بالطريقة التي أعرفها، من أجلي." اضطرت أطياف أن تنزل من السيارة. كانت تحتاج لدخول الحمام. تركت ميرال وذهبت للمكان الذي قالت ورجعت لها. كانت ميرال تنتظرها
وقالت وهي توريها الألبوم: "يلا الآن اختاري صورة حلوة كده أرسمها لك." اضطرت أطياف أن توافقها لمجرد المجاملة على محاولتها في التخفيف عنها، وأيضاً توصيلها لها مسافة كبيرة كهذه. اختارت أطياف رسمة صغيرة جداً ودخلوا السيارة سوياً، وبدأت ميرال ترسمها لأطياف في كتفها من الخلف. كان غريباً جداً أن ميرال كانت تدندن بموسيقى غريبة جداً. وفجأة أطياف اتخضت: "ماذا تقولين؟
رعب أطياف واعتقادها بأن كل من حولها شياطين جعلها تتخيل أنه لا يوجد احتمال للتعامل مع بشر. اتحرجت ميرال وقالت لها: "معذرة يا فوفا، أنا أحب أن أفعل أي شيء وأنا أدندن هكذا." ورجعت ميرال تغني من جديد وهي تقول: "ويا ريت يا شوق يا ريت يا شوق تضمنا أنا وحبيبي أغلى الحبايب يا حبيبي لو لسه دايب في لهيبي يا حبيبي يا حبيبي ارجع وخدني خدني على سكة العاشقين" سكتت ميرال وهي تقول: "جامدة جداً الأغنية هذه." شعرت
أطياف بألم في كتفها وقالت: "لماذا كتفي يحرق هكذا؟ ميرال: "يمكن بشرتك حساسة، لا تقلقي، ستهدأ الآن، أنا انتهيت أصلاً."
نزلت ميرال وقعدت في مكانها وساقَت السيارة وهما يتكلمان حتى وصلت أطياف عند بيتها. سلموا على بعض وشكرتها كثيراً جداً. طلبت منها أن تطلع ترتاح عندها حتى الصباح، لكن هي رفضت. وتمنت لأطياف حياة جديدة هادئة. طلعت أطياف البيت وأول ما دخلت وجدت ناساً كثيراً، وعياطاً ولهفة، ووائل موجود في وسط كل الموجودين. قبل أن تقول أمها أي كلمة وهم يجرون عليها بلهفة، صرخت أطياف وقالت: "ماذا فعل هذا الحيوان هنا؟
خلوه يذهب الآن، لا أريد أن أرى وجهه." استغرب وائل، لكن أمها قالت: "أين كنت يا ابنتي؟ أوجعتِ قلوبنا؟ أطياف بانفعال: "أقول لك خلوه يذهب الآن، لا أطيق أن أرى وجهه، كفى ما فعله بي، كفى الفضيحة التي فضحني إياها... قاطعتها أمها:
"فضيحة ماذا يا أطياف، أنتِ التي اختفيتِ. وائل كل ما فعله أنه سافر للسيدة التي قال لك عليها ببورسعيد من أمس الفجر. شقتكم اشتعلت يا ابنتي وكل شيء راح. كان قادر أن يتركك بعد خسارته، لكنه قرر ألا يتخلى عنك وكان لازم يجد حلاً. وفعلاً راح وجابها وجاء بها على أمل أن كل شيء سينتهي قبل موعد خروجك من الكوافير، لكن أنتِ اختفيتِ. كل من في الكوافير استغربوا أنك خرجتِ لوحدك قبل موعد وصول عريسك...
لكن هو خلاها تستخدم أطرك وتعمل عليه و... قاطعتها أطياف: "يعني ما حدث لقذاف هذا كان بسبب وائل؟ يعني وائل لم يتركني وهرب؟ يعني وائل كان سبباً في أني أنتهي من الذي كنت فيه؟ ردت أمها أمام كل الناس: "نعم يا أطياف، أنتِ ظلمتيه في الوقت الذي برغم ما حدث فيه لم يتخل عنك. وائل هذا يُشال فوق الرأس...
الذي فعل هذا كانت زوجة عمك. هي التي آذتك لأنها لم تكن تريدك لابنها. منها لله، كانت قالت من الأول بدل أن تؤذينا السنين هذه كلها. الله لا يسامحها وينتقم منها. هي التي فعلت لك العمل، لكن السيدة قالت إن الذي جاء لك أحببتيه وعشقك... ولهذا رفض أن يبعد عنك ويتركك... لكن هي الله يبارك لها." بكت أطياف وهي تقول: "يعني أنا شفيت؟ بالله عليكم شفيت."
في اللحظة هذه تكلمت أنا، لكن لم أقل غير آيات القرآن الكريم. كنت أحتاج أن أرى رد فعلها، أرى هل فعلاً هو ابتعد وتركها أم لا يزال موجوداً معها. لكن عندما حدث، كانت أطياف طبيعية جداً. نعم، فجأة أحسست أنها أغمضت عينيها جامداً وكأنها تشعر بألم، لكن بسرعة فتحتها ثاني وسمعت القرآن من دون أن تتأثر نهائياً. وجدت نفسي أقول لها: "أطياف، أنتِ بفستانك، وأنا جاهز، خلينا ننزل لأي مأذون ونتمم زواجنا." أطياف بفرحة: "موافقة."
فعلاً كلهم نزلوا، وعلى أقرب مأذون كتب الكتاب. وبالتليفون حجزت فندقاً في الغردقة لمدة أسبوعين. أسبوعين وأنا أترك الشقة لمروان وأبي وحماتي يتصرفون فيها. وأنا أعيش مع أطياف أحلى أيام حياتي. قدرت أن أنسيها كل ما حدث. عشنا في الجنة فعلاً. أسبوعين أنا وهي نتعرف على بعض من جديد. نسينا أو نسينا أي شيء حدث. وانتهت الإجازة ورجعنا على بيتنا. أطياف أول ما دخلت البيت برقت: "ما هذا الجمال يا وائل؟ الشقة رجعت أحلى من ما كانت."
وائل: "لأن كل شيء لازم يكون أحلى وأجمل من ما كان." كل شيء هادئ ومريح. حتى أنا، جات لي فرصة شغل بره مصر وترقية لم أكن عامل حسابها. لكن الامتيازات التي الشركة قدمتها لي جعلتني لا أستطيع الرفض: "أطياف، هنسافر دبي. لنا شقة دوبلكس هناك جاهزة من كل شيء. مرتبي سيكون 3 أضعاف وبعملة دبي. ولو تحبين أن تعملي فيه فرصة لتعيينك، أنا سأكون مدير الفرع هناك." أطياف بحب: "أنت مرتاح لهذه الفرصة؟ رديت:
"جداً. فرصة نؤمن بها حياتنا. وخلال 5 سنوات إن شاء الله نكون قدرنا نعمل مبلغاً محترماً يساعدنا في الاستقرار وبداية مشروع محترم أيضاً في مصر." أطياف: "أنا معك يا حبيبي أينما تكون." وبدأت إجراءات السفر تجهز بسرعة، وأطياف سعيدة جداً لسعادتي. وأنا سعيد جداً بأننا خلصنا من كل المشاكل وبدأنا نفوق ونجح سوياً. سافرنا وقضينا أسبوعاً لا مثيل له. وقبل أن أنزل شغلي الذي كان بعد وصولي بعشرة أيام، صحوت دخلت الحمام بالليل.
صحت أطياف من نومها ووجدت وائل ليس بجانبها. قامت لتبحث عنه أين هو؟ كان غير موجود في البيت كله. قررت أن تدخل الحمام وتخرج تتصل به. وأول ما فتحت باب الحمام رأت ما كان مستحيلاً أن تتخيله. كان وائل متعلقاً في سقف الحمام ومحاوطاً بشمع كثير في السقف مقلوب والشعلات بتاعته نازلة في اتجاه الأرض. كان يتألم والمنظر مرعب. لسه أطياف ستصرخ، فجأة سمعت صوتاً يقول لها: "أهلاً يا سراء، مرحباً بعودتك لزوجك الأبدي."
صرخت أطياف وتحول المكان إلى الكهف الذي كان فيه الفرح. وائل لا يزال متعلقاً في السقف وأطياف تصرخ وقذاف يضحك. وهنا ظهرت ميرال تبتسم. أطياف رأتها صرخت باسمها: "ميرال... الحقيني، أنا أطياف التي ركبت معكِ... قاطعتها ابتسامة ميرال التي قربت من قذاف بشكله المرعب وقعدت على ركبتها أمامه راكعة تردد: "لك القوة والسلطان يا شيطاني العظيم... لك الترانيم الأربعة وملك لك روح القربان المقدمة...
أطياف وقعت من طولها. وفجأة اختفى قذاف. وبعد وقت فتحت عينيها ووجدت نفسها في سرير غريب. صرخت لكن ظهرت أنا أمامها. قالت بقلق وخوف: "وائل، إحنا فين؟ كنت سأموت عليك." ابتسمت وتحولت عيني إلى عينيه هو وسمعت نفسي أقول لها: "سراء، لن تستطيعي الهرب من زوجك الأبدي." "لن ننتهي أبداً... تطلبوننا ولن تتخلصوا مني سوى برغبتنا فقط... من اليوم أنتِ وهو ملك لي، ولن أترككم أبداً."
هذا كلام أسمعه بأذني لكن أحس أنه صدى صوت، ليس خارجاً من داخلي لكن شفتاي تتحركان. من اليوم هذا وأنا أعيش كأني روبوت. أفعل ما هو يريدني أن أفعله فقط. سراء أصبحت ملكاً له. أطياف لم يعد لها وجود. أصبحت خيالاً يعرف به كل الدنيا أن أطياف تعيش سعيدة. سيطرته عليها وعلى تفكيرها وعلى عقلها جعلها تراه فيّ. اقتنعت أطياف أن زوجها هو أنا...
وائل. لكن الحقيقة، أطياف لم تعد سوى الروح التي سيطر عليها بأذاه والشر الذي فيه. لم تعد سوى سراء. أما أنا، فبقيت المكان الذي يسكنه وقت ما يحب أن يكون في هيئة البشر. وجدت نفسي لا أستطيع التخلص من سجنه، لا أستطيع التخلص من لعنته. وفي الوقت الذي يهرب مني إلى عالمه مع سراء، أستطيع أن أهرب أنا من سيطرته عليّ بالكتابة. نعم، أنا أكتب الآن لكي تعرفوا حكايتي وأجد من يساعدني. أنا كنت أتمنى أن أساعدها، لكن أنا أصبحت سجيناً لعاشقها، أصبحت سجيناً ولا أعرف أن أساعدها ولا حتى أساعد نفسي. وهي أصبحت تعيش مغيبة ولا تعرف من الذي تكون معه.
عرفتم حكايتي... الحقوني... أنقذوني... خلصوني... لا لا خلصونا منهم، لا نعرف أن نرجع ولا نعرف أن نهرب... نحن مسجونون في جحيمهم. ساعدوني أن أقترب من الذي سيجعلني أحاربهم... أنا مقيد ومتكتف، ولن أستطيع أن أفعل أي شيء يؤذيها... وسينتهي حياتي من دون أن نهزمهم... خلصوني وساعدوووونا... أنتظركم.
هذه كانت آخر رسالة أرسلتها لأسكندرية. لا أعرف كيف ولا متى، لكن هذا ما استطعت فعله في وقت هو حررني من سيطرته عليّ لأنه ذهب إلى عالمه. ذهب بزوجتي، ذهب بأطياف. ووصلت رسالتي المكتوبة لمروان الذي برغم صعوبة كل شيء...
استطاع أن يحضر الشيخة من جديد. وعلى أثري وأثر أطياف التي في بيتنا بالإسكندرية، استطاعت أن تساعدنا. استطاعت أن تحرقه، استطاعت أن تحرق ميرال. وهذه المرة احترقا وهما في عالمهما. وهزيمتهم في عالمهم أصعب بكثير من هزيمتهم في عالمنا، لأن هناك أبعد مكان يتوقعون فيه الهزيمة ووصول البشر. لكن هي كانت قادرة بمساعدة ربنا لها أن تصل لمكانهم وتحرقهم.
رجعت لي أطياف وهربنا. لا أعرف هل هربنا من دبي، أم هربنا من المكان الذي كنا محبوسين فيه. لكن كل ما أعرفه الآن هو أننا في بيتنا ونغلق علينا كل الأبواب ونخاف من كل الناس. وهم لا يزالون لم يظهروا من جديد. تتوقعون ممكن يظهروا مرة أخرى في حياتنا؟ نحن خائفون.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!