في إحدى القرى في الصعيد الجواني، نزلت فتاة من على درج إحدى السرايات الكبرى والدموع تنهمر من عينيها وعلامات الحزن ظاهرة على وجهها. نزلت على مهل وهي غير مبالية بأي شيء، وكأن عقلها لا يمكن أن يصدق ما حصل، مغيبة عن الواقع الذي تعيشه.
لقد فقدت والدها ووالدتها وأخواتها الاثنتين في حادث سير فجأة بدون سابق إنذار. لقد رحل عن عالمها كل من كان فيه. لقد كانت تعيش في أسرة سعيدة، هي إحدى بنات هذه الأسرة، البنت الصغرى لهذه الأسرة. إنها أزهار، بنت مليئة بالحيوية والنشاط والبهجة والسرور، كل من كان يراها يشعر بحسن جمالها وحسن روحها.
فتاة سعيدة إلى أقصى الحدود، خريجة كلية الترجمة واللغات. بالرغم من أنهما بالصعيد، ولكن أصر والدهن على تعليمهن إلى آخر مراحل. فقد أصر على توصيلهن جميعًا لبر الأمان، رغم أنه كان يترك لهن ما يؤمن حياتهن من ثروة طائلة، ولكنه فضل العلم عن المال وأصر على تعليمهن، رغم اعتراض الجميع من حوله لكونهن بنات وهذا مخالف للعادات والتقاليد البلدة. وأيضاً كانت كلياتهن في أماكن بعيدة عن البلدة، ولكن رمى بكلامهم عرض الحائط وأصر على تعليمهن.
وبالفعل البنات لم تخذله ووصلن لأعلى المراحل العلمية، وكان متبقي منهن أزهار فهي أصغرهن، وكان حفل تخرجها يوم انقلاب الحال. جمع الأب بناته الاثنتين وزوجته ليذهبا لحفل تخرج أزهار ابنتهن الصغرى، ولكن كان للقدر رأي آخر، فقد انقلبت بهن السيارة وانتقلوا إلى رحاب الله جميعًا، وفقدت أزهار في لحظة جميع أفراد أسرتها. نزلت أزهار الدرج وهي تنظر حولها وقد تحجرت الدموع، وكأنها تآبى السقوط لعدم تصديق ما يحدث.
اقتربت منها سيدة تبلغ من العمر الخمسين عامًا، ومالت عليها وقالت لها بلغة حادة: "إيه عاد مالك متخاشية مكانك كيف التمثال أكده يا زهار يا بنيتي؟ اجعدي أهنه خدي العزا وسط الحريم، الناس أكلت وشنا عاد، انتي ماعدتيش صغيرة على الدلع البنت ده." انتبهت أزهار لصوت السيدة وكأنها تعيدها من دوامة الذكريات. التفت لها أزهار وقالت بصوت يكاد معدوم: "حاضر يا عمتي، حقعد أهو."
ثم ذهبت تجلس وسط المعزين، وكأنها مغيبة عن عالمهم، تهز رأسها لكل من يواسيها، وكأنها فقدت النطق. سرحت أزهار بخيالها وهي تنظر لكل أرجاء المنزل، وتتذكر كيف كانت الفرحة تغمر أرجاء المنزل. تذكرت صوت والدتها وهي تصيح بصوت عالٍ: "يلا يا بنات كل واحدة تقوم تعمل حاجة، قسموا شغل البيت عليكم علشان نخلص وتلحقوا تروحوا كلياتكم." تقول عبير مستأذنة من كلام والدتها: "ماما انهارده شغل المطبخ على أزهار، أنا مليش دعوة بيه."
ترفع أزهار حاجبيها وتقول بتأفف وهي تضع يدها على خصرها: "يوووه بقى، هو مافيش غير أزهار في البيت ده؟ لأ بقى أنا مش عاوزة أعمل المطبخ بقى." تدخلت ريحان، أختهم الكبرى، تقول في عجالة: "إيه ده يا بنات، أنتم لسة ملبستوش؟ " ثم التفتت إلى أزهار وتقول بغضب: "أزهار، انتي ناسيه إن وراكي سفر؟ كل ده لسة ملبستيش عاد؟ أباي عليكي لازما تتأخري أكده من أول يوم." تبتسم أزهار وتقول بصوت عالٍ: "أيوة بقى، هو ده كلام؟
انتي يا بت بت حلال مصفي جيتي في وقتك." تضحك الأم على طريقتها الطفولية: "والله ما أنا عارفة اللي عاجبك في الكلية البعيدة دي، ما كنتي دخلتي كلية قريبة كيف أخواتك وخلصنا. ماشي يا أزهار، اهربي اهربي من شغل المطبخ عاد." جرت أزهار تحتضنها وتقول لها بمرح: "حلويتك يا زوزو، انتي الخير والبركة، سلام بقى يا قمر."
تعود أزهار من ذكرياتها، وقد أعلنت دموعها الاحتجاج عليها وبدأت تنهمر بشدة، فقد تملك الحزن أقصاه واخترق صمام القلب ومزقه. تنظر لها عمتها بتوعد، ثم ترفع حاجبيها باستياء من حال أزهار التي من وجهة نظرها مبالغ فيها، وكأن من فقد ليس من دمها، ولكن أحيانًا الطمع يعمي القلوب.
انتهت مراسم العزاء ورحل الجميع، وبقيت أزهار وحيدة تجلس وهي تنظر حولها. الفراغ والصمت الذي يعم المكان، ولكنها قامت منتفضة على صوت عمتها يرج أرجاء المكان وهي تنادي باسمها، ولكن بصوت حاد ممزوج بغضب: "أزهار! أزهاااار! وبعدهالك عاد، أطرشتي أياك؟ مسمعنيش ولا معيزاش تردي عليا؟ هو ده الأدب اللي علمهولك أخوي؟ قامت أزهار واقفة وقد تبدلت ملامحها إلى غضب، وأجابت عليها بنفس الحدة: "خير يا عمه، في إيه؟ صوتك عالي كده ليه؟
إيه الموضوع اللي مستعجل قوي كده مخليكي بتنادي عليا بصوت عالي كده؟ ولو سمحتي بلاش سيرة بابا." تنهدت العمة وقالت وهي تنظر لها بتتمعن، وكأنها تدرس معالم وجهها وتحاول جاهدة أن تستشف رد فعلها. قالت وهي ترفع حاجبيها باستياء: "هكون عاوزة منك إيه يا بنت أخوي؟ كل خير، بس مش إني اللي ريداكي، اللي رايدك كل كبرات العيلة ومتجمعين في المندرة مستنين طالتك عليهم عاد." رفعت أزهار وجهها باستغراب وقالت بتعجب: "عاوزني أنا ليه؟ خير؟
عاوزين مني إيه؟ حتى العزا لسه مخلصش؟ تنهدت العمة وقالت بنفاذ صبر: "أباي عاد! هو انتي لازم تكتري في الكلام وخلاص؟ ما تفزي تروحي تشوفي، هم رايدين إيه؟ واعدلي الطرحة اللي على راسك أمليح." نظرت لها أزهار نظرة غضب وقالت بصوت ممزوج بالغضب: "هو في إيه يا عمتي؟ منا لازم أسأل، هما عاوزيني ليه؟ ناس عمرهم ما سألوا فينا، ده حتى ميعرفوش يفرقوا بيني وبين أخواتي الله يرحمهم. دلوقتي عاوزني؟
يبقي لازم أتعجب وأسأل، ولا انتي ليكي رأي تاني؟ بس عمتا خير، أنا هروح أشوف عاوزين مني إيه واللي فكرهم بيا." ذهب أزهار وبداخلها مليون سؤال وسؤال. دخلت المندرة على استحياء، ولكنها وقفت مزهولة من كمية الرجال الموجودين، وكأنهم داخلين حرب. ابتلعت ريقها بصوت مسموع وقالت بصوت مهزوز من الرهبة: "السلام عليكم." انتبه الجميع لدخولها وساد صمت عارم في المكان. ثم تحدث رجل يقرب إلى
الثمانين وقال بصوت واهن: "اتفضلي اجعدي يا بنيتي أهنه في ريحي." ابتسمت له أزهار نصف ابتسامة وقلبها يكاد يقف من كثرة الرجف، وذهبت لتجلس بجواره، وأعين الكل عليهم وكأنهم تحولوا فجأة إلى تماثيل لا حياة ولا روح. نظر لها المسن وقال بتمهل: "دلوق يا زهار يا بنيتي، جعدتك لحالك أكده مش مليلحة، ميصحش عندنا بنته تجعد لحالها أكده." تنهدت أزهار وأدمعت
عينيها وقالت بحزن واضح: "أمر الله يا جدي، ومحدش بايده حاجة. ربنا رايد أن أكون لوحدي، مافيش في إيدي حاجة غير أني أترحم على اللي راحوا، والحمد لله أبويا سابني مستورة مش احتاج لحد." رفع الجد حاجبيه وقال: "الستر يا بنيتي مش كله فلوس، انتي بنته وصغيرة وحلوة، يعني الكل طمعان فيكي، فلازمنا تتستري علشان الكل يصرف نظر عنك." بدأت أزهار تفهم مغزى كلامه، رفعت حاجبيها وقالت بغباء مصطنع: "وإيه الستر من وجه نظرك يا جدي؟ مش فاهمة."
قطع الجد كلامها وقال بصيغة الأمر: "إنك تتجوزي، وعريسك قاعد أهنه، وكتب الكتاب بكرة عشية، يكتب عليكي، سكتي ونفضها سيرة، وتبجي في كنف راجل مسؤولة منه ونخلص." قامت أزهار واقفة وقالت بصوت حاد: "مين قال إن عاوزة أتـجوز؟ أنا قدمت في الكلية وهشتغل معيدة خلاص، وهنقل أعيش في مصر." هبد الجد العصا من يده، وقعت وأصدرت صوت عالي، ثم قال بصوت جهر: "ومين قال إن باخد رأيك عاد؟ أنا بس ببلغك إن كتب كتابك على إسماعيل ود عمك بكرة عشية."
شهقت أزهار فور سماع اسم العريس وقالت: "مين بتقول مين العريس؟ إسماعيل متجوز اتنين وأكبر مني بخمسطاشر سنة، غير كده مش بيفك الخط، إزاي هتجوزه؟ غير أن عنده سبع عيال." قال الجد بتهكم: "استغفري، انتي بتعترضي على شرع الله؟
ربنا حلل له أربعة وانتي تلاته، يعني لسه له واحدة كمان. غير كده الراجل ميعيبوش غير جيبه، وإسماعيل مقتدر، لكن السن ده ملكيش صالح بيه، وموضوع العلام ده ود عمك وانتي أولى بيه وهو أولى بيكي. خلصت على كده. أشوفك بكرة في كتب كتاب، اتفضلي عاد على بيتك وما أشوفكيش برا دوارك أو المح طرفك برا الدوار."
نزلت دموع أزهار دون إرادة منها، والتفتت حولها تستنجد بال جالسين، ولكنهم ظلوا صامتين كالتماثيل بدون روح. شعرت أزهار أنها قد خسرت المعركة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!