الفصل 2 | من 20 فصل

رواية أزهار الفصل الثاني 2 - بقلم نرمين قدري

المشاهدات
24
كلمة
1,456
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 10%
حجم الخط: 18

عادت أزهار إلى منزلها منكسرة، وشعرت بطعم اليتم، وأن ما فقدته غالٍ حقًا. لقد كان والدها الدرع الحامي لها. دخلت أزهار غرفتها وأغلقت على نفسها. جلست تحتضن صور عائلتها وانهارت في البكاء. ولكنها رفعت رأسها فجأة، وكأن نورًا قد أضاء لها نافذة جديدة في عتمة الليل العميق. فكرة أنارت لها، جعلت عينيها تلمعان.

بدأت أزهار تستعيد نفسها وتسيطر على دموعها. وقامت واقفة، وكأنها تعلن العصيان على حالها، وتعزم على عدم الاستسلام للأمر الواقع. فهي قوية بما يكفي، وقد تذكرت كلام والدها عن الاعتماد على النفس. قال لها والدها ذات مرة، وهي في لحظات اليأس: "كفاكِ. عادت أزهار من كليتها تبكي بسبب ظلم أحد الدكاترة لها، وعزمت على عدم إكمال دراستها. دخل والدها عليها وتركها تخرج كل ما بداخلها من غضب، ثم استدار لها:

"أزهار، أنا معرفش إنك ضعيفة قوي كده. وبتستسلمي بسرعة. فين أزهار اللي حاربت عشان تخش الكلية دي رغم بعدها عن البلد؟ فين أزهار اللي قعدت تحاول تقنع فيا أنا وأمك أسبوعين بحالهم عشان نوافق عشان تخشي الكلية؟ أزهار اللي مستسلمتش للأمر الواقع وصممت على رأيها؟ قالت أزهار بدموع: "بس يا بابا، هما بيفضلوا ولاد الدكاترة عننا. هما ليهم الأولوية في كل حاجة، وكأننا إحنا كمان مش طلاب زيهم، وكأننا شغالين عندهم."

ضحك الأب على طريقتها وقال: "إنتي خبرة زين يا بنيتي. إن اللي حداكي إنتي وإخواتك يشتري جامعة باللي فيها، وإن الشهادة مش هي اللي هتعيشك. إنتي عندك اللي يكفيكي وزيادة. بس أنا حبيت أسيب ليكي ولإخواتك سلاح أقوى من المال. العلم يا بنيتي هو اللي بيجيب المال، عشان كده لازم تحاربي عشان تاخدي شهادتك. هي دي طريق مفتاحك للحياة. إياكي، إياكي يا أزهار تستسلمي للأمر الواقع وتقولي ما باليد حيلة. لأ يا بنيتي، طول ما فينا نفس داخل

وخارج، بيبقى بإيدنا كل الحيل ونقدر نعمل كل شيء إحنا عايزينه. طول ما فينا عقل يفكر، دايماً خلي عقلك مفتاحك، هو اللي بيحركك. والمال ده عامل مساعد بيسند بس، لكن مش هو الوسيلة. إياكي تعملي حاجة مش راضية عنها أو غصب عنكِ، حتعيشي العمر كله في قهر على نفسك. أوعي يا بنيتي تغصبي نفسك على شيء أو ترضي بالأمر الواقع. إنتي أقوى من كده."

رنت كلمات والدها في أذنيها، وكأنها جرس إنذار ينبهها لما هو قادم. عزمت أزهار على عدم الاستسلام. أحضرت حقيبة وجمعت فيها القليل من الملابس كي لا تعوقها عن الحركة. حاولت انتقاء الملابس الغالية التي قامت بشرائها.

أدخلت حجرة والدها لتحضر بعض الأموال، فقد كان والدها دائم الاحتفاظ بجزء من المال في دولاب ملابسه. ولكنها فوجئت أن النقود التي بالدولاب قليلة، وأن بالتأكيد والدها سحب منهم يوم الحادث. والوقت لا يسعفها أن تنتظر للصباح لكي تحصل على نقود. غير أن الحساب في البنك بالتأكيد توقف لحين الانتهاء من إعلان الوراثة واستخراج شهادة الوفاة. تنهدت أزهار وأخذت ما تبقى من النقود، وحسمت

الأمر وقالت في نفسها: "هشتغل وهجيب فلوس، بس الأهم من كل ده هروح فين؟ مقدرش أنزل على مصر ولا على كليتي، عشان يعرفوا كده يوصلوا ليا." تنهدت بحزن وقالت في نفسها: "ياربي، حتى إني اشتغل معيدة في الكلية كمان. الحلم ده راح مني. أنا كنت بحلم طول عمري أن أكون كده. يا الله، حسبي الله ونعم الوكيل."

مسحت دموعها التي نزلت دون إرادة، وعزمت الأمر على السفر إلى الإسكندرية. وكانت هذه أول مرة تنزل فيها هذه المدينة، فهي تعرف القاهرة بكل ضواحيها، ولكن الإسكندرية فكانت لها المرة الأولى التي تسافر لها.

جمعت حقيبتها الصغيرة وأخذت جميع الذهب اللي في المنزل، فهي لا تعلم أين ومتى ستعود مرة أخرى، ومن الاحتمال لا تقدر أن تعود مرة أخرى. فهي الآن في حكم الميتة بالنسبة لهم. هذا عرف وعادات وتقاليد المجتمع التي نشأت فيه. الفتاة التي تخرج عن صمتها وتعترض، ترفض الأمر الواقع وتتركهم، فهي في حكم الميتة.

رمت أزهار بعادتهم عرض الحائط، وهي تعلم جيدًا أنها حتماً أن تكون قوية، فهي تعلم أن الحياة تميت الضعيف قهراً. وقبل بزوغ الفجر، استقلت أول قطار متجه نحو الإسكندرية، وهي لا تعلم ما ينتظرها. وكان الخوف من المجهول بدأ يهزها من الداخل. احتضنت أزهار نفسها وغمضت عينها، لعل النوم يداعبها، فالطريق طويل وهي محتاجة لقسط كبير من الراحة، فهي لا تعلم متى ولا أين ستناله.

ولكن دائماً تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. فقد استغرقت أزهار في سبات عميق من النوم، وقد غفلت عن أمتعتها. وكان الحياة تود أن تقسو وتقسو عليها بما يكفي. لقد وعدت بلص، لقد اختارها دون غيرها وسرق منها حقيبتها وغادر القطار مع أول محطة. ولكن الحظ حالفها، لم يكن في الحقيبة سوى النقود والذهب فقط. فهي وضعت أوراقها وشهادتها في حقيبة صغيرة داخل حقيبة ملابسها، حتى هاتفها ظل في يدها ولم ينتبه له اللص.

لا تعلم أزهار ما الوقت ولا المدة التي استغرقتها وهي نائمة، ولكنها فاقت على صوت صفير القطار يعلن عن وصوله لمدينة العشق والجمال. قامت أزهار تجمع حقيبتها وتبحث عن حقيبة يدها، ولكنها فوجئت أن حقيبتها ليست معها. بدأت الدنيا تدور من حولها، وكأنها تلقت صفعة قوية على وجهها. ظلت تبحث هنا وهناك، ولكن دون جدوى. بدأ شعور اليأس يتسلل بداخلها، ولا دموعها تعدد بالانهيار. ولكنها تماسكت، فقد علمت وأيقنت أنها قد سُرقت.

جلست مكانها وكأنها تمثال بدون روح. ظلت تنظر للفراغ أمامها. فاقت على صوت السائق يبلغها بأن هنا آخر الخط وواجب عليها النزول. سحبت أزهار قدمها ونزلت ببطء شديد، وهي تعلم إلى أين تذهب، وهي لا تعرف أحد، وليس معها ما يكفيها.

نزلت أزهار من القطار تنظر حولها، فقد انتابتها قشعريرة وشعور غريب بالغربة. فغربة النفس أقوى من غربة المكان. خطت أولى خطواتها إلى المجهول، فهي لا تعلم أين ستقيم، ولا متى ستأكل، فهي الآن بلا مأوى ولا مأكل ولا مأمن. ظلت أزهار تتجول في شوارع المدينة وسحرها جمال البحر. وقفت أمامه وكأنها تلقي جميع همومها داخله. وقت أزهار تنظر للبحر بتأمل، وانسابت دموعها. وكان في داخلها بركان ولا يشعر به أحد.

ظلت تبكي وتبكي، حتى أنهكت من كثرة البكاء.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...