تحميل رواية «أزهار» PDF
بقلم نرمين قدري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في إحدى القرى في الصعيد الجواني، نزلت فتاة من على درج إحدى السرايات الكبرى والدموع تنهمر من عينيها وعلامات الحزن ظاهرة على وجهها. نزلت على مهل وهي غير مبالية بأي شيء، وكأن عقلها لا يمكن أن يصدق ما حصل، مغيبة عن الواقع الذي تعيشه. لقد فقدت والدها ووالدتها وأخواتها الاثنتين في حادث سير فجأة بدون سابق إنذار. لقد رحل عن عالمها كل من كان فيه. لقد كانت تعيش في أسرة سعيدة، هي إحدى بنات هذه الأسرة، البنت الصغرى لهذه الأسرة. إنها ، بنت مليئة بالحيوية والنشاط والبهجة والسرور، كل من كان يراها يشعر بحسن جما...
رواية أزهار الفصل الأول 1 - بقلم نرمين قدري
في إحدى القرى في الصعيد الجواني، نزلت فتاة من على درج إحدى السرايات الكبرى والدموع تنهمر من عينيها وعلامات الحزن ظاهرة على وجهها. نزلت على مهل وهي غير مبالية بأي شيء، وكأن عقلها لا يمكن أن يصدق ما حصل، مغيبة عن الواقع الذي تعيشه.
لقد فقدت والدها ووالدتها وأخواتها الاثنتين في حادث سير فجأة بدون سابق إنذار. لقد رحل عن عالمها كل من كان فيه. لقد كانت تعيش في أسرة سعيدة، هي إحدى بنات هذه الأسرة، البنت الصغرى لهذه الأسرة. إنها أزهار، بنت مليئة بالحيوية والنشاط والبهجة والسرور، كل من كان يراها يشعر بحسن جمالها وحسن روحها.
فتاة سعيدة إلى أقصى الحدود، خريجة كلية الترجمة واللغات. بالرغم من أنهما بالصعيد، ولكن أصر والدهن على تعليمهن إلى آخر مراحل. فقد أصر على توصيلهن جميعًا لبر الأمان، رغم أنه كان يترك لهن ما يؤمن حياتهن من ثروة طائلة، ولكنه فضل العلم عن المال وأصر على تعليمهن، رغم اعتراض الجميع من حوله لكونهن بنات وهذا مخالف للعادات والتقاليد البلدة. وأيضاً كانت كلياتهن في أماكن بعيدة عن البلدة، ولكن رمى بكلامهم عرض الحائط وأصر على تعليمهن.
وبالفعل البنات لم تخذله ووصلن لأعلى المراحل العلمية، وكان متبقي منهن أزهار فهي أصغرهن، وكان حفل تخرجها يوم انقلاب الحال.
جمع الأب بناته الاثنتين وزوجته ليذهبا لحفل تخرج أزهار ابنتهن الصغرى، ولكن كان للقدر رأي آخر، فقد انقلبت بهن السيارة وانتقلوا إلى رحاب الله جميعًا، وفقدت أزهار في لحظة جميع أفراد أسرتها.
نزلت أزهار الدرج وهي تنظر حولها وقد تحجرت الدموع، وكأنها تآبى السقوط لعدم تصديق ما يحدث.
اقتربت منها سيدة تبلغ من العمر الخمسين عامًا، ومالت عليها وقالت لها بلغة حادة: "إيه عاد مالك متخاشية مكانك كيف التمثال أكده يا زهار يا بنيتي؟ اجعدي أهنه خدي العزا وسط الحريم، الناس أكلت وشنا عاد، انتي ماعدتيش صغيرة على الدلع البنت ده."
انتبهت أزهار لصوت السيدة وكأنها تعيدها من دوامة الذكريات.
التفت لها أزهار وقالت بصوت يكاد معدوم: "حاضر يا عمتي، حقعد أهو."
ثم ذهبت تجلس وسط المعزين، وكأنها مغيبة عن عالمهم، تهز رأسها لكل من يواسيها، وكأنها فقدت النطق.
سرحت أزهار بخيالها وهي تنظر لكل أرجاء المنزل، وتتذكر كيف كانت الفرحة تغمر أرجاء المنزل.
تذكرت صوت والدتها وهي تصيح بصوت عالٍ: "يلا يا بنات كل واحدة تقوم تعمل حاجة، قسموا شغل البيت عليكم علشان نخلص وتلحقوا تروحوا كلياتكم."
تقول عبير مستأذنة من كلام والدتها: "ماما انهارده شغل المطبخ على أزهار، أنا مليش دعوة بيه."
ترفع أزهار حاجبيها وتقول بتأفف وهي تضع يدها على خصرها: "يوووه بقى، هو مافيش غير أزهار في البيت ده؟ لأ بقى أنا مش عاوزة أعمل المطبخ بقى."
تدخلت ريحان، أختهم الكبرى، تقول في عجالة: "إيه ده يا بنات، أنتم لسة ملبستوش؟" ثم التفتت إلى أزهار وتقول بغضب: "أزهار، انتي ناسيه إن وراكي سفر؟ كل ده لسة ملبستيش عاد؟ أباي عليكي لازما تتأخري أكده من أول يوم."
تبتسم أزهار وتقول بصوت عالٍ: "أيوة بقى، هو ده كلام؟ انتي يا بت بت حلال مصفي جيتي في وقتك."
تضحك الأم على طريقتها الطفولية: "والله ما أنا عارفة اللي عاجبك في الكلية البعيدة دي، ما كنتي دخلتي كلية قريبة كيف أخواتك وخلصنا. ماشي يا أزهار، اهربي اهربي من شغل المطبخ عاد."
جرت أزهار تحتضنها وتقول لها بمرح: "حلويتك يا زوزو، انتي الخير والبركة، سلام بقى يا قمر."
تعود أزهار من ذكرياتها، وقد أعلنت دموعها الاحتجاج عليها وبدأت تنهمر بشدة، فقد تملك الحزن أقصاه واخترق صمام القلب ومزقه.
تنظر لها عمتها بتوعد، ثم ترفع حاجبيها باستياء من حال أزهار التي من وجهة نظرها مبالغ فيها، وكأن من فقد ليس من دمها، ولكن أحيانًا الطمع يعمي القلوب.
انتهت مراسم العزاء ورحل الجميع، وبقيت أزهار وحيدة تجلس وهي تنظر حولها. الفراغ والصمت الذي يعم المكان، ولكنها قامت منتفضة على صوت عمتها يرج أرجاء المكان وهي تنادي باسمها، ولكن بصوت حاد ممزوج بغضب: "أزهار! أزهاااار! وبعدهالك عاد، أطرشتي أياك؟ مسمعنيش ولا معيزاش تردي عليا؟ هو ده الأدب اللي علمهولك أخوي؟"
قامت أزهار واقفة وقد تبدلت ملامحها إلى غضب، وأجابت عليها بنفس الحدة: "خير يا عمه، في إيه؟ صوتك عالي كده ليه؟ إيه الموضوع اللي مستعجل قوي كده مخليكي بتنادي عليا بصوت عالي كده؟ ولو سمحتي بلاش سيرة بابا."
تنهدت العمة وقالت وهي تنظر لها بتتمعن، وكأنها تدرس معالم وجهها وتحاول جاهدة أن تستشف رد فعلها. قالت وهي ترفع حاجبيها باستياء: "هكون عاوزة منك إيه يا بنت أخوي؟ كل خير، بس مش إني اللي ريداكي، اللي رايدك كل كبرات العيلة ومتجمعين في المندرة مستنين طالتك عليهم عاد."
رفعت أزهار وجهها باستغراب وقالت بتعجب: "عاوزني أنا ليه؟ خير؟ عاوزين مني إيه؟ حتى العزا لسه مخلصش؟"
تنهدت العمة وقالت بنفاذ صبر: "أباي عاد! هو انتي لازم تكتري في الكلام وخلاص؟ ما تفزي تروحي تشوفي، هم رايدين إيه؟ واعدلي الطرحة اللي على راسك أمليح."
نظرت لها أزهار نظرة غضب وقالت بصوت ممزوج بالغضب: "هو في إيه يا عمتي؟ منا لازم أسأل، هما عاوزيني ليه؟ ناس عمرهم ما سألوا فينا، ده حتى ميعرفوش يفرقوا بيني وبين أخواتي الله يرحمهم. دلوقتي عاوزني؟ يبقي لازم أتعجب وأسأل، ولا انتي ليكي رأي تاني؟ بس عمتا خير، أنا هروح أشوف عاوزين مني إيه واللي فكرهم بيا."
ذهب أزهار وبداخلها مليون سؤال وسؤال. دخلت المندرة على استحياء، ولكنها وقفت مزهولة من كمية الرجال الموجودين، وكأنهم داخلين حرب. ابتلعت ريقها بصوت مسموع وقالت بصوت مهزوز من الرهبة: "السلام عليكم."
انتبه الجميع لدخولها وساد صمت عارم في المكان. ثم تحدث رجل يقرب إلى الثمانين وقال بصوت واهن: "اتفضلي اجعدي يا بنيتي أهنه في ريحي."
ابتسمت له أزهار نصف ابتسامة وقلبها يكاد يقف من كثرة الرجف، وذهبت لتجلس بجواره، وأعين الكل عليهم وكأنهم تحولوا فجأة إلى تماثيل لا حياة ولا روح.
نظر لها المسن وقال بتمهل: "دلوق يا زهار يا بنيتي، جعدتك لحالك أكده مش مليلحة، ميصحش عندنا بنته تجعد لحالها أكده."
تنهدت أزهار وأدمعت عينيها وقالت بحزن واضح: "أمر الله يا جدي، ومحدش بايده حاجة. ربنا رايد أن أكون لوحدي، مافيش في إيدي حاجة غير أني أترحم على اللي راحوا، والحمد لله أبويا سابني مستورة مش احتاج لحد."
رفع الجد حاجبيه وقال: "الستر يا بنيتي مش كله فلوس، انتي بنته وصغيرة وحلوة، يعني الكل طمعان فيكي، فلازمنا تتستري علشان الكل يصرف نظر عنك."
بدأت أزهار تفهم مغزى كلامه، رفعت حاجبيها وقالت بغباء مصطنع: "وإيه الستر من وجه نظرك يا جدي؟ مش فاهمة."
قطع الجد كلامها وقال بصيغة الأمر: "إنك تتجوزي، وعريسك قاعد أهنه، وكتب الكتاب بكرة عشية، يكتب عليكي، سكتي ونفضها سيرة، وتبجي في كنف راجل مسؤولة منه ونخلص."
قامت أزهار واقفة وقالت بصوت حاد: "مين قال إن عاوزة أتـجوز؟ أنا قدمت في الكلية وهشتغل معيدة خلاص، وهنقل أعيش في مصر."
هبد الجد العصا من يده، وقعت وأصدرت صوت عالي، ثم قال بصوت جهر: "ومين قال إن باخد رأيك عاد؟ أنا بس ببلغك إن كتب كتابك على إسماعيل ود عمك بكرة عشية."
شهقت أزهار فور سماع اسم العريس وقالت: "مين بتقول مين العريس؟ إسماعيل متجوز اتنين وأكبر مني بخمسطاشر سنة، غير كده مش بيفك الخط، إزاي هتجوزه؟ غير أن عنده سبع عيال."
قال الجد بتهكم: "استغفري، انتي بتعترضي على شرع الله؟ ربنا حلل له أربعة وانتي تلاته، يعني لسه له واحدة كمان. غير كده الراجل ميعيبوش غير جيبه، وإسماعيل مقتدر، لكن السن ده ملكيش صالح بيه، وموضوع العلام ده ود عمك وانتي أولى بيه وهو أولى بيكي. خلصت على كده. أشوفك بكرة في كتب كتاب، اتفضلي عاد على بيتك وما أشوفكيش برا دوارك أو المح طرفك برا الدوار."
نزلت دموع أزهار دون إرادة منها، والتفتت حولها تستنجد بال جالسين، ولكنهم ظلوا صامتين كالتماثيل بدون روح. شعرت أزهار أنها قد خسرت المعركة.
رواية أزهار الفصل الثاني 2 - بقلم نرمين قدري
عادت أزهار إلى منزلها منكسرة، وشعرت بطعم اليتم، وأن ما فقدته غالٍ حقًا. لقد كان والدها الدرع الحامي لها.
دخلت أزهار غرفتها وأغلقت على نفسها. جلست تحتضن صور عائلتها وانهارت في البكاء. ولكنها رفعت رأسها فجأة، وكأن نورًا قد أضاء لها نافذة جديدة في عتمة الليل العميق. فكرة أنارت لها، جعلت عينيها تلمعان.
بدأت أزهار تستعيد نفسها وتسيطر على دموعها. وقامت واقفة، وكأنها تعلن العصيان على حالها، وتعزم على عدم الاستسلام للأمر الواقع. فهي قوية بما يكفي، وقد تذكرت كلام والدها عن الاعتماد على النفس.
قال لها والدها ذات مرة، وهي في لحظات اليأس: "كفاكِ. عادت أزهار من كليتها تبكي بسبب ظلم أحد الدكاترة لها، وعزمت على عدم إكمال دراستها. دخل والدها عليها وتركها تخرج كل ما بداخلها من غضب، ثم استدار لها:
"أزهار، أنا معرفش إنك ضعيفة قوي كده. وبتستسلمي بسرعة. فين أزهار اللي حاربت عشان تخش الكلية دي رغم بعدها عن البلد؟ فين أزهار اللي قعدت تحاول تقنع فيا أنا وأمك أسبوعين بحالهم عشان نوافق عشان تخشي الكلية؟ أزهار اللي مستسلمتش للأمر الواقع وصممت على رأيها؟"
قالت أزهار بدموع: "بس يا بابا، هما بيفضلوا ولاد الدكاترة عننا. هما ليهم الأولوية في كل حاجة، وكأننا إحنا كمان مش طلاب زيهم، وكأننا شغالين عندهم."
ضحك الأب على طريقتها وقال: "إنتي خبرة زين يا بنيتي. إن اللي حداكي إنتي وإخواتك يشتري جامعة باللي فيها، وإن الشهادة مش هي اللي هتعيشك. إنتي عندك اللي يكفيكي وزيادة. بس أنا حبيت أسيب ليكي ولإخواتك سلاح أقوى من المال. العلم يا بنيتي هو اللي بيجيب المال، عشان كده لازم تحاربي عشان تاخدي شهادتك. هي دي طريق مفتاحك للحياة. إياكي، إياكي يا أزهار تستسلمي للأمر الواقع وتقولي ما باليد حيلة. لأ يا بنيتي، طول ما فينا نفس داخل وخارج، بيبقى بإيدنا كل الحيل ونقدر نعمل كل شيء إحنا عايزينه. طول ما فينا عقل يفكر، دايماً خلي عقلك مفتاحك، هو اللي بيحركك. والمال ده عامل مساعد بيسند بس، لكن مش هو الوسيلة. إياكي تعملي حاجة مش راضية عنها أو غصب عنكِ، حتعيشي العمر كله في قهر على نفسك. أوعي يا بنيتي تغصبي نفسك على شيء أو ترضي بالأمر الواقع. إنتي أقوى من كده."
رنت كلمات والدها في أذنيها، وكأنها جرس إنذار ينبهها لما هو قادم. عزمت أزهار على عدم الاستسلام. أحضرت حقيبة وجمعت فيها القليل من الملابس كي لا تعوقها عن الحركة. حاولت انتقاء الملابس الغالية التي قامت بشرائها.
أدخلت حجرة والدها لتحضر بعض الأموال، فقد كان والدها دائم الاحتفاظ بجزء من المال في دولاب ملابسه. ولكنها فوجئت أن النقود التي بالدولاب قليلة، وأن بالتأكيد والدها سحب منهم يوم الحادث. والوقت لا يسعفها أن تنتظر للصباح لكي تحصل على نقود. غير أن الحساب في البنك بالتأكيد توقف لحين الانتهاء من إعلان الوراثة واستخراج شهادة الوفاة.
تنهدت أزهار وأخذت ما تبقى من النقود، وحسمت الأمر وقالت في نفسها: "هشتغل وهجيب فلوس، بس الأهم من كل ده هروح فين؟ مقدرش أنزل على مصر ولا على كليتي، عشان يعرفوا كده يوصلوا ليا."
تنهدت بحزن وقالت في نفسها: "ياربي، حتى إني اشتغل معيدة في الكلية كمان. الحلم ده راح مني. أنا كنت بحلم طول عمري أن أكون كده. يا الله، حسبي الله ونعم الوكيل."
مسحت دموعها التي نزلت دون إرادة، وعزمت الأمر على السفر إلى الإسكندرية. وكانت هذه أول مرة تنزل فيها هذه المدينة، فهي تعرف القاهرة بكل ضواحيها، ولكن الإسكندرية فكانت لها المرة الأولى التي تسافر لها.
جمعت حقيبتها الصغيرة وأخذت جميع الذهب اللي في المنزل، فهي لا تعلم أين ومتى ستعود مرة أخرى، ومن الاحتمال لا تقدر أن تعود مرة أخرى. فهي الآن في حكم الميتة بالنسبة لهم. هذا عرف وعادات وتقاليد المجتمع التي نشأت فيه. الفتاة التي تخرج عن صمتها وتعترض، ترفض الأمر الواقع وتتركهم، فهي في حكم الميتة.
رمت أزهار بعادتهم عرض الحائط، وهي تعلم جيدًا أنها حتماً أن تكون قوية، فهي تعلم أن الحياة تميت الضعيف قهراً. وقبل بزوغ الفجر، استقلت أول قطار متجه نحو الإسكندرية، وهي لا تعلم ما ينتظرها. وكان الخوف من المجهول بدأ يهزها من الداخل. احتضنت أزهار نفسها وغمضت عينها، لعل النوم يداعبها، فالطريق طويل وهي محتاجة لقسط كبير من الراحة، فهي لا تعلم متى ولا أين ستناله.
ولكن دائماً تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. فقد استغرقت أزهار في سبات عميق من النوم، وقد غفلت عن أمتعتها. وكان الحياة تود أن تقسو وتقسو عليها بما يكفي. لقد وعدت بلص، لقد اختارها دون غيرها وسرق منها حقيبتها وغادر القطار مع أول محطة. ولكن الحظ حالفها، لم يكن في الحقيبة سوى النقود والذهب فقط. فهي وضعت أوراقها وشهادتها في حقيبة صغيرة داخل حقيبة ملابسها، حتى هاتفها ظل في يدها ولم ينتبه له اللص.
لا تعلم أزهار ما الوقت ولا المدة التي استغرقتها وهي نائمة، ولكنها فاقت على صوت صفير القطار يعلن عن وصوله لمدينة العشق والجمال. قامت أزهار تجمع حقيبتها وتبحث عن حقيبة يدها، ولكنها فوجئت أن حقيبتها ليست معها. بدأت الدنيا تدور من حولها، وكأنها تلقت صفعة قوية على وجهها. ظلت تبحث هنا وهناك، ولكن دون جدوى. بدأ شعور اليأس يتسلل بداخلها، ولا دموعها تعدد بالانهيار. ولكنها تماسكت، فقد علمت وأيقنت أنها قد سُرقت.
جلست مكانها وكأنها تمثال بدون روح. ظلت تنظر للفراغ أمامها. فاقت على صوت السائق يبلغها بأن هنا آخر الخط وواجب عليها النزول. سحبت أزهار قدمها ونزلت ببطء شديد، وهي تعلم إلى أين تذهب، وهي لا تعرف أحد، وليس معها ما يكفيها.
نزلت أزهار من القطار تنظر حولها، فقد انتابتها قشعريرة وشعور غريب بالغربة. فغربة النفس أقوى من غربة المكان. خطت أولى خطواتها إلى المجهول، فهي لا تعلم أين ستقيم، ولا متى ستأكل، فهي الآن بلا مأوى ولا مأكل ولا مأمن.
ظلت أزهار تتجول في شوارع المدينة وسحرها جمال البحر. وقفت أمامه وكأنها تلقي جميع همومها داخله. وقت أزهار تنظر للبحر بتأمل، وانسابت دموعها. وكان في داخلها بركان ولا يشعر به أحد.
ظلت تبكي وتبكي، حتى أنهكت من كثرة البكاء.
رواية أزهار الفصل الثالث 3 - بقلم نرمين قدري
وعلى الجانب الآخر، في أحد مكاتب الترجمة والسياحة الكبرى، التي يمتد عملها لجميع الدول ويتعامل معها جميع الجنسيات، يجلس فريق عمل في اجتماع مغلق.
يقف رئيس مجلس الإدارة وهو في حالة لا يرثى لها بسبب اعتذار مترجم لهم عن العمل.
وقف ماجد وهو في قمة غضبه يقول:
لا دي مش طريقة شغل، دي رابع مرة بهاء يغيب ومن غير عذر. لو حتى اتصل يبلغنا، أنا جبت آخري. هو عارف مكانه مهم إزاي في المكتب وعارف إن المكتب مفتوح علشان سياح كتير عاوزين يخلصوا أوراق كتير ليهم تبع السفارة. بصراحة ده اسمه تهريج مش شغل.
ثم التفت ماجد فجأة نحو فتاة تجلس تسجل كل الملاحظات وقال لها بجدية:
هالة، عملتي إيه في إعلان طلب مدبرة للمكتب؟ وخذي بالك إنها كمان حتخلص شغل البيت عندي، وإنتي أكيد عارفة طلباتي وعارفة إن مينفعش نقبل أي واحدة علشان دي حتخش البيت عندي، وأكيد فاهميني.
أومأت هالة برأسها وقالت مؤكدة لكلامه:
حصل يا فندم، والإعلان نزل على كل مواقع التواصل. ومش كده بس، أنا كمان طبعته وعلقته في أماكن كتير. ومن امبارح التليفون مسكتش، وانهارده إن شاء الله أنا حددت لحضرتك ساعة علشان نشوف فيها كل المتقدمين وتختار حضرتك بنفسك واحدة من اللي اتقدموا تكون أنسب للشغل.
قال ماجد بجدية:
تمام، بس حددتي في الإعلان إنها لازم تبات في المكتب علشان زي ما إنتي عارفة إنها اللي حتفتح الصبح، غير إنها هي اللي حتحضر الفطور الصبح عندي.
ابتسمت هالة وقالت:
أكيد يا فندم، ده حصل. أنا عارفة طلب سعادتك.
ركز ماجد مع ابتسامتها وقال:
في إيه يا هالة؟ إيه سر الابتسامة الغريبة دي؟
قالت هالة ضاحكة:
أصل الإعلان نزل بطريقة جديدة تلفت نظر أي حد. إنت عارف أفكار الفنان اللي عندنا لؤي، بصراحة دماغه جبارة.
رفع ماجد حاجبيه بتستياء وقال:
آه، لؤي. قولتيلي لؤي اللي كاتب الإعلان. ربنا يستر ونلاقي واحدة تشتغل.
وعلى الجانب الآخر، جلست أزهار وعلى وجهها علامات الحيرة، لا تدري أين تذهب. جلست تفكر وشردت لدرجة أنها لم تشعر بهطول المطر عليها. وفجأة انتبهت أن ملابسها قد بلت بالكامل.
جرت مسرعة تبحث عن مكان تختبئ منه من المطر. وأثناء اختبائها، لفت نظرها إعلان معلق يبحث عن مدبرة مكتب ومدبرة منزل، ولكن طريقة الإعلان لفتت نظرها.
فكان مكتوب في بداية الإعلان بين قوسين:
(فطور وفوطة).
جذبتها الكلمتان فابتسمت، ولكن كان تحت الكلمتين إعلان: مطلوب مدبرة منزل ومدبرة مكتب بنفس البناية، ولا ندفع أجر، ولكن الشخص المناسب يحظى بإقامة جيدة.
تعجبت أزهار من طريقة كتابة الإعلان الساخرة، وأكدت أن كاتب الإعلان مفرط في التفاؤل وعنده حس فكاهي عالي. ولكن على أي حال، ما شأنها هي بحالته؟ كل ما يهمها في الأمر إيجاد غرفة لو لبضعة أيام وعمل حتى تختبئ فيه عن الأعين لحين ما تقرر خلالها هذه الأيام خطواتها المقبلة.
ظلت أزهار تنظر للإعلان وتقول في نفسها: إن مشكلتها الحالية تحتم عليها التفكير جدياً. رغم توقف المطر، لم تتحرك وظلت مكانها تحدق في الإعلان وكأنها تحفظه، وقالت بصوت يكاد مسموع:
يا ترى، واحدة في نفس ظروفي عندها رفاهية الاختيار؟ ما عنديش مكان أبِيت فيه ولا فلوس، ولسه واقفة بفكر. أقبل اشتغل مدبرة منزل ومكتب، يعني ببلدي كده خدامة وفراشة؟ أنا ما عنديش الرفاهية إني أقبل أو أرفض.
وجدت نفسها تمسك هاتفها وتطلب الرقم الموجود في الإعلان. وبالفعل تحدثت وأخذت موعدًا للذهاب للمقابلة.
أغلقت الهاتف وتنهدت بقلق وانزعاج وهي تنزل حقيبتها من على ظهرها. فالعاصفة كانت قوية والمطر بدأ في الانهيار مرة أخرى بغزارة والسماء ملبدة بالغيوم. تأملت أزهار نفسها لحظة، فلاحظت أنها ليست أقل تعاسة وبؤسًا من الجو المغيم. لم يعد يهمها أنها سوف تعمل مدبرة منزل أو خادمة، كل ما يهمها أنها تريد مأوى من العاصفة الباردة.
نظرت مرة أخيرة على الإعلان. ثم شعرت برعشة البرد القوية وشعرت أيضًا بالجوع وأصوات معدتها تعلن الاحتجاج عليها. فهي لم تأكل منذ علمها بوقوع الحادث الأليم، فقد أنهكت لدرجة عدم التحمل.
نظرت أزهار لساعات يدها ووجدت أن ما زال وقت على موعد مقابلتها للعمل. جلست على إحدى مقاعد الطريق فتأمل نفسها كم كانت غبية وجاهلة عندما لم تصدق أن العالم يعج بالقسوة وعدم الرحمة، وكيف استغل أهلها أقرب الناس إليها ظروفها وأنها وحيدة وطمع في ورثها الذي يعد ثروة كبيرة. ولكن سُمّ شيء إيجابي واحد نجم عن تلك الأحداث الأليمة السلبية، وهو أنها فتحت عينيها على حقائق الحياة وبدأت تشعر أن ليس كل الناس بنفس طيبتها. قد تعرضت لأذى وضرر حقيقي. ألمها تصرف عائلتها وشعورها باليتم إلى درجة كبيرة، ولكنها أحست أن المواقف علمتها درسًا قاسيًا لن تنساه.
تنهدت أزهار ونظرت لساعتها ووجدت أنه قد اقترب ميعاد مقابلتها للعمل. بدأت على الاستعداد.
وبالفعل، وصلت أزهار لمكان العمل. وجدت مكتبًا فخمًا كبيرًا ومكتوبًا عليه باللغة الإنجليزية التي تتقنها جيدا:
مكتب الإبهار للسياحة واللغات والترجمة وكتابة الرسائل العلمية بجميع اللغات.
دخلت مبهورة بالدقة العالية في التصميم. المكان. وجدت السكرتيرة تجلس أمام شاشة الكمبيوتر تنهي أعمالها.
قدمت لها نفسها وسبب حضورها. وطلبت منها السكرتيرة الانتظار.
جلست أزهار على إحدى المقاعد وقد أنهكها التعب. أجبرت على السير على قدميها تبحث عن مكان المكتب، فهي لا تحمل نقودًا كي تستقل أي وسيلة مواصلات.
انتظرت أزهار حوالي نصف ساعة إلا أن جاء موعد دخولها للقاء. ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان.
دخلت أزهار وجدت 3 أشخاص منتظرين في مكتب المقابلة: رجل وسيدتان. منهم سيدة تحمل قلمًا وورقة تسجل جميع ملاحظاتها، وسيدة أخرى على قدر كبير من الأناقة تحدق في المتقدمين بدقة وتنظر لهم نظرة طبقية.
أما الرجل، فكان دقيقًا في كل شيء في نظراته لها، وكأنه عيناه غير مصدقة أنها تنفع أن تكون مدبرة مكتب أو منزل. كان دقيقًا لدرجة أنه لاحظ نعومة يدها. فالعاملون في هذه المهنة يدهم لها شكل خاص، ولكن يدها كانت من الواضح ليس لها علاقة بالشغل من أصله. أظافرها منحوتة ونظيفة بطريقة منظمة. وجهها رغم الإجهاد الواضح عليه صافٍ.
ولكن استوقفه بريق الحزن الذي يطل من عينيها. ولكنه لاحظ أيضًا أن في نظرتها شموخ وليست نظرة خادمة أو نظرة واحدة عملت في مجال خدمة البيوت أو المكاتب. ابتسم في صمت وقد علم أن وراءها حكاية.
ظل يدقق فيها بتتمعن ولم يتفوه بكلمة، وترك السيدة التي معه هي التي تلقي عليها الأسئلة وهو فضل المراقبة في صمت.
ولكن فور تلقيها الأسئلة، حاولت جاهدة أن تجاوب عليها، ولكن غلبها الإجهاد ووقعت مغشي عليها أمامهم.
رواية أزهار الفصل الرابع 4 - بقلم نرمين قدري
وقفا الجميع من المفاجأة. جري عليها ماجد يحملها بين يديه مسرعًا، يحاول إفاقتها. شعر بخفقة غريبة في قلبه، ولكنه تعمد تجاهلها. بعد ما مر به، اتخذ قرارًا بأن يغلق باب قلبه للأبد.
وقفت السيدة الأنيقة تنظر باشمئزاز إلى الأزهار الملقاة على الأرض، وتقول بقرف:
"إيه القرف ده؟ مش قد الشغل بيقرفونا وبيتقدموا ليه؟ أنا زهقت، دي عاشر واحدة تتقدم النهاردة وكلهم مينفعوش."
نظر لها ماجد باستغراب وقال وهو يحاول أن يحمل أزهار:
"لارا، عندك كلمة حلوة قوليها، معندكيش ياريت تسكتي ولا تخرجي تشوفي وراكي إيه، وسبينا نعرف نفوق البت الغلبانة دي."
قالت لارا باستهازاء:
"جري إيه يا ميجو؟ أنت بتعلي صوتك عليا علشان حتة بت لا ليها أصل ولا فصل، جاية تشتغل عندنا فراشة؟ نادي على حد من الأمن يرميها بره المكتب واخلص. أنت عارف إيه وراها؟ يمكن تموت وندبس فيها."
ثم أظفرت صوتًا نافخًا مسموعًا وأكملت:
"يعني سايبة الدنيا دي كلها وجاية تموت عندنا؟ مش ناقصة الصراحة."
تجاهل ماجد كلامها وحمل أزهار وخرج بها من المكتب تحت أنظار جميع الموظفين، وصعد بها لأعلى حيث يقطن في نفس البناية التي يوجد بها المكتب.
صعد ماجد ودخل غرفة ووضع أزهار على إحدى السراير، وقام بالاتصال بطبيبه الخاص. وهو يتحدث مع الطبيب، استوقفته ثيابها وهاتفها الجوال، حتى حقيبة ملابسها الصغيرة، فجميعهم كانوا من أغلى الماركات. تعمد تجاهل كل ذلك لحين معرفة شخصيتها.
وصل الطبيب الذي أقر أنها عندها حالة ضعف عام نظرًا لإبقائها عدة أيام بدون طعام، وإجهاد شديد يوجب الراحة. وكتب لها على فيتامينات وراحلة.
حضر ماجد صينية طعام وكوب من الحليب، ووضعهما بجوار السرير، وتركها ونزل ليستكمل عمله.
لا تعلم أزهار ما مر عليها من وقت، ولكنها استيقظت على بكاء طفلة صغيرة. فتحت أزهار عينيها جاهدة، تحاول الإنصات للصوت جيدًا وتتأكد أن هناك من يبكي في إحدى الغرف.
قامت أزهار ولا تعلم أين هي ولا ماذا حدث. قامت تبحث عن مصدر الصوت، وفعلاً وجدت الصوت خلف باب إحدى الغرف.
فتحت أزهار الباب بحرص لتجد طفلة صغيرة في الخامسة من عمرها، وكأنها ملاك، جالسة في غرفة أشبه بغرف ديزني، غرفة وكأنها حلم، ممتلئة بكل أنواع الألعاب. انبهرت أزهار من جمال الغرفة وأناقة تصميمها، فكانت مصممة لأميرة من أميرات الروايات. ولكن فاقت على صوت البكاء.
جرت أزهار على الطفلة تحتضنها، تقول لها بحنان مبالغ فيه:
"ممكن أعرف الأميرة الحلوة بتعيط ليه؟ في حد عنده كل الجمال ده ويعيط؟"
نظرت لها الطفلة بعين دامعة وقالت:
"ماما، عاوزة ماما."
ابتسمت أزهار شبه ابتسامة وقالت:
"وفين مامتك؟"
أجهشت الطفلة في البكاء وقالت بصوت متقطع:
"ماما فوق عند ربنا من زمان، وأنا بخاف أقعد لوحدي، وكل ما أخاف أكلمها كأنها هنا. بابا قالي أعمل كده أول ما توحشني، أجري على أوضتها أكلمها."
انهارت أزهار في البكاء، وكان شريط الحادث يعاد مرة أخرى أمامها. احتضنت أزهار الفتاة وظلا يبكيان، إلى أن أخرجتها أزهار من حضنها وقالت لها وهي تبتسم:
"قوليلي الأول إنتي اسمك إيه؟ علشان نعرف بس نتكلم، بس أحب أعرفك الأول بنفسي. أنا اسمي أزهار، وممكن تقوليلي زوزو."
قالت الطفلة وهي تمسح دموعها بظهر يدها:
"وأنا اسمي رقية."
ابتسمت أزهار وقالت بحب:
"الله، اسمك حلو قوي. اسمحي لي أقولك ورقا."
هزت الفتاة رأسها بحب. حملتها أزهار وخرجت بها من الغرفة وهي تقول لها:
"إيه بقا يا ست روكا؟ مش جعانة؟ أصلًا أنا هموت من الجوع."
لمحت أزهار الصينية التي بجوار سريرها. ذهبت عليها وقالت:
"واكل أهو يا ستي، معرفش مين عمله، بس تعالي ناكل."
وضعت أزهار الفتاة على سرير وأحضرت الصينية وبدأت تأكل هي ورقيه. وأثناء انهمامهم في الأكل، سمعت أزهار صوت مفتاح وصوت الباب يغلق ويصدر صوت.
فور سماع الصوت، قامت رقية فرحة تجري اتجاه الباب وتقول بمرح:
"بابا جه!"
وهي تجري لتلقطها يدان مفتوحتان وكأنها في انتظارها، وتضمها اليدان لحضن كبير. احتضن ماجد رقية بحب وحنان كبير، وألقى عليها قبلة وابتسم لها، ثم أنزلها على الأرض وقال لها بحب:
"أظن ملاكي زمانه جاع، ربع ساعة وأحضرلك أحلى أكل."
هزت رقية رأسها نافية وقالت:
"لأ، أنا أكلت مع زوزو خلاص وشربت كمان اللبن."
نظر ماجد نظرة استغراب وهمس بصوت منخفض:
"زوزو مين؟ زو..."
ثم خبط على رأسه وكأنه تذكر شيئًا وجرى على الغرفة. وجدها تجلس بجوار صينية الطعام.
عندما رأته أزهار، قامت واقفة. ألقى عليها نظرة تفحصية، ثم وجه لها الكلام بأسلوب أمر وقال بجدية:
"من فضلك، بعد ما تخلصي أكل، حصليني على أوضة المكتب، هستناكي هناك."
قالت أزهار بلجلجة:
"أنا خلاصت أكل خلاص."
نظر ماجد للصينية وجدها كما هي ولا ينقص منها سوى بضعة طعام قليلة. أغمض عينيه وامتص غضبه داخله وقال بحده:
"لو سمحتي، اتفضلي كملي أكل علشان متوقعيش تاني. أنا مش فاتحها مستشفى، الدكتور قال اللي عندك ده بسبب ضعف عام وقلة أكل."
ثم قال بحده مبالغ فيها جعلتها تهتز من الداخل:
"اتفضلي يلا كلي، ومتقوميش غير والصينية فاضية، وقدامك بس عشر دقائق وتكوني عندي."
وتركها دون أن ينتظر منها ردًا.
شرت أزهار وقالت في نفسها:
"إيه الشئ ده؟ وماله بيشخط كده؟ ويطلع مين أصلًا علشان يزعق فيها كده؟ هو ميعرفش أنا أبقى مين؟"
ثم سكتت بره وقالت:
"لأ، ماهو مش لازم يعرف أنا مين. المفروض أنا أزهار الغلبانة اللي بدور على شغل وجاية أدور على شغل، وحياة أبوكي نزلي مناخيرك شوية وابلعي طريقته، أنا اللي محتاجة للشغل ده."
ظفرت نفسها بحزن. ليس لديها اختيار سوى أنها تتحمل طريقته. أكملت طعامها مسرعة، وقامت تحمل الصينية ولا تعلم أين تضعها. قامت تبحث عن المطبخ ووجدته، وضعت الصينية. ثم ذهبت تبحث عن غرفة المكتب، إلى أن وجدتها وسمعت صوته من الداخل يداعب رقية بحنان ويقول لها:
"عارفه يا روكا، ماما أكيد شافتك من فوق النهاردة، فرحانة أوي إنك أكلتي وشربتي لبن كله."
ابتسمت رقية وقالت بصوت طفولي:
"بصراحة يا بابي، زوزو السبب، هي اللي حيلتني علشان أشربه كله، وكمان قالتلي زيك إن ماما شيفاني وهتفرح."
طرقت أزهار على الباب تعلن عن وصولها.
أنزل ماجد رقية من على قدميه وقال بجدية:
"ادخل."
دخلت أزهار باستحياء. التفت ماجد نحو رقية وقال لها بحب:
"ممكن ملاكي الصغنن يروح يقعد في الأوضة بتاعته لحد ما أخلص مع زوزو."
رفعت أزهار عينيها اتجاهه فور سماع اسم الدلع الخاص بها، ولكنها أخفضتها مسرعة فور أن التقت بعينيه، واحمر وجهها.
حضنت رقية والدها وقالت له:
"ماشي يا بابي."
ثم التفتت إلى أزهار وقالت لها:
"ممكن يا زوزو بعد ما تخلصي مع بابي تيجي تحكيلي حدوتة علشان أنام."
ابتسمت أزهار وهزت رأسها موافقة، ونزلت إلى مستوى رقية وقالت:
"الأميرة الصغيرة تؤمر وعليا السمع والطاعة، عنيا يا قمر."
استعجب ماجد من طريقتها مع رقية وخفة ظلها. قال بجدية:
"يلا بقا يا روكا، عاوز أتكلم مع زوزو."
ابتسمت رقية وخرجت من المكتب.
رواية أزهار الفصل الخامس 5 - بقلم نرمين قدري
خرجت روقية وأغلقت الباب خلفها.
ابتلعت أزهار ريقها بصوت مسموع.
استشعر ماجد اضطرابها:
"ممكن الآنسة تعرفني نفسها، هي مين؟ ومش غريبة إن الوقت ده كله محدش سأل على غيابك، أو إنتي حتى متلهفة إنك اتأخرتي، وإيه السبب اللي وصلك للحالة اللي كنتي عليها؟ وعارفة إنتي جاية هنا تشتغلي إيه بالظبط؟"
تنهدت أزهار وابتسمت.
رفع حاجبة الأيسر وقال بتعجب:
"بعد إذنك، أعرف سبب ابتسامتك."
قالت أزهار بهدوء بصوت يكاد مسموع:
"منا مش عارفة أجاوب على إيه، حضرتك سألت أسئلة كتير وأنا مش ملاحقة أجاوب على أنه سؤال فيهم."
قال ماجد وهو يخفض نبرة صوته:
"تمام، واحدة واحدة."
وجلس خلف المكتب وأشار لها بالجلوس وقال وهو يمعن النظر فيها بدقة:
"أول حاجة، إنتي اسمك إيه؟"
"أزهار."
"طيب، إنتي عرفتي إعلان الشغل ده إزاي؟"
"كنت ماشية ولقيت الإعلان متعلق، لفت نظري لأنه كان مكتوب بطريقة فيها فكاهة، شد انتباهي وأنا محتاجة لشغل، قلت أتقدم."
"يعني إنتي عارفة طبيعة شغلك كويس إيه؟"
هزت أزهار رأسها بالتأكيد على كلامه.
ثم أكمل كلامه وقال:
"عارفة إنك المفروض هتباتي تحت في المكتب، وإنك الصبح بدري قبل ميعاد المكتب هتطلعي هنا تظبطي البيت وتفطري روكا، وبعدين هتنزلي تحت تنظفي المكتب اللي المفروض يكون نضيف قبل ما تنامي عشان الصبح مش هتلحقي، وهتكوني إنتي مسؤولة عن كل طلبات الموظفين وكمان طلبات العملاء اللي المفروض يكونوا متواجدين باستمرار، وآخر اليوم هتطلعي تعملي أكل وتعشي رقيه وتنزل تخلصي المكتب وتنامي."
أجابت أزهار متسرعة في همس مسموع:
"لأ، إنت عاوز نينجا مش بني آدم."
مر شبح ابتسامة على وجهه، ولكنه تظاهر بعدم السماع وقال:
"بتقولي حاجة؟ ما سمعتش. عمتا ده مش موضوعنا، إنتي خلاص اتقبلتي في الشغل عشان رقيه ارتاحتلك، وده نادر ما بيحصل. رقيه لحد دلوقتي مغيرة عشر مدبرين منزل، يعني إنتي رقم ١١."
ثم أكمل بتحفظ:
"المهم، أنا عاوز أوراقك، يعني شهادة ميلادك، البطاقة، شهادة تخرج إن وجدت."
ثم قال فجأة وكأن سؤالًا هبط عليه فجأة:
"إلا إنتي صحيح خريجة إيه؟"
ارتبكت أزهار محاولة إخفاء ارتباكها وقالت:
"معهد فني صناعي."
رفع ماجد حاجبيه مرة أخرى وتظاهر بالتصديق وقال:
"وإنتي من فين يا أزهار؟ ما تنسيش إنك هتقعدي هنا مع بنتي، فلازم أكون مطمن مين اللي هيقعد معاها، بتكون مين."
قالت أزهار متجلجة:
"أنا اسمي أزهار، وكنت عايشة في الصعيد ووالدي ووالدتي توفوا، فاضطريت أسيب هناك وجيت قعدت هنا عشان أشتغل."
قال ماجد وهو يحدق فيها ويحاول استكشافها:
"طيب، أنا ممكن أعرف ليه سبتي الصعيد وأهلك وجيتي هنا؟"
تنهدت أزهار وقالت:
"بصراحة، بعد موت أبويا وأمي حاولت أدور على شغل هناك معرفتش، وحضرتك عارف إن الصعيد ليه عادات وتقاليد اللي مش بتشجع عمل المرأة، فكنت مجبرة إني أسيب هناك وأنزل أشوف شغل في أي بلد، وخصوصًا إني معنديش أهل أعتمد عليهم."
قال ماجد وهو يهرش في رأسه:
"طيب، اشمعنى إسكندرية؟ ليه مثلًا ما نزلتيش على القاهرة؟ اشمعنى إسكندرية بالذات اللي اخترتي إنك تيجيها؟"
قامت أزهار واقفة وقالت بنوع من الحدة القليلة:
"أستاذ، حضرتك لو مش عايزني قول، أنا ممكن أمشي، لكن كفاية استجوابات لحد كده، أنا حاسة إني قاعدة في اسم شرطة مش قدام مديري في الشغل."
ابتسم ماجد على طريقتها وقال:
"أولًا، أنا اسمي ماجد، واضح إنك لسه ما عرفتيش اسمي لحد دلوقتي. لا، هو مش استجواب ولا حاجة يا آنسة. مش آنسة برضه؟ أنا بس عايز أتعرف على اللي هتقعد في بيتي."
أجابت أزهار عليه وهي تجلس مرة أخرى بهدوء:
"تمام، أستاذ ماجد. أيوه آنسة، واطمن حضرتك أنا ما ورايش أي مشاكل، وحضرتك لو ما عجبكش شغلي ممكن حضرتك تمشيني في أي وقت. أنا اللي لفت نظري للشغل إن في مكان هقعد فيه. أنا نازلة من الصعيد، ما عنديش لا مكان ولا عندي حتة أقع فيها. وبالنسبة لأوراقي، أنا شنطتي انسرقت مني في القطر وكمان فيها البطاقة وكل حاجة تخصني."
قام ماجد واقفًا وقال وهو يستعد للخروج من المكتب:
"تمام يا آنسة، انهاردة بس ممكن تقعدي مع روكا، ومن بكرة إن شاء الله اعملي حسابك هتباتي تحت في المكتب بس بعد ما تخلصي شغلك هنا. وتقدري دلوقتي تتفضلي لو سمحتي. أنا مأكلتش حاجة طول النهار، ممكن بس أي حاجة خفيفة، وشوفي المطبخ ناقصه إيه واكتبي طلباتك كلها. وبكرة في عندنا واحد تحت اسمه صلاح، هو متخصص إنه يجيب طلبات، أديله بس إنتي الورقة وهو عارف هيعمل إيه وهي تصرف وهيطلع الحاجة لحد فوق. وكمان بالمرة خشي مطبخ المكتب وشوفي ناقصه إيه وقولي له على طلباتك كلها."
هزت أزهار رأسها موافقة ثم تركته واتجهت نحو المطبخ تعد له طعامًا.
دخلت أزهار المطبخ وكانت معجبة بتصميمه جدًا، فهي عاشقة للمطبخ.
بدأت أزهار تتعرف على أنواع الطعام الموجودة، وأخيرًا قررت ماذا ستفعل، وبدأت بالفعل تعمل بحرفية وسرعة.
أغمضت أزهار عينيها تتذكر مرحها مع أخواتها عند تحضير العشاء، وكيف كانت تتهرب منهم حتى لا تقوم بعمل أي شيء، وإصرار والدتها على تعليمها شؤون المطبخ كاملة، وكيف كانت أزهار تصنع لهم أشهى الأكلات، وكانت تتفنن في ذلك بإتقانها فن المطبخ الإيطالي والروسي بحكم عشقها للغات، فكانت تدرس عادات وتقاليد كل بلد ولهجتهم.
نزلت الدموع من عينيها دون أن تشعر، ولا تشعر أيضًا بدخول ماجد عليها، فكانت في عالم آخر، عالم مليء بالدفء والحب والحياة. كانت حياة أزهار كلها حياة.
تظاهر ماجد بعدم رؤية دموعها، فكان على يقين تام أن وراها حكاية كبيرة، ولكن لا يريد أن يضغط عليها.
حاول أن يخرجها من شرودها بهدوء، طرق على الباب بصوت منخفض.
فتحت أزهار عينيها ومسحت دموعها بظهر يدها محاولة إخفاءها.
قال وهو لا يحاول النظر لها:
"ها، قررتي؟ هتعشيني؟ أنا بجد مأكلتش طول النهار، وريحة الأكل اللي بتعملي أثارت فضولي أعرف بتعملي إيه."
التفتت له أزهار وقالت:
"عملت لحضرتك نجرسكو في برام في الفرن، خلاص زمنها استوت."
أطلق ماجد صافرة إعجاب وعدم تصديق.
أخرجت أزهار البرام من الفرن، ووضعته أمامه، وحاولت جاهدة الفرار من أمامه لأنها استشعرت السؤال في عينيه.
خرجت أزهار من المطبخ وتوجهت نحو غرفة رقيه، وجدتها تحتضن عروستها في صمت.
اقتربت منها وهي تبتسم وقالت لها:
"إيه يا روكا؟ ساكتة كده ليه؟ أنا قلت زمانك نمتي."
رفعت رقية عينها وقالت:
"لأ، منا مش بنام غير لما بسمع حكاية، وبابا اتأخر قوي عليا."
ابتسمت أزهار وقالت:
"طيب، ينفع تجربيني أنا النهاردة؟ يمكن أعجبك."
هزت رقية رأسها.
ضمتها أزهار إلى أحضانها، وبدأت تلعب في شعرها، وبدأت تقص عليها حكاية، وكانت رقية مستمتعة جدًا بطريقة أزهار المشوقة.
إلى أن غفا هما الاثنين في أحضان بعض، وكل منهما يحاول أن يختبئ من حزنه في الآخر.
رواية أزهار الفصل السادس 6 - بقلم نرمين قدري
دخل ماجد لكي يطمئن على ابنته كالمعتاد كل مساء لأنه يعلم أنها لم تستطع النوم دون أن يلقي عليها حكاية كل يوم.
ولكنه فوجئ أنها نامت بالفعل، وأنها أيضاً تحتضن أزهار، وهذا في حد ذاته إعجاز، فهي لم تألف أي أحد مما سبق.
تأمل ماجد وجه أزهار بدقة ثم ابتسم.
وقال في نفسه: "شكلك مطولة معانا وشكلك وراكي حكايات. ربنا يستر من اللي جاي. معرفتيش تقنعيني بأنك اشتغلتي قبل كده، لا شكلك ولا طريقتك بيقولوا إنك عملتي كده. كله هيبان بس يارب ميكونش وراكي مشاكل."
ثم تركهم وأغلق الباب خلفه.
وفي الصباح الباكر استيقظت أزهار ونظرت حولها تحاول تتذكر أين هي.
بدأت تنظر حولها وهي تسترجع ما قد مرت به، إلا أن استوقفت فجأة عن التفكير وكأنها تذكرت شيئاً ما.
قامت جالسة تنظر بجانبها وهي تبتسم على منظر الطفلة النائمة بجوارها.
تسللت أزهار بخفة من جوارها وخرجت لتبدأ عملها.
جهزت البيت ثم دخلت على المطبخ وبدأت في تجهيز الفطار والقهوة.
دخل عليها ماجد وهو يرتدي ملابس رياضية مريحة وقال وهو يجلس على إحدى المقاعد داخل المطبخ:
"صباح الخير. نمتي كويس؟"
أكتفت أزهار بهز رأسها.
أكمل ماجد بجدية وهو ينظر لساعة يده:
"ممكن قهوتي بسرعة علشان يدوب ده وقت فتح المكتب. هنزل معاكي بس إنياردة علشان أفهمك هتعملي إيه. لكن من الطبيعي، إنتي بتكوني تحت، هتصحي بدري تطلعي هنا الأول تعملي الفطار وتشغلي ماكينة القهوة وتنزلِ تحت."
أثناء حديثه معها، عينه متابعها بدقة ولاحظ أنها بتتعامل مع ماكينة القهوة بحرفية تامة وكأنه شيء معتاد عليه.
ثم وجدها بدون إرادة منها تفرغ لنفسها أيضاً كوب من القهوة المخلوط باللبن، فهي عاشقة للقهوة ولا تستطيع السيطرة على نفسها أمامها.
ابتسم دون أن يلفت نظرها وكأنه مستمتع بكذبها وبالقصة التي اخترعتها، فأراد أن يستفزها لكي يخرج ما بداخلها.
قال لها وهو يحاول أن يركز على تعبير وجهها:
"صحيح إنتي مقولتليش اشتغلتي فين قبل كده. واضح شغل المطبخ مش جديد عليكي. عارفه بتعملي إيه."
ارتبكت أزهار وظهر على وجهها الارتباك رغم محاولاتها إخفاء ذلك، ثم قالت:
"لاء مشتغلتش قبل كده. منا قلت لحضرتك امبارح إن أنا كنت في الصعيد ونزلت إسكندرية علشان أدور على شغل."
قال بنفاذ صبر وبصوت فيه حدة:
"أيوا يعني كنتي في الصعيد بتعملي إيه؟ شغلانتك كانت إيه؟ غير إن لهجتك مش لهجة واحدة عايشة في الصعيد طول عمرها."
أجابت أزهار دون أن تفكر:
"في الأرض. أه كنت بشتغل في الأرض مع أبويا."
قام ماجد واقفاً ونظر لها نظرة تفحصية مريبة وقال لها وهو يضع فنجان قهوة:
"تمام. خلصي قهوتك ورتبي المطبخ وحصليني على تحت."
وتركها دون أن يتفوه بأي كلمة.
خفق قلب أزهار وشعرت أنه لم يصدقها وبدأت توبخ نفسها بصوت مسموع:
"وأنتي خلاص يا غبية خلصت كل شغلانات؟ ملاقتيش غير الأرض اللي اشتغلتي فيها؟ ما هو لازم ميصدقش. غبية غبية. غير إن لهجتي فعلاً مش لهجة واحدة عاشت عمرها في الصعيد. يعني كان عاوزني أقوله إن طول عمري متربية في مدارس راهبات؟ كنا مش بنتكلم ولا كلمة عربي؟ ولا أقوله إني معيدة في كلية لغات وترجمة؟"
وفجأة وجدت يد صغيرة تجذب ملابسها من الخلف وهي تبتسم.
انخفضت أزهار لمستوى الطفلة، قبلتها بحب وقالت:
"أميرتي صغننة صحيت؟ فين صباح الخير بتاعتي؟"
ابتسمت الطفلة وقالت:
"صباح الخير. إنتي كنتي بتكلمي نفسك يا زوزو."
ضحكت أزهار وقالت وهي تحملها وتتجه بها نحو الحمام:
"آه يا روكا أنا بحب أكلم نفسي، أعمل إيه بقا؟ معنديش حد أتكلم معاه."
قالت رقيه بمرح:
"خلاص بقا إنتي بقيتي صحبتي يعني تتكلمي معايا أنا يا زوزو مش مع نفسك."
ضحكت أزهار وقالت:
"ماشي يا ست روكا. أتكلم معاكي إنتي بس دلوقتي. نغسل وشنا ونتوضأ علشان نصلي."
قالت رقية بصوت منخفض:
"بس أنا مش بعرف أصلي."
أحتضنتها أزهار وقالت:
"أنا هعلمك يا روكا."
علمتها أزهار كيفية الوضوء وبدلت لها ملابسها وبدأت تعلمها كيف تصلي.
وفي الأسفل استشاط ماجد من تأخير أزهار عليه، فهي تأخرت بالفعل عليه.
صعد لأعلى وبداخله غضب شديد.
فتح الباب ولكنها وقف مكانه دون أي حركة عندما وجد أزهار وهي تعلم رقيه الصلاة.
دخل دون أن يراه أحد منهما.
وبعد أن فرغا من تأدية الصلاة حملت أزهار رقيه وقالت لها:
"يلا بقا علشان أفطرك وأنزل علشان اتأخرت قوي. تلاقي باباكِ دلوقتي بقى شبه التنين بيطلع نار من بوقه."
ضحكت رقيه ضحكة رنت في كل أرجاء المكان.
خفق معها قلب ماجد الذي لم يسمع ضحكة ابنه من زمن.
نظر من طرف عينه وجد أزهار قد أجلسة رقيه فوق رخامة المطبخ وهي تتناولها كوب اللبن وتعد لنفسها كوب آخر من القهوة.
أدرك أنها تعشق القهوة.
انسحب بهدوء دون أن يشعر به أحد وتسلل لأسفل ووجد أن الموظفين بدأوا بالحضور.
دخلت لارا بتعاليها المعتاد ولكنها وقفت مكانها وهي تشهق باستغراب وقالت:
"إيه ده يا ماجد؟ إنت مش واخد بالك إنك (Sportswear) ملابس رياضية؟"
نظر ماجد لنفسه وكأنه نسي أصلاً أنه نزل بالتريننج على أساس أنه سوف يعلم أزهار ما ستفعل ثم يصعد يبدل ملابسه.
التفت لها وقال وكأنه غير مبالي:
"وإيه مشكلة في كده؟ مش فاهم. نزلت أجري شوية ورجعت على معاد المكتب. قلت أفتح وأطلع أغير. إيه مشكلة؟"
قالت لارا بعجرفة:
"مشكلة طبعاً. افرض حد من العملاء جه بدري؟ بشوفك كده يقولوا علينا إيه؟"
التفت لها ماجد وقال:
"وإيه فيها؟ هما نفسهم بييجوا كده. إيه مشكلتك؟ أنا مش فاهم."
وتركها وصعد لأعلى.
دخل وجد رقيه مازالت جالسة على رخامة المطبخ وتأكل بنهم فطورها.
دخل عليهم ووجه حديثه لأزهار بحدة مصطنعة:
"كل ده بتشربي قهوتك؟ ده لو سافرتي البرازيل تجيبي بن كان زمانك نزلتِ."
ارتبكت أزهار وقالت:
"معلش كنت بفطر رقيه وخلاص خلصنا. هقعدها بس تلعب ونزلة."
ماجد وهو يتجه نحو غرفة النوم:
"تمام. هغير على ما تجهزي."
فتحت أزهار حقيبتها وأخرجت بنطال من الجينز وعليه بلوزة طويلة الأكمام، وللأسف كانت من أغلى الماركات، فهي ليس لديها ما تعمل به.
وأخرجت طرحة بنفس درجة البلوزة وكانت في منتهى الجمال، فجمالها كان ساحر بدون أي مساحيق تجميل، فهي بيضاء اللون، صافية البشرة، عينها بلون البحر.
خرج ماجد من غرفته وتوقف مكانه قد أبهرته بجمالها الهادئ.
قال لها وهو يحاول ألا ينظر لها:
"ها جاهزة؟ يلا علشان ضيعنا وقت كتير قوي هنا."
هزت رأسها ومشت أمامه.
دخل ماجد المكتب ورآه أزهار.
لفتت انتباه لارا دخول أزهار مع ماجد، قامت واقفة واتجهت نحوهم وعينها على أزهار وقالت بسخرية:
"هي البت دي هنا بتعمل إيه؟ مش امبارح كانت عاملة فيها ميتة؟"
ارتبكت أزهار وقالت:
"بعتذر منك كنت مرهقة امبارح قوي."
لارا وهي تفحصها من أعلى لأسفل بدقة:
"ودلوقتي ارتحتي؟"
قال ماجد مقاطعاً كلامها:
"جري إيه يا لارا؟ هو تحقيق؟ أنا خلاص عينت أزهار مدبرة المكتب."
قال لارا وهي تعبث بشعرها:
"إممم والله كويس. طالما إنت شايف إنها تنفع يبقى خلاص. إنت أدرى."
ثم التفتت نحو أزهار وقالت:
"ولبسك الغالي قوي ده سارقاه من أنه بيت يا تري؟"
وفجأة وجدت صوت هز أركان المكان لدرجة لفت نظر الموظفين:
"لاراااااااااااااااااا!"
رواية أزهار الفصل السابع 7 - بقلم نرمين قدري
فجأة، لارا بطريقة ماجد في الدفاع عنها.
التفتت له وقالت بغضب: "إيه يا ماجد مالك؟ أنا قلت إيه غلط؟ أنت مش شايف اللبس بتاعها؟ أنت عارف الماركة اللي هي لابساها دي بكام؟"
قال ماجد مندفعًا دون تفكير: "آه عارف، علشان أنا اللي شاريهم."
اتفاجئت أزهار بكلامه وفتحت عينيها بدهشة.
قالت لارا باستغراب: "وأنت تجيب لها طقم غالي قوي كده ليه؟"
زفر ماجد أنفاسه وقال بملل: "أنا مشترتش حاجة يا لارا، ده لبس من دولاب المرحومة مامت رقيه، مكنش عندها حاجة تلبسها، عطيتها الطقم ده لحد ما تجيب لنفسها حاجة تلبسها، والهدوم كده ولا كده مركونة بقالها سنين، ثوابها أحسن من ركنها، ولا إنتي إيه رأيك؟"
لارا بتهكم: "هو في رأي بعد رأيك برضوا يا ميجو."
ونظرت لأزهار نظرة أخيرة وتركتها ومشيت.
حاولت أزهار تبرير الموقف، ولكنه لم يعطها فرصة وقال بأسلوب أمر: "المطبخ عندك هنا، اتفضلي يلا شوفي المطلوب إيه واعمليه، علشان العملاء على وصول وشغلك هيكون كتير."
خفضت أزهار عينيها وذهبت دون أن تتكلم.
دخلت المطبخ وعقلها شارد مما فعله ماجد، ولكنها لم تجد تفسيرًا أو إجابة على سؤالها.
التفتت حولها وبدأت تستكشف المكان. شغلت ماكينة القهوة وبدأت تعد بعض الفطائر والمعجنات الخفيفة، ورائحتها ملأت المكان.
بدأ الموظفون يتوافدون عليها ليستكشفوا ما سبب الرائحة الذكية، وبدأت أزهار تتعرف عليهم. وكان أظرفهم لؤي، كسب صداقتها من أول كلمة، وهي استطلعت خفة دمه وروحه المرحة.
قالت له بمرح: "أكيد أنت اللي كتبت الإعلان صح؟"
ضحك لؤي وقال: "تدفعي كام وأنا أقولك، وكمان أعرفك على شخصية كل واحد في مكتب هنا."
ضحكت أزهار بطريقة طفولية وقالت بمكر: "إيه رأيك في مج قهوة أمريكانو كبير وفطرتين من دول؟"
شهق لؤي وقال: "لا، إذا كان كده ده أنا أجيب لك تاريخ أجدادهم كمان مش شخصيتهم بس، ده أنا ميت هنا مش طالع من المطبخ، أيوا كده أول مرة ماجد يحسسني إنه بيفهم، ده كان منشفها علينا قوي."
وفجأة انتفض من مكانه على صوت ماجد وهو يقول له: "لا وهوريك كمان إن بعرف أضرب مش بفهم بس."
التفت له لؤي وكان الأمر طبيعي وقال بنفس نبرة صوته الساخرة: "أيوا يا ميجو، بدأتو تقدروا المواهب صح، بذمتك مش الآنسة أحسن حد جه لحد دلوقتي؟"
قال ماجد بتهكم: "يأبني، هي لحقت؟ دي مابقالهاش غير ساعتين بس لحقت تحدد إنها أحسن حد."
سند لؤي عليه وقال بثقة: "بص يا ميجو، أنا بكلمك بحسي الفني، وحسي بيقول إن الآنسة دي هتعمل جو مختلف غير اللي سبوقوها، غير كده، أنا لؤي، عمري شكرت لك في حد قبل كده؟"
تحرك ماجد من مكانه وكاد لؤي أن يسقط واقعًا.
وقال ماجد وهو ينظر لأزهار: "بصراحة يا لؤي، عمرك ما شكرت في حد، أول مرة تشكر بصراحة، بس عمومًا خلينا نشوف. المهم أنا عاوز أدوق أي حاجة من اللي ريحتها طالعة دي، ويلا اتفضل قدامي علشان في شغل كتير متعطل."
تناول ماجد قطعة من الفطائر ولم يبدِ رأيه أو يلتفت لها.
وقال بجدية: "يلا يا لؤي ورانا شغل."
أجاب لؤي عليه دون أن يلتفت له: "هخلص القهوة وأحصلك، الدنيا مش هتطير، روح أنت اقعد مع الساحرة الشريرة اللي أنت مزهقنا بيها، يلا بقا روح خليني أستمتع بالقهوة والوجه الحسن."
خرج ماجد وتركهم دون أي التفاتة.
ابتسمت أزهار وقالت بمرح: "تسمحلي أشغل فراستي وأقولك مين الساحرة الشريرة؟"
ابتسم لؤي وقال: "مش محتاجة فراسة يا قمر، المكتب كله عارفها، شرها طايل الكل."
وفجأة سمعوا صوت ماجد عاليًا ويقول بغضب شديد: "لأ ما دي مش طريقة شغل، إحنا كل يوم مش هنقعد تحت رحمة الأستاذ بهاء وتحت مزاجه، يجي الشغل يشرفنا، ملهوش مزاج يسبنا نخبط دماغنا في الحيط كده كتير."
قالت أزهار للؤي: "مين بهاء ده وليه أستاذ ماجد متعصب قوي كده؟"
قال لؤي وهو يلتهم الفطائر وكأنه اعتاد على صوت ماجد: "ما تاخديش في بالك، خدي من ده كل يوم، حكاوي بهاء مش بتخلص."
نظرت له أزهار باستعجاب على هدوئه المبالغ وقالت: "أيوا، يعني يطلع مين بهاء؟"
أجاب لؤي وهو يستعد للقيام: "بهاء ده يا ستي مدير قسم الترجمة، وهو اللي متخصص في شغل العملاء الإسبان، لأنه الوحيد اللي هنا بيعرف إسباني، وشغل كتير متعطل بسبب غيابه كتير، وده غلط على سمعة المكتب، وكلام في سرك، هو بهاء مزودها قوي علشان عارف إن مفيش غيره وإن مترجمين الإسباني قليلين، فا بيدلع علينا."
هزت أزهار رأسها دون مبالاة وقالت بعدم اهتمام لكي لا تلفت النظر: "و بهاء ده مكتبه فين يعني، بيقعد فين وسط كمية المكاتب دي كلها؟"
رفع لؤي نظارته ونظر لها من تحتها وقال وهو يرفع حاجبه: "كل موظف على مكتبه يافطة عليها اسمه، سلام بقا يا سكر علشان ماجد شكله كده هيعمل مني حلقات صغيرة."
أكملت أزهار يومها في العمل مابين مكاتب الموظفين وطلبات العملاء تحت كلمات الثناء والمدح على طعم المعجنات والفطائر، وطبعًا إلا لارا اللي اعتبرت أن هذه الأشياء لا تنفع أن تكون في مكتب، والحاجات دي بلدي قوي، والمفروض نرتقي شوية.
انتهى اليوم وانتهت طاقة أزهار معها، فكان يوم مرهق جدًا عليها، غير أنها أصلًا غير معتادة على العمل.
بدأت أزهار ترتب المكان بدقة، إلى أن وصلت لمكتب بهاء. حب فضولها خلاها تستكشف الشغل المركون على المكتب، وبدأت تشتغل بدقة متناهية، وكان شيء سهل لها، أتقنت الشغل بحرفية تامة، وتركته على مكتبه كما هو.
ولكنها غفلت عن شيء مهم، أن يوجد بالمكتب كاميرات تراقب حتى النفس.
أغلقت أزهار أنوار المكتب وبدأت في الصعود لأعلى لكي تكمل عملها، ولكن التعب قد أنهكها.
دخلت أزهار الشقة وكانت تعم بهدوء تام، دخلت المطبخ وبدأت في تجهيز الطعام، ثم دخلت غرفة رقيه، وجدتها تلعب. أول ما لمحتها رقيه جرت عليها تحتضنها.
انخفضت أزهار لمستواها وقالت: "ممكن بقى أميرتي تقولي عملت إيه في غيابي؟ كل حاجة احكي لي."
ثم حملتها ودخلت بها المطبخ ووضعتها فوق الرخامة، ورقيه فضلت تتكلم وتحكي كيف عدى يومها، وأزهار بدأت تتصنع الاهتمام بأنها تسمع حديثها وهي تعد الطعام.
دخل ماجد عليهم وبدأ يسمع كلام رقيه ويشاهد انصات أزهار لها وضحكها على مواقف رقيه وردود فعلها على كلامها.
ابتسم ماجد وقال: "أنا جعان قوي، هو الأكل لسه عليه كتير؟"
هزت أزهار رأسها بالنفي وقالت: "لأ خلاص عشر دقايق بس، أعمل سلطة تكون مكرونة بالبشاميل استوت."
أطلق ماجد صافرة إعجاب وقال: "واووو مكرونة بالبشاميل! لأ أكيد بحلم."
ابتسمت أزهار وقالت: "وكمان معاها استيك مشوي وبطاطس محمرة وسلطة."
قال ماجد بعدم تصديق: "لأ، قلبي مش هيتحمل كل ده، أنا أكيد بحلم."
وضعت أزهار لهم الطعام واستأذنت أن تنزل.
احترامًا لماجد، واقفا وقال: "على فين يا آنسة أزهار؟"
التفتت له أزهار: "هنزل تحت خلاص، خلصت شغلي هنا، والصبح إن شاء الله هطلع أخلص المطبخ."
قال ماجد: "لأ، أنتِ هتقعدي تاكلي معانا، واعملي حسابك إن ده كل يوم هيحصل، علشان مش بحب كلام كتير ووجع القلب، وده أمر مافيش فيه اعتراض."
ارتبكت أزهار: "بس ميصحش كده حضرتك، أنا ممكن أستنى لحد ما تخلصوا أكل وأشطب المطبخ وأنزلق."
قال ماجد بنفاد صبر: "أزهار اتفضلي اقعدي، بلاش وجع قلب، أنتِ كمان طول نهار واقفة وما أكلتيش، يلا اتفضلي اقعدي، على الأقل علشان روكا تاكل."
أحضرت أزهار لها طبقًا وشوكة وسكينًا، وكأنها معتادة، وبدأت تأكل بالشوكة والسكين وتقطع الطعام لقطع صغيرة لرقيه.
كل هذا تحت أنظار ماجد المتفحصة والملاحظة طريقة تناولها للطعام، وكل يوم شكه بيتأكد أن وراها حكاية كبيرة وأنها ليست مجرد عاملة نظافة أو مدبرة منزل فقط.
انتهى ماجد من طعامه وأثنى عليها، أعجابه بالطعام، وتركها ودخل غرفة المكتب وبدأ يشغل الكمبيوتر المتصل بكاميرات المكتب حتى يشاهد ماذا كانت تفعل تحت.
ولكنه قام واقفًا مندهشًا حين وجدها تقوم بعمل بهاء.
أغلق الكمبيوتر وهو في حالة ذهول تام، غير مصدق.
رواية أزهار الفصل الثامن 8 - بقلم نرمين قدري
ظل ماجد واقفًا يفكر مكانه بضع دقائق، وهو ما زال في حالة من الزهول، ولكن فضوله سيطر عليه. ماذا كانت تفعل في أوراق بهاء؟ هل هي عميلة لمكتب ترجمة آخر وتود أن تنقل له عملنا؟ أخذ عقله يأخذ ويعطي، ولكن دون جدوى. لم يلق ردًا أو إجابة، ولكنه حسم الأمر وقرر أن ينزل إلى أسفل ليكتشف بنفسه ماذا كانت تفعل.
انتهز ماجد انشغال أزهار في المطبخ ونزل مسرعًا للمكتب، وبدأ يتفحص الأوراق من على مكتب بهاء، ولكنه وقف مرة أخرى، ولكن هذه المرة أكثر زهولًا ودهشة. لقد تم تخليص كل العمل المتأخر وبحرفية تامة. ومن هنا ازداد يقينه أنها ليست مجرد مدبرة مكتب، بل أن وراءها حكاية كبيرة.
وعلى الجانب الآخر، في صعيد مصر الجواني، وداخل إحدى السريات، يقف إسماعيل يشيط من الغيظ، وقد احمر وجهه من شدة الغضب، ويقول بحقد:
"بقي حتة عيلة تلبسنا كلاتنا طرح؟ والله واللي خلق الخلق لآدفنها مطرح ما ألاقيها. أنا إسماعيل القناوي، تسبني حتة بت عيلة ومتتجوزنيش؟"
ترد عليه عمت البنات وبنفس نبرة الغل:
"هو ده كل اللي همك إنك متجوزتهاش؟ ومش همك ورثها اللي بملالين اللي المجلس الحسبي جامده عنده، وأننا طلعنا من المولد بلا حمص؟"
يلتفت إسماعيل لها ويقول بنفس الغضب:
"جرا إيه يا أمي؟ ما أنا كنت لما أتجاوزها هاكوش على ده وهيكون بتاعي. بس برضك البت ذي حتة الملبن، مش شبه جوز الغفر اللي حداي في الدوار. على الأقل كنت هعيش وياها هنا في سرايا بدل الخرابة اللي عايش فيها."
ثم رفع رأسه كأنه تذكر شيئًا، ثم قال بعين يلمع فيها بريق الطمع:
"إلا قولي بالحق يا ما، هي السرايا دي إيه مصيرها؟"
تنهدت العمة وقالت بشماته:
"انهد ومتحلمش. السرايا اتحطت تحت الحراثة وهتنقلب من بكرة."
هرش إسماعيل في رأسه وقال بمكر:
"بقولك إيه، ما تقومي أكده تدعبي في أوض البنات يمكن تلاقي حتة دهب كده ولا كده. ده أبوهم الله يجحمه كان مغرقهم دهب، تقول إيه برنسيسات."
عوجت العمة فاها وقالت:
"مش مستنياك تقولي. البت قبل ما تهرب نفضت البيت من الدهب والفلوس كمان. طالعة واعية شبه أمها، تربية نوال. حتطلع إيه يعني؟ أهم غاروا وريحونا."
في الإسكندرية، فاق ماجد من ذهوله، ورتب الأوراق كما كانت، وأغلق المكتب وصعد لأعلى. كانت أزهار قد انتهت من شغل البيت وذهبت إلى غرفة رقيه تساعدها في النوم، ولكن غلب عليها النعاس من شدة التعب.
دخل ماجد عليهم لكي يطمئن على رقيه، مثل المعتاد، ووجد أزهار في ثبات عميق من النوم، ووجد رقيه تراقبها وتتفحص ملامح وجهها وهي مبتسمة.
دخل ماجد وسوف يتحدث، أشارت له رقيه أن يصمت كي لا يوقظ أزهار. انسحبت رقيه بخفة من بين يدي أزهار وخرجت مع والدها، وقالت بابتسامة:
"خير يا بابي، كنت عاوز حاجة؟"
ابتسم ماجد وحملها وقال:
"هو أنا لازم أخش عندك لما أعوز حاجة؟ أنا كنت داخل أطمئن عليكي زي كل يوم، بس إيه اللي نيم أزهار هنا؟ المفروض كانت تنام تحت."
قالت رقيه:
"هي دخلت معايا، غيرت ليا هدومي، وأخذتني في حضنها تحكي ليا حدوته. يادوب لسه هتحكي، هي اللي نامت."
ضحك ماجد بشدة على طريقة رقيه في الحكي، وقال لها:
"طيب يا لمضة هانم، هاتي بوسة وخشي براحة نامي جمب أزهار وخلي بالك تصحيها، شكلها تعبانة قوي."
هزت رقيه رأسها وذهبت لتغفو بجوار أزهار.
استيقظت أزهار وقد حل التعب على جميع أجزاء جسمها، فهي غير معتادة على العمل الشاق. قامت بتكاسل وبطء، وبدأ يومها كالمعتاد. أنهت عملها فوق ونزلت لتستكمل عملها في المكتب. بدأت تعد القهوة والفطائر حتى بدأ يتوافد الموظفون.
دخل لؤي عليها وقال بمرحه المعتاد:
"صباح جميل على ست البنات. صباحك سكر يا مسكر."
ابتسمت أزهار على طريقته وروحه الجميلة، واقتربت منها وقالت بنفس نبرة المرح:
"صباح الكريم كراميل بالشوكولاتة."
ثم مدت يدها بفنجان قهوة وقالت:
"والقهوة دي مني ليك يا كبير، عشان الصباح اللي يفتح النفس ده."
دخل عليهم ماجد، ولكنه انتابه شعور غريب. شعر أنه قد اختنق من قرب لؤي من أزهار، وكأن نارًا هبت بداخله. لأول مرة يشعر هذا الشعور ولا يعلم من أين أتى، وتحولت معالم وجهه لغضب غير مسبب، وبدأ يوجه كلامه لأزهار في حدة وغضب:
"هو في إيه يا آنسة؟ انتي فتحتيها هنا كافتيريا للعشاق ولا إيه؟ اتفضلي روحي شوفي الموظفين لو عاوزين حاجة. هي شركة مش كلها لؤي. انتي هنا جاية تخدمي على كل الموظفين مش موظف واحد بس. اتفضلي يلا روحي شوفي طلباتهم."
شعرت أزهار بالإهانة لأول مرة. حد يتحدث معها بهذا الأسلوب؟ حبست دموعها وتذكرت كيف كان يدللها والدها، وترحمت عليه في سرها، وذهبت في صمت دون أن ترفع رأسها له أو تدافع عن نفسها خوفًا من أن يرى دموعها.
نظر له لؤي نظرة طويلة، وقال وهو يغمز بعينه، فهو صديق ماجد من سنوات طويلة ويعرفه حق المعرفة:
"خير يا عم الشبح؟ إيه اللي أنت عملته في البت الغلبانة دي؟ شكلها مش بتاعة بهدلة، شكلها بنت ناس والزمن جار عليها. أنا ليا نظرة بردو في الناس، ما أنت عارف إن مش بقرب ولا بتكلم مع حد، بس البنت دي معدنها بيقول إنها بنت أصول، وأنت عارفني بفهم الناس بسرعة. لكن طريقتك دي، ماجد، محيراني لأنك أنت أصلًا مش كده. بجد مستغربك قوي."
تلجلج ماجد وبدأ يعدل نظارة القراءة بحركة لا إرادية وقال:
"هيكون في إيه يعني يا لؤي؟ أنا كل ما أخش ألاقيك هنا وسايب شغلك وقاعد تضحك وتهزر معاها، وهي فاتحاها على بحري. متنساش أن إحنا بيخش لينا عملاء كتير، منظرنا هيكون إيه قدامهم؟"
هز لؤي رأسه وقال بنبرة سخرية وقال:
"آه، قلت لي العملاء. أه عندك حق، ما أخدتش بالي. معلش."
قطعه ماجد وقالت وهو ينظر لساعته:
"يلا بقا عندنا شغل كتير. غير أن بهاء باشا شرف، تعالي نشوف عمل إيه في الشغل المتعطل."
وعلى الجانب الآخر، يقف بهاء ويفتح فاه في حالة زهو غير طبيعي، لدرجة عدم شعوره بدخول ماجد ولؤي عليه.
قال لؤي بضحك:
"أه يا بني، فاتح بوقك كده؟ اقفله أحسن تخش دبانة معدية وانت فاتحة كده."
انتبه بهاء على صوت لؤي وقال:
"صباح الخير، معلش كنت سرحان شوية."
رفع ماجد عينيه وقال بمكر:
"ها، عملت إيه في الشغل المتأخر؟ العميل جاي كمان ساعة تقريبًا."
قال بهاء بثقة:
"تمام، الشغل كله خالص وعلى التسليم."
أطلق لؤي صافرة إعجاب وقال:
"وعملتها إزاي دي يا قرد؟ أنت بتغيب أكتر ما بتيجي، لحقت تخلص كل ده؟"
التفت بهاء له وقال بثقة:
"أنت ليك أكل ولا بحلقة؟ المهم أن الشغل خلص."
ولكن عقل بهاء هيقف من كثرة التفكير في الشخص الغامض الذي أنهى الشغل عنه. لا أحد في المكتب يعرف أمره غيره.
رواية أزهار الفصل التاسع 9 - بقلم نرمين قدري
أجاب لؤي يتهكم وهو غير مصدق:
- ليا اكل وبس. المهم الشغل يكون خالص.
نظر ماجد له نظرة تفحصية وقال بمكر:
- الا صحيح بجد يا بهاء لحقت خلصت الشغل أمتي؟ مع انك سايب كل شغلك هنا وأنا مانع شغل يطلع برا المكتب. ولا انت خالفت القواعد وأخدت الشغل معاك البيت؟
احمر وجه بهاء وبدأ يعرق ويتلجلج في الكلام، ولكن نقذ الموقف دخول العميل المنتظر.
نظر ماجد لبهاء وقال:
- عمتا مش وقته. اتفضل معايا علشان نسلمهم الشغل.
دخل ماجد وبهاء غرفة الاجتماعات وقاموا بالترحيب بالعميل. بدأ بهاء بعرض الشغل على العميل الذي أبدى انبهاره بالشغل وبالدقة المتناهية.
تعمد ماجد أن يستدعي أزهار بحجة معرفة ماذا سيشرب العميل. دخلت أزهار بعد أن استأذنت، ولكنها فوجئت بمدح العميل لشغلها. ترقب ماجد نظرتها ولاحظ الاهتمام واضح عليها، فكان العميل يتكلم بلغة الأسبانية التي تجيدها جيداً وكان يشكر بهاء على ما أتقنه من عمل. ألقت نظرة سريعة على بهاء وقدمت القهوة وبعض الفطائر وخرجت بدون أن تتفوه بكلمة.
انتهى الاجتماع وتم تسليم العمل واستأذن العميل. خرج ماجد من غرفة الاجتماعات وعلى وجهه ابتسامة تحدي ووقف في منتصف بهو المكتب يبحث بعينه عليها، وقال بصوت عالٍ مما جعل الجميع يلتفت له:
- أنا النهارده اكتشفت عبقري شغال معانا في المكتب وكلنا ما كناش واخدين بالنا منه. وبسبب اجتهاده مضينا عقد مع شركة إسبانية كبيرة لمدة سنة. مكتبنا هو اللي هيمسك كل تعاملاتها وفضله المكتب هيتنقل نقلة تانية خالص.
وقفت أزهار مكانها تستمع إلى حديث ماجد وقلبها يخفق بشدة. تخشى أن يكون قد افتضح أمرها ويكون علم من الذي قام بإنهاء العمل المتأخر، ولكن قد خاب ظنها بعد أن سمعت المتبقي من حديث ماجد.
أكمل ماجد حديثه والتفت لبهاء الذي كان يقف بدوره وعلامات الذهول والاستفهام على وجه، فهو غير مصدق ما حدث حتى الآن وفي داخله العديد من الأسئلة التي ليس لها إجابة.
قال ماجد:
- أحب أشكر بهاء على مجهوده، لأن بفضله ما كنا حققنا كل ده. وأحب أقدم له شهر مكافأة نتيجة مجهوده.
ثم التفت نحو أزهار وقال بسخرية:
- وانتي يا آنسة أزهار شوفي المكتب كله يشرب إيه والحساب كله عندي النهارده. ثم رفع حاجبيه وأكمل: ماهو كل واحد لازم يقوم بشغله ولا إيه.
هزت رأسها وتركته وذهبت تكمل عملها وقد احمر وجهها من الغضب. لم يكن حال بهاء أفضل منها، فكان مرعوباً من القادم، فهو لا يعلم من الذي أتم العمل ولا يعلم ماذا سيفعل، وقد كثر الشغل أكثر على عاتقه، فهو ليس لديه الخبرة الكافية لكي يقوم بعمل بهذا الحجم.
دخلت أزهار تعد القهوة والشاي والعصائر مثلما طلب منها ماجد وهي تكاد تنفطر غيظاً. دخل ورائها لؤي وهو ينظر لها بريبة وقال بأسلوب ماكر وهو يدور حولها:
- الا قوليلي انتي كنتي بتسالي عن مكتب بهاء ليه؟
احمر وجه أزهار وقالت بزعر:
- لا عادي يعني حب فضول بعد ما سمعت بشمهندس ماجد بيزعق علشان الشغل المتأخر.
رفع لؤي حاجبه وقال وهو يعبث بنظارته:
- صدفة غريبة بصراحة. بهاء اللي بقاله معانا أكتر من سنتين ينزل عليه الوحي فجأة ويخلص شغل أسبوع فجأة وكمان بدقة غريبة. اتصدقي مش عارف أقتنع. بصي يا أزهار وتسمحيلي طبعاً أقولك أزهار بدون ألقاب. أنا قديم قوي في الشغل هنا وخبرتي بتقول إن مش بهاء اللي عمل شغل ده. وخبرتي كمان بتقول انتي مش مجرد مدبرة مكتب، لا شكلك ولا أسلوبك ولا حتى طريقة لبسك بتقول كده. انتي إيه حكايتك بالظبط.
ابتسمت أزهار ابتسامة قهر وقالت بعد تنهيدة وهي تنظر للا شيء:
- تعرف يا أستاذ لؤي فيه فترة كده في حياتك هتمر بيها هتربيك قوي، هتخليك تكبر سنين قدام، هتعلمك إن مش كل الناس أصحاب وحبايب وولاد أصول ومتربيين ومش اللي هيأكل معاك في طبق هيصونه. ومش كل اللي يقولك كلمة حلوة يبقى حبيبك، وساعات بتبقى شايف وعارف بس ملكش نفس تعاتب. فيه فترة هتمر بيها وتطلع منها واحد غيرك، واحد أنضج وأقوى وقادر يكمل لوحده. هتتعلم فيها إن أقرب حد ليك هو نفسه عدوك. دمه هو نفس دمك بس بس غريب بيكون أحن عليك منه. فيه شدة هتيجي تحول حياتك وتبقى حد تاني غيرك وتصحي مش عارف انت مين ولا بتعمل إيه وتكون مجبور إنك تعيش مع شخص ده اللي هو مش انت.
وفجأة دخل ماجد عليهم وعلى وجه علامات الغضب، فهو لاحظ التقارب السريع بينهم. نظرت أزهار إلى لؤي تسترجاه بعيونها أن يصمت عن الكلام. أدرك لؤي أن فعلاً وراها حكاية كبيرة فالتزم الصمت لحين المعرفة بقصتها.
نظر لهم ماجد وقال بغضب مفتعل:
- انسة أزهار هو أنا مش قلتلك تشوفي طلبات الموظفين كل واحد عاوز يشرب إيه ولا أجى أنا أخلص شغلك مكاني حتى أتعلمي من اللي حصل مع بهاء. شخص مخلص في شغله وجاب عقد كبير للشركة بصراحة ونعمة الموظف الملتزم. ما هو لو كل واحد يشوف الشغل اللي عليه المكتب حيبقى حاجة تانية بس نقول إيه.
اندفعت أزهار في الرد وكأنها قد أنهت ما تبقى لها من صبر، وبدأ العرق الصعيدي يظهر عليها وقالت بعصبية:
- أستاذ ماجد حضرتك اعتبرني مستقيلة لو شايف إن مقصرة في حق شغلي، لكن حضرتك متكلمنيش بطريقة دي. مش أول مرة حضرتك تجرحني كده وتحسسني بوضعي ومكاني بطريقة غير مباشرة.
أجاب صوت خلف ماجد بسخرية:
- أمال جناب البرنسيسة تحب نكلمها بأنه طريقة يعني مثلاً قبل ما أطلب منك نسكافيه أقوم أضربلك تعظيم سلام ولا أعمل إيه؟ قوليلنا بس على طريقة اللي ممكن نتعامل بيها مع فراشة شغالة في مكتب كله مهندسينا.
احمر وجه أزهار أكثر لشعورها بالإهانة وكان أحد صفعها على وجهها، ولكن أوقف ماجد هذه المهزلة وجه كلامه إلى التي تقف خلفه وقال بغضب:
- لارااااااااااااااااااا في إيه ومين سمحلك تخشي في الكلام أصلاً؛ غير أن أزهار مش فراشة هنا، أزهار هنا زيها زي أي موظف شغال في المكتب، كلكم زي بعض هنا وكل واحد بيقوم بشغله.
ثم التفت إلى أزهار وقد لمح دمعة عالقة تهدد بالانهيار، تجاوز وكأنه لم يراها وقال يتهكم:
- وانتي يا آنسة أزهار اتفضلي على شغلك وانسى أصلاً موضوع الاستقالة. حضرتك ماضية معانا عقد وفي شرط جزائي، احنا مش بنلعب هنا.
ثم تركهم وخرج وعلامات الغضب على وجه وشعور غريب داخل قلبه يكاد ينفطر عليها. فقد تكلم القلب وسكت العقل عن الكلام، فتحدث العشق بداخله يعلن الاحتجاج. نعم إنه العشق يا سادة إذا تحدث أخرس الألسن عن الكلام.
بدأت مشاعر ماجد تتحرك نحوها دون أن يشعر، فكانت مشاعره صادقة. وهي أيضاً أول مرة قلبها ينجذب لأحد، فهي الأخرى لم يكن حالها أفضل منه فقد دق قلبها لأول مرة. ولكن شعورها بالإهانة وأنه يتعمد في كل مرة يذكرها بوضعها جعل كرامة النفس تعلو رغبات القلب وكبرياؤها يتغلب على قلبها.
تعلق ماجد بها يزداد يوماً تلو الآخر، ولكن ما تخفيه عنه جعله يزداد حرصاً وخشي أن يظهر مشاعره تجاهها قبل أن يتأكد ما رآه من حكاية.
رواية أزهار الفصل العاشر 10 - بقلم نرمين قدري
مره على هذا الحدث شهر وأكثر والكل منهمك في عمله.
أزهار ما بين العمل في منزل ماجد وتعلق رقية الشديد بها، وما بين العمل في المكتب، ومابين حيرة بهاء وتورطه في العمل الذي لا يعلم كيف سينجزه.
انشغلت أزهار، ومن كثرة الضغط عليها في العمل، تناست بهاء ومتابعة الشغل المتكدس عليه.
ولكن ما زالت حرب النظرات بينها وبين ماجد تعلن عن مولد عشق جديد.
في الصعيد، يجلس إسماعيل وقد تملك منه الغضب لأنه ما زال يبحث عن أزهار وقد مل من كثرة البحث عنها.
الطمع عمى عينيه، والغضب تملك منه، وعدم مقدرته على الاستيلاء على ميراثها كاد أن يفقده عقله.
ولكنه لم ييأس في محاولات البحث.
فهو كرّس بحثه عنها في مدينة القاهرة لأنها كانت تقيم فيها فترة كبيرة طول مدتها في الجامعة، غير أنها تم اختيارها لكي تكون معيدة في نفس الجامعة.
فخطرت في باله فكرة: لماذا لا يوجه بحثه لمدينة أخرى؟
وبالفعل، أمسك هاتفه وقام بالاتصال بصديق له وحدد معه موعدًا لاستقباله في الإسكندرية.
في الإسكندرية، وداخل قسم الترجمة، يدخل لؤي المكتب كعادته بضوضاء يعلن عن وصوله.
ولكن اليوم كان مختلفًا، فكان صوته أعلى ووقف في منتصف المكتب يهتف، مما جعل الكل يخرج من مكاتبه ليعرف سبب الصياح.
اقترب ماجد عليه، فهو قد اعتاد جنانه، ولكن هذه المرة فاقت كل التوقعات.
قال له ماجد وهو يضحك على حاله:
خير يا فنان، الڤولت عالي قوي النهارده ولا إيه؟ من ساعة ما جيت وأنت عامل قلبان في المكتب.
ولكن صمت فجأة فور وقوع عينه على أزهار وهي تضحك بشدة على منظر لؤي.
فهذه المرة الأولى التي يراها تضحك فيها، فكانت ضحكتها سارقة للعقول، فقد سلبت منه عقله وقلبه.
لاحظت أزهار نظرات ماجد لها.
احمر وجهها وخفق قلبها بشدة، تقسم لو اقترب لكان سمع صوت خفقاته.
لاحظ لؤي حرب النظرات بينهم وابتسم.
أن رفيق عمره أخيرًا وجد من يعوض قلبه عن ما فقده، فقد عانى الكثير، وهو يعلم جيدًا أن أزهار هي العوض له، فقد التمس فيها حسن الأصل.
تجاهل لؤي نظراتهم كي لا يلفت الانتباه، ولكن كانت أيضًا عيون مثل الصقر تلاحظ هذه النظرات وتلاحظ أيضًا مولد العشق، وتتوعد لأزهار.
قال ماجد وهو يضحك:
خير يا لولو، في إيه؟ ليه الهيصة دي كلها؟ إيه كسبت يا نصيب؟
فجأة، بدون مقدمات، قفز لؤي فوق المكتب وقال:
أيها الناس، المكنة طلعت قماش!
ثم هبط على الأرض وقال وهو يلف حولين ماجد ويرقص فرحًا:
ضحكة يعني قلبها مالي، وخلاص الحال بقى غير الحال. مستني إيه بعد الضحكة؟
قال ماجد متحمسًا وقد فهم مقصد صديقه:
احلف بالله بتكلم جد؟
هز لؤي وجه فرحًا.
اختطفه ماجد في حضنه، وقد علم أن صديق عمره نال أخيرًا حب عمره، فهو يعشقها منذ كانت صغيرة، فهي ابنة عمه وكان يعشقها حد النخاع.
اقتربت منهم لارا وقالت بتهكم:
ما كفايا بقى هبل يا لؤي، إحنا في شغل مش في بيتكم. يا تقول في إيه يا تروح تشوف شغلك، الناس الإسبان مش هيصبروا. كفايا بهاء مش ظاهر.
اقترب منها لؤي وقال:
في إيه يا وش البومة؟ إنتي مش بتعرفي تفرحي؟ يا ساتر عليكي. اشربي شوية كلور يمكن تغسلي سواد اللي من جوا ده. يا باي، خايفة تضحك لو شقها هيشق.
في ذلك، وأزهار تكاد تقع من الضحك على لؤي وكلامه.
اقترب منها لؤي وقال:
أيوا بقى يا زوزو يا جامد، الله على ضحكتك وجمالها، الشمس بتنور.
دبت الغيرة في قلب ماجد، ولكن حاول جاهدًا ألا يظهرها.
ولكن صديقه تعمد أن يثير غيرته أكثر حتى يثبت لنفسه صحة توقعه.
اقترب لؤي أكثر من أزهار وقال لها:
يا زوز، باركيلي، أخيرًا الدنيا ضحكت لي. وأه يا دنيا.
وأمسك يدها ولفها حولين نفسها.
اقترب ماجد وقد احمر وجهه غضبًا.
ابتسم لؤي بخبث واقترب من أزهار وقال بهمس:
اجري على جوه عشان مديرك قلبه تنين وحبه وهيبخ نار فينا.
ازداد ضحك أزهار وأصدر صوتًا عاليًا مما زاد غضب ماجد.
اقترب منها وأمسك يدها بحدة لدرجة أنه ألمها، وقال بحدة:
اتفضلي على فوق، وركا كانت عاوزاكي تخلصي معاها الواجب.
سحبت يدها منه بحدة، وادمعت عينيها من الألم، ونظرت له نظرة توعدية.
ولاحظت نظرة شماتة في عيون لارا، وصعدت لأعلى دون أن تلتفت لهم، فقد أحرجها أمام الجميع.
نظر له لؤي نظرة عتاب، ولكن في صمت.
جرى وراءها لؤي وقال بصوت لكي يسمع الجميع:
بقولك إيه يا زوزو، اعملي حسابك، معزومة الأسبوع الجاي على خطوبتي، عاوزك أجمل بنت في حفلة.
هزت رأسها وقد حبست دموعها.
صعدت لأعلى وانهارت في البكاء، ولا تشعر غير بيد تسحبها لحضنه يمتص غضبها.
انهارت أكثر داخل حضنه، فقد شعرت باليتم وأن والدها قد مات للمرة الثانية، وأن ظهرها قد انكسر وليس لها سند.
استشف ماجد مدى حزنها، فقد كان انهيارها مبالغًا فيه.
أخذ يربت عليها إلى أن استكانت وهدأت.
خرجت من حضنه مذعورة، فهي لم تشعر أنها بداخل حضنه إلا أن استعادت وعيها.
نظرت له بخجل وقالت:
انت إزاي تسمح لنفسك تلمسني؟ اوعى تعمل كده تاني، أنا مسمحلكش.
وأكملت وقد تملك الغضب ريعانه:
وآخر مرة اسمحلك إنك تهيني قدام حد، بعد كده هتجبرني أرد عليك قدامهم.
ولكن قطع كلامها كلمة واحدة من ماجد قالها بهمس آخرستها ووقت لا تستطيع الرد أو التنفس.
قال ماجد بهمس وهو ينظر في عينيها:
بحبك.
مرت لحظات في صمت، وكلا منهم ينظر في عين الآخر، وضربات قلب أزهار تكاد تقف من سرعتها.
وكان كل واحد منهم يرسل مشاعره عبر النظرات.
قطع حبل الصمت صوت الملاك الصغير وهي تنادي على أزهار بكلمة رجت قلب ماجد من داخله.
قالت رقية وكأنها كلمة معتادة نطقتها:
ماما أزهار، إنتي طلعتي إمتى من تحت؟ أنا جعانة قوي.
حملتها أزهار ووضعت قبلة على جبينها وقالت بحب:
يا عيون ماما أزهار، دقيقة وتكون أميرتي بتاكل. تحبي تأكلي إيه؟
أجابت الصغيرة بحب:
أنا عاوزة أكل بيتزا، نفسي فيها قوي.
مسح ماجد دمعة كادت أن تسقط من عينه سريعًا ولاحظتها أزهار وقال:
حلو قوي، اجري البسي وننزل كلنا نتغدى بيتزا بره.
وقفت الصغيرة تصفق وتقول: وماما أزهار معانا كمان.
اعترضت أزهار وقالت:
لأ يا أميرتي، إنتي هتنزلي مع باباكِ، أنا عندي شغل تحت كتير.
انقلب وجه الصغيرة وقالت: خلاص مش عاوزة بيتزا.
ابتسم ماجد والتفت لأزهار وقال:
بعد إذنك، اخشي البسي إنتي وركا، وأنا هنزل أطلع العربية من الجراج، عشر دقائق تكونوا تحت.
حاولت أزهار الاعتراض، ولكن بنظرة منه أسكتها.
استسلمت أزهار وارتدت فستانًا كان قد اشترته من أكبر المولات في القاهرة، فهي معتادة على طريقة ملابسها.
نزلت أزهار بصحبة رقية.
نظر لهم ماجد بحب وكأنهم عائلة واحدة.
ركبت أزهار بجواره وركبت رقية من خلف تحت أنظار حاقدة.