تحميل رواية «أزهار» PDF
بقلم نرمين قدري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في إحدى القرى في الصعيد الجواني، نزلت فتاة من على درج إحدى السرايات الكبرى والدموع تنهمر من عينيها وعلامات الحزن ظاهرة على وجهها. نزلت على مهل وهي غير مبالية بأي شيء، وكأن عقلها لا يمكن أن يصدق ما حصل، مغيبة عن الواقع الذي تعيشه. لقد فقدت والدها ووالدتها وأخواتها الاثنتين في حادث سير فجأة بدون سابق إنذار. لقد رحل عن عالمها كل من كان فيه. لقد كانت تعيش في أسرة سعيدة، هي إحدى بنات هذه الأسرة، البنت الصغرى لهذه الأسرة. إنها ، بنت مليئة بالحيوية والنشاط والبهجة والسرور، كل من كان يراها يشعر بحسن جما...
رواية أزهار الفصل الحادي عشر 11 - بقلم نرمين قدري
وقفت لارا خلف نافذة مكتبها تتأمل بحقد أزهار وماجد.
وتقول وهي تجز على أسنانها بغيظ:
- لا بقا لحد كده واظن كفايا قوي البنت دي مش سهلة. مش مجرد داده لبنته ولا حتى فراشة. في المكتب لا دي بتاخد مكان أكبر شكلها بترسم لبعيد. توصل لحد أن تخلي ماجد بجلاله قدره يهتم بيها بعد اللي حصله. ده انجاز قدرت عليه أنا بقالي أربع سنين بخطط له ومش عارفه وهي في شهرين بس لفتت نظري. أنا لازم كده أتصرف بسرعة أحسن اللي فضلت أخطط له السنين دي كلها ممكن يروح مني في غمضة عين.
دخل عليها لؤي المكتب. كان يود أن يسألها على ماجد وأين اختفى. وجدها في عالم أخري ولم تشعر بوجوده. وعلى ملامح وجهها غيرة وكره. نظر لها وقال بجدية:
- خير يا لارا شكلك بيقول إنك مش ناوية على خير. ربنا يكفينا شرك يا شيخة وشر دماغك.
التفتت له لارا:
- ها كنت بتقول حاجة يا لؤي؟
رفع لؤي نظارته:
- لا مكنتش بقول. ربنا يستر.
وتركها وخرج وهو يبحث عن سر تغيب ماجد المفاجئ.
وعند ماجد. دخل المطعم بصحبة رقية التي كانت تتعلق في يد أزهار والإبتسامة تنير وجهها.
جلست أزهار بجوار رقية.
وفجأة تذكرت كلمة ماجد لها وارتجفت من الداخل ولكن ازدادت حمرة وجهها.
لاحظ ماجد ارتجافها. ابتسم على طفوليتها فشعر كأنه مسؤول عنها مثل رقية.
دق قلبه لها بشدة وأود أن يضمها لحضنه.
حضر النادل البيتزا. ساعدت أزهار رقية في الطعام لحد أن انتهوا.
ثم التفت ماجد نحو رقية وقال بحب:
- إيه رأيك يا روكا تقومي تلعبي في الألعاب اللي هناك دي؟
التفتت رقية وقامت تصفق من الفرح وجرت تلعب مسرعة.
ازداد خفقات قلب أزهار. فهي تعلم أنه تعمد رحيل رقية عنهم.
ابتسم ماجد واقترب منها وقال هامسا:
- ممكن تهدي شوية. أنا مش هاكلك. أنا عاوز أتكلم معاكي بس.
رفعت أزهار عينيها في خجل وخوف شديد. فهي خافت أن يسألها عن ما تخفيه.
- حضرتك عاوز تتكلم في. أنا سمعاك.
أجاب عليها:
- تعرفي يا أزهار إنك صنعتي المستحيل.
نظرت له أزهار بتعجب.
أكمل كلامه مسرعاً وقال:
- آه يا أزهار صنعتي المستحيل. أنتِ عملتي اللي محدش قدر عليه. ممكن تلاقي شبه الشكل أربعين زي ما بيقولوا. وممكن تلاقي حد يقلدك في كل حاجة. إنما مستحيل تلاقي حد يشبه روحك. يشبه حضورك. يشبه طلتك وضحكتك. الروح ماينفعش تتقلد. الحضور ماينفعش يكون مفتعل. الضحكة ماينفعش ييجي زيها. في ناس ربنا بيعطيها قبول من عنده سبحانه. وجايز أوي مايكونش شكلهم جميل أو ملامحهم حلوة. إنما ربنا عطاهم روح مافيش أحلى ولا أجمل منها. تخلي أي حد يشوفهم يحبهم. ناس بتحلي أي قعدة تقعد فيها. ناس ليهم بصمة ووجود وأثر في نفس كل بني آدم بيتعاملو معاه وف كل مكان بيروحوا فيه. نعمة القبول من أحلى النعم اللي ممكن ربنا ينعم على أي حد بيها. وإن يخلي كل اللي يشوفك قلبه يتفتح ليك ويحبك ويدعيلك ويتعامل معاك كأنك حد من عيلته مثلاً مع إنه ممكن يكون أول مرة يشوفك فيها. وأنتِ فيكي قبول غريب وروح حلوة قوي بتخلي كل اللي يشوفك يتشد ليكي وكمان شكلك سبحان الخالق. تعرفي يا أزهار أنا كنت فاكر إن حياتي خلاص خلصت على كده. كنت عايش بس عشان رقية أربيها وأشوفها أحسن واحدة. فكرة إني ممكن أحب أو قلبي يرجع للحياة تاني كانت فكرة مستحيلة. لكن أنتِ عملتي اللي متتعملش. أنتِ رجعتي الحياة تاني لقلبي. رجعتي له نبضة. أنا حاولت كتير أخبي مشاعري بس مقدرتش أتحكم فيها.
رفعت عينيها وتقابلت عيونهما في نظرة طويلة. نظرة تدل على مدى عشقها له.
ثم قالت بصوت منخفض:
- أستاذ ماجد أنا ظروفي متسمحش لا بحب ولا ارتباط. أنا مقدرش أوعد حضرتك بحاجة.
قال مقاطعاً:
- وأنا مطلبتش منك حاجة. أنا كل اللي طلبته ادي مشاعرك فرصة.
قامت واقفة وكأنها بتنهي الحديث:
- بعتذر منك. أنا مش مستعدة دلوقتي لأي ارتباط.
نظر لها. ثم أخفض عينه وتجمدت ملامح وجهه:
- تمام يا آنسة أزهار. وأنا كمان بعتذر عن تسرعي. ويا ريت تنسي أي كلام حصل بينا. من فضلك هاتي رقيه وحصليني على عربية.
علمت أزهار أنها جرحت كبرياءه. ولكن ما باليد حيلة. فهي غير قادرة على خوض أي علاقة في ظل ظروفها ووضعها الحالي.
مر أسبوع على هذا الحدث وكل منهما يحاول تجنب الآخر بقدر ما يمكن.
ولارا في كل لحظة تحاول أن تسفذ أزهار وتقلل من شأنها. وبالأخص أمام ماجد الذي كان يتجاهل أزهار بشدة.
لاحظ لؤي ما يدور بينهم من حرب وتجاهل.
دخل لؤي على أزهار وهي تعد بنفاذ صبر خامس كوب نسكافيه لأجل لارا ولا يعجبها.
نظر لها لؤي وقال:
- مش هيعجبها برضوا. متتعبيش نفسك.
نظرت له أزهار وهي تضع المعلق من يدها مصدرة صوت عالي:
- ما هو لو معجبتهش المرة دي هلبسهالها في شعرها. وتبقي تعمل حمام كريم بالنسكافية بقا. علشان للصبر حدود وهي عدته.
ضحك لؤي على شكلها الطفولي:
- مالك بس يا زوزو. برضوا لارا اللي معصباكي ولا الكبير اللي معصبك؟ شايف أنا نظرات تحدي بينكم. مش مريحاني. وماتنسيش كمان إن كان في كلام بينا لسه مخلصش.
هزت أزهار رأسها:
- حاضر يا أستاذ لؤي. هحكيلك كل حاجة بس مش وقته. أنا عاوزة أعرف منك حاجة تخص أستاذ ماجد.
ابتسم لؤي. فهو يعلم أنها تريد أن تعرف كل شيء يخصه:
- خير يا زوزو. عاوزة تعرفي عن ماجد إيه؟
- عاوزة أعرف سر الحزن الكبير اللي في عينه. وليه كان قافل على قلبه كل سنين دي كلها.
قال لها بمكر:
- ليه هو حد قالك إنه فتح قلبه؟ وإنتي عرفتي منين إنه كان قافل وفتح؟
احمر وجه أزهار من كلامه. ولكنه أنقذ الموقف وقال:
- عمتا يا ست زوزو. أنا مش هغصب عليكي. بس هقولك إيه سر حزن ماجد. بس بشرط. إنتي كمان تحكيلي سبب الحزن العميق اللي جوة عيونك. وإيه حكايتك بالظبط. لأن أنا مقتنعتش بأي حاجة حكيتيها.
- بصي يا ستي. أنا أعرف ماجد من أيام الجامعة. كنا إحنا تلاته شلة واحدة.
استعجبت أزهار وقالت:
- إنتوا التلاته؟
- آه إحنا التلاته. أنا وماجد. وإنجي. كنا مش بنفارق بعض إلا عند النوم. كنا جيران. دخلنا الجامعة سوا. ارتبط ماجد ب قصة حب خرافية هو وإنجي. حاجة كده زي اللي بنسمع عنها في الروايات والأساطير. العشق. روحهم كانت متعلقة ببعض. بس ماجد لما جه يتقدم لإنجي أهلها موفقوش عليه. ما هو ساعتها ما كانش ماجد بتاع دلوقتي. كان لسه شاب متخرج وبيتدي حياته. وأهلها كانوا عاوزين حد جاهز. تعبوا كتير هما الاتنين علشان يحاولوا يقنعوا أهلها. ولكن كانوا مصممين على الرفض. غير إنهم كانوا عاوزين يجوزها غصب عنها. واقفت إنجي في وشهم لدرجة إنها فكرت في الانتحار. لولا ماجد وأنا وقفنها عن الفكرة.
ظل يقص عليها ذكرياتهم والحنين يقتله والدموع تحتبس في عينيه. حاول جاهداً أن يوصل لها الصورة كاملة. أكمل لها:
- ما كانش قدامنا غير إننا نحط أهلها قدام الأمر الواقع. وراحوا كتبوا كتابهم من غير علم حد. أهلها لما عرفوا قطعوها. عاشت مع ماجد أجمل أربع سنين من عمرهم. بس ربنا ما كانش رزقهم بالخلف. وظرفهم ما كانتش وقتها تسمح بعلاج. استحملوا سوا لحد ما ربنا بدأ يفتحها عليهم. وفتح ماجد المكتب ده. ودخلت أنا شريك معاه. وهي كمان باعت دهبها كله. ودخلت شريكة. والمكتب الحمد لله اشتغل. وقدروا يجمعوا حق طفل الأنابيب. والحمد لله العملية نجحت. وكانت فرحتهم متتوصفش. كأنهم ماسكوا النجوم بإيدهم. وجه يوم الولادة. وكانت مبكرة. أخدها ماجد بسرعة على عربية وساق بسرعة رهيبة من كتر خوفه عليها. لأن كان عندها وجع شديد. لكن القدر كان له رأي تاني. عمل ماجد حادثة. وعربية انقلبت بيهم. ماجد كان عنده كسور كتير. وهي خدوه على غرفة العمليات بسرعة. للأسف فارقت الحياة قبل حتى ما تولد. بسرعة خرجوا البيبي من بطنها ودخل حضانة. فاق ماجد زي مجنون. مش عارف يقوم من كسور اللي عنده. ونفس الوقت هيتجنن عليها. حاله كان يصعب. أنا ما كنتش عارف أعمل إيه. أعيط على صاحب عمري ولا صديقتي. غير بقى لما أهلها عرفوا. طبعاً حملوا الذنب كله لماجد. اللي فضل عايش بذنبها. وقافل على نفسه. لحد ما إنتي جبتي فتحتي قلبه تاني.
نظر لها وجدها منهارة في البكاء.
اقترب منها وقال:
- إيه يا زوزو. لدرجة دي اتأثرتي؟
قالت بصوت باكي:
- وأنا جيت كملت عليه ورفضت حبه.
رفع لؤي وجهها له وقال:
- أزهار إنتي بتحبي ماجد صح؟
هزت أزهار رأسها موافقة.
- أمال ليه رفضتي؟
- ظروفي متسمحش. والله غصب عني. أنا ظروفي صعبة قوي.
رواية أزهار الفصل الثاني عشر 12 - بقلم نرمين قدري
أنها لؤي.
الحوار مع أزهار فور دخول لارا عليهم، تستعجل النسكافيه وتقول بحده مبالغ فيها:
- هو في إيه؟ ساعة علشان تجيبي مج نسكافيه؟ مش قد الشغل متشتغليش، متقرفوناش بقاااااااااااااا. أنا عارفة الأشكال دي بتتحدف علينا منين بجد، حاجة تقرف. المفروض قبل ما نختار فراشة تبقي نختبرها الأول، أنتي آخرك تمسحي سلم عمارة مش تشتغلي في مكتب كبير ومحترم.
كل ذلك وأزهار متماسكة لأبعد حد، فهي لا تريد أن تخسر عملها ولكن قد جرحت كرامتها، والكل واقف يشاهد ولم يتدخل.
وختمت لارا بخطف مج نسكافيه من يدها، مما جعل النسكافيه ينزل ساخن على يد أزهار فيحرقها.
سحبت أزهار يدها من شدة الألم، مما جعل النسكافيه ينزل على ملابس لارا وعلى الأرض متهشماً، مما زاد غضب لارا عليها.
هنا وقلب ماجد لا يقدر على التجاهل أكثر من ذلك، فقد احترقت يد معشوقته.
جرى عليها يلتقط يدها ويضعها تحت الماء بخوف شديد، مما أثار الانتباه من الجميع.
وقفت لارا فاتحة فاها على آخره، فهي توقعت أن يجرى عليها ماجد ليرى ما حدث لها، ولكنه تجاهلها تماماً وجرى على أزهار بلهفة.
سحب ماجد أزهار من يدها للطابق الأعلى تحت شهقات الجميع.
مما أثار غضب لؤي ووقف يصيح بصوت عالٍ في الجميع بغضب:
- في إيه؟ الكل على شغله بسرعة. إيه مش شفتوش واحدة إيدها إتحرقت قبل كده؟ واللي مش عاوز يشوف شغله يقدر. إحنا مش جاين نتفرج على بعض ولا نشوف مين عمل إيه، إحنا في مكان شغل. واللي لازمة أهلاً وسهلاً، واللي مش لازمة يتفضل.
الجميع اتفاجئ بطريقة لؤي، فهذه المرة الأولى يشاهدوا وجه لؤي الآخر، فتعودوا منه على الضحك والهزار، وهذه أول مرة يروا وجه الغضب.
ذهب الجميع إلى عمله دون أن يتفوهوا بكلمة، فقد أدركوا خطورة الأمر فعلاً وأنهم من الممكن خسارة وظيفتهم، فلؤي واحد من الشركاء.
صعد ماجد ومازال يسحب أزهار من يدها، إلى أن وصل منزله.
جرى مسرعاً يحضر قالب ثلج، ثم قام بتنظيف الجرح ووضع الكريم المناسب.
كل هذا ولم يرفع عينه فيها أو ينظر لها.
أنهى يدها وتركها دون أن يتكلم ونزل على المكتب.
شعرت أزهار بالحزن على حاله، فقد جرحته دون أن تقصد وهو لم يكن متحمل مزيد من الجرح.
جلست أزهار تتذكر كيف كان يعشق زوجته، ودبت في قلبها غيرة لا تستطيع إطفأها. نعم فقد غارت عليه منها.
أيحق لها أن تغار من شخص قد فارق الحياة؟ كان عندها حب فضول ترى هذه المرأة التي شاركتها قلب من تحب.
دخلت أزهار غرفته لأول مرة، فحب فضولها أن ترى كل ما يخص هذه السيدة، كيف كان شكلها، ما طريقة لبسها، لماذا أحبها كل هذا الحب.
دخلت بالفعل غرفة نومه ووقفت تنظر حولها، فكان متحف صور وليس بغرفة نوم. كانت صورها معه تملاء جميع حيطان الغرفة، وكأنهم يريدون أن يوثقوا كل ذكرى لهم بصورة، حتى مراحل حملها من أول شهر لآخر شهر موثقة بصورة.
ولكن استوقفها صورة غريبة ليوم الحادث، صورة السيارة وهي مقلوبة وصورتها وهي على فراش الموت، حتى بعد أن ما كُفنت.
أدمعت عينيها وتمنت أن تكون مكان هذه السيدة. أيحق لها أن تغار من شخص فارق الحياة؟
رجعت أزهار بظهرها للخلف، ولكنها قفزت مذعورة، لقد اصطدمت بجسد صلب.
استدارت لتجده واقفاً ينظر لها وعلى وجهه علامات الغضب.
تلجلجت أزهار وقالت بخجل:
- أنا أنا أنا آسفة.
قطع كلامها وقال بحده وغضب ممزوج بغضب وصوت مرتفع:
- أنتي مين سمحلك تخشي هنا؟ كلامي كان واضح معاكي من أول ما جيتي هنا، قلتلك مسموح ليكي تنظفي كل الشقة ما عدا غرفة نومي وغرفة مكتبي، ممنوع عليكي دخولهم. أظن كلامي كان واضح، أنا عاوز مبرر قوي يقنعني إنتي ليه دخلتي هنا ومين سمحلك.
امتنعت أزهار عن الكلام، وكان شيئٌ لجم لسانها.
جرت رقية مسرعة على صوت أباها، تنظر لأزهار التي كانت تبكي بشدة.
ارتمت في أحضانها تربط عليها كي لا تبكي وتنظر لوالدها وتقول بعفوية:
- على فكرة إنت وحش وأنا خصماك، إنت بتزعق لماما.
أزهار وهي بتعيط كل يوم وإحنا نايمين، متزعقلهاش كده.
سحب ماجد رقية من أحضانها وقال وهو يرجها:
- إنتي ملكيش غير أم واحد فاهمة، إنجي بس هي اللي أمك، فاهمة ولا مش فاهمة؟
هزت رقية رأسها والدموع تنهمر من عينيها وهي بدأت تبكي في صمت.
أدرك سريعاً ماجد أن ابنته سوف تدخل مرة أخرى في حالة الإغماء وفقدان الوعي للهروب من واقعها، فهي منذ قدوم أزهار وهي تعافت من هذه الحالة.
حملها مسرعاً وأشار إلى أزهار أن تأتي ورائه وذهب لغرفتها يحاول إفاقتها من هذه الحالة وهو يقول لها بصوت مملوء بالخوف عليها:
- روكا فوقي يا قلبي، متستسلميش علشان خاطري، علشان خاطر ماما أزهار. أنا وماما أزهار جنبك.
ثم أشار إلى أزهار التي تقف مذهولة والدموع تغرق وجهها أن تتحدث بصوت مرتفع.
فهمت أزهار:
- روكا أنا هنا جنبك وهفضل معاكي، أنا بحبك.
واقتربت منها وبدأت تهمس لها وتغني لها، إلى أن استنشقت رقية رائحة أزهار وبدأت تمسك فيها، وكان طفل تاه من أمه ووجدته. أمسكت رقية بشدة في أزهار.
احتوتها أزهار وضمتها لحضنها وبدأت تقرأ لها آيات القرآن الكريم، وبدأت رقية تستجيب وفتحت عينيها.
ابتسمت لها أزهار وضمتها لحضنها وقالت بحنان شديد:
- حبيبتي يا ماما، أوعي تسبيني تاني، أنا بحبك قوي.
ابتسمت لها أزهار وقالت بحنان:
- أنا عمري ما هسيبك أبداً، إنتي حتة مني، ويلا بقى علشان تنامي.
غلفت رقية في أحضان أزهار.
انسحبت أزهار بهدوء من جانبها ووجدت ماجد يجلس في انتظارها.
اقتربت منه أزهار وقالت:
- أنا آسفة من حضرتك، واللي حصل ده مش هيتكرر تاني. عارفة إني أكون تعديت حدودي وعملت حاجة مش من حقي، بس أنا كان عندي حب فضول أشوف الإنسانة العظيمة اللي ذكرها مخلد في كل جزء من حياتك.
نطق ماجد بكلمة واحدة:
- تتجوزيني؟
شهقت أزهار وقالت معارضة:
- إيه اللي حضرتك بتقوله ده؟ اتجوزك اللي هو إزاي يعني؟ حضرتك عارف بتقول إيه؟ اتجوزك إزاي وشبح الماضي عايش معاك؟ إنت تقريباً عايش مع المرحومة.
أجاب عليها بحزم:
- أنا قلتلك اتجوزيني، مقلتلكيش حبيني، وفي فرق بين الاتنين.
رفعت أزهار حاجبيها وقالت بتعجب:
- معلش وضح وجه نظرك علشان توهت منك، ومتنساش إنك متعرفش عني حاجة.
قطع كلامها بحزم:
- ومش عاوز أعرف عنك حاجة. أنا هتجوزك على الورق بس علشان تقدري تباتي هنا كل يوم ومتنزليش تنامي في المكتب علشان خاطر رقية. كل اللي هيكون بينا هي رقية. البنت متعلقة بيكي قوي، أنا مش عارف إنتي عملتلها إيه، خليتيها تنسي أمها.
احتدمت أزهار وقد استفزتها الكلمة:
- وهي فين أمها علشان تنساها؟ رقية مشافتش غير شبح صور إنت نسجته في خيالها، شوية صور وإنت عملت منهم حدوتة. رقية بتتعب كل ما بتخش الأوضة بتاعتك، رقية محسيتش بحنان أمها، لكن إنت اللي زرعت في عقلها صورة عن أمها. إنت متخيل بنت تشوف أمها في كفن وصورة قدامها على طول؟ حرام عليك، كل يوم بتجدد حزنها وتحسسها باليتم، كل يوم بتوصلها إن أمها ماتت. وفكرك إنك بتحيي ذكرى أمها جواها؟ بل بالعكس إنت كل يوم بتقولها إنك لوحدك، مالكش أم.
كان رد فعل طبيعي اللي حصلها لما حسستها إنك هتاخد منها أمها التانية، نفس السيناريو دار في دماغها مع صورة أمها بالكفن وصورة الحادث وهي على فراش الموت. حرام عليك، ده حتى الموت ليه حرمة.
عموماً يا أستاذ ماجد، أنا موافقة اتجوزك علشان خاطر رقية، بس حضرتك لازم تعرف إن الوضع زي ما هو، مفيش حاجة هتتغير.
أجاب متسرعاً وكأنه يثور لكرامته:
- وأنا مطلبتش منك غير إنك تكوني أم لرقية، وعلشان تقدري تباتي هنا بدون حرمانية، غير كده إنتي زي ما إنتي. أزهار مدبرة منزل. ودلوقتي اتفضلي انزلي تحت، واعملي حسابك كتب كتاب بكرة إن شاء الله علشان بعد كده هنستعد علشان نحضر خطوبة لؤي.
رواية أزهار الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نرمين قدري
نزلت أزهار للأسفل وعلى وجهها علامات استفهام كثيرة وتفكيرها فيما حدث. هل كانت على صواب عندما وافقت؟ أم أنها تسرعت بالموافقة! ولكن الرد الصحيح الذي أجابته لنفسها أن في المنتصف حياة طفلة صغيرة ليس لها يد في أنها خلقت بدون أم. رضخت أزهار لعاطفة الأمومة بداخلها وحزمت القرار أنها تسير في الطريق الصحيح.
ذهبت أزهار نحو مكتب بهاء لكي تشاهد ما أتمه من عمل، ولكنها تفاجئت أن بهاء لم يبدأ أصلاً في الشغل وهو كما هو. وضعت أزهار يدها على فمها من هول المفاجأة. بهاء لم يبدأ أصلاً في الشغل وهو متغيب من أربع أيام والكل مشغول في ضغط الشغل الجديد ولم ينتبهوا لغيابه وتأخر تسليم الشغل الذي من المفترض أن يقوم بتسليمه بعد غد.
حاولت أزهار أن تبدأ تنجز العمل ولكنها بحثت عن كراسة الملاحظات التي ألقوها على بهاء فلم تجدها. وقفت في حيرة، فوضع المكتب مهدد لأن يوجد شرط جزائي كبير في حاله عدم تسليم الشغل في معاده. وقفت أزهار محتارة ماذا تفعل؟ هل تتصل بلؤي وتقص عليه حكايتها وتفضح نفسها أمامه؟ أم تلتزم الصمت وتعرض المكتب الذي تعب ماجد ولؤي من أجله؟ فهي في موقف لا تحسد عليه.
ولكنها حسمت الأمر واتصلت بلؤي ولكن كان هاتفه مغلق.
عدى اليوم وأزهار تحاول الاتصال بلؤي. وفي الصباح الباكر كان المكتب إجازة. سمعت صوت باب المكتب يرن. فتحت وجدت لؤي وماجد ومعهما اثنين كمان. تعجبت أزهار ونقلت نظرها لماجد مستفهمة، ولكنه تجاهل النظر إليها وقال دون أن ينظر لها:
"اتفضلي هاتي بطاقتك علشان نكتب الكتاب."
تنحت أزهار ونظرت للؤي لكي ينقذها من الموقف كله. ولكن لؤي ليس بيده حل. رفع حاجبه أنه ليس بيده شيء.
أجابت أزهار متلجلجة:
"أنا قلت لحضرتك أن اتسرقت في القطر وأنا نازلة اسكندريه وبطاقتي ضاعت."
نظر ماجد للمأذون وقال:
"والعمل دلوقتي؟"
قال المأذون:
"استاذ ماجد حضرتك جاري من زمان وأنت محل ثقة. لو الآنسة حافظة الرقم القومي ممكن أحلهالك بس بشرط لازم تكون البيانات مؤكده لصحة الزواج وحتى لا يكون باطل."
نظر ماجد لأزهار التي هزت رأسها موافقة:
"بس أنا معايا صور من شهادة الميلاد والبطاقة."
قال لؤي وهو يبتسم فهو يعلم أنها تخفي أوراقها عنه:
"على خيرة الله اتفضلوا نكتب الكتاب."
وتم عقد قرانها على ماجد. وصل ماجد المأذون ولؤي والشهود إلى الباب، ثم تركها وصعد لأعلى دون أن يقول لها أي شيء.
جلست أزهار وهي تنظر للفراغ ولا تعلم ماذا فعلت وهل هي على صواب، ولكنها حقاً عشقته حد الجنون.
حل المساء وصعدت أزهار لتجهز لحضور فرح لؤي. ساعدت رقية في لبسها، ثم دخلت تبحث في ملابسها ووجدت فستان تخرجها ما زال في حقيبتها. ابتسمت ابتسامة شاحبة لأن والدها أحضر لها هذا الفستان من الخارج وكان مصمم خصيصاً لها وعليه أول حرف من اسمها. نزلت دمعة من عينيها دون قصد. مسحتها بظهر يدها وبدأت تجهز كما تعودت وغير مبالية أنها من المفترض أنها مدبرة منزل بنت عامل بسيط، ولكن الطبع يغلب التطبع.
ارتدت فستانها وظهرت بمظهر الأميرات، فكان الفستان مرصع ببعض الفصوص الفيروزي باهظة الثمن وكان من أغلى الماركات العالمية وكان الحذاء أيضاً نفس ماركة ومرصع بنفس الأحجار.
خرجت أزهار من الحجرة وكأنها أميرة هربانة من الروايات. رفع ماجد عينيه وقام واقفاً مذهولاً من هول المفاجأة، فكانت حقاً أميرة رائعة الجمال. حاول ماجد أن يداري إعجابه الشديد بها، ولكن نظرات عينيه غلبته وقال وهو يحاول التماسك أمامها:
"تمام جاهزين كده يلا بينا."
وتقدم أمامهم، ولكن وقف مرة واحدة ورجع بظهره وهمس لها:
"أظن أن ده مش لبس واحدة كانت شغالة في أرض وأبوها مزارع بسيط. احترمي عقول الناس. اللي يسألك قولي أن أنا اللي جبته ليكي. عمتا لسة بينا كلام كتير لحد ما أعرف إيه حكايتك بالظبط."
تنهدت أزهار وخفق قلبها. لقد حان موعد افتضاح أمرها. هي لا يوجد عندها ما تخفيه، ولكن خشية أن يعلم أحد من أهلها مكانها، فهي في مقام الميتة بالنسبة له. تنهدت وقالت في نفسها:
"يلا بقا اللي يحصل يحصل. هي موتة ولا أكتر."
وعلى الجانب الآخر وصل إسماعيل إلى الإسكندرية ليقابل صديقه الذي حدثه عبر الهاتف. وجده يستعد للذهاب لفرح أحد أصدقائه، فقال له:
"تعالى معايا عندي فرح واحد صاحبي. انبسط لك ساعة وبعد كده نشوف حكايتك إيه."
دخلت أزهار الفرح بصحبة رقية وماجد، وكانت تتمسك برقية وكأنها أمها فعلاً، فكانت مهتمة بها حقاً. لفتت أزهار بجمالها كل الأنظار مما جعل ماجد يستشاط من الغيرة عليها، فكان جمالها آخذاً للعقول.
مال عليها وقال بحده:
"ياريت حضرتك تحترمي أنك على ذمة راجل وتفضلي اقعدي هنا ومتتحركيش."
نظرت له بتعجب وأجابت بتحدي:
"ياريت أنت اللي متنساش أن جوزنا سوري، ومحدش من اللي هنا يعرف أننا متجوزين أصلاً، غير أن أنا معملتش حاجة أصلاً علشان تقولي الكلام اللي ملهوش لازمة ده."
رفع عينه واستعجب من طريقة كلامها. نظرت له وأخذت يد رقية وتركته وجلست بعيداً عنه. لمحتهم لارا وبحلقَت بعينيها من الدهشة. ذهبت إليهم والغيرة واضحة عليها وقالت بقرف وهي توجه كلامها نحو أزهار:
"خير؟ هي جانب البرنسيسة وقعت على كنز ولا إيه؟ ولا كان عندها حاجة أغلى من تمن الفستان وباعتها؟"
نظرت لها أزهار من أعلى لأسفل وتركتها تأكل في نفسها ومشَت. ذهبت تسلم على لؤي الذي فور أن رآها أطلق صافرة إعجاب وقام من جانب عروسته ويقول:
"يخربيت عقلك إيه يا زوزو الحلاوة دي؟ هو في كده؟"
ضحكت على كلامه ثم التفتت إلى عروسه تبارك لها. قالت لها العروسة:
"أنتي أكيد آنسة أزهار صح؟ لؤي ملهوش كلام غير عنك بس بصراحة عنده حق."
ابتسمت لها أزهار وفكت قلادة كانت لبسها وقالت:
"أنا مكنتش أعرف بخطوبتك، ممكن تقبلي مني الهدية دي؟"
ابتسمت العروسة وقالت وهي تنظر للقلادة:
"تحفة، بس دي شكلها غالي قوي."
ابتسمت أزهار وقالت:
"مفيش حاجة تغلى عليكي."
نظر لؤي لماجد نظرة ذات مغزى، الذي كان يشاهد ويسمع كل حديثهم. فهم ماجد نظرة لؤي وأشار برأسه.
وفجأة تغيرت ملامح أزهار واحمر وجهها وبدأ الذعر على معالم وجهها وذهبت مسرعة تتحمى وراء ظهر ماجد. استغرب ماجد منها ولكنه استشعر خوفها. استدار لها وقال لها:
"تحبي نمشي يا أزهار؟"
هزت رأسها وهي ترتعش خوفاً. ضمها بيده وأخذ رقية وذهب مسرعاً من الفرح.
اقترب صديق لؤي يهنئه وعين لؤي على ماجد وأزهار. ولاحظ من يصطحب صديقه عينه على أزهار وكاد أن يذهب وراءهم لولا تدخل لؤي يعطله عنهم. فقد شعر أن هذا الشخص هو الذي سبب ذعر لأزهار. حاول سحب حديث منه، ولكن الآخر كان يريد أن يتأكد إذا كانت هي أزهار أو لا. حاول لؤي تشتيت تفكيره.
سأله إسماعيل وهو يحاول أن يدقق النظر:
"هي مين الآنسة اللي مشيت دي؟"
تجاهل لؤي كلامه ووجه كلامه لصديقه يسأل عن حاله.
كرر إسماعيل السؤال عن أزهار. التفت لؤي له بنفاذ صبر:
"نعم حضرتك خير؟ مش فاهم أنت بتسأل عن مين؟ مافيش حد مشي غير صاحبي ومراته وبنتهم هما اللي استأذنوا ومشوا علشان بنتهم مريضة. لكن أنا معرفش آنسة مشت."
ولكن على الطرف الآخر عيون تلاحقهم وهي تبتسم بخبث وقد وجدت طريقها.
رواية أزهار الفصل الرابع عشر 14 - بقلم نرمين قدري
هز إسماعيل رأسه تأكيدًا، وترك صديقه يقف مع العريس، وذهب يجلس في مكان قريب، وهو يقول في نفسه:
"خبر إيه يا إسماعيل؟ شكلك اتجننت عاد. كل ما تلمح بنته تقول عليها أزهار. إياك شكل البت لحسة مخك على الآخر. لاء، فوق إكده علشان تعرف تدور عليها مليح."
وفجأة فاق من شروده على صوت واحدة بتقول له:
"شيفاك كنت بتشبه على حد يا بلدينا."
رفع عينه متعجبًا:
"سلامتك يا ست. لاء، خلاص عاد. مطلعتش هي. كنت فاكر المدام اللي مشت، واحدة بلدياتي أعرفها. لكن مش هي عاد. دوكها مش متجوزة، لكن دي متجوزة وحدها بنته كمان."
ضحكت لارا ضحكة بصوت عالي، مما لفت انتباه كل الحاضرين، وانتباه لؤي الذي استشاط غضبًا عندما لمح لارا واقفة مع الشخص المجهول.
التفت لؤي لصديقه يسأله عن إسماعيل، الذي أجاب:
"أبدًا يا لؤي، ده واحد معرفه من بعيد. بنت عمه هربت منه يوم الفرح. هو نازل إسكندرية يدور عليها. وتقريبًا كده لمح واحدة شبهها. علشان كده كان بيسألك عن الآنسة اللي كانت واقفة هنا."
وقف إسماعيل، وعلى وجهه علامات الغضب، وهو يقول لها:
"أباي عاد! هو أنا قلت نكتة إياك ولا إيه؟ خير يا آنسة؟ بتضحكي على إيه عاد؟"
قالت لارا وهي مازالت تضحك:
"بضحك على طبيتك الزيادة يا بلدينا."
تملك الغضب إسماعيل، وقال بغضب صعيدي:
"واه واه واه! وبعدهالك عاد يا حرمة؟ ما كفياكي ضحك بالمنظر ده؟ يا تقولي إيه اللي بيضحكك، يا تاخدي بعضك وتقومي. أنا منقصاكيش عاد."
قالت لارا باستخفاف ونفس نبرة الضحك، وكأنها لا تسمع كلامه:
"اسمها إيه اللي أنت بتدور عليها؟"
قال إسماعيل بتأفف:
"اسمها أزهار عاد."
قامت لارا واقفة، وتبدلت معالم وجهها الجدية، وقالت:
"وأنت عاوز منها إيه اللي اسمها أزهار دي؟"
جاب بعفوية:
"مرتي. أقصد اللي هتكون مرتي عاد. أنا قايل عليها، وكلمتنا في صعيد كتب كتاب عاد. يعني تقدري تقولي في حكم مرتي عاد."
ابتسمت بمكر وقالت:
"واللي يدلك على مكانها؟"
قام إسماعيل واقفًا، وبدا على وجهه الاهتمام، وقال بحده:
"انتي تعرفي طريقها إياك؟ انطقي يا حرمة بسرعة، لاء أخرج روحك من جسمك! الله في سماه، لكون دفنك هنا مكانك، لو ما نطقتي فين مكان أزهار."
زقت لارا يده وقالت:
"حيلك حيلك يا بلدينا. في إيه؟ براحة. على نفسك كده، ليطق ليك عرق وتروح فيها. هقولك على مكانها، وخليه تغور من هنا وتريحنا."
"انطقي عاد."
أخرجت لارا ورقة وقلم، وكتبت عنوان المكتب، وقالت:
"هتلاقيها في العنوان ده. بس اهدي كده يومين، تكون اطمنت إنك ما شوفتهاش."
وصلت أزهار المنزل. عند ماجد، نظر لها ماجد نظرة طويلة، ثم وجه نظره إلى رقيه وقال:
"روكا، يلا يا قلبي، بوسة بابي وخشي نامي."
نظرت رقيه إلى أزهار. سبق ماجد وقال:
"معلش يا روكا، سيبي ماما أزهار علشان عاوزها في موضوع مهم. خشي غيري ونامي."
قالت أزهار متسرعة:
"هروح أساعدها وأغير، وأبقى أجي لحضرتك."
استشعر خوفها، وهز رأسه موافقًا.
وكأن أزهار وجدت طوق نجاة في الهرب. صحيح بضعة دقائق، ولكن ستستنشق أنفاسها فيهم. فهي تعلم أن ماجد لن يهدأ دون أن يعرف قصتها كاملة.
بالفعل ساعدت أزهار رقيه، وذهبت رقيه في سباق مع النوم. بدلت ملابسها، وارتدت ترنج بيتي، وارتدت طرحة، وذهبت إليه. وجدته يعد القهوة في المطبخ.
جلست على المقعد أمامه، وهو يعد القهوة. ألقى نظرة عليها وقال بحده:
"متهيقلي أنا صممت على كتب الكتاب علشان تكوني براحتك، وما يكنش فيه حرمانية إنك تقعدي براحتك. اتفضلي، اقلعي الطرحة. مافيش واحدة بتقعد بطرحة في بيتها."
كلمة "بيتها" لمست قلبها قوي، مما جعلها تهتز. فشعور الأمان التي تشعر به هي نفسها، لا تعلم من أين أتى لها. فهي تشعر كأنها في بيتها من سنوات طويلة.
سمعت أزهار كلامي، وفعلاً قامت بخلع طرحتها. ولكنه وقع من يده قدح القهوة دون إرادة منه. فلم يعد يسيطر على مشاعر أزهار. كانت جميلة لدرجة أنه فقد السيطرة على نفسه.
لقد كان شعرها يصل إلى بعد منتصف ظهرها، وكان سلاسل مختلطة من البني والأصفر، لونهم كأنه مصبوغ. فردته على ظهرها.
احمر وجه ماجد، وحاول أن يستنشق هواء، وكان الأكسجين اختفى فجأة. فجمالها هزته من الداخل بقوة.
قامت أزهار بعفوية تنظف القهوة، وغير مبالية بحالته. فهو جلس على مقعد دون أن يتفوه، وكأنه فقد النطق. يحاول أن يسيطر على مشاعره التي خرجت عن السيطرة.
أعدت أزهار كوب آخر من القهوة، وقدمته له.
أخذه منها، وقال بصوت مبحوح:
"مافيش عندنا أي حاجة تتاكل معاها. أنا جعان قوي."
قامت أزهار، أحضرت له بعض الفطائر، وجلست.
نظر لها وهو يلتقط إحدى الفطائر، وقال بهدوء تام:
"أنا سامعك، وعاوز أسمع كل حاجة بهدوء وبصراحة. وعاوز أعرف سر خوفك الشديد اللي ظهر عليكي واحنا في الفرح."
بلعت أزهار ريقها بصوت مسموع، وقالت بصوت مخنوق:
"تخيل حياتك كلها تتغير في لحظة، بعد ما كنت أسعد حد على وش الأرض. فجأة تلاقي نفسك لوحدك من غير سند ولا ظهر، وأقرب حد ليكي بينهش فيك، وكأنه لما صدق إنك وقعت."
وبدأت أزهار تقص عليه حكايتها، والدموع سبقتها، وهو يسمع والتأثير على معالم وجهه. فجأة خطفها لحضنه بدون مقدمات. دخلت أزهار وكأنها كانت منتظرة هذا الاحتواء. ارتمت داخل أحضانه وكأنها وجدت أمانها، وظلت تخرج ما كتمته طول هذه المدة. انهارت في البكاء بشدة، إلى أن استكانت.
أخرجها ماجد برفق شديد من أحضانه، وهو ينظر لعيونها، وقال لها بحنان:
"ممكن بقي تهدي؟ كفايا دموع لحد كده."
رفعت أزهار عينيها، والدموع تملأها، والتقطت نظراتهم. همس لها ماجد بحنان وقال:
"بحبك يا زهرة قلبي. تصدقني يا أزهار لو قلتلك إن حاسس إن عمري ما حبيت قبل كده."
نظرت له أزهار نظرة غير مصدقة، فكل الدلائل تقول إنه كان عاشق لزوجته السابقة.
قال لها:
"عارف إنك مش مصدقاني، بس حبي لإنجي ده كان حب مراهق. كبر على حبها، وماكنش شايف غيرها. لكن حبي ليكي انتي، حب راجل ناضج. عشق أجمل بنت من أول نظرة. أنا بجد بحبك قوي يا أزهار، ومن أول نظرة دقت نبضه في قلبي. أنا نفسي كنت مستغرب إيه اللي بيحصل ده، وإزاي مع إني كنت واخد عهد على قلبي ميتفتحش بعديها."
"إنجي ضحت علشاني كتير، وأنا مش خاين للعهد. لكن اتضح إن القلب معلهوش سلطان، والحب قدر. إحنا مش بنختار نحب مين، ومنحبش مين."
قالت أزهار متسرعة:
"ولارا؟"
كشر وقال:
"مالها لارا؟ مش فاهم؟"
ضحكت أزهار:
"مش معقول، مش واخد بالك منها؟ دي هتموت عليك."
شدها مرة أخرى لحضنه، واستشعر هواء نفسها في وجهه، وهمس بحب:
"وأنا هموت على واحدة تانية خالص، وقلبي أصدر قرار خلاص."
احمر وجهها خجلًا، وخفق قلبها بشده، فهي تنجذب له هي الأخرى، وبشدة.
لمس شعرها بحنان، واستنشق رائحته، وأخبئها داخله، وقال لها وهو يحاول أن يخرجها من أحضانه برفق، وكأنها قطعة زجاج رقيقة يخشي عليها من التهشيم:
"خشي نامي، الوقت اتأخر، وعندنا شغل كتير متعطل، ولا إيه يا ميس الإسباني؟"
رفعت رأسها، وشهقت في دهشة.
ضحك على منظرها، وقال وهو يعبث في شعرها:
"أنا بس سايبك تلعبي بمزاجي. أنا عارف إنك إنتي اللي خلصتي شغل بهاء."
خبطت على رأسها فجأة، وكأنها تذكرت شيئًا، وقالت:
"خد بالك، بهاء مشتغلش خالص، وأنا جبت أخلص الشغل، ملقتش كراسة الملاحظات اللي هشتغل عليها."
ظفر ماجد أنفاسه، وقال لها:
"خشي نامي دلوقتي، وربنا يحلها الصبح. يلا، تصبحي على خير يا زهرة قلبي."
ابتسمت أزهار، وذهبت على غرفة رقيه، أخذتها في أحضانها، ونامت دون أن تفكر.
وفي الصباح، بدأ العمل كالمعتاد في المكتب، دون أدنى تغير، غير تورّد لون أزهار. فالحب لمعة تظهر على عيون لا يمكن إخفاؤها، فكانت نفس اللامعة في عيون ماجد.
وقف لؤي ينظر لهم، وقد لمس لمعة عيون صديقه، فالحب لا يمكن أن يخفي. فكانت نظرات الحب بينهم فاضحة.
نظرت لهم لارا بسخرية، وابتسمت بخبث.
حضر وفد من الشركة الإسبانية، يتساءل عن سبب التأخير، مما تسبب في ارتباك ماجد.
ظل يبحث بعيونه عن بهاء، وهو يدعوهم إلى حجرة الاجتماعات، يشير إلى أزهار أن تعد قهوة.
دخلت أزهار حجرة الاجتماعات، وكان الجميع مشدودًا. ماجد ولارا ولؤي، وبعض رؤساء الأقسام، وكان يوجد مترجم يترجم ما يقوله الوفد.
سمعت أزهار شخصًا يقول للمترجم إنه يود أن يفسخ العقد ويطالب بالشرط الجزائي. لم تنتظر أزهار المترجم، وأجابت دون أن تستأذن من ماجد، بلغة إسبانية صحيحة.
وقالت لهم:
"إنها تود مهلة يوم واحد فقط، وهي سوف تنجز العمل بنفسها، وبتعتذر عن إهمال الموظف الآخر، فهو قد وضعهم في مأزق، واستسمحته أن يلقي عليها ملاحظته."
وبالفعل رضخ الوفد لها، وابتسم لها.
نظرت أزهار لماجد، الذي غمز لها بعينه. احمر وجهها، وقالت بفرح وهي تنظر لماجد بحب، وكأنها تود أن تقول له "بحبك":
"الحمد لله، الوفد وافق يدينا مهلة نخلص الشغل، ومش هيفسخ العقد."
قام لؤي من مكانه، يصرخ:
"يا زوزو يا جااااااامد! أيوا بقاااااااااااا!"
نظر لهم ماجد بحذر، أنه ما زال الوفد موجود.
جلس لؤي مكانه، وهو يرفع إصبعه بعلامة النصر لأزهار، التي احمر وجهها أكثر من الحلق.
قالت لارا، وقد اتفاجئت هي الأخرى بما فعلته أزهار:
"وهي جناب البرنسيسة إيه دخلها في شغلنا؟ إنتي هنا جاية فراشة؟ إن شلت، لو تعرفي ١٠٠ لغة، إنتي هنا فراشة وبس."
احمر وجه لؤي وماجد غضبًا، بعد أن لاحظوا أن المترجم يترجم للوفد ماذا تقول.
ولكن حدث غير المتوقع، فقد قام مندوب الوفد الإسباني، يقف احترامًا لأزهار، ويقول لها إنه يحترم من يسعى وراء عمله مهما كان مركزه، وزاد في وقت المدة المقدمة لديهم.
رواية أزهار الفصل الخامس عشر 15 - بقلم نرمين قدري
تفاجأ جميع الموظفين بما فعلته أزهار، فكان تصرفها غير متوقع للجميع، بما فيهم لارا التي قامت واقفة وازداد حقدها عليها.
قامت لارا تتسلل بدون أن يشعر بها أحد، وأتمت مكالمة هاتفية تقول فيها باختصار:
"الو، تقدر تنفذ انهاردة بليل؟ فرصة هتكون لوحدها، سلام."
ثم عادت مكانها دون أن يشعر بها أحد.
ولكنها لا تعلم أن منذ حفل الخطبة، توجد من يعد عليها أنفاسها.
ظلت أزهار طوال اليوم ليس لديها عمل غير أن تتم شغل الوفد الإسباني، وظلت بعد مواعيد العمل الرسمية تعمل بمفردها في المكتب.
في السيارة في أسفل المبنى، ظل ماجد أمام الكاميرات يترقب أي فعل يحدث لها. وبالفعل حدث المتوقع، فتح باب المكتب ببطء وتسلل شخص ملثم يرتدي جلباب. تسحبت من ورائها ووضع منديل مخدر على فمها وحملها بسرعة وخرج.
استعد ماجد بعد أن أعطى الإشارة للمؤمن الذي كان ينتظر بجانبه أمام عجلة القيادة أن يتحرك.
مضى وقت طويل لتتوقف السيارة أمام بيت كبير أشبه بالصرايا، مكتوب عليه "سرايا الكيلاني".
بدأت أزهار أن تفوق. رفعت رأسها وجدت نفسها أمام سرايت والدها. رفعت رأسها وفركت عينيها لتتضح الرؤيا، هي بالفعل أمام سرايتهم في الصعيد. رفعت عينها وجدت إسماعيل ينظر لها نظرات مقززة. رجعت بظهرها للوراء متقززة من نظراته ومن منظره وقالت له بقرف:
"انت اللي خدرتني وجبتني هنا صح؟"
أجاب عليها بضحكة سمجة:
"آه يا ست العرائس، واتفضلي عشان كبار العيلة كلهم متجمعين حدك في السرايا. يلا بقا عشان عوقنا عليهم وخلي الحديث لما يتقفل علينا باب واحد يا قشطة انتي يا مهلبية."
نظرت له بقرف من أعلى إلى أسفل ودخلت وهي رافعة رأسها، فهي تعلم أنه لا يمكن أن تتزوج هذا الكائن وهي بالفعل متزوجة. وخطر على بالها ماجد وماذا يفعل وهل شعر بغيابها أم لا.
تنهدت ودخلت إلى السرايا التي كبرت وشاهدت معها أجمل أيام حياتها. وجذبها الحنين لكل شيء وتذكرت أهلها. أدمعت عينيها وترحمت عليهم، ولكنها وجدت أنه لا وقت للضعف ولا للحزن، فيجب أن تكون في أقوى حالاتها.
دخلت وعلى وجهها قوة غير المرة السابقة، كانت ضعيفة وهشة، ولكن الآن فهي تعلم أن ماجد في ظهرها وتستمد منه قوتها.
دخلت وجدت نفس العدد الذي كان موجودًا سابقًا، ولكن يجلس رجل كبير في السن، واضح أنه أكثر حكمة من الجميع، فهي تراه لأول مرة، ولكن واضح أن لديه هيبة وكلمته مسموعة عندهم.
دخلت أزهار وألقت السلام عليهم. وقف واحد منهم، رفع سلاحه عليها أود أن يقتلها، ولكن بكلمة من كبيرهم لجمه مكانه.
فقال كبيرهم: "خبر إيه يا عواد، ملكوش كبير ترجعوله عاد ولا إيه؟"
خفض عواد رأسه واعتذر.
قام الرجل المسن يحدق في أزهار من خلف نظارته الطبية السميكة:
"وبعدين عاد يا بنت الكيلاني، أنتي المفروض دلوقتي في شرعنا في حكم الميتة. البنت اللي تهمل أهلها وولد عمها وتهرب يبقى دمها حلال. احكمي أنتي على نفسك عاد."
رفعت أزهار رأسها وقالت بثقة:
"وأنا كمان هحكم يا با الحج، وحضرتك شكلك حقاني وحكيم. يرضيك مافتش على وفاة عائلتي كلها يوم وعمي كان عاوز يجوزني، ومين إسماعيل اللي متجوز غيري اتنين وعمره من عمر أبويا وغير كده مش بيفك الخط وأنا دكتورة في جامعة؟ هو ده العدل؟ هو ده سلو الصعيدة يكسروا بناتهم وعلامهم بدل ما تفتخروا بيا تدفنوني مع حد قد أبويا؟ وأنا متأكدة أنه طمعان في ورثي. مين قال أتزوج وأنا لسه دافنة عائلتي بحجة الستر؟ إيه ستر ده اللي بتتكلموا عليه؟ إنه نوع من الستر اللي مبيحترمش حتى حزني على أهلي اللي راحوا كلهم مع بعض. غير أن أنا استنجدت بكل رجالة اللي قاعدين هنا محدش رد عليا."
ثم ارتفعت حدة صوتها وقالت بقهر وهي تلتفت لكل اللي حوالي:
"حصل ولا محصلش أن استنجدت بيكم وقلتلكم؟ يرضيكم تحولتم كلكم لتماثيل ومحدش وقف جنبي؟"
ونزلت دموعها وقالت:
"ساعتها حسيت باليتم واني لوحدي وفعلاً مليش أهل خلاص."
ثم خفضت نبرتها تلقائياً:
"عرفت ساعتها يا با الحج أن خسرت وخلاص، ماقدميش حل يا أموت نفسي وألحق أهلي وأخسر ديني، يا أهرب. لو أنا مكان حضرتك كنت عملت إيه؟"
نظر الرجل الكبير لجميع الرجال الجالسين نظرة أرعبتهم جميعًا، وارتجف قلب إسماعيل فهو يعلم ما سوف يحل عليه من غضب.
ثم نظر لأزهار وقال بهدوء:
"تمام يا بنيتي، عفونا عنك. إيه طلباتك؟"
قالت أزهار وهي تبلع ريقها وقلبها يرتجف:
"أنا مليش طلبات غير أنهم يسيبوني في حالي وأستلم شغلي في الكلية، ومش عاوزة حاجة من حد. أبويا الله يرحمه سايبني مستورة."
هز الشيخ رأسه وقال:
"كل ده مليح وأنا موافق، بس بشرط تتجوزي أي حد من أولاد عمك الصغار، سيبك من إسماعيل ده كبر وخرف. ما هو ميصحش تقعدي في مصر لحالك أكده."
وجاء صوت من خلفهم يقول في أدب:
"وبرضوا مينفعش يا شيخنا أن احنا نزوج واحدة متجوزة أصلاً."
قام الجميع ينظرون خلفهم إلى مصدر الصوت، وما كان غير ماجد طوق النجاة الذي أنقذ أزهار.
اقترب ماجد من الشيخ الكبير وأخرج قسيمة الزواج وقال بأدب:
"أنا اتجوزت بنتكم على سنة الله ورسوله عشان أحافظ عليها، ومرضتش أتمم جوازي منها لحد ما آجي وأحط إيدي في إيد كبيرها، عشان أنا عارف أن البكر لازم تتجوز بولي، وبما أن حضرتك الكبير، أنا جاي أطلب منك إيد بنتكم أزهار، وأي طلب أنا مستعد."
اندفع إسماعيل يمسك برقبته ويهتف بحدة:
"انت أكيد اللي غوتها وخلتها تهرب وتهمل ولد عمها، انت أكيد طمعان فيها لما عرفت ورثها، أنا هدفنك مكانك عاد. إحنا حدانا البنت ما تطلعش غير لولد عمها، أنا هقتلك مطرحك."
دفعه ماجد عنه كأنه حشرة. تجاهل كل كلامه ثم التفت إلى الشيخ الكبير:
"أنا يا عم الشيخ احترمت عاداتكم ومرضتش أتم جوازي على أزهار غير لما أحط إيدي في إيد راجل، لكن لو أنتم هتفضلوا بالعصبية دي، أنا من حقي آخد مراتي وأمشي، وأظن ده من حقي، وحضرتك أكثر الناس علم بكده. أنا احترمتكم كلكم ومن حقي عليكم الاحترام المتبادل، ولا أنا غلطان؟"
تحدث الشيخ بوقار:
"كلامك مليح يا ولدي، بس أنا إيه اللي يثبتلي إنك مش طمعان في ورثها؟"
ابتسم ماجد وقال بهدوء دليل على صدق كلامه:
"اللي يثبتلك ده أن متتمتش جوازي عليها. أنا لو طمعان كنت تممت جوازي، وده من حقي ومحدش ليه عندي حاجة، غير أن أنا أصلاً مش محتاج فلوسها، أنا عندي شركتي وحسابي في البنك أكبر دليل، ومهرها ومؤخرها كله على حسب عاداتكم هيتم."
قال الشيخ وهو يقوم من مجلسه:
"مليح يا ولدي، بعد بكرة عاد هنستناك أنت وأهلك، وهتكتب عليها من جديد وسط ناسها، وإحنا ملناش طلبات غير في الأصول، وأنا اللي عليا هخرجها من هنا في حفلة كبيرة مرفوعة الرأس، من دلوقتي هدق الطبول احتفالاً ببنتنا بنت الكيلاني."
نظر ماجد لأزهار الذي رأى في عينها خوف أنها تبقى هنا بدونه. نظر لها يطمئنها.
ثم قال للشيخ:
"بعد إذنك، أنا ممكن بس أتكلم مع مراتي."
وأكد على كلمة مراتي ليؤكد أن زواجهم أمر واقع.
"كلمتين على انفراد."
أشار الشيخ برأسه موافقًا.
مد ماجد يده وسط جميع الحاضرين يمسك أزهار من يدها ويعلن ملكيته لها أمام الجميع، وسحبها واختلى بها في أحد الغرف.
دخل ماجد مع أزهار غرفتها وقف ينظر حوله ويقول:
"أكيد دي الأوضة بتاعتك صح؟"
هزت أزهار رأسها وقالت:
"ماجد متسبنيش هنا، أنا خايفة قوي."
رواية أزهار الفصل السادس عشر 16 - بقلم نرمين قدري
جذبها لحضنه وقال بحنان وهو يحاول أن يطمأنها:
- متخافيش يا زهرة قلبي هما يومين بس علشان تخرجي من هنا رافعة راسك انا جنبك ومعاكي واوعي تنسي انك مراتي يعني شرعا وقانونا أن اقدر اخدك وامشي بس انا بعمل كده علشان محدش يكون ليه عندنا حاجة وتكون راسك مرتفعة ولازم تعرفي أن انا بحبك قوي يا زهرتي.
ثم وضع قبلة على رأسها.
جلست أزهار على سريرها تتفقد غرفتها التي افتقدتها والحنين يقتلها فقد تموت في اليوم ألف مرة وهي مازلت على قيد الحياة.
فصوت ضحكات أخواتها مازل عالق في أذونها، صوت أبيها ودلعها عليه، اشتياقها وهي تجلس بجوار والدتها في المطبخ تقص عليها تفاصيل يومها.
فالحنين قاتل والاشياق لمن رحلوا عنا موتا على قيد الحياة.
قطع حبل اشتياقها طرقات على الباب.
مسحت أزهار دموعها واستعادت قوتها حتى لا يظهر على وجهها علامات الضعف.
فتحت الباب لتجد عمتها تقف ويدها في منتصف خصرها تنظر لها بتوعد وغل واضح.
وقبل أن تتكلم أزهار وجدت يد عمتها تسحبها من شعرها وتطرحها أرضاً وهي تنعتها بأسوأ الألفاظ وتقول لها:
- حططتي راسنا كلتنا في الوحل يا بنت أخوي طول عمرك مايلة انتي وإخواتك واهم غاروا و رحمونا من عارهم.
بس هنقول إيه عاد، أخوي السبب في ده كله.
ياما كتير خبرته إن البنت دي حدانه ملهاش لا علام ولا غيره تقعد في البيت وتجوزها وتخلص من عارها.
بس نقول إيه الله يرحمك يا خوي بنتك حطتت راسك في الوحل.
ركلتها أزهار بعيداً عنها وقامت واقفة تقول بغضب:
- في إيه يا عمة؟ هو يا أما اتجوز ابنك اللي مش بيفك الخط يا أكون جبت العار لأبويا.
على الأقل خالص أنا وأخواتي رفعنا راس أبويا وكلنا أخذنا شهادات عليا واسمنا بنات.
أما ابنك الحيلة عمل إيه ولا حاجة.
اتتجوز اتنين وجابلك أورطت عيال هو نفسه مش عارفهم من بعض، ولا هو عارف يعلمهم ولا يأكلهم.
كل اللي بيعمله إنه حاطت عينه على ورثي.
ولا تكوني فاكرة إني مش واخدة بالي ولا مش فاهمة.
لا خالص أنا حافظاكم كويس أوي.
وعمتاً أنا خلاص بقيت على ذمة رجال يعني بح، يا عمتي أي حاجة حاطة عينك عليها.
بح، مافيش غير ورثك الشرعي من أبويا حقك وبس.
تعرفي أنا كنت من نفسي ناوية أسيب لك حاجات كتير.
بس بعد عملك معايا انتي وابنك حسستيني إن الدم اللي بيربطنا ببعض ماية وساقعة كمان.
أنا عندي أتبرع بفلوسي رحمة ونور على روح اللي راحوا وانتي وابنك مطلوش منهم جنيه واحد علشان انتي الطمع عماكي خالص ونسيتي إن أنا بنت أخوكي الوحيد.
بدل ما ترفعي إيدك وتضربيني كنتي رفعتيها وسحبتيني لحضنك وانتي عارفة إن أنا مليش حد بعد اللي راحوا واللي راحوا كانوا غالين قوي.
حرام عليكي كفايا طمع.
اتقي الله فيا أنا يتيمة وإحساس الغربة وسط أهلي مميت.
إيد الغريب كانت أحن عليا منكم.
الكفن يا عمة ملوش جيوب.
أبويا ساب العز ده كله وراح فين؟ أخد إيه معاه وهو رايح.
لو كل الفلوس دي تخليكي راضية اكبشي وأملي جيوبك بس بشرط رجعلي ساعة واحدة من أيام زمان، ساعة واحدة لما كانت حيطان البيت ده مليانة دوشة وحياة.
البيت هنا بقا شبه بيت الأشباح مهجور ما فيهوش حياة.
رجعلي حياة البيت ده وأنا أديلك كل ما أملك.
أنا عاوزة بيتي وأهلي مش عاوزة فلوس، عاوز لحظة أمان، عاوزة دفا الحيطان اللي بقت زي بيت من الجليد.
ثم رفعت رأسها وقالت بحده مبالغ فيها:
- تعرفي يا عمتي ترجعي كل ده؟ تعرفي يا أخت أبويا ترجعي صوت أبويا هنا تاني وهو بيضحك وهو متعصب؟ تعرفي ترجعي ضحكت أخواتي ولا صوت أمي وهي بتنادي عليا؟
أقسم بالله لو ترجعي الحياة للبيت ده لديكي كل ما أملك.
لكن لحد ما تعرفي تعملي ده انتي ملكيش عندي حاجة واتفضلي من هنا ومش عاوزاكي تحضريلي لافرح ولا حزن، هعتبرك رحتي مع اللي راحوا.
نظرت لها عمتها وقالت وهي ترفع حاجبها الأيمن وقالت بتوعد:
- ماشي يا بنت أخوي بس خليها في معلوم إن محدش غريب هيورث قشاية واحدة من ورث أخوي.
والعريس اللي فرحانة بيه عدي من عداد الموتى يعني تترحمي عليه دلوقتي علشان مش هينول جنيه من ورث أخوي.
وبكرة تقولي عمتي قالت يضحك عليكي وياخد فلوسك ويرميكي كيف كلبة عاد.
نظرت لها أزهار بقرف وقالت:
- ها يا عمتي خلصتي؟ اتفضلي من غير مطرود.
وفي هذه الأثناء قام إسماعيل بالاتصال بـ لارا وبدأوا يخططوا خطة جديدة ليفسدوا بينهم، هكذا عندما يجتمع الشر.
استعدت أزهار ليوم زفافها على من دق له قلبها وهو أيضاً بدأ يجهز نفسه ولا يعلموا ماذا يخفي لهم القدر.
أعلنت دق الطبول احتفالاً ببنت كبير الكيلانية وبدأت مراسم الفرح تجهز من تحضيرات وتعليق الزينة وانتشر الخبر في البلد كلها.
وجاء معاد الزفاف وبدأت العروسة تجهز ولكن فرحتها غير مكتملة، فكان قبضة قلبها تتطفيء وهج فرحتها.
طرق باب غرفتها فتحت وجدت إحدى قريباتها تحمل صندوق كبير تقول لها بابتسامة:
- آنسة أزهار العلبة دي جاتلك مع حد بيقول أنه صديق العريس.
أخذت منها أزهار الصندوق وكان كبير الحجم وقالت:
- هو فين يا سمسمة الضيف؟
- قاعد تحت في المندرة مع أب الحج.
- متعرفيش اسمه إيه؟
- أعرف، قال اسمه قدامي تقريباً كده لؤي.
ابتسمت أزهار، فهي كانت متوقعة أنه لؤي لأنه أقرب حد لماجد.
دخلت أزهار وفتحت الصندوق وكان مثل ما توقعت فستان زفاف روعة ومن أفخم الموديلات.
ارتدت أزهار فستان زفافها وكانت تتمنى أن والدتها هي التي تساعدها في ارتدائه ولكنها ارتدته وحيدة بمفردها.
تنهدت وأكملت زينتها وجلست تنتظر قدوم ماجد.
ظلت تمر ساعة تلو الأخرى والجميع ينتظر العريس حتى مل الصبر من كثرة الانتظار.
نزلت أزهار إلى الأسفل وجدت كل كبارات البلد تجمعوا والمأذون يجلس أيضاً ولؤي ينظر لها بقلق.
نظرت له أزهار، نظرت قلق، أشار لها لؤي بعينيه على نظرات إسماعيل الشامتة.
هزت رأسها فهي أيضاً لاحظت أنه يضحك بسخرية.
رن هاتفها يعلن عن وصول رسالة.
فتحت الرسالة لتجد ماجد في أوضاع مخلة مع لارا وصورة أيضاً ولارا بملابس الزفاف وهي تمسك بيد ماجد وصورة أخرى ولارا بجانبه بملابس النوم.
وقفت أزهار تنظر للهاتف وهي غير مصدقة، أيمكن أن يكسرها ماجد مثل هذه الكسرة ووسط عائلتها بأكملها وهو يعلم ظروفها وعادات وتقاليد بلدها.
فهي جيدا تعلم أن زواجهم جاء في ظروف وأنه على الورق فقط وهي تعلم ذلك.
ولكن الوضع اختلف ومال قلب ماجد لها، مستحيل يفعل فيها هكذا.
استحالة يخذلها أمام الجميع، هو الذي حدد معاد الفرح، لم يجبره أحد أن يأتي وراها ويجلس مع كبيرها ويضع يده في يد الكبير، لم يجبره أحد، فـ لماذا يفعل ذلك؟
أوشك عقل أزهار على الجنون.
كذبت أزهار نفسها واتصلت على تليفون ماجد.
ولكن قد خاب ظنها فردت عليها لارا بدلع مصطنع:
- الو مين معايا؟
قالت أزهار وهي تهتز:
- عاوزة أكلم ماجد.
- اوووو سوري ماجد في حمام بياخد شور عرسان بقي عقبالك يا اسمك إيه؟ يلا بقا باي.
رواية أزهار الفصل السابع عشر 17 - بقلم نرمين قدري
لاحظ لؤي اهتزاز أزهار. قام مسرعًا، غير مبالٍ بعادات وتقاليد البلد، واقترب منها وهو يقول بخوف شديد:
"أزهار. مالك؟ خير؟ ماجد حصله حاجة؟ انطقي بالله عليكي، أنا مش مستحمل."
أعطته أزهار التليفون ليشاهد الصور. جلس مكانه غير مصدق وهو يقول:
"لأ، مستحيل. في غلط. لأ مش ممكن ماجد يعمل كده، مستحيل."
ثم قام واقفًا وقال:
"أوعي تصدقي الهبل ده. ماجد راجل، ما يعملهاش كده. مستحيل. ماجد على قد كلمته. أوعي تصدقي الهبل ده، أكيد في حاجة غلط."
وأحضر هاتفه واتصل على ماجد الذي لم يجيب عليه. عاود الاتصال مرات كثيرة إلى أن أجابت عليه لارا وهي تقول:
"إيه يا لولو؟ محدش قالك إن عيب قوي تتصل على عرسان ليلة دخلتهم؟"
أجاب لؤي بحدة:
"لارااااااااااااااااااا. فين ماجد؟ اديهولي."
قالت بنفس نبرة دلع:
"تؤتؤ يا لولو، ماجد مش فاضي دلوقتي. عرسان بقى. باااي يا لولو."
ثم أغلقت هاتف ماجد. وضع لؤي يده على رأسه وهو في حالة ذهول. فهو يعلم صديق عمره عن ظهر قلب، ويعلم أنه رجل وعلى قد كلامه، غير أنه عقد قران أزهار بالفعل. أزهار في حكم زوجته. فهو متأكد أنه ملعوب من لارا وإسماعيل، ولكن ليس معه ما يثبت كلامه.
نظر لؤي لأزهار يحاول أن يقنعها أن كل ما حدث ليس له أصل من الصحة:
"أوعي تصدقي اللي حصل. أكيد في ملعوب كبير بيحصل."
نظرت أزهار له بعين دامعة وقد تملكها الخذلان وكسر الخاطر:
"مش ده مهم يا لؤي. أنت متعرفش إحنا فين. إحنا هنا في الصعيد، والراجل هنا بيتربط بكلمته، وماجد كسرني قدام كل اللي بتمونوا. وقوعي."
لاحظ الشيخ الكبير تكهرب الجو وأن الأمر خارج عن السيطرة. دخلت عمت أزهار وعلى وجهها ابتسامة شامتة وقالت وهي تحاول تشعلل الجو:
"إلا فين العريس اللي هربتي عشانه يا بنت أخوي؟ ليكون أخد اللي عاوزة منك وخلع، ما أنتي خلاص مش هيبقى ليكي عازة."
أشار لؤي لها أن تصمت. أكملت عمتها وهي تنظر للرجال:
"ما حد منكم يوقف ويسأل بنت الكيلاني فين الراجل اللي هربت معاه؟ وأنتم سمحتوها وهي لبستكم كلكم طرح. أهي رجعت لبستكم طرح تاني يا رجالة الكيلاني. فين عريس الغفلة؟ ولا خلاص؟"
نظر لؤي لأزهار فهو يعلم أنها في أسوأ حالاتها، فهي في موقف لا تحسد عليه، فقد خذلت من أقرب حد ليها.
قال إسماعيل وهو يلعب بشاربه:
"أنا مستعد أستر عليكي وألم لحمي، ما أنتي لحمي برضوا."
بصقت عليه أزهار أمام الجميع وتحت شهقات عمتها التي سحبتها من شعرها وقالت:
"هو ده جزاء ابني إنه عاوز يستر عليكي بعد ما فضحتنا وفرطي في شرفك لواحد سابك بفستان فرحك يا عديمة الشرف! ده جزاء ابني إنه عاوز يلمك."
وهنا دقت عصا على الأرض معلنة صوتًا عاليًا، ووقف كبيرهم في منتصف الغرفة مما عم السكات والهدوء، وكأنها وقفت عقارب الزمن عند تلك اللحظة.
قال كبيرهم بصوت أشبه الرعد رج أنحاء المكان:
"جري إيه يا أم إسماعيل؟ شرف إيه وكلام فاضي إيه؟ عاد أزهار متجوزة أصلًا ومش محتاجة حد يلم وراها زي كلام فاضي اللي عمالة تقوليه إنتي وولدك الخيبان ده. أنا اللي قلت أعمل فرح عشان أفرح قلبها، لكن هي من غير فرح ولا يحزنون متجوزة وبيت جوزها أولى بيها."
قالت عمتها بسخرية:
"ولما هي متجوزة يابا الحج؟ فين جوزها؟ ولا جواز بالاسم والعريس بح؟"
أجاب الشيخ وعلى وجهه علامات الغضب:
"العريس أمه ماتت انهارده، فابدل ما يلغي الفرح بعت صاحبه ومعاه فستان الفرح عشان يجيب أزهار لبيته. ولا أنتم فاكرينه زيكم، لما محترمتوش حرمة الميت وكنتم عاوزين تجوزا أزهار من أول يوم، حتى محترمتوش حزنها. خلاص مولد وانفض، وأزهار دلوقتي في حكم راجل وهو مسؤول عنها، ويلا كل واحد على بيته، فضها سيرة عاد."
ثم التفت لأزهار يطمئنها بنظراته وقال:
"وانتي يا بنيتي اطلقي غيري خلاجاتك وروحي خدي عزا حماتك. عاد جوزك بحاجتك دلوقتي، فاهمة؟"
فهمت أزهار أنه يريد أن يبعدها عن الأنظار. صعدت لأعلى وقد أحرق الدموع عينيها. رحل الجميع من البيت. بدلت أزهار ملابسها ونزلت وجدت لؤي مازال موجودًا والشيخ الكبير يجلس في انتظارها. نزلت وظهر على وجهها وعينيها أنها بكت بشده.
تحدث الشيخ الكبير وقد قص عليه لؤي ما مر من أحداث:
"تعالي اجلسي يا بنيتي."
جلست أزهار أمامه وقال وهو يربط على كتفها بحنان:
"بصي يا بنيتي، إنتي بتثقي فيا؟"
هزت أزهار رأسها صامتة. ثم أكمل كلامه:
"أنا دقني ابيضت من كترت خبراتي وتجاربي في الحياة، وأنا راجل كبير وليا نظرة، وأنا نظرتي في جوزك بتقول إن راجل وبيتربط من كلامه، وكلمته سيف. وأكيد حاجة فاقت قدراته حصلت. اصبري يا بنتي قبل ما تصدري حكمك عليه، اسمعي منه الأول واسمعي عذره."
قالت أزهار بنفس نبرة القهر:
"خلاص يابا الحج، معدش فارقة. أنا كل اللي يهمني دلوقتي أكمل دراستي، عاوزة أعمل دراسات عليا وأستلم شغلي، غير كده معدتش عاوزة. أنا انكسرت بما كفايا، استكفيت."
قال لؤي وهو يترجاها:
"اهدي بس عشان خاطري يا أزهار، اهدي بس لحد ما نعرف إيه اللي حصل."
"صدقني يا لؤي، مش فارقة كتير. أنا خلاص مش عاوزة حاجة ولا عاوزة حد، أنا هعيش لنفسي وبس."
"طيب وماجد يا أزهار؟"
"ماله ماجد يا لؤي؟ عايش حياته. ماله الكسرة والقهر ليا أنا."
"بس ده ملعوب وإنتي عارفة كده."
"وانت كمان متعرفش كسرة بنت بفستان الفرح وسط أهلها بتكون عاملة إزاي. مش هتقدر تحسها. ملعوب ولا مش ملعوب، الناس ليها الظاهر وبس. وخد عندك بقا. الناس هتفضل تتكلم عن بنت الكيلاني اللي عريسها سابها يوم فرحها بالفستان. هيفضلوا يتكلموا لسنة قدام. غير بقا تليفونه اللي مع لارا. وانت أكتر حد عارف إن صحبك مش بيسيب تليفونه لأي حد، بيعتبره ملكية خاصة."
"ماهو ده يأكد صحة كلامي وإن في حاجة كبيرة قوي حصلت لماجد، حاجة اللي خلته يعمل كده."
ضحكت أزهار وفتحت موبايلها وفتحت صورة عقد زواج عرفي وماجد يجلس ويمسك قلم في يده.
صرخ لؤي غير مصدق كل هذه الأحداث. أخذ الصور من أزهار وتركها ورحل.
حضنت أزهار نفسها بذراعيها وفرغ البيت عليها، وظلت الذكريات تطاردها بحلوها ومرها. أغلقت أزهار موبايلها لكي تستطيع أن تفكر بطريقة صحيحة.
وعند ماجد بدأ يستيقظ من نومه ليجد نفسه على سرير في حجرة غريبة لا يعلم عنها شيء، وتنام بجواره لارا وهي بملابس نوم فاضحة. قام من جوارها منتفضًا غير مصدق لما حدث.
فتحت لارا عينيها بكسل وقالت بدلع:
"صباح الخير يا بيبي. صبيحة مباركة على أحلى عريس."
ظل ماجد فاتح فمه غير مستوعب بما يحدث، ولكنه فاق على طرقات عالية على باب المنزلق. قامت لارا ووضعت روب خفيف يكشف ما تحته، وقامت بفتح الباب فهي تعلم من الطارق.
دخل لؤي مندفعًا دون أن يتحدث معها، يبحث في الغرف إلى أن وقع نظره على ماجد وهو مازال على السرير بملابسه الداخلية.
نظر لؤي لماجد بقرف وقال:
"أنا إزاي اتخدعت فيك العمر ده كله؟ قولي إزاي يا صاحب عمري؟ رغم إن شوفت صورك بعيني، بس أنا وقفت قدام الكل وقلت ماجد ما يعملهاش. ماجد راجل، ماجد ميكسرش بخاطر بنت وثقت فيه. ماجد ميكسرش خاطر أزهار عشان بيحبها، ميكسرهاش كده قدام أهلها كلهم. بس إنت يا صاحبي مطلعتش راجل."
وتركه ورحل. قام ماجد من السرير وهو غير مصدق ما حدث ولا يعلم ما حدث. فقد أنه يعلم أن تم ملعوب عليه، ولكن ذاكرته لم تسعفه. وجلس يتذكر أنه كان يرتدي بدلة فرحه استعدادًا للفرح. طرق الباب منزله. ودخلت عليه لارا تضحك وتقول بمرح:
"أحلى عريس ده ولا إيه؟ ألف مبروك يا ماجد، شكلك يجنن. تعالي ناخد صورة الذكرى وأنت عريس قمر كده."
أمسكت في يده والتقطت صورة وهي في يده. ثم قالت بخبث:
"أوف الجو حر قوي. ما عندكش حاجة تتشرب؟"
قال ماجد غير مبالٍ وقد وجه تركيزه على ملابسه:
"عندك عصير مانجة في التلاجة؟"
"امممم تمام. أنا بحب مانجة قوي. هجبلك معايا كوباية."
قال ماجد وهو ينظر لساعة يده:
"تمام، بس بسرعة عشان أتأخر."
تقدمت لارا بكوب عصير لماجد الذي بعدها غاب عن الوعي ولم يفق إلا الآن. بدأت الصورة تتجمع لديه ويربط جميع الأحداث ببعض. قام يرتدي ملابسه على عجالة وهو يحاول الاتصال بأزهار التي قامت بغلق موبايلها.
دخلت لارا عليه تدلع كالعادة وتقول:
"هو ينفع عريس يخرج في صباحية يا بيبي؟"
يجمع ماجد كل ما لديه من قوة وغضب وهو على وجهها بقلم أفقدها النطق لثواني. تورم وجهها من قوة الصفعة، وبصق عليها وقال:
"اعتبري نفسك مرفودة من مكتب، ويا ريت ما أشوفش وشك في أي مكان أنا فيه."
وتركها. "لو لمحت خيالك أقسم بالله يا لارا هتشوفي مني وش إنتي نفسك مش هتصدقيه. اتجنبي شري وانسى في يوم إنك عرفتي حد اسمه ماجد، عشان غضبي عليكي وحش وأنا ماسك نفسي عنك عشان واحدة ست، وست رخيصة كمان وأنا مش بشتري الرخيص."
ونظر لها بقرف وتركها. نزل وهو وعاود الاتصال مرات ومرات بأزهار وظل هاتفها مغلق.
ذهب ماجد لمنزل لؤي الذي فتح له الباب وتركه ودخل. دخل ورائه ماجد يقول بحدة وهو يصفع الباب:
"لؤي إنت صدقت الكلام الفارغ ده؟"
"والله يا صاحبي ما كنت مصدق لحد ما شوفتك بعيني على سريرها. حتى صورك وانت بتمضي على عقد الجواز، حتي وانت في سرير مع لارااااااااااااااااااا وانت بدلة فرح."
قال ماجد منتفضًا:
"إيه ده كله؟ صور إيه؟ ومين اللي بعتهالك أصلًا؟"
قال لؤي متهكمًا وهو يعوج فمه:
"يارتها اتبعتت ليا كنت داريت عليك. دي اتبعتت لمراتك يوم فرحك وهي بفستان الفرح وسط أهلها اللي انت حافظهم كويس. واظن مافيش بعد كده قهر وخذلان وكسره."
وضع ماجد يده على رأسه وهو يعلم ما مرت به صغيرته أو معشوقته، فهو يعلم جيدًا ما حدث لها وما تشعر به.
قال لؤي وعيناه تزف دموع غصب عنه:
"تعالي نروح لها يا لؤي وافهمها بنفسي."
قال لؤي وقد صعب عليه حال صاحبه:
"قبل ما تروح لها تعالي نحط الصور ونجمع الأحداث، يمكن تلاقي غلطة. أكيد هما مغلطوش. اهدا كده يا ماجد وتعالي نروح المكتب وأنا هشتغل على الصور بنفسي."
هز ماجد رأسه موافقة.
في هذه الأثناء جلست أزهار مع نفسها وحسمت الأمر، وأخذت قرار بالابتعاد. ذهبت لغرفة مكتب والدها، وفتحت أحد الإدراج وأخرجت باسبورها. حمدت ربنا أنه مازال مكتوب في بطاقتها أنها لم تتزوج. ونظرت للفيزا وجدتتها لم تنتهي. عقد الأمر وأعدت حقيبتها وسافرت تكمل دراستها العليا في إسبانيا، وقدمت على مد الإجازة في الكلية بسبب تكملة الدراسة. طارت أزهار على إسبانيا وتركت خلفها كل ما حدث بحلوه ومره.
رواية أزهار الفصل الثامن عشر 18 - بقلم نرمين قدري
جلس ماجد ولؤي يتفحصوا الصور، وعقل ماجد كاد أن يتوقف.
كيف لهذة التقنية العالية التي تجعله يجلس على عقد زواج وهو لم يفعل ذلك؟
كاد يجن، كأنه هو فعلاً الذي يمضي العقد، ولكن كيف؟
واقترب أن يصدق أنه فعل ذلك وهو دون وعي منه.
إلى أنه فاق على صوت لؤي وهو يصيح كعادته:
- أيها الناس! الماكنة طلعت قماش!
وبدأ يصعد فوق المنضدة ويهتف:
- لقد وجدتها! لقد وجدتها!
اقترب منه ماجد وهو يقول:
- اهدأ بقا يا لؤي وبطل شغل العيال وانزل من على ترابيزة، وفهمني بقالك أسبوع شغال ومش عارف تطلع غلطة.
- تمام، هنزل بس بشرط.
- هتعزمني على بيتزا حجم كبير.
- يوووه يا لؤي! محل بيتزا بحاله! بس خلصني أنا هتجنن عليها وموبايلها مقفول من ساعتها وأنا مش عايز أروح لها غير ودليل براءتي معايا.
استشعر لؤي قلق وحزن صديقه، فنزل وقال:
- تعالي وهدهشك.
فتح لؤي الصور وقال:
- أولاً، خد بالك من كف اللي ماسك القلم بيمضي.
- مش أنت خالص.
- ده إيده سمرا عنك.
ثم عمل زوم للصورة وأشار:
- وده لابس خاتم وأنت عمرك ما لبست خاتم.
- غير إن لون كم البدلة اللي لابسها كحلي غامق مش أسود، وباقي الصورة البدلة سودة.
- عايز كمان؟
ماجد بفرح:
- باااااس! كمان إيه؟ أنت كده أستاذ بجد. شابووووووووووو. برافوا يا لولو يا جااااااااامد. حبيبي يا صاحبي.
أخذ ماجد الموبايل وجرى يركب سيارته، وساق على سرعة عالية ليرى معشوقته ومعه دليل براءته.
وصل بعد عدة ساعات ليطرق بابها، ولكن لا مجيب.
خفق قلبه بشدة، حاول أن يسأل أحداً عنها.
فطرق باباً بجانب السرايا يسأل عنها.
قالت إحدى الفتيات:
- الآنسة أزهار سافرت بلاد برا تكمل علمها.
قال ماجد بتعجب:
- متعرفيش سافرت فين؟
هزت البنت رأسها نافية.
رحل ماجد وهو يجر أذيال الخيبة.
ولكن أحياناً شعاع ضوء خفيف ينقذ حياتك.
لقد وجد أمام سيارته الشيخ الكبير يقف بهيبته المعتادة متكئاً على عصاه.
قال ماجد بلهفة وكأنه وجد طوق النجاة:
- إزيك يا حج؟ أنا بجد مش عارف أقولك إيه على وقفتك اللي وقفتها معايا. بس أنا يشهد الله غصب عني اللي حصل. أنا ما كنتش عايز أكسرها كده.
هز الشيخ رأسه، فهو له نظرة في الناس، ثم قال:
- كنت فين يا ولدي؟ كل ده غياب؟ في حاجات لو متتاخدتش في وقتها بتضيع يا ولدي، وأنت سبت الحكاية تبرد زيادة عن اللزوم.
- كنت بجيب دليل براءتي.
- وهي ما كنتش عايزة دليل يا ولدي؟ قلبها كان دليلها. هي كانت محتاجاك أنت. هي كانت هتصدق أي حاجة تقولها. هي عشقاق يا ابني، بس أنت غبت عليها قوي. هي كانت محتاجة السند أكتر ما كانت محتاجة الدليل. أنت كنت مصدر الأمان ليها، فكانت عايزة تحتمي بيك.
قطع ماجد كلامه وقال بحزن وصوت باكي:
- هي فين يا بابا الحج؟ أنا هتجنن عليها. تليفونها مقفول.
- سافرت يا ولدي تكمل علمها.
فتح ماجد عينيه على وسعهما وقال بغضب يحاول إخفاءه:
- على فين وإزاي؟ هي نست إنها مراتي وأنا لازم أديها الإذن للسفر.
- إذن يا ولدي؟ وأنت كسرتها قدام أهلها كلهم. عموماً أنا راجل علامي على قدي، معرفش سافرت على وين. عموماً سيبلي رقم تليفونك وأنا أول ما أعرف حاجة هتصل بيك يا ولدي.
استسلم ماجد للأمر الواقع وظل ينتظر مكالمة الشيخ.
مرت ستة أشهر وكل يوم يتصل ويسأل عنها.
إلى أن جاء تليفون من الشيخ.
نظر ماجد على هاوِية المتصل وقام واقفاً.
- لو أيوا يا عم الشيخ.
قال الشيخ بهدوء معتاد:
- أزهار مستحملتش الغربة أكتر من كده وعاودت يا ولدي واستلمت شغلها في الكلية.
ابتسم ماجد وخفق قلبه وقال بفرح:
- تسلم يا حج. متقلقش، أنا هصلح كل حاجة. متقلقش، أنا بحبها.
ابتسم ماجد وخفق قلبه بشدة، فمعشوقته لم تتحمل البعد.
ركب سيارته وذهب حيث تعمل.
سأل أحد العاملين الذي دله على مكان مكتبها.
دخل ماجد عليها دون استئذان وهي تجلس على مكتبها في الكلية.
يتقدم منها ويقول بهمس:
- وحشتي قلبي يا زهرتي.
ترفع أزهار عينيها فور سماع صوته وتنظر له بعينين دامعتين غير مصدقة وهي صامتة وقلبها يخفق بشدة.
يبتسم ماجد شبه ابتسامة ويخفض عينيه للأسفل ويقول:
- مبروك يا زهرة قلبي.
تستغرب أزهار وترفع عينيها ثانية وتقول باستهزاء:
- مبروك على إيه؟ معلش.
يجلس ماجد ويضع ساقه فوق الأخرى ويقول مازحاً:
- ببارك لنفسي نيابة عنك.
ترفع أزهار حاجبها مستغربة:
- أنا معرفش عنك حاجة يا باشمهندس تخليني أبارك لك. خير. كملت عقد جوازك ولا إيه؟ منا آخر حاجة شفتها ليك كنت قاعد بتمضي على عقد الجواز.
- أزهار، أنتِ عارفة إنه ده مفبرك.
- وأنا هعرف منين؟ أنا ليا الظاهر. قدامي عريس مجاش يوم فرحه وصور ليك وأنت قاعد بتمضي عقد جواز. وصور وأنت مع لارا. هعرف إيه تاني عنك يا باشمهندس.
- لازم تعرفي أنه محصلش أصلاً. المهم إن مكتبنا أخد شهادة دولية وبقى من أشهر مكاتب الترجمة واسمي نزل في مجالات علمية.
تقول أزهار باستخفاف:
- حصل محصلش مش فارقة. اعرف بقا إيه المطلوب مني.
يقف ماجد يقول وهو ينظر داخل عينيها التي افتقدها، يشدها وهو يكمل كلامه، وتعمد يتجاهل نبرة السخرية:
- ومش أنا بس. لؤي كمان وتقريباً كل الموظفين في المكتب. كلنا بصراحة عملنا مجهود جبار.
تضحك وتقول بسخرية متعمدة:
- طيب ليه عايزني أبارك لك أنت بشكل خاص؟ ما موظفين المكتب كلهم معاك يعني حاجة عادية. وأكيد ده حصل بفضلهم كلهم مش اجتهاد شخصي منك.
زفر أنفاسه وقد علم أنها لن تلين بسهولة.
قال محاولاً احتواء قلبها الذي يعلم جيداً أنه السبب في تهشيمه:
- ما أنتِ لو كنتي شفتي الرسائل اللي بعتها لك ما كنتيش قلتي الكلام ده. كنت عرفتي أنا تعبت قد إيه وإيه اللي حصل لي عشان أقدر أوصل لكده، وإزاي غيابك المفاجئ أثر عليا، وإزاي قدرت أقنع الشركة الإسبانية بسبب غيابك المفاجئ. وأنا اللي سلمتهم شغلك. صحيح أنتِ خلصتي الجزء الأكبر منه، بس هما ليهم الظاهر.
قطعت كلامه أزهار بحدة:
- أستاذ ماجد، لو سمحت. أنا مقرتش ولا رسالة من رسائلك. أو بمعنى أصح، ما كنتش بكمل أول سطر من الرسالة وبمسحها. كان أول سطر فيها كفاية عشان أكرهك وأكره اللي فيها.
كانت تحاول جاهدة أن تصد أي مشاعر يحاول أن يرسلها لها، فاهي أعلم الناس بقلبها، فاهي تخشى أن يحن له.
فقالت بحدة لإنهاء الحوار:
- بص بقى يا باشمهندس. اختصار لأي كلام عايز تقوله. يوفر وقتي ووقتك. عشان أنا أصلاً ما عنديش وقت أضيعه معاك. وجودك دلوقتي ما بيعنيش ليا. وجودك هنا بيخنقني. بيفكرني بمرحلة تافهة سقطت من حياتي. مرحلة كنت بندم فيها على سذاجتي وعلى هبلي.
ينظر لها ماجد بحدة ويقول وهو يأخذ نفساً عميقاً، فهو يعلم أنه في حرب صعبة:
- أنا مش جاي أعتذر أو أطلب الصفح. أنا معترف إني ارتكبت في حقك جُرم. عارف إنه أكبر من أي محاولة للغفران. أنا جاي أقول لك متشكر.
تضحك نصف ضحكة:
- أنا ما عملتش أي حاجة ممكن تشكرني عليها.
- دلوقتي جايز، لكن زمان عملتي. وعملتي كتير قوي. علاجك ليا. كفايا إنك غيرتي نظرتي للحياة.
تضحك أزهار بشدة حتى تدمع عينيها وتقوله وهي تنظر له بعين ممتلئة بالدموع:
- ياااه! أنت لسه فاكر اللعبة البايخة دي.
يقطع ماجد كلامها مسرعاً ويقول بلهفة:
- ما كانتش لعبة يا أزهار. ما كانتش لعبة. عمر اللي عملتيه معايا أو مع رقية ما كان أبداً.
تقطع أزهار كلامه بصرامة وتقول:
- لا، كانت لعبة زي لعبة الاستغماية، وأنت بصراحة لعبتها معايا بمنتهى الحقارة وما قصرتش. عملت معايا كل حاجة وما قصرتش يا باشمهندس.
يقول ماجد بصوت نادم:
- مش هقول لك حاجة أو هعرضك. عشان معترف بغلطتي. مع أن اللي حصل غصب عني خارج عن إرادتي. لو كنتي صبرتي أو شوفتي رسائل كنتي عرفتي إن مليش يد في اللي حصل. أنا كنت زمان حاطط شروط لقلبي في الحب، لكن أنتِ كسرتي كل القواعد والشروط.
تضحك أزهار بشدة وتقول بسخرية:
- مافيش حب مشروط. الحب باكدج على بعضه. يا أحبك زي ما أنت يا ملهوش لازمة. الحب من الآخر لازم أحبك بعيوبك كده. لو حطيت شروط يبقى حتجمل عشان أعجب. وده مش حب. ده إعجاب. مافيش شروط في الحب يا باشمهندس.
- بس أنا اتغيرت. وأنتِ اللي غيرتيني. صحيح أنتِ دفعتي ده ودفعتي ثمنه غالي جداً، بس أنا كمان دفعته زيي زيك بالظبط.
ثم ترتفع نبرة صوته دون إرادة منه، محاولاً أن يجعلها تصدق ما يقول:
- ندمي على اللي إني صبرت كل ده لحد ما ثبت برأتي ومجرتش عليكي على طول عشان أردلك كرامتك قدام أهلك. حسرتي على ضياعك مني خلتني أراجع نفسي كويس قوي. اكتشفت إن كنت أناني، مش بفكر غير في نفسي بس. أقسم لك يا أزهار، أنا اتغيرت وندمان على كل لحظة ضيعتك من إيديا. ندمان على كل حاجة عملتها معاكي.
ثم اختنق صوته فجأة وهو يحاول جاهداً أن ينال رضاها ويحاول يستسمحها قائلاً:
- وجاي دلوقتي أستسمحك وأقول لك يا ريت تسامحيني على غيابي عنك. أنا عارف إن المفروض أجلك من أول يوم وأشرحلك سبب عدم حضوري الفرح. أنا عمري ما هنسى فضلك عليا. أنا كنت معيش نفسي جوه صدفة حاجبة عني أي نور. الصدفة دي أنتِ كسرتيها. صحيح جرحتي إيدك وسيحتي دمك، لكن ألمك ما راحش هدر. ده.
ثم نظر في عينيها محاولاً اكتساب عطفها وقال بنفس نبرة الصوت:
- أنتي صنعتي مني إنسان جديد. إنسان بقى يحس بكل اللي حواليه. بقيت إنسان بمعنى الكلمة، بيحس بالناس وبقدر. كنت ظالم نفسي وظلمت رقية لما كنت معيشها داخل القوقعة، قافل على نفسي ووادفنها مع ذكرياتي. وجبتي أنتِ كسرتي القوقعة وخرجتيني أنا وهي منها.
ثم اقترب منها أكثر وقال برعشة:
- تعرفي؟ أنا شلت كل صور المرحومة من أوضة النوم. خليت بس صورة واحدة في برواز في أوضة روكا تخليداً لذكري أمها. أنتي صنعتي المستحيل يا حبيبتي.
رواية أزهار الفصل التاسع عشر 19 - بقلم نرمين قدري
قطعت كلامه أزهار بحده لإنهاء الحوار وقالت:
مبروك يا باشمهندس، مش ده اللي كنت عايز تسمعه؟ أديني قلتها لك.
ثم حاولت جاهدة أن تخفي دموعها وتأثرها بكلامه، وتصنعت القسوة:
بس أنا كمان اتغيرت، ما عدتش أزهار اللي عرفتها. أزهار البنت البريئة الساذجة اللي لسه جاية من بلدهم هربانة بتتحامى في إيد تطبطب عليها. أنا اتغيرت كتير.
أزهار اللي أنت ذبحتها، ماتت في نفس الليلة اللي انذبحت فيها اللي قدامك دي. أزهار أستاذ الأدب الإسباني في كلية اللغات والترجمة، إنسانة كل حياتها كتب ومراجع ومحاضرات، حبر على ورق وبس. إنسانة ممكن تقراها لو وصلت للمستوى المكتوب جواها، لكن ما تقدرش تتعامل معاها بالمشاعر، مهما كانت المشاعر دي: ندم، حب، غفران.
ثم انسابت الدموع من عينيها، فلم تقدر على التماسك أكثر من ذلك، وقالت بصوت مصحوب بالبكاء:
خلاص، أزهار القديمة ماتت واتدفنت زمان، وأنت بنفسك اللي اشتريت ليها الكفن اللي دفنتها بيها. الكفن كان فستان الفرح اللي لبسته علشان الكل يضحك عليها.
ثم ارتفعت حدة صوتها:
أي مشاعر هتقدمها لي دلوقتي مش هتنفع. عارف ليه؟ الحاجة بسيطة جداً، لأن اللي ميت ما بيصحاش. اللي مات خلاص راح. عمرك شفت ميت قام من قبره وصحى؟ أنا كده خلاص، مشاعري ماتت، كل حاجة فيا حلوة ماتت، والبركة فيك.
قال ماجد بعصبية مفتعلة وهو يحاول جاهداً إقناعها:
ما تضحكيش على نفسك يا أزهار، أنت لسه جواكي مشاعر ليا. نظرة عينيك أول ما دخلت، الدموع المتعلقة في عينيك وخايفة تنزل قدامي، رعشة إيدك، نظرة الخجل اللي في عينيك اللي أنا حافظها كويس. بس الإنسان اللي من حبر على ورق زي ما أنت بتقولي، مش هيكون جواه كل المشاعر دي.
ثم يحاول جاهداً إثبات صدق كلامه فيقول مؤكداً:
أزهار، بصي لنفسك في المراية، هتعرفي إنك لسه بتحبيني. كل حاجة، كل حاجة جواكي بتصرخ وبتقول: بحبك.
ثم التفت لينظر لها ويضع يده على كتفها ويقول:
أزهار، أنا بجد بحبك وندمان إني ضيعتك من إيدي.
صرخت أزهار ودفعته، وبدأت الدموع تنهمر من عينيها، وبدأت تنهار وتقول له بحده:
اوع إيدك دي تلمسني تاني، إياك تتجرأ وتحط إيدك عليا تاني. أنا بكرهك، اطلع بره، اطلع بره. أنا بكرهك، بكرهك وبكره نفسي معاك على سخافتي. وكل ما افتكر قد إيه كنت هبلة وصدقتك، أظن كده أنت انتقمت مني كويس قوي وأخذت تارك كمان.
يقول لها وهو يحاول إخفاء دموعه:
اهدي يا حبيبتي، أنا مقدرش أستحمل أشوفك كده، حقك عليا يا نور عيوني. أنا جاي أبلغك إن مكانك في الشغل محفوظ بينا، وكلنا في انتظارك.
أنت ناسي إن خلاص مابقاش ليا مكان بينكم.
قطع كلامها:
لا، أزهار، مكانك محفوظ في الشغل، وكلنا بجد.
قالت له بحده:
من فضلك ما تجمعنيش معاكم. أنا كلها يومين وسايبة البلد كلها وراجعة إسبانيا، مستنية بس أحول الفلوس وأرجع تاني. وهسافر على طول.
التفت لها ماجد وقال بحده وقد بدأ ينفذ صبره:
بس أنا همنعك من السفر، همنعك إنك تسافري، وأظن ده حقي.
أي حق ده اللي يخليك تمنعني ويخليك بتتكلم بثقة دي كلها؟
آه يا أزهار، بتكلم بثقة إنك لسه على ذمتي، وإن أنا جوزك. من حقي أمنعك.
تضحك أزهار وتقول:
وهي دي حاجة تتنسي؟ حد ينسى اليوم اللي اتذبح فيه؟ صدمتي فيك كانت فوق احتمالي، كانت كبيرة قوي، بس الحمد لله، صدمة فوقتني وعلمتني.
تأخذ أزهار أنفاسها وتكمل كأنها بقهر:
لا يا باشمهندس، لا. ما حدش بينسى اليوم اللي اتذبح فيه. صدمتي فيك كانت فوق احتمالي، كانت كبيرة قوي. بس ما تقلقش يا باشمهندس، أنا دلوقتي بجري في إجراءات الطلاق، وأقل محامي هيعرف يطلقني منك. أصلها بسيطة جداً يا باشمهندس، ورقة بسيطة تثبت إن أنا لسه آنسة، وإحنا داخلين تقريباً على سنة متجوزين عادي. يعني بسيطة، مش هتاخد في المحاكم أسبوع، وهطلق للضرر وهسافر وأعيش حياتي وأقفل صفحة الماضي دي خالص، وأنسالك وأنسى أي حاجة تربطني من البلد دي.
يضحك ماجد بشدة، ثم يكشر فجأة ويقول:
لا يا أزهار، أي خطأ في الدنيا دي مهما كان حجمه، مش ممكن يقضي على الحب الكبير اللي بينا. وأنا مش هسمح لك تسافري. وعادي يا ستي، لو على جوازنا، أنا مستعد أتمامه. ودلوقتي خلي بالك، يا زهرة، أنا ممكن أعمل أي حاجة في سبيل إنك ما تضيعيش مني تاني. وخدي بالك، أنا مجنون وممكن أعمل أي حاجة اللي ما تخلينيش إني أنا أخسرك تاني.
تضحك أزهار وتقول بحسرة:
خطأ ولا جريمة؟ أنت بتسمي اللي أنت عملته خطأ؟ لا دي جريمة يا باشمهندس.
سميها زي ما تسميها، أي جريمة بنت خطأ.
صح، أي جريمة بنت خطأ، بس أي جريمة ممكن تتنسي، إلا قتل الروح يا باشمهندس. وأنت قتلت روحي بسكينته لمه.
ثم تنهار قواها وتجلس على أقرب كرسي، وكأن روحها بتنسحب منها، فقتل الروح أكبر من قتل الجسد، وتكمل كلامها:
قتلتني وقتلت كل حاجة جوايا، ما راعيتش أي حاجة، ولا حتى إن أنا بنت يتيمة وحيدة فقدت أهلي كلهم، وكنت أنت ليها الأهل والسند والصحبة، بس أنت خذلتني. خذ بالك يا باشمهندس، البت اللي تبقى لوحدها وتستحمل فقدان أبوها وأمها وإخواتها في ثانية، وتقاوم وتعافر وتحفر بضوافرها في الصخر علشان تعمل نفسها كيان، تقدر تنساك بجرّة قلم. علشان مشاعري بقت إزاز. آه يا باشمهندس، بقت إزاز، قابل للتهشيم في أي وقت. قلبي بقى بلاستيك، كل حاجة بقى بلاستيك. كل حاجة فيا بقت بلاستيك، قلبي وروحي ومشاعري، كل حاجة بقت صناعية. أنا زي ما تحديت ظروفي لوحدي، هقدر كمان أتحدى إني أنساك. عادي، زي ما قلت على أبويا الله يرحمه، هقول عليك كمان الله يرحمك. ومع الوقت جرحك ليا هيهدى. أنت مش آخر حد في الدنيا.
ثم قامت واقفة ولفت ذراعها حول بعضها تحاول احتواء نفسها، وقد ارتجف قلبها وقالت:
هقدر أقوم بعدها وهعافر وهعمل نفسي من جديد. زي ما عملت أزهار، أستاذة الأدب الإسباني، بعد ما كانت ولا حاجة، بنت عادية جاية من الصعيد، فلوسها وقعت منها، اشتغلت كل حاجة لحد ما ثبتت نفسها. مع إن أبويا كان معودني على عزة النفس، صحيح كان معانا فلوس كتير، بس كان مخليني أعتمد على نفسي. الله يرحمه، هو اللي خلاني كده قوية لنفسي، مش بفلوسي، عشان أنا اللي كنت بعملها، مش هي اللي عملتني. لكن أنا طز في الفلوس، أنا كنت مستعدة أتنازل عن كل حاجة لعمّتي وابنها، وأعيش معاك. أنا اخترتك أنت ورميت كل حاجة ورا ظهري.
ثم تنهدت وأغمضت عيونها وكأنها تواسي روحها المفقودة وتقول بقهر:
بس أنت مقصّرتش، كسرتني قدامهم قوي، حتى لو أنت بريء، بس أنت اتأخرت عليا قوي.
ثم تتنهد وقد رق قلبها فتقول بهدوء:
الحب اللي حبيته لك كله يا ماجد، أنا ما عدتش بحبك.
وضع يده على فمها وقال:
لا يا أزهار، مش انتي بس اللي قاستي، أنا قاست أكتر منك. أيوه يا أزهار، مفيش ألم في الدنيا أصعب من الإحساس بالندم. إحساس مر كئيب بيخنق أي فرحة أو أمل. إحساس ملازمني ليل نهار بيفكرني قد إيه أنا كنت حقير. إحساس الذنب ده صعب جداً. كل ما افتكر لحظاتنا الحلوة مع بعض، بصرخ جوايا وأقول: أنا اللي ضيعتها من إيدي. بحس جوايا بصراع، بحس جوه صدري بحاجة خنقاني. كان نفسي أريح ضميري وأطلقك وأقول: مرحلة وعدت. لكن ما قدرتش، ما قدرتش يا أزهار، حبك كان محتل كل كياني، محفور جوايا. حبك بيصرخ جوايا: أنا بحبك يا أزهار. كل حتة فيا بتصرخ وتقول: بحبك يا أزهار.
قطعت أزهار كلامه بصراخ:
كذاب، كذاب! أنا مش مصدقاك وعمري في حياتي ما هصدقك. اللي باعني مرة ممكن يبيعني ألف مرة. إزاي هستأمن نفسي عليك؟ إزاي؟ هنام وأنا مأمنالك؟ تفتكر يا باشمهندس إني هعرف أنام؟ هعرف أحط راسي على المخدة كده جنبك وأبقى حاسة بالأمان؟ بالعكس، أنا هبقى كل شوية صاحية خايفة الغدر يجي لي منك في أي لحظة. صدقني، مش قادرة، مش قادرة أسامح، مش قادرة أنسى اللي حصل فيا. حتى لو بحبك، هدوس على قلبي.
يصرخ بصوت عالي:
أنا ما بعتش، والله ما بعتك يا أزهار، مش ذنبي، ده ملعوب اتلعب عليا ومليش يد فيه. ما كنتش عاوز أأذيكي، ما كنتيش مقصودة. اللي حصل خارج عن إرادتي. فجأة لقيت حياتي كلها بتتهد، شركتي بتضيع، حياتي مهددة بالإفلاس. وأنت ما تعرفيش أنا تعبت قد إيه وحاربت قد إيه عشان أوصل للمركز اللي أنا فيه ده. الضغوطات كانت أكبر من احتمالي. عارف إن أنا غلطت، إن مرحتلكيش بعدها علطول أطلب منك السماح وأشرحلك اللي حصل، بس الدنيا اتلخبطت كلها فوق دماغي، والمكتب كان مهدد بالإفلاس.
ثم يجلس يحاول التقاط أنفاسه ويقول بندم:
معترف بدا، ندمان. بس أنا عمري ما كذبت في مشاعري معاكي في يوم. كل اللي عملته معاكي وانت بتسميه كذب وخداع، كان بعيد عن حبي ليكي. والله كان بعيد عن حبي ليكي. أنا حبيتك، وقلبي دق ليكي.
تصرخ أزهار بعنف وتقول:
إيه المنطق الجديد ده اللي اخترعته؟ المشاعر ما بتتجزاش؟ حلو قوي منطقك الجديد. أعمل كل حاجة باسم الحب؟ أكذب باسم الحب؟ أضرب باسم الحب؟ أقتل باسم الحب؟ أضيع ناس باسم الحب؟ لا يا باشمهندس، المشاعر ما لهاش تجزئة. يا بحب يا بكره. وعمري اللي بيحب بيعرف يؤذي؟ لكن أنت آذيت، يبقى أنت عمرك ما حبيت.
ترفع نبرة صوته أكثر موضحاً لها:
أنا ما آذيتكيش، افهمي بقى. أنا مش بكذب عليك، والله ما بكذب عليك. أنا فعلاً حبيتك، وكل لحظة مشاعر عشتها معاكي كانت بجد، عمرها ما كانت خدعة. اتعمل علينا إحنا الاتنين مؤامرة، وكنا إحنا الاتنين ضحايا. كل غلطتي إن تأخرت عليكي، وسبتك تواجهي أهلك لوحدك. كل ده عشان كنت عاوز أرجع وفي إيدي دليل براءتي إني ما خليتش بيكي.
تقطع كلامه بصوت باكي:
وإيه اللي يخليني أصدقك؟ إيه اللي يخليني أرجع لك تاني وأستأمنك على نفسي بعد ما طعنتني وغدرت بيا؟ طعنتني وأنا جنبك وفي حضنك وغدرت بيا. إيه اللي يخليني أصدقك؟ بتهيأ لي صعبة، صعبة قوي يا باشمهندس إني أصدقك تاني وأرجع آمن.
لحظة واحدة بس يا أزهار، لحظة. راجع كل تاريخك معايا. لو لقيتي نقطة واحدة بيضاء، تبقى بداية أمل جديد لينا ونحاول عشانه. ندي نفسنا فرصة ثانية. يمكن بريق النور، النقطة البيضاء، تكون شعاع أمل لينا وبداية جديدة لينا.
رواية أزهار الفصل العشرون 20 - بقلم نرمين قدري
صدقني أنا دورت ودورت كتير ومن زمان مش من دلوقتي.
ما لقيتش غير سواد وضلمة، كل حاجة بقت ضلمة.
كان يستمع لها وهي تصف ما تشعر به، وهي تحاول أن تجد نقطة النور.
وكانت حريصة تلتمس له أي عذر، ولكن لم تجد نقطة النور.
حاولت أن تغفر له ولم تجد سوى السواد.
أكملت بيأس:
- صدقني يا ماجد حاولت ألتمس لك عذر وملقتش.
حاولت أغفر بجد ومعرفتش.
= لا يا أزهار، تبقى أنت كده ظالمة وظلمتي حبنا.
- مش أحسن ما أكون مظلومة تاني؟ أكون ظالمة أحسن ما أكون مظلومة تاني يا باشمهندس.
= كرهتيني ليه؟ وأنتِ متأكدة إنه مش بإيدي اللي حصل.
- علشان عريت قلبي ومَسترتنيش.
كسرتني قدام أهلي.
علشان اللي بيحب عمره ما يهون عليه.
واللي يهون عليه عمره ما حبك.
إياك والإكتساء بمن لا يعرف معنى الإحتواء فيمنحك التعري.
وإياك والاتكاء على من لا يعني معنى السند فيهديك السقوط.
وإياك والإرتواء بمعسول الكلمات حتى لا تظمأ عندما تكتشف أن أقرب الناس إليك كان كذبة.
سيصعب عليك تصديق الكثير.
فلا شيء يؤلم أكثر من سقوط قناع ظننته يوماً وجهاً حقيقياً.
فالحياة عندما تكشف أقنعة الناس تكشفها بقسوة.
فهي تقطر ألماً.
شعورها بأن حبه لها لم يكن كافياً ليحميها مما حدث.
هوانها عليه جعلها تشعر بعدم الثقة فيما يقول.
كم من المشاعر المتناقضة التي كانت تشعر بها، يجيش بها قلبها.
تود أن تخرجها جميعها، وتخبره كيف جعلها تهون عليه.
فعز عليها نفسها وقالت وقد أحرق الدموع عينيها:
- وأنا هنت عليك؟
عمال تقول غصب، ماشي يا عم.
غيابك يوم الفرح مش بإيدك.
وبعدها استنيتك يوم واتنين وتلاتة.
وسمعت كلام من عمتي محدش يقدر عليه، لدرجة أنها اتهمتني في شرفي.
وإنك هربت لما أخدت اللي عاوزة مني.
انهارت قواها للمرة الثانية.
فقد شعرت بقتل روحها بداخلها، وأن قلبها يتمزق وجعاً وشوقاً.
قمة التناقض في المشاعر.
فقد نصاب جميعاً بشيزوفرينيا المشاعر، وهي أن كرامة النفس تعلو رغبات القلب.
فالقلب يريد، وعزة النفس ترفض.
فهي في صراع بين قلبها وكرامتها.
قالت وهي تحاول أن تجعل كرامتها هي من تفوز:
- وعمال تقول بحبك.
كلمة سهلة على فكرة، وحتى حروفها سهلة.
بس مهما اتقالت ومهما سمعتها، الفعل هو اللي بيثبت الحب أو بينفيه.
والكلام مجرد وعود.
الأفعال بتثبتها وبتخليها واقع أو لا شيء.
ومع أول موقف حقيقي، يا إما تلاقي نفسك مش فارق وهونت عادي وبيتم التخلي عنك بسهولة.
وتلاقي نفسك خسرت رهانك على الشخص ده.
وتكتشف إنك زرعت في أرض بور وتحس الخذلان والتوهة المميتة.
حاولت جاهدة استرجاع روحها بداخلها، فقد فقدان الروح مميت.
رفعت عينيها لتكمل كلامها، وجدته ينظر لها بعينين دامعتين، يقف أمامها بقلب عاشق يترجى معشوقته.
فهو يعلم أن الحب صدق أفعال.
وأن تجد المحب باع الدنيا واشترى خاطرك بالغالي.
ووضعك في كفة وكل الدنيا في كفة تانية ورجح كفتك أنت.
وهو يعلم أيضاً أنها عاشقة له وتحاول أن تظهر عكس ما تكن له من مشاعر.
فتركها تكمل حديثها وتخرج كل ما بداخلها من ثورة حتى تهدأ.
تركها تكمل واستمع لها وهي تقول بغضب:
- عارف مشكلتك إيه يا ماجد؟
إنك عاوز الناس تلتمس لك العذر وأنت مش بتعرف تعمل كده.
بس الناس مش مجبرة تستحمل تقلباتكم.
مش معنى إني كنت بهزر وبضحك كلامك ما كانش بيوجعني.
لا، أنت كنت كل مرة بتحاول تعرفني مقامي في المكتب.
ما كنتش بتقدر الحالة النفسية اللي أنا فيها.
ولا كنت عاوز تقتنع أن أنا كمان عندي زيك حالة نفسية.
مش أنت بس مش لوحدك اللي عديت بتجربة قاسية.
أنا اللي مريت به أصعب ألف مرة من تجربتك.
أنت فقدت مراتك، أنا فقدت عائلتي كلها وفي يوم واحد.
وبقيت لوحدي في بيت طويل عريض والكل طمعان فيا.
سبت بلدي ومالي وحياتي وحتى شهادتي.
وقبلت اشتغل وأنت أكتر الناس دراية أنا كنت بشتغل إيه.
قبلت معاملة لارا ليا اللي كلها إهانة.
وأنت كمان مقصرتش معايا.
يمكن لؤي بس اللي كان بيعاملني كإنسانة.
أنت بتبقى عامل زي الدب اللي بيدمر أقرب حد ليه.
رفع ماجد حاجبيه ونظر إليها وقال بصوت ينم عن مدى حبه لها:
= ولو قلت لك نفتح صفحة جديدة و تديني فرصة تانية.
ضحكت بسخرية وقالت:
- الفرصة الثانية مخيفة جداً يا ماجد، أكثر من الفرصة الأولى.
لأنك بتكون عارف إنك بتخاطر بقلبك.
ووجع القلوب صعب.
يقترب منها ماجد ويمسك يدها بحنان ويهمس برقة محب:
= بس أنا بحبك وهفضل أحبك.
وأعمل إيه أنا قلبي ماليش حكم عليه.
وأنتِ اقتحمتي قلبي يا أزهار.
احمر وجهها وحاولت سحب يدها منه.
فقد هزها قربه لها، فهي عاشقة حد النخاع.
ومظاهر القوة التي كانت مختبأة وراءها بدأت تنهار.
- صحيح قلبي ماليش حكم عليه، لكن عقلي بيبني قراره على الحسابات.
وحسابات عقلي بتقول كل اللي بينا فات ومات.
ثم نظرت للاشيء وقالت بحزن:
- كنت دايماً ببالغ في حب الأشياء، الأشخاص، الطرقات، اللحظات...
كنت عاشقة للذكريات.
كنت بحب أوثق جميع ذكرياتي بالصور.
كنت بحبها قوي بقلبي وأقول يمكن في يوم أدور عنها جوا صندوق ذكرياتي لتجدد ما أفسده الزمن.
ولكني عرفت أن كل شيء قابل للتغير، حتى الحب قابل للتغير.
الأشخاص بترحل عادي، والطرقات تتغير، واللحظات الحلوة بتقف.
حتى الذكريات عفا عليها الزمن.
ومش بيكون معايا غير قلبي.
في حاجات كده بتعلم في القلب وصعب تتنسي.
زي إنك تقول لحد علشان خاطري ما يعملكش خاطر.
أو إنك تهون على حد ويسيبك زعلان.
أو إنك تحط حد في مكانة عالية وتبقى فاكر أن لك نفس المكانة وتكتشف أنك ولا حاجة.
أو تقوله وحشتني وبقولك طيب.
أسوأ شعور أن يصعب عليك نفسك وتحس أنك بتهون على الناس اللي بتخاف الهوا يجرحهم.
الاختيار لو ما كانش صح من الأول، هتفضل طول عمرك تدفع من حزنك عليه وعلى نفسك.
مش كل اللي تقابله هينفعك، ومش كل اللي بيلمع من بره بيلمع من جوه.
وفجأة يقطع كلامهم صوت طرقات ضعيفة على باب المكتب.
تمسح أزهار دموعها وتفتح الباب.
لتجد أجمل ما في حياتها، تجد رقية.
تنظر لها بشوق وتقول جملة واحدة هزت أزهار وجعلتها تتراجع عن كل قراراتها:
- ماما فينك كل ده؟
أنتِ وحشتيني أوي ووحشني حضنك.
تنهار أزهار أمامها وتحملها في أحضانها وهي تبكي.
فقد انهارت كل قواها ولم تعد على تحمل أكثر من ذلك، فهي تعشقه وأيضاً تعشق رقية.
قالت أزهار وهي تنظر لها:
- كنت مسافرة يا روكا، حقك عليا.
بس أنتِ وحشتيني أوي أوي.
يقطع كلامها صوته وهو يقول بحنان واشتياق:
= وأنتي وحشتي قلبي يا زهرتي.
يلا بقى كفايا اللي ضاع.
تحضنها رقية بشده وتقول بمحايلة:
- علشان خاطري وافقي يا ماما، نبي يا ماما توافقي.
تعالي معانا، أنا أصلاً مش هامشي من هنا من غيرك.
ينظر لها ماجد بشوق وحب ويقول لها مترجياً:
= يلا يا أزهار علشان خاطري، أنا نفسي نكون عائلة واحدة، كفايا عناد.
تقول له باستفزاز وهي تعلم أنها تستفزه:
- وعروستك هتعمل فيها إيه؟
= يووووه يا أزهار، أقسم بالله ما في حاجة من دي حصلت ومعايا دليل براءتي.
ومستعد تشوف، أنا محبتش ولا هحب غيرك أنتِ يا زهرة قلبي.
تبتسم أزهار بخجل وتقول:
- بس عندي شرط.
أخرج عروسة من بيت بابا وكل البلد تشوفني وأنا خارجة من بيت أبويا.
= وأنا معنديش مانع وهعملك أكبر فرح.
- خلاص، أنا هاخد رقيه وأسافر وأنت رجلك على رجلينا.
منا مش هكرر غلطتي مرتين.
حضنتها رقية وقالت وهي تضع يدها في منتصف خصرها:
- بس أنا عندي شرط.
هلبس فستان شبه فستانك بالظبط.
ضحكت أزهار وقالت بمرح:
- يا سلام، بس كده؟
أحلى فستان لست البنات.
حضنهم ماجد بشدة.
وبعد يومين استعد الجميع للسفر.
ركبت أزهار بجوار ماجد، وركبت رقية في الخلف.
وفي سيارة أخرى ركب لؤي وخطيبته.
وبعد بضع ساعات وصلوا البلد.
ولكن انتبهت أزهار فور دخولها البلد بزينة معلقة من أول بوابة البلد حتى وصلها سرايتها.
نزلت من السيارة مبهورة بجمال الزينة.
ثم شهقت، لقد وجدت أزهار وورود تحاوط بوابة السرايا بالكامل، وأنوار معلقة على جانبي الطريق.
دخلت أزهار لتجد مراسم الفرح قد جهزت بالكامل وتم تعليق صور لها في كل مكان وورود تحاوط.
فكان المكان فعلاً روعة.
قالت في نفسها وهي مبهورة بجمال الزينة والمكان:
"آه لو تعرف قلبي بيحبك قد إيه.
أنا بعشقك يا ماجد.
لو تعرف أن قلبي عمره ما دق في يوم غير عليك.
أنت ملكت روحي وقلبي وملكت حياتي كلها."
ثم لمعت عينيها من وهج العشق، فالعاشق تفضحه عيونه.
ثم رفعت عينيها باستحياء، نظرت لماجد الذي كان يقف متكئاً على الحائط مربعاً يده، وينظر لها على منظرها الطفولي، ويرى لمعة الحب في عينيها.
وقد ازداد شوقاً لها.
فهمس لها بشفتاه وقد شغف حباً لها:
"بحبك."
احمر وجهها بشدة وارتعش قلبها.
اقترب أكثر منه وشعر رعشتها وعلم أن العشق قد خطى طريقه لقلبها.
فهي تعدت مرحلة الحب إلى العشق.
فطبع قبلة على جبينها.
كان يود أن يقبلها من شفتيها التي يعشقها.
واقترب بالفعل، ولكنه فاق على صوت لؤي يصبح كعادته.
فدخل عليهم وشهق ثم قال بمرح وهو يخبيء عينيه بيده:
- لاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااكِ يا ما اهديكي يا زهرتي.
ثم طبع قبلة على جبينها.
فكانت لحظة مليئة بالحب والتسامح.
وبعد تسعة أشهر، رزق ماجد وأزهار بتوأم.
ولد وبنت.
اكتملت سعادتهم و فرحتهم.
هكذا انتهت قصة العاشق والنادرة.
دمتم في رعاية الله.