تحميل رواية «ازيز الماضي» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
وانا قاعد جنب مراتى بعد اسبوع من الجواز تليفونها رن. التليفون كان على المنضده والرنة طولت ومراتى محركتش ايدها تاخد التليفون. ولما لاحظت انى ببص على الفون سحبته وبصت فى الرقم ومردتش. بسألها مردتيش ليه؟ قالت رقم غريب وانا مش برد على أرقام مش متسجلة عندى. بس وشها كان متغير شوية. قلت بهزار: طيب كنت ادينى انا ارد عليه؟ مراتى قالت: نسيت! على الساعة ٦ المغرب قلت لمراتى: انا هخرج بقا صحابى منتظرنى على القهوة! مراتى قالت: اوك، لكن متتأخرش؟ حاضر، مش هتأخر يا روحى. غيرت هدومى وخرجت. وصلت الشارع تحت وافتكرت...
رواية ازيز الماضي الفصل الأول 1 - بقلم اسماعيل موسى
وانا قاعد جنب مراتى بعد اسبوع من الجواز تليفونها رن.
التليفون كان على المنضده والرنة طولت ومراتى محركتش ايدها تاخد التليفون.
ولما لاحظت انى ببص على الفون سحبته وبصت فى الرقم ومردتش.
بسألها مردتيش ليه؟
قالت رقم غريب وانا مش برد على أرقام مش متسجلة عندى.
بس وشها كان متغير شوية.
قلت بهزار: طيب كنت ادينى انا ارد عليه؟
مراتى قالت: نسيت!
على الساعة ٦ المغرب قلت لمراتى: انا هخرج بقا صحابى منتظرنى على القهوة!
مراتى قالت: اوك، لكن متتأخرش؟
حاضر، مش هتأخر يا روحى.
غيرت هدومى وخرجت.
وصلت الشارع تحت وافتكرت انى نسيت المحفظة.
اتصلت بمراتى: ترميها لى من البلكونة بدل ما اطلع السلم لفوق.
ورقمها كان انتظار.
متعود لما مراتى تكون انتظار بتعاود الاتصال بيا كمان لحظة.
واستنيت فى مكانى لكن مراتى متصلتش.
اتصلت بيها تانى وفونها كان لسه انتظار.
اتعصبت الصراحة وطلعت السلم بنفخ بغضب.
خبطت على باب الشقة بعنف ولاحظت ان الباب مقفول من جوه بالمفتاح لما مراتى وصلت.
مراتى فتحت الباب بوش مخطوف.
بقلها: انا برن عليكى مش بتردى ليه؟
مراتى قالت: مخدتش بالى والله، انا اسفة.
كنتى بتكلمى مين؟
قالت: كنت بكلم ماما.
مشفتيش المحفظة بتاعتى؟ قلت وانا داخل غرفة النوم ادور عليها.
ومراتى دخلت فى رجليه.
خدت المحفظة وخرجت.
عادى مفيش اى حاجة فى بالى ووصلت القهوة.
مراتى كلمتنى وحسيت انها بتتأكد أنى فى القهوة ودا امر آثار استغرابى.
قلتلها: اه انا فى القهوة مش هتأخر متقلقيش.
وتلهيت فى لعب الضمنة.
والوقت مر اكتر من ساعتين.
لما شفت الوقت قلتلهم: طيب يا جماعة انا اتأخرت لازم اروح.
اتصلت بمراتى اسألها ان كانت عايزه حاجة من بره وانا راجع.
وكان تليفونها انتظار لكن المرة دى ردت عليه بسرعة.
قلتلها: انا راجع فى الطريق.
قالت: ترجع بالسلامة.
رجعت البيت اتعشينا واستعدينا للنوم.
ويدوبك نمنا وتليفون مراتى رن.
بقلها: شوفى مين بيتصل دلوقتى.
اتعدلت مراتى جنبى وبصت فى الفون وكنسلت رقم غريب تانى؟
قالت: ايوه.
لا بقا دا لازم واحد بيعاكس.
ادينى الرقم ده؟
خدت التليفون منها وطلبت الرقم كان فيه كول تون دينى دعاء.
رواية ازيز الماضي الفصل الثاني 2 - بقلم اسماعيل موسى
الرقم كان عليه كل يوم.
جربت مرة تانية، محدش رد.
الأرقام الغريبة بدأت تضايق مراتي حبيبتي.
من امتى؟
أصلها أول مرة تحصل من يوم الجواز.
معرفش والله يا صالح، زي ما أنت شايف.
طيب، بصي بقى، تليفونك هيفضل معايا شوية لحد ما أشوف مين العيل الصايع اللي بيعاكسك.
مراتي ضربت بوز قد مزلقان القطر.
انت مش بتثق فيا؟ بتخوني؟
مش بخونك يا لبنى، أنا عايز أحل المشكلة وأعرف مين اللي بيتصل عليكي.
ثم انتي زعلانة ليه؟ احمدي ربنا إني إنسان عاقل ودماغي مراحتش بعيد وبحاول أحل المشكلة بطريقة عادية وهادية.
أنا من حقي أعرف مين بيكلمك وبيكلمك ليه.
زادت حدة النقاش بيني وبين لبنى وصوتها ارتفع أكتر.
أقسمت إنها هتروح بيت والدها لحد ما أعرف أكلمها كويس، بنت ناس مش واحدة جاية من الشارع.
إنتي ليه متعصبة كده أوي؟ طالما مش مخبية حاجة؟
كلامك أصلاً يعصب وكله تلميحات.
صرخت لبنى.
خدت الرقم من تليفون لبنى وهي بتلم شنطتها ومصممة تروح عند والدها.
المرة دي الرقم رد عليه.
كان صوت واحدة ست.
كانت بتسأل عن دكتور اسمه محمد، دكتور نسا وتوليد.
ولما عرفت إن الرقم غلط، اعتذرت وقفلت الخط.
قعدت في مكاني أدخن سيجارة ولبنى في غرفتها بتحضر شنطتها.
عقلي عمال يودي ويجيب.
أنا هسيبلك البيت عشان ترتاحي يا سامح، ومش هرجع غير لما تعرفي الفرق بين بنات الأصول وبنات الشارع.
استني شوية، وهوصلك بيت والدك بنفسي يا لبنى.
لأ، هروح لوحدي يا سامح، من فضلك مش عايزة حد معايا.
وقفت في الشرفة أتابع لبنى.
وقفت تاكسي ورمت الشنطة جواه والتاكسي اتحرك.
وقبل ما أسأل نفسي ليه مقلتش للبنى الحقيقة وأخلص من كل ده.
كان فيه أفكار بتدور في عقلي.
ليه لبنى أخدت الموضوع بحساسية زيادة عن اللازم؟
لازم يكون فيه سر في الموضوع.
ومن ناحية تانية، كان فيه صوت جوايا بيصرخ: ده رد فعل طبيعي من أي واحدة لقيت نفسها متهمة فجأة بحاجة مخجلة.
سجلت الرقم عندي على الترو كولر، كان مسجل بواحدة اسمها هند أحمد.
وبطلوع الروح قدرت أعرف من صديق لي فرع شركة... عنوان هند في البطاقة.
تقريباً اتأكدت إن الرقم بتاع واحدة ست مش واحد راجل.
رغم كده، روحت على العنوان.
كان لازم الضجيج اللي في عقلي ده ينتهي للأبد.
قعدت في قهوة جنب عنوان البيت أفكر إزاي أعرف هند دي مين وساكنة هنا ولا لأ.
قعدت فترة طويلة لحد ما لقيت طفل نازل من العمارة.
مشيت وراه، كان رايح يشتري حاجات من السوبر ماركت.
سألته بصنعة لطافة عن هند جارتهم، قلت إني ابن عمها وتهت في العنوان.
الطفل قال: عمتو هند ساكنة هنا ولسه راجعة من المدرسة.
سبت الطفل وأخدت تاكسي قاصد أروح بيت عمي أتأسف للبنى وأرجعها.
لكن فجأة افتكرت حاجة مأخدتش بالي منها.
رواية ازيز الماضي الفصل الثالث 3 - بقلم اسماعيل موسى
بنت مين دي اللي لسه في المدرسة وبتدور على دكتور نسا وتوليد؟ الشك لعب في دماغي، لكن واجهتني عقبة، أنا معرفش في أمور البنات لأني كنت وحيد، ولا أعرف الأمور الطبية اللي قد تحتاجها فتاة شابة.
فكرت ربما تكون في الثانوية العامة، يعني بنت كبيرة.
ولما بدأت أبحث في النت لقيت إن فيه تسع حالات الفتاة الشابة ممكن تحتاج بسببها دكتور نسا وتوليد.
وبعد تفكير طويل، وبعد ما سيارة الأجرة وقفت تحت بيت لبنى، اتصلت على المدعوة هند.
ولما ردت لقيتني بكل برود بسألها: "انتي كنتي عايزة دكتور نسا وتوليد ليه؟"
"وانت مال..."
"أم..."
سمعت الرد اللي خلاني أقفل التليفون. معاها حق، منزعجتش، كنت أستحق أكتر من كده.
ولعت سيجارة وأنا بهمس: "لبنى، لبنى".
وتذكرت كل الأوقات السعيدة اللي دارت بيني وبينها، خطيبتي وزوجتي، وتعهداتنا الصبيانية إننا نحل مشاكلنا مع نفسنا دون أن نسمح لأي شخص إن يتدخل بينا.
وتذكرت اندفاع لبنى وغضبها ورحيلها إلى منزل والدها.
ولقيتني في بلبلة ولخبطة وعدم مقدرة على اتخاذ قرار منصف، بين انجراح كبريائي وبين مشاعرها اللي ضربت في مقتل.
كلانا على صواب من وجهة نظري، ولا يمكنني إن أحملها المسؤولية بمفردها.
لو كنت أنا مكانها وشعرت إن زوجتي تشك فيا، لتعصبت ولن يهدأ لي بال أبداً.
وكأي زوج مصري مغلوب على أمره، صعدت شقة والد لبنى، وطرقت الباب بتراخي.
بالي قصير، ومزاجي "زفت"، ولا أتحمل "ناخد وندّي" أكتر من عشرة دقايق.
سلمت على والد لبنى، كان وجهه متبرم، وكان واضح إنه عايز ينهي المسألة بسرعة، وإنه غير سعيد بوجود ابنته عنده غاضبة من زوجها.
لبنى رفضت تخرج، لكن حماتي قعدت جنبي، وقعدت تديني في النصايح: "وعيب كده يا ابني، ومش معقول تشك في مراتك عشان رقم رن عليها؟ دي أعراض ناس يا ابني وحرام عليك تخرقها بالسهولة دي."
تأسفت أكتر من مرة.
وشعرت بالخزي والغضب. لبنى قالت كل شيء لوالدتها ووالدها، ولم تبقِ على شيء.
كنت غاضب من موقفها أكتر من رحيلها من البيت.
كنت أتوقع إنها ستضع لسانها اللعين في فمها، وتكتفي إن تقول: "مشكلة بيني وبين زوجي"، مثل أي زوجين يحترمان بعضهما.
لكن مفيش حد بيتعلم بالساهل.
تعلمت في حياتي لما تخزلني توقعاتي، إن أتحمل الصفعات اللاحقة دون أن أتألم، دون أن أفتح فمي.
"تعالى يا بنتي اقعدي مع جوزك واقفلي باب الشر ومتسمحيش للشيطان يدخل بينكم"، صرخ والدها بصوت مرتفع.
وهل فعلاً الشيطان المسؤول أم أفعالنا؟
تدللت لبنى، أو شيء آخر لا أعرفه الصراحة، المهم إنها رفضت إن تجلس معي.
قالت: "محتاجة يوم ولا يومين لحد ما أهدا، أنا هبقى أرجع لوحدي."
"طيب جوزك عايز يعتذرلك؟"
"مش عايزاه يعتذر."
قلت: "يومين ولا تلاتة أهدى وابقى كويسة."
"يومين تلاتة أسبوع."
لحظتها مكنش فارق معايا ترجع امتى، طالما ضخمت الموضوع للدرجة دي وأحرجتني قدام والدها ووالدتها، فلتحترق في عين الشمس.
قد أبدو لك هادئ، لكنني نار مشتعلة.
والدها غضب ودخل غرفتها وزعق معاها وكان هيضربها، ولبنى رأسها من حديد.
قلت: "خلاص يا عمي متزعّلش نفسك، سيبها على راحتها."
همس والدها: "معلش يا ابني سامحني، انت سمعت بودانك."
"مفيش مشكلة يا عمي، حقها تزعل برضه، يمكن أنا عملت حاجة مخدتش بالي منها خلتها تنزعج بالطريقة دي."
أخذت بعضي وسبت البيت ونزلت، مكنتش طايق أرجع الشقة ومخنوق من نفسي أكتر منها.
في قهوة جنب البيت قعدت عليها شوية وأنا بحرق في السيجارة.
تليفوني رن.
قعدت دقيقة أبص على الرقم، رقم هند.
وبعد لحظة من التردد رديت عليها.
"انت مين يلا؟ وليه بتدور ورايا وبتسأل عني؟"
قلت: "كان سوء تفاهم وخلاص راح لحاله."
"سوء تفاهم يخليك تيجي تحت بيتي وتسأل عني؟ انت عبيط يلا؟ مش عارف إن ممكن تحصل مصيبة بسبب تصرفك ده؟ يلا؟"
كلمة "بنت وسخ..." بتعصبني.
قلت لها: "خالص يا بنتي اقفلي ومتتصليش هنا تاني."
وكان فيه شرشحة انفتحت من الطرف التاني، قفلت الخط.
رميت التليفون على الطاولة وبلعت آخر شفطة شاي.
الأخبار السيئة تحدث مرة واحدة وتأتي خلف بعضها.
دي مش ممكن يكون سلوك طالبة في مدرسة ثانوية أو حتى حرفية.
دي واحدة تسلطحت في الدنيا وعرفت مساوئها ومتعها بالمغرفة.
ثم إن صوتها، صوتها كبير، مش صوت بنت، صوت أوزة ضخمة مرتعشة المؤخرة.
حاسبت النادل وبصيت على الساعة، كانت عدت 11 بالليل.
صبح ورايا شغل.
أخذت شاور ونمت، لكن عقلي كان تعبني ومش مريحني.
الصبح غيرت هدومي وأخذت طريقي.
طريق بيت هند.
الساعة كانت سبعة ونص تقريباً، يمكن يحالفني الحظ وتكون رايحة المدرسة.
ولأني معرفش شكلها، اترميت في حجر بائع الفلافل، وبصنعة لطافة أشعرته إني أنوي خطبة فتاة ساكنة في العمارة دي.
"فتاة في الثانوية"، قلت ثانوية لم أحدد نوعها وتوقفت.
"بنت في الثانوية؟ مش صغيرة عليك شوية؟"
"مش عارف إيه غاية الرجال الكبار في البنات الصغيره، تلاقي الراجل عنده ستين سنة على وش موت ويقولك: اتجوز بنت صغيرة تجدد شبابي."
"تكونش هتعلمه تمارين الصباح؟"
تركت بائع الفلافل يهذي حتى انتهت أطروحته الفلسفية.
ثم توقف فجأة وقال: "لكن مفيش بنت في الثانوية ساكنة في العمارة دي يا أستاذ، أنا هنا من أكتر من خمسين سنة، من أول ما تركت محافظتي وجيت على القاهرة وأنا ساكن هنا وأعرف سكان منطقتي واحد واحد."
واحنا بناخد وندّي ونهبد في الكلام، خرجت بنت من العمارة.
ورغم شكلها ومظهرها، معرفش إيه اللي خلاني أرن على رقم هند وبعدها قفلت التليفون بسرعة.
ورن تليفونها وسمعته يرن في يدها، ورأيتها تحدق بهاتفها.
ثم جمعت لعابها وأطلقت بصقة ضخمة على أسفلت الطريق.
ارتسمت على شفتي ابتسامة مقتضبة تشبه ابتسامة الديك الشركسي.
شكرت الرجل الخمسيني، ربما لا نتقابل مرة أخرى، لكن لدي يقين إن هذا الرجل بالذات سيتزوج بعد وفاة زوجته بيومين.
"تبعت الآنسة هند."
كان وجهها بيضاوي، ملامحه حادة كأنما نُحتت بدقة متعمدة، وجلدها الباهت يزيدها برودة.
عيناها ضيقتان، بلون داكن يكاد يكون بلا روح، تحدّقان في الآخرين وكأنها تزنهم بصمت، تقرر في ثوانٍ إن كانوا يستحقون اهتمامها أم لا.
حاجبها اللعينان الرفيعان مرسومان دائمًا بانحناءة خفيفة، مزيج بين الاستهزاء والريبة، وكأنها تعرف شيئًا لا يعرفه أحد.
شعرها الأسود الطويل ينسدل بنعومة، لكنه يظل مرتبًا بإحكام، لا تسمح له بالخروج عن سيطرتها.
شفاهها الرفيعة نادرًا ما تتحرك في ابتسامة، وإن فعلت، كانت ابتسامتها باردة، غير مكتملة، كأنها تختبر كيف يبدو البشر عندما يعبرون عن الفرح.
يداها نحيلتان، أصابعها طويلة ومرنة، تتحرك بلا عجلة.
توقفت الآنسة هند أمام مدرسة خاصة ثم دلفت داخلها.
بعد أن أرعشت رأسها عدة مرات.
رواية ازيز الماضي الفصل الرابع 4 - بقلم اسماعيل موسى
لم تكن هند فتاة تدرس في الثانوية العامة.
وطلبها لدكتور نسا وتوليد بدا عاديًا جدًا.
شأن خاص لا علاقة لي به.
عوضًا عن العودة إلى البيت، جلست على المقهى، أدخن الشيشة وأعاين الأضرار التي لحقت بمزاجيتي.
لقد فشلت.
لأول مرة يقودني فضولي لطريق مسدود.
غير الحجر بعد إذنك.
تغيير حجر شيشة معاك يا حامد.
ارتفع صوت النادل.
"علت آخر قطرة شاي. مجرد اتصال لعين عكر يومين من حياتي."
"لماذا لا تطنش مثل أي زوج عادي؟ ما المميز بك حتى توقف الدنيا وتشعلها من أجل اتصال تافه ورد إلى زوجتك بالخطأ؟"
"هذا العقل، عقلك القذر سيوديك إلى ورطة حقيقية."
قرقرت الشيشة وتابعت طفلًا يركل طوبة بقدمه ويركض خلفها.
ورجل عجوز مر صدفه يصرخ في الطفل: "أولاد آخر زمن، كنت هتعورني!"
"حياة صاخبة وتافهة لا تستحق أن تعاش."
فجأة خرجت هند من المدرسة.
لم أكن مهتمًا حتى عندما توقفت لأكثر من ربع ساعة تقضم أظافرها.
لم أتابعها.
بعدها وصل شاب من نفس عمري، بدا متلهفًا وقلقًا.
أخرجت هند هاتفها ونظر فيه الشاب لحظة قبل أن يخرج هاتفه.
وبعد ثوانٍ، وضع الهاتف فوق أذنه، ثم بعصبية لاحظتها، أعاد الهاتف إلى جيبه وتحدث مع هند كلمات خافتة بحده.
ثم رحل.
دخلت هند المدرسة.
أنهيت مشروبي الثاني، حاسبت النادل وأخذت سيارة أجرة من أول الشارع وقصدت شقتي.
داخل شقتي، أخرجت الهاتف أتأكد من الساعة.
وجدت الهاتف مغلقًا.
ياه، نسيت أن أعيد تشغيله بعدما طلبت رقم هند تحت عمارتها.
وردني إشعار بعدة مكالمات فائتة.
كان رقمًا غريبًا.
لم أشغل بالي.
أخذت شور ونمت.
استيقظت في العصر على رنين هاتفي.
"آلو، أيوه مين؟"
صوت تخين ونبرة محذرة: "انت تتصل برقم اختي ليه؟"
"اختك مين؟ أنا ما اتصلتش بحد."
"تستهبل يا روح أم... ك؟"
"احترم نفسك، أنت مين؟ واختك مين؟"
"أختي هند."
راجعت التفاصيل داخل رأسي حتى تشكلت الخطوط.
قلت: "أختك اتصلت برقم زوجتي وكان لازم أعرف مين بيتصل على مراتي، فاتصلت بالرقم."
"ودا يخليك تيجي تسأل عنها تحت بيتها؟"
"آسف، كان فيه لخبطة في الموضوع ومش هتحصل تاني."
"عارف لو شفتك عند بيت أختي مرة تانية مش هيحصل خير؟"
"مفيش سبب يخليني أجي عند بيت أختك مرة تانية."
وانتهى الاتصال بعدما تفهم أخو هند أسبابي وقال: "حصل خير."
فركت عيوني وتنهدت.
موضوع مقرف.
لما اتصل بلبنى أصالحها، ظهرت قدامي المكالمات الفائتة والأرقام اللي حاولت الاتصال بي وهو التليفون مقفول.
كان نفس رقم أخو هند.
رجعت بذاكرتي وحددت أول اتصال.
كان وقت وجودي في المقهى لما هند قابلت أخوها.
لكن عقلي لم يرضى بالسكوت.
إيه اللي يخلي أخو هند يكلف نفسه عناء الطريق ويروح يقابلها في المدرسة؟
كان ممكن يبعتله الرقم في رسالة أو اتصال عادي.
ثم دارت تفاصيل المكالمة في عقلي.
كان بيقول في كل مرة يحذرني فيها: "بيت أختي، بيت هند."
ليه ما قالش: "بيتنا" أو "عمارة نا"؟
وليه كان بينسب البيت لهند؟
يكونش أخوها من أم تانية؟
أو مش أخوها على الإطلاق؟
ليه ما يكونش دا نفسه الوغد اللي كان بيحاول يتواصل مع مراتي مستغل رقم هند؟
وليه ما تكونش هند نفسها متعاونة معاه؟
ولأنني لا أحب أن يظل عقلي معلقًا، استعنت بصديق.
وبعد ربع ساعة وصلتني المعلومات.
هند ملهاش إخوات.
بنت وحيدة، يتيمة الأب.
إلا لو كان الحاج الله يرحمه جايب عيل في الضلمة، ودا احتمال بعيد.
في المساء، جلستُ على أريكتي، ممسكًا بالهاتف، أحدق في الرقم الغريب الذي اتصل بي مرارًا.
كل شيء في رأسي بدأ يتشابك كخيوط شبكة عنكبوتية.
وكلما حاولت تجاهل الأمر، ازداد التصاقًا بذهني.
الرجل الذي هددني على الهاتف ادّعى أنه شقيق هند، لكن المعلومات التي حصلت عليها أكدت أنها وحيدة، يتيمة الأب، ولا إخوة لها.
إذن، من يكون هذا الرجل؟
وما علاقته الحقيقية بها؟
ولماذا بدا متوترًا عندما التقاها أمام المدرسة؟
رميت الهاتف بجانبي، ونهضت لأفتح النافذة، أتنفس هواء الليل البارد.
كانت المدينة تضج بالحياة، أبواق السيارات، ضحكات عابرة، وأضواء تتراقص على الأسفلت الرطب.
حاولت إقناع نفسي بأن الأمر لا يعنيني، لكن شعورًا عميقًا في داخلي رفض السكوت.
هناك شيء غير طبيعي يحدث، وأنا—بحكم العادة السيئة—لا أستطيع ترك الأمور غامضة.
رواية ازيز الماضي الفصل الخامس 5 - بقلم اسماعيل موسى
قد تكون الأمور سهلة وبسيطة، لكن الكائن البشري يهوى تعقيد الأمور. مجرد اعتراف من ثلاث كلمات قد يمنع مذبحة، ولكن لأنني لا أستطيع أن أحمل ثلاثة رجال فوق كتفي، فقد رفضت كل الحلول البسيطة.
أشم رائحة خيانة قد تقترب من المعصية. لأول مرة أجد نفسي في وجه قذيفة المدفع.
كنت أسمع عن الغارات التي يشنها المجرمون والضحايا الذين يسقطون بلا ذنب. لطالما حاولت أن أشعر بألمهم، أن أغمض عيني وأجعل الوجع يتخللني. وذات مرة استجمعت الألم وبكيت، وبعد نصف ساعة كنت أقضي مصلحة خاصة بي.
لقد تعلمت أن الهم لا يشيله إلا صاحبه، وأن الصيحات والصرخات والنيحات المطولة مجرد هراء بغيض ووسيلة دعم اخترعها شخص بائس.
قد تكون زوجتي خائنة، هذا هو واقعي الآن. ربما احتمال طفيف، لكن الطرق التي أسلكها ستوصلني إلى المذبحة المنتظرة.
بإمكاني أن أتصل بلبنى وأصارحها بشكوكي مثل أي إنسان عقلاني، وأسمع رفضها ومبرراتها وصراخها. لكني لن أصل للحقيقة أبداً. الحقيقة المرة تتخبى خلف الأسرار القذرة ولا تأتي بلا وجع.
هذا الشخص ليس أخ هند ولا يمت لها بصلة، ولابد أن أفتش خلفه وأرقبه وأعرف لماذا يحاول التواصل بزوجتي. لم تعد مجرد شكوك الآن في عقلي، بل حقيقة أقلبها بين يدي، ساخنة غير ثابتة، تلسعني كلما أغمضت عيني.
ولأنني شخص لئيم وماكر، اخترت أن أكون وسيلة ضغط، لا أداة مساومة.
أخذت أجازة من العمل. كنت أخرج كل يوم أراقب هند في مدرستها.
ويمكنني أن أسمعك الآن تهمس بوضوح وأنت تشرب كوب الشاي أو فنجان القهوة وأنت تستنكر فعلتي الحمقاء: "لما بحق الله يراقب هند ويترك الشخص المسؤول عن المأساة التي صدعنا بها منذ بداية القصة؟"
يمكن أن أرد عليك بثلاث كلمات، لكن لدي قصة علي أن أنهيها.
كانت هند تخرج من بيتها وتذهب إلى المدرسة، ثم تخرج من المدرسة وتذهب إلى البيت. وبعد أسبوع من المراقبة، حفظت تحركات الآنسة هند مثلما تحفظ أنت اسمي.
وكما يبدو لك، لا يوجد سلوك مريب في تحركات الآنسة هند. لكني أعرف ما لا تعرفه. داخل كل إنسان يوجد شيطان مفعم بالحيوية ينشط في أوقات معينة، في بداية الربيع وخلال سقوط المطر، وعندما تجلس على فراشك وحيداً لا تجد ما تفعله. لكل إنسان قذر قدرة على التحمل لا تتعدى خمسة عشر يوماً رغم مقاومته.
عندما خرجت هند من مدرستها ووقفت أمام المدرسة ولم تتحرك، ولأنني أحفظ تحركاتها، شعرت أن وقتي حان. أحضر نفس الشاب، أخ هند على اعتبار ما سبق، ثم أخذها وتمشيا في شوارع القاهرة.
هناك في الشارع، وشربا حاجة ساقعة، وأنا أتابعهم وأقتفي أثرهم مثل كلب بوليسي. ثم توقفا لدقيقة يتحدثان. أشعلت أنا خلالها سيجارة إذا كنت مهتماً بالتفاصيل.
ثم تحركت هند مع الشاب حتى وصلا بناية متعددة الطوابق، ولفا داخلها بطريقة طبيعية. دخلت خلفهم بلا تردد، وكنت أسمع خطواتهم على السلم حتى حل الصمت في الطابق الرابع وانفتح باب.
وعندما ينفتح باب تهب منه ريح طفيفة تحمل الروائح المحبوسة داخل الغرف. وقفت أمام الباب المغلق. وضعت أذني على الباب، رغم خطورة الموقف، لأنني لا أمتلك وقت. وسمعت همسات غير واضحة وضحكة طويلة.
ثم تركت المكان ورحلت. عدت إلى شقتي بعد أن سجلت رقم الشقة وعنوان العمارة.
مضى الليل ثقيلاً علي، مثل كل مرة أحتار فيها من نفسي.
وفي الصباح، كنت أمام المدرسة في المقهى الذي بات صاحبه يعرفني، المواجه لبوابة المدرسة.
الساعة الثانية ظهراً، خرجت هند ووصل نفس الشاب. أخذا سيارة أجرة لوسط البلد، وهناك جلسا في مقهى. وكان بإمكاني أن أجلس جوارهما وأسمع همساتهما وكلماتهما. لكني رحلت، غادرت المقهى والطريق.
بعد ساعتين، كنت داخل شقتي أتصبب من العرق، وأنني أتفهم بكل حرفية شكوكك نحوي وقدر الاستفزاز الذي أوصلتك إليه.
خلال العشرة أيام اللاحقة، ظللت داخل شقتي لا أغادرها إلا للشديد القوي، شراء السجائر وبعض الأطعمة الخفيفة.
لبنى لم ترد على اتصالاتي، ولم تحاول العودة إلى الشقة. وكان اليومين ثلاثة التي طلبتها لبنى قد مروا، ولم تشفع لي توسلاتي المطلوبة، وكأنها ركبت رأسها. ولولا أنني أعرف نفسي لقلت إنها لا تحبني وما صدقت تلاقي فرصة.
وقد تجدني منحازاً إلى نفسي، وأمجد في نفسي وأبجلها، ولسان حالك يقول: "لما لا تكون زوجته تكرهه، أو حتى لا تطيقه ولا تقبله من الأساس، وربما أرغمت عليه؟"
كبريائه كسارد للقصة يمنعه أن يبدي نقاط ضعفه، وأنه قد يكون إنسان وغد يحوي من القذارة.
قرأ هندى يحمل رفات والده في كل مكان. كل إنسان يجد طريقه يحب بها نفسه، حتى في أحلك الظروف. إذا انمحت تلك الطريقة، يكون مصيره الاكتئاب وينحدر نحو ظلال الأموات.
كإنسان بروليتاري منذ نعومة أظافري، لدي كاريزما وقحة.
في اليوم الرابع عشر، خرجت نحو المقهى. وفي اليوم الخامس عشر، هند خرجت مع ذلك الشاب نحو الشقة التي أحفظ عنوانها وموقعها.
تبعتهما مثل ظل خافت لا ينعكس على الأسفلت، وتيبست جوار البناية حتى رحلا منها.
بعدها دلفت إلى الشقة، وضعت المفتاح داخل ثقب الباب الذي انفتح بسهولة. هبت روائح المخدر نحو أنفي، وانعكست الأضواء على كأس شمبانيا تركه نصفه على الطاولة. جلست أدخن سيجارة، ثم دخلت غرفة النوم.
رواية ازيز الماضي الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسى
أنهيت سيجارتي ونهضت بتكاسل نحو غرفة النوم.
ارتديت القفازات وأخرجت الكاميرا التي زرعتها وقمّت بتفريغها، ثم تركتها على الأرض إلى جوار السرير.
عندما وصلت الشقة هاتفت لبنى ولم ترد على اتصالي.
كنت أمنحها آخر فرصة لكنها لم تستجب، وعليه قررت أن أتركها حتى تتحمّض.
كنت قد هاتفت والدتها من قبل ووعدتني بحل المشكلة.
عبّرني العيب بمراحل.
أخفيت الفيلم المصور داخل الشقة رغم أن لا أحد يدخلها غيري.
لكنها عادت إنسانًا مع كل شيء مهم.
بعد أن انتهت إجازتي المرضية، عدت إلى العمل والتسكع على المقاهي خلال الليل حتى موعد النوم.
الرجل لا يكتفي بامرأة واحدة.
عندما دخل عماد شقته، رفيقه فتاة ترتدي عباءة سوداء.
أشعل سيجارة بانجو، وبعد أن نشّط المخدر سحب الفتاة إلى غرفة النوم.
وجد الكاميرا تنظر إليه من على طرف السرير، وكان سلكها الطويل الذي تعمدت تركه تحت السرير يوحي بأنها فعالة.
صرخ عماد وداس الكاميرا بقدمه.
وبعد أن تركته الفتاة ورحلت، جلس يفكر بطيش من زرع الكاميرا وما كان قصده.
من دخل شقتي وكيف فعل ذلك؟
ولأن كل الطرق كانت مغلقة، تركته يرتع في القلق أيامًا وأيامًا.
حتى حان موعد هند، لكنه اعتذر لها.
أستطيع أن أتخيل الحوار الذي دار بينهما:
"عماد، أنت مبقتش تحبني؟"
"مش كده والله يا هند، لكن ظروف..."
"الظروف دي مظهرتش غير النهاردة؟"
تنهد عماد.
"أنا خايف عليكي يا هند، انتي مش أي حد، انت حد مهم عندي."
"عماد؟ مالك فيه إيه؟ شكلك مخضوض، قلقتني؟"
"مفيش يا هند، مفيش."
"عماد؟ انت هتخبّي علي؟"
يتكئ الوغد على قدم وذراع ممدودة ويقول:
"لقيت كاميرا مزروعة جوه شقتي."
"كاميرا؟ يالهوي، ودا إمتى؟"
"أول أمس." يرد عماد باقتضاب.
تتنهد هند وتبلع ريقها.
آخر مرة كانت في شقة عماد منذ خمسة عشر يومًا.
إنها بعيدة عن أي اتهام وتقوم بدورها في المساندة وينتهي اللقاء على وعد.
"عماد، لو وصلت لحاجة لازم تطمنّي."
ثم يأتي دوري أنا.
كنت جالسًا على السرير أدخن سيجارة عندما أمسكت هاتفي واتصلت بهند.
التي لمحت رقمي وأكيد أنها سبّت وشتمت.
ثم ضغطت على الزرار الأخضر.
"انت عايز إيه يا جدع انت؟" صرخت هند.
"أنا مش قولتلك متتصلش هنا تاني؟"
"أخويا حذّرك، لكن الظاهر لازم أخليه يأدبك."
قلبي لا يطاوعني أن أكسر نفسها.
أتركها تهذي وتخرج الفضلات العالقة في عقلها.
ثم أتنهد وتتلبسني ملكة المزاجية.
أهمس بنرجسية:
"اسمعي يابت."
وقبل أن تصرخ هند، أردف:
"هتعملي إلى أقولك عليه بالحرف الواحد، وإلا، ورحمة أبوكي، لأفضحك في كل مكان."
ابتلعت هند ريقها.
احتارت بين الهجوم والمهادنة.
"أنا عندي فيلم يخلّي اسمك على كل لسان في مصر."
تستعيد هند ذاكرتها، تربط الأحداث ببعضها، تستشعر حجم مصيبتها.
"هستناكي في شقتي بعد العصر."
ومنحتها العنوان بعد أن حذرتها:
"إذا فتحتي فمك مع أي مخلوق، هرفع الفيلم على كل مواقع النت."
رواية ازيز الماضي الفصل السابع 7 - بقلم اسماعيل موسى
٧
عندما وصلت هند استقبلتها بطريقه جيده، لست جلاد ولا رغبه لى فى ارعابها الذى يربطنى بها علاقة عمل هات وخد وليس لدى نوايا أخرى.
تشربى ايه؟
بعد افتضاض الصمت سمعت شاى
جبت الشاى وقعدنا
__همست هند، هو ينفع اجيلك شقتك وسط النهار؟ مش خايف
_اه ينفع متقلقيش انا عايش لوحدى، وبعدين يابت متستهبليش، اسف لسانى طويل شويه
انت إلى زرعت الكاميرا فى شقة عماد؟
عماد اخوكى؟
اه
ايوه انا، دا يزعلك فى حاجه هما الأخوات بيعملو حاجه غلط مع بعض؟
احمر وجه هند، انت عارف ان عماد مش اخويا
اه عارف زى ما انا عارف انك لما اتصلتى بتليفون مراتى مكنتيش طالبه دكتور نسا وتوليد
اسمعى يا انسه هند، انا استاذ فى اللف والدوران لكن مش بحب اللف والدوران
عندك ميت سبب يخليكى متثقيش فيا، وعندى فلاشه ترغمك تثقى فيا
انتى مضطره وانا بترك ليكى الفكرة إلى تريح ضميرك
__سيجاره؟
لا مش بدخن
عماد كان عايز مراتى ليه؟
اسمع يا استاذ والله انا مظلومه فى موضوع مراتك ده
هو الى طلب منى اعمل كده
وانتى اى حد يقولك اعملى حاجه تعمليها؟
يا استاذ كبر دماغك، هو كان هيتواصل معاها عن طريقى او عن طريق غيرى
وعماد كان عايز مراتى ليه؟
سحبت هند سيجاره، ولعلى......
سحبت هند سحبه متمرسه من لفافة التبغ
المفروض تكلم صاحب الشأن فى ده يا استاذ انا معرفش
او اسأل مراتك إلى واضح انها مش هنا ولا انتى من الرجاله اياهم؟
تقصدى الرجاله الطيبين إلى مش بيقدر يحكمو على ستاتهم؟
__ابتسمت هند وهمست، اه
اه انا واحد من المغفلين الذين يعلون شأن الحب فوق اى شبهه
رواية ازيز الماضي الفصل الثامن 8 - بقلم اسماعيل موسى
هتديني الفلاشة؟
بالطبع هديكي الفلاشة، أنا مش شاب مراهق هتفرج على فيديوهاتك القذرة.
ليه معجبتكش؟
شهند متحاوليش تباني قذرة لأنك قذرة.
هتديني الفلاشة؟ قالت هند مرة أخرى وهي تقرب وجهها من وجهي.
أيوه.
مرور بحب قديم، وعماد كل شوية بيفتش في دفاتره القديمة لحد ما يقع على صيد واقع في شبكة يستغله.
معنى كلامك إن مروة مكلمتوش؟
ابتسمت هند. يا راجل؟ يعني أنت نسخت مفتاح واقتحمت شقة وزرعت كاميرا وأنت متأكد إن مراتك بريئة؟
وضحي كلامك يا هند، وقتي قليل ودماغي مش هتفضل مظبوطة كتير كده.
لازم تعرف إني معرفش كل حاجة ومفيش حد يعرف كل حاجة، لكن اللي أعرفه إنه حاول يكلمها من تليفونه برقمه القديم ومراتك أكيد رفضت.
بعدها استغل رقم تليفوني وممكن تكون ردت عليه.
يعني أنت مش متأكد؟
هو ليه مسألتش مراتك وخلصت نفسك من كل ده؟
أنتي فاكرة إني محاولتش يا هند؟
أنا عندي وجهة نظر أستاذ سامح، طالما عماد استخدماني للاتصال بمراتك يبقى أكيد مراتك متجاوبتش معاه، وإلا أكيد يعني مكنش هيكلمها وأنت في البيت، فاهمني؟
لو فيه تواصل كانو هيتفقوا على ميعاد ومكان أنت ملكش وجود فيهم.
ممكن أعرف حب قديم يعني إيه؟
أيام الجامعة يا أستاذ سامح، هو فيه حاجة بتجيب المصايب غير الجامعة!
اللي أعرفه إن عماد تقدم لمراتك من زمان واترفض.
مدت هند يدها نحوي وابتسمت ابتسامة ساذجة.
أخرجت من جيب بنطالي الفلاشة ووضعتها في يدها.
نهضت هند وبشك همست: بسهولة كده؟ أنت أكيد معاك نسخة تانية؟
أنا اديتك كلمتي يا آنسة هند وأخدت اللي أنا عايزه ومش معايا نسخة تانية.
يعني أقدر أمشي؟
طبعاً اتفضلي، باب الشقة مفتوح.
أنت، أنت، أنت ليه بتعمل كده؟ أنت متأكد من اللي بتقوله؟ هتسيبني أمشي كده؟
نهضت أنا الآخر، سلمت على هند وعلى وجهي ابتسامة.
تقدري تمشي يا آنسة هند، وأوعدك مش هعترض طريقك تاني.
بارتباك وشك غادرت هند الشقة وصكت الباب خلفها، واستدارت أكتر من مرة على السلم تتأكد إني لا أتعقبها.
رواية ازيز الماضي الفصل التاسع 9 - بقلم اسماعيل موسى
تابعت هند من خلف الشرفة في فمي لفافة تبغ وعيني معها.
استدارت هند أكثر من مرة تتأكد أني لا أراقبها، حتى وضعت الهاتف على أذنها قبل أن تستقل سيارة التاكسي.
حينها أغلقت الشرفة وعدت مكاني.
إنها تستحق ما سيحدث لها.
كنت منحتها النسخة الوحيدة من مقطع الفيديو وكنت أعرف أنها لن تصدقني، فما يمنح بسهولة يترك بسهولة.
من المستحيل أن يصدق هي والوغد الذي تهاتفه أنني إنسان ذو شرف أحترم كلمتي.
شخص اقتحم شقة وزرع كاميرا مراقبة.
من أين يأتيه الشرف؟
مهما كانت قذارتك وانحطاطك لابد أن يكون هناك خط لا تتعداه أبداً، الخيط الذي يفصلك عن أن تكون شيطان.
أما أنا فأحترم نفسي رغم قذارتي ولا يهمني ما يعتقده الآخرون.
هل كانت هند صادقة؟
أم أنها اعتقدت أنني إنسان بريء ضعيف تلاعبت به وانتهى الأمر؟
أعرف الحقيقة واحتفظ بها لنفسي، لكن الآن علي أن أستعد.
"أنا عملت اللي قلت عليه يا عماد ومعايا فلاشة الفيديو."
"اداني الفلاشة من غير ما يطلب حاجة منك؟"
"طلب الحقيقة بس."
"حقيقة إيه؟ سيبك من الهبل ده. محاولش يستغلك أو يبتزك؟"
"لا محاولش!"
"يبقى كداب وأكيد معاه نسخة تانية، الناس الواطية زيه أنا عارف أسلوبها كويس."
"مش ممكن يكون صادق يا عماد؟"
"صادق إيه يا بنتي؟ انتي عبيطة، كلها يومين، بكرة ولا بعده هيتصل بيكي ويطلبك لنفسه، أنا متأكد."
كنت أجلس على الأريكة وأعرف ما يفكرون به.
أوضح تيموثي ليفين أن البشر مبرمجون فطريًا للوثوق بما يُقال لهم ما لم تكن هناك إشارات واضحة على الكذب.
ومع ذلك، عندما يكون الكلام "بسيطًا جدًا" في موقف يتوقع فيه الشخص تعقيدًا أو تفاصيل أكثر، فقد يدفعه ذلك إلى الشك في صدق المتحدث.
أي أن التناقض بين التوقعات والواقع يؤدي إلى اعتبار الحقيقة البسيطة على أنها مشبوهة.
عندما تتعارض الحقيقة البسيطة مع ما يؤمن به الشخص مسبقًا، فإنه يرفضها غريزيًا.
في هذه الحالة، قد يعتقد أن المتحدث يخفي شيئًا أو أنه يحاول التلاعب به، لأن الحقيقة لا تتناسب مع توقعاته أو معقدة بما يكفي لتبرير تصديقه لها.
وأنا أحب الألاعيب النفسية.
إنهم يستحقون أن يعيشوا الوهم.
مرات ومرات في اللحظات الأولى، كنت أشعر وكأنني تلقيت صفعة غير متوقعة.
عقلي يحاول استيعاب الحقيقة الجديدة، وانتابني إحساس بالإنكار: "هل هذا حقيقي؟ لا يمكن أن يكون صحيحًا!".
لكن السؤال الذي لم أجد له إجابة: هل أنا مستعد للمسامحة والغفران؟
العيش مع إنسان أخفى عني سرًا كان من حقي أن أعرفه.
هل يمكن للحياة أن تمضي هكذا؟
لكني وجدت أنني لست الشخص الذي يسامح في خيانة حتى لو حدثت منذ زمن طويل، زمن لم أكن موجودًا فيه.
فعلت تسجيل الهاتف اعتراف هند بوجود علاقة بين لبنى وعماد.
حاولت أن أستكشف بعض التفاصيل الصغيرة.
تقدم عماد للزواج من لبنى ورفض.
وعندما سألت لبنى إن كان هناك حب في حياتها قبلي، قالت لا.
أخرجت هاتفي الآخر وأرسلت التسجيل لهاتف لبنى بعد أن أعدت ضبطه وجعلته اعتراف خالٍ من المحادثات.
ثم تركت الشقة إلى الشارع بعد أن نبهت على الحارس أن هناك من سوف يحضر لتفتيش شقتي خلال غيابي، وأنه إذا حدث ذلك سأبلغ عنه الشرطة.
ولما تمشيت في الشارع كنت أعرف أنه يراقبني، لذلك ابتعدت.
للحد الذي يمنح عماد الفرصة لتنفيذ خطته.
رواية ازيز الماضي الفصل العاشر 10 - بقلم اسماعيل موسى
وقف حارس البناية عماد على الباب.
"رايح فين يا بيه؟"
كان تحذيري لازال يلمع في عقله.
"طالع عند ناس قرايبي."
"في شقة كام يا أستاذ؟"
"شقة... ستة."
ضرب عماد أول رقم دار في باله.
"لكن شقة ستة فاضية يا أستاذ."
"الظاهر نسيت، يبقى شقة خمسة، وبعدين أنا واقف في كمين شرطة ولا إيه؟"
"لا يا بيه، لكن أنا هنا الأمن والأمان."
"طيب ابعد من طريقي، هطلع معاك يا أستاذ، لازم أتأكد بنفسي."
صعد عماد درج السلم، اختفى عن الطريق والحارس خلفه.
ثم وقف فجأة.
"تاخد كام وتقفل بقك؟"
انتفض الحارس.
"تقصد إيه رشوة؟ أعوذ بالله، أمشي من هنا قبل ما أطلب لك الشرطة."
أخرج عماد رزمة نقود.
"أنا مش جاي أسرق حاجة، لكن الراجل ده معاه مستند مهم، ماسك حاجة على بنت عمتي صورها كده استغفر الله العظيم في وضع مخل وبيبتزها، وانت ميرضكش بنات الناس تتبهدل صح؟ اعتبرها بنتك يا أخى!؟ وبعدين هي دقيقة واحدة وهنرجع كل حاجة مكانها."
فتش عماد الشقة مع الحارس وأعاد كل شيء مكانه، لم يجد أي شيء وغادر العماره.
وحصل الحارس على عشرة آلاف جنيه نظير خيانته.
طرقت باب شقة حمائي.
عندما انفتح الباب، همس: "والله زمان يا سامح يا ابني."
"معلش يا عمي، مشاغل بقى."
"أمال فين لبنى؟ لسه زعلانه؟"
"أكيد زعلانه، دانت نسيتها يا أخي كأنها مش متجوزة."
"قافل على نفسها الأوضة ومش بتخرج منها."
"لبنى؟ ممكن تفتحي عايز أتكلم معاكي؟"
سمعت ضربة مكتومة في السرير وبقايا نحيب.
"مش هتكلم معاك غير لما تنسى كل اللي في دماغك ده."
أطلق ابتسامة ساخرة.
"بقى دلوقتي بتتفاوضي؟"
"زمامها بتفكر التسجيل وصلها من تليفون مين؟ واذا كنت أنا هذا الشخص أم عماد أم غيري."
"الشاى يا سامح يا ابني."
"شكراً يا حماتي، ربما يرزقك حجة إن شاء الله."
"ما تزعلش لبنى يا سامح، لبنى غلبانة وطيبة وعلى نياتها."
"حاضر يا حماتي."
"مش كفاية بقى ونرجع شقتنا يا لبنى؟" قلت لما رأيت سحنة زوجتي اللعينة.
"أرجع إزاي وانت بتشك فيا؟"
"على فكرة يا لبنى، أنا كل اللي طلبته منك تردي على تساؤلاتي. انت اللي كبرتي الموضوع وسيبتي البيت."
"وفي النهاية إيه اللي حصل؟"
"ولا حاجة."
"المفروض بين اتنين متجوزين يتنيلوا يقعدوا مع بعض ويحلوا مشاكلهم مع بعضهم، لكن حضرتك، قلتي لوالدك ووالدتك ويمكن الجيران وكل العيلة."
"لكن أنا مش هعمل كده يا لبنى، لأنك غيري، لأني مختلف."
"تقصد إيه؟" همست لبنى بغضب.
"نتكلم في بيتنا أحسن يا لبنى؟"
"لا هنتكلم هنا يا سامح."
"كان يمكنني مسامحتها، أن أغفر لها إخفاء سر ضخم عني، لكن عنادها استمر، استمرارها في تحدي سلطتي، عكر مزاجي، قتل كل المشاعر الرحيمة تجاهها، انجرح كبريائي، وباتت محاولاتي لأكون هادئاً إلى بركة مجاري قذرة."
"ها قول تقصد إيه؟"
"أنا اللي بعتلكي التسجيل يا لبنى، مش شخص غريب."
"تسجيل إيه؟"
"انتي هتستهبلي؟" قلت بغضب وأنا أقرب وجهي منها.
"الوقت ليس وقت سهوكة يا حبيبة."
"تحبي أسمع والدك ووالدتك التسجيل ويحكموا أن كان لي حق أزعل ولا لأ، ما أنتي عملتي بالضبط؟"
شعرت بالخوف يغمر قسماتها التي لم يكن لي نفس أنظر إليها.
"انت قابلت هند فين وازاي وصلتي ليها؟"
"يعني عرفتي صوت صاحبتك؟"
"الحمد لله، دلوقتي متقدريش تنكري حاجة."
"انت إنسان مريض، مريض والله مريض."
ابتعلت صرخة تلالأت على شفتي.
"اعمليلي شاي وتعالي نكمل."
"ماما عملتلك شاي!"
"لا انتي شاى والدتك مش بيعجبني."
"وهنكمل كلامنا في شقتنا، عندك اعتراض؟"
"انت ليه بتعمل كده؟"
"اخلصي بالشاى وكفاية مناهدة، لأنها مش في مصلحتك وأنا صبري قليل وانتِ عارفة."
بعد أن صنعت لبنى الشاي، تركته على الطاولة دون أن ألمسه.
"لمي شنطتك يلا، هنرجع الشقة دلوقتي."
جلست جوار السائق وتركت لبنى في المقعد الخلفي.
وعندما وصلت العماره، رمقني الحارس باستنكار، لكني لم أتحدث إليه وصعدت مع لبنى إلى الشقة.
كان كل شيء في مكانه، لكن الأشياء التي حرصت على وضعها بدقة كانت متغيرة.
"عماد زار الشقة."
"دينا جينا الشقة، اتفضل قول عايز إيه وتقصد إيه؟"
"مش عايز حاجة، أنا كنت عايز أثبتلك إن شكوكى كانت في محلها، وإن ثورتك وغضبك كان غلط، وإني لما فتشت اكتشفت سر من أسرارك مكنش له لازمة أصلاً."
"الصراحة حلوة يا لبنى وأنا مش طالب منك غير الصراحة."