في أحد الأحياء السكنية، أمام منزل كبير لعائلة الدسوقي، كانت تجلس تلك الصغيرة بحزن على الدرج والدموع رفقتها. لكن أتى منقذها، أو خلينا نقول إنه محامي الدفاع اللي بيحاميلها ويجيب لها حقها وهي حاطة رجل على رجل. وجدها بهذه الحالة، ركض إليها بفزع وخوف عليها، فهي بالنسبة له ابنته. تحدث وقال: "ريتال، مالك بتعيطي ليه؟ مين زعلك؟ ريتال ببكاء:
"كنت بلعب كورة مع علي وحازم ومنال بنت خالي مصطفى، واحنا بنلعب منال وقعتني واتعورت في رجلي ودراعي." مالك بحنية: "بس بس، خلاص متعيطيش. هي فين وأنا هزهقها لك وأجيب لك حقك." أشارت إليه وقالت: "اهي بتلعب هناك مع ولاد الجيران." مالك: "منال! تعالي هنا." اتجهت نحوه، فقال: "أنتِ اللي وقعتي ريتال كده؟ منال بغيظ: "أيوه أنا، عشان هي واحدة غبية وما بتعرفش تلعب أصلاً." مالك بعصبية: "إزاي توقعيها كده؟ اعتذري يلا." منال بغرور:
"لأ، مش هعتذر. هي اللي خسرتني." و عقدت يداها أمام صدرها بنرجسية. صرخ بها مالك بغضب وقال: "اعتذري! فزعت منه وتساقطت دموعها، ثم اعتذرت لريتال. مالك برضا: "يلا امشي على جوه، وإياكي أسمع بس إنك زعلتيها. يلا ادخلي البيت وما فيش لعب مع الولاد تاني، فاهمة؟ لم ترد عليه، فكانت تنظر لريتال بتوعد. مالك صرخ بها وقال: "فاااهمة! دخلت المنزل وهي تضرب الأرض بقدمها من شدة غيظها من ريتال. ريتال: "ههههههه." مالك: "مبسوطة؟ ريتال:
"أوي، بس أحسن تستاهل عشان هي صفرا وعاملة زي الساحرة الشريرة، علطول تتخانق معايا وتضايقني. لكن أنت بطلي بتاخد لي حقي منها." قال وهو يحملها للداخل: "إذا أنا طلعت بطل أهو." ريتال: "امم." ثم قالت بطفولة: "بس بطلي أنا لوحدي، مش لأي حد. اتفقنا؟ مالك: "ههههه، حاضر يا ستي." ريتال: "مالك، جبت لي الشوكولاتة وأنت جاي من الدرب؟ مالك شهق شهقة خفيفة وقال: "ده أنا نسيت أجيب لك." ريتال بحزن: "انت نسيتني." مالك:
"ههههه، أديكي ضربتي بوز على طول. أكيد طبعاً جبت لك، في حد ينسى بنته يعني. إنما قولي لي، ليه بتقولي لها يا صفرا؟ مش عيب؟ ريتال: "تقصد منال؟ آه، بحب أقولها منال الصفرا عشان لما تضايقني أقولها تعالي اشربي بيبسي يا صفرا." مالك: "ههههه، أنتِ بتجيبي الكلام ده منين؟ ريتال: "بس تستاهل، أصلها ولية بصو... مالك: "بنت إيه ده؟ في حد في سنك يقول كده؟ عيب يا حبيبتي."
وهو يصعد بها على الدرج ليصل الشقة التي يعيش بها هو ووالديه وإخوته. المنزل ملك لمحمد الدسوقي، الابن الأكبر، وأخاه مصطفى الدسوقي، وشقيقتهم الصغرى نور، ولكن توفاها الله في حادث هي وزوجها أدهم. لم تنجب سوى فتاة وتركتها وحيدة بعد وفاتها. لمحت ريتال منال تنظر من الباب، ولكنها لم تفتحه كاملاً لتراهم. ريتال بدلع لا يتناسب مع سنها، فهي مازالت في المرحلة الابتدائية، قالت: "شكراً يا مالك، أنا بحبك جداً يا أحلى مالك."
واحتضنته، وذلك لإغاظة منال، فهي تعلم أن منال تحب مالك. مالك: "وأنا كمان بحبك يا قلب مالك." وصعد للأعلى. منال: "ماشي يا ريتال الكلب، هتشوفي أنا هعمل إيه." "ريتااااال! خرجت ريتال من شرودها على صوت زوجة خالها محمد، التي قالت بمرح: "إيه اللي شاغل عقلك؟ ريتال: "ها؟ لأ، ولا حاجة. بس سرحت شوية. كنتي عاوزة حاجة يا مرات خالو؟ مديحة: "كنت بقول، إيه رأيك نعمل محشي النهار ده بأنواعه؟ هتساعديني؟ ريتال:
"الله عليكي يا ميدو يا جامد! بينا على المطبخ يا باشا." مديحة: "يعني حلوة الفكرة واعتمد، ولا أعمل حاجة تاني؟ ريتال: "دي توب التوب يا دحدح. وبعدين هنا عشاق المحشي كتير، عندك أنا وخالو وأنتِ ومالك وزوما وعلي بابا، كلنا بالصلاة على النبي." ضحكت مديحة، ثم ظهرت معالم الحزن على وجهها. ريتال: "إيه يا ميدو، مالك بس زعلانة ليه؟ مديحة بحزن: "مالك وحشني أوي يا ريتال." ريتال دق قلبها لذكر اسمه، فقالت بمرح:
"ينفع كده أبقى معاكي تتجاهليني وتفكري في سي مالك؟ لا كده عيب في حقك يا ميدو." ضحكت مديحة وقالت: "أنتم الاتنين ولادي ومستغناش عنكم يا حبيبتي. بقولك، أنا هبعت على يجيب باقي الطلبات عشان نطبخ، ماشي؟ ريتال: "ماشي يا غزال انتِ يا قمر." مديحة: "ههههه، يا بكاشة أنتِ. مستنياكي، ماشي." ريتال: "حاضر يا مرات خالوا."
"أهلاً، أنا ريتال الأدهم، عندي 20 سنة. أهلي توفوا من وأنا صغيرة، وكمان معنديش إخوات. كنت وحيدة ماما وبابا، ربنا يرحمهم. عشت مع خالي محمد، واتربيت مع ولاد خالي اللي بقوا إخواتي بالظبط، ما فرقش بينا. كملت حياتي، بس معرفش ليه، هو أنا ليه دايماً مكتوب لي الحزن؟
ما بحسش إني مميزة. دايماً ببقى حزينة من جوايا، رغم إن خالي ومراته وأولاده بيتعاملوا معايا بطريقة كويسة، بس برضه بحن لأهلي، وحشوني، نفسي بجد أشوفهم وأترمى في حضنهم. وكمان حلمي ضاع وفقدت الأمل، مبقاش حاجة تخليني أعافر عشان أوصل للحلم اللي كنت بحلم بيه إني أكون مهندسة معمارية وأخلي بابا وماما فخورين، ولكن بعد ما سابوني ومشيوا مبقاش عندي هدف، واتخليت عن كل حاجة. بس أنا حالياً في كلية ألسن، يعني هبقى مترجمة وأشتغل مع خالي
في شركته، وده كان قراره إنه يخليني أكمل دراستي وأتعلم كويس. خالو محمد ده طيب جداً وبيحبني كأني بنته، مش بنت أخته. كان عاوزني ألهي بالمذاكرة وما أفكرش في الماضي وأحزانه ووجعي على فراق أهلي. عارف إني حساسة، عشان كده عاوزني أخرج وأكمل دراستي وأعيش حياتي وأنسى الحزن. ولاد خالي تلاتة."
(مالك) أكبر واحد فيهم، وأكبر مني. بيشتغل مع باباه في الشركة وشريكه فيها. كان أقرب واحد ليا في صغري. كنت لما بزور جدو وتيتة (والد ووالدة بابا) كان يجي معايا، ميسبنيش لوحدي. فاكرة مرة كنت في ابتدائي وهو كان في ثانوي، كنت بلعب كورة مع عيال خالي ومن ضمنهم... (تعالي اشربي بيبسي) . وكالعادة زقتني ووقعت ورجلي انجرحت. لقيني قاعدة قدام البيت وبعيط، جري عليا وجاب لي حقي. كان دايماً
يقولي: 'أنتِ بنتي يا ريتال.' كان مدلعني. كل ما يرجع من برا أو من السنتر يجب لي معاه شوكولاتة، لحد ما تقريباً لون شعري بقى بني بدرجة الشوكولاتة. المهم عرف أنا بعيط ليه، ونادى على منال وخلاها تعتذر لي. اتعصب عليها وشخط فيها شخطة، أنا وأنا جنبه اتخضيت منه. هي بقى خافت منه واعتذرت لي، بس فضلت تبص لي نظرات الواحد كده ماكنش مستريح لها، وإحساسي ما خبش، لأن بعدها عملت فيا مقلب. المهم بقى، مالك زعق فيها وهي التنحة برضه، كانت
واقفة تبص لي. حسيت إنها ها تاكلني عشان مالك بيهتم بيا وهي لأ. مالك شالني وطلعني فوق، عمل لي الجروح. كان حنين عليا، هو الأقرب ليا ودايماً بيهتم بيا، بس معرفش ليه بعد واتغير معايا ومبقاش يهتم بيا. لما سافر كان بيكلمنا كلنا وأنا معاهم، وأحياناً يتصل بيا يطمئن عليا لوحدي. مرة ورا مرة مبقاش يتصل، حسيته بيبعد. حتى كمان بقى فين وفين يرن على أخواته وماماته وباباه. يمكن زي ما بيقول، ضغط شغل."
(حازم) ابن خالي محمد، وده التاني طيوب وبيحب الهزار والفرفشة، لكن وقت الجد جد. لو عاوزة أعرف حاجة بعرفها منه، ولما أعوز حاجة بيعملها لي. بقينا أصحاب بعد ما مالك سافر. عامل زي الكتاب المفتوح، على عكس مالك الغامض، ما بعرفش بيفكر في إيه. هو حالياً معيد في الجامعة، وإن شاء الله هياخد الدكتوراه." (علي) أصغر واحد فيهم، وأصغر مني. لسه في ثانوي. أنا وهو عاملين زي القط والفار. بنعاند في بعض، عشان كده مسمياه (علي بابا)
. لما كنا صغيرين، ولما تبقى القعدة هادية وراسيّة، كنت بتسحب من ورا علي، وأنفخ في إيدي، وهوب واحدة أسكنتلب على قفاه. بس مكنش بيسيبني، كان بيخليني ألف الشقة كلها وهو بيجري ورايا. كنت أجري لمالك وأستخبى وراه، وعلى بابا بقى بيخاف من مالك عشان عنده عضلات. ولما مالك مكنش، كنت أستخبى في خالي."
"ونيجي بقى لمرات خالو، بحبها جداً، وهي كمان بتحبني. طيوبة وأم حنونة. ومالك طيب وحنون جداً، دي الصفات اللي كنت أعرفها عن مالك، لكن دلوقتي معرفش عنه كتير. صعب أنسى، بس بحاول أنسى وأعيش حياتي. معرفش أنا بالنسباله إيه، أخته ولا يمكن حاجة تاني. يارب لو مش من نصيبي متعلقنيش بيه ومتكسرش قلبي يارب، عشان مقدرش على وجع قلب تاني."
انتهت ريتال من تدوين مذكراتها وأيام طفولتها في دفتر الذكريات الخاص بها، ووضعته في خزانتها. فوجدت باب غرفتها يفتح، وتطل منه زوجة خالها. ذهبت وجلست بجوارها وقالت: "إيه مالك يا ريتو يا حبيبتي؟ أنتِ كنتي بتعيطي؟ ريتال: "لأ، مفيش حاجة يا مرات خالو. الحاجة جاهزة عشان نعمل الأكل." مديحة: "آهيي عليا أنا الكلام ده! ده أنا اللي مربياكي." اقتربت ريتال واحتضنت مديحة بشدة وقالت: "وحشوني أوي ونفسي أحضنهم أوووي."
وسالت دموعها. فأحتضنتها مديحة بحنان وربتت على ظهرها، وتركتها بأحضانها. وبعد فترة قليلة ابتعدت ريتال وقالت: "شكراً، حضنك ريحني جداً." مديحة: "أنتِ بنتي يا ريتال. لما تحسي كده تعالي في حضني. وبعدين يا حبيبتي، هما راحوا عند اللي خلقهم، اللي أحن مننا عليهم. هما في مكان أحسن من هنا بكتير." ريتال جففت دموعها وقالت: "ونعم بالله." مديحة:
"تعرفي يا ريتال، إني أنا كان نفسي أخلف بنت. بس بعد ما ولدت علي، الدكتور قالي إنني مش هقدر أخلف تاني. ساعتها بقى زعلت أوي عشان مش هقدر أجيب بنوتة زي ما كنت بتمنى، وقولت بزعل: 'ياربي، ده أنا علطول بدعيك، ليه ما استجبتش دعائي؟ ' بس ربنا كان ليه حكمة في كده، يمكن وقتها مفهمتهاش، بس عرفت لما ربنا عوضني بيكي وبقيتي بنتي وحبيبتي." ريتال: "طبعاً يا ماما، أنا بنتك. ربنا يخليكي ليا وما يحرمنيش منك ولا من حنيتك."
سعدت مديحة لقول ريتال عنها إنها والدتها. ريتال بمرح وحماس: "قولي لي بقى يا دحدح، علي بابا جاب الطلبات ولا أقوم أجري وراه وأجيبه من قفاه؟ ضحكت مديحة وقالت: "آه، جابهم." ريتال: "طب يلا بينا على بركة الله، ربنا معانا." مديحة: "ههههه، أنتِ داخلة على حرب." ريتال: "الله، مش محشي بأنواعه. يبقى ربنا يعينا." بدأت مديحة وريتال بتحضير الطعام. دخل إليها محمد فقال: "مساء الخير على الحلوين." ريتال:
"مساء الورد والفل عليك يا خالو يا قمر." محمد: "بتعاكسيني قدام مرات خالك كده عادي؟ ريتال بمرح: "لأ لأ، ما تاخدش في بالك دحدح دي حبيبتي." ونظرت لمديحة وقالت: "صح يا دودي." ضحك محمد. مديحة: "ههههه، صح يا روحي." وقالت لزوجها: "مساء النور. أي مش رايح الشغل النهاردة؟ محمد: "لأ، قولت أجز النهاردة. شوفتي ابنك المجنون؟ والله هيجنني." مديحة: "وأي الجديد؟ ما علي علطول كده." محمد: "مش علي، أقصد مالك."
دق قلب ريتال بعنف عند سماع اسمه. أكمل محمد وقال: "الواد بقاله يومين تلاتة مكلمنيش، وجاي دلوقتي اتصل وقال إنه جاي النهاردة وهيوصل بالليل. ما بقتش فاهمه خالص." سعدت مديحة وريتال لهذا الخبر، فهو سافر لقرابة خمس سنوات. مديحة: "بجد مالك جاي يا محمد؟ يا قلب أمه، وحشني. الحمد لله، يارب أخيراً هينزل. يارب، وصله بالسلامة." أمنت على دعائها. ذهب محمد وجلس بالصالون، وأكملت ريتال ومديحة إعداد الطعام. ريتال:
"مرات خالو، هعمل مكرونة بالبشاميل عشان بحبها." مديحة: "ومالك كمان بيحبها أوي. عندك اللحمة في التلاجة والمكرونة في درج المطبخ." ذهب محمد وأولاده ليستقبلوا ابنه الأكبر بالمطار. وكذلك انتهت مديحة وريتال من إعداد الطعام. أعدوا أطباق مختلفة ومتنوعة وأصناف من الحلويات، وكأن ستقام وليمة وليس عشاء عادي.
دخلت ريتال غرفتها لتجهز نفسها. أخذت شاور، وارتدت فستاناً يضيق من الأعلى ويتسع للأسفل باللون الوردي وبه حزام في الخصر، وحجاب باللون الأبيض. كتبت بمذكراتها: "فرحانة، عرفت إجابة السؤال اللي دايماً بسأله لنفسي: هو أنا فعلاً بحبه ولا مشاعري دي كانت في فترة مراهقة؟
بس عرفت دلوقتي. لما بعد عني كل الفترة دي، عرفت من فرحتي بخبر رجوعه وأنه جاي النهاردة. فرحتي مش عارف أوصفها. عرفت من دقات قلبي اللي بتزيد لما أسمع اسمه. عرفت إن حبي لمالك مكنش حب أخوي وبس، كان حب تاني بيزيد مع الأيام." أغلقت مذكراتها وخرجت على صوتهم بالخارج. كان وصل الجميع، وسلم مالك على والدته واحتضنها بشوق وقال: "عاملة إيه يا أمي؟ وحشتيني يا ست الكل." مديحة بعتاب: "وحشتك؟ أومال لو ما كنتش وحشتك كنت هتيجي إمتى؟
هونت عليك يا مالك؟ خمس سنين." وسالت دموعها. احتضنها مالك بحب وقبل رأسها وقال: "سامحيني يا أمي، الشغل خدني وكنت عاوز أحقق ذاتي. سامحيني." وجفف دموعها. مديحة: "مسمحاك يا حبيبي، بس ما تبعدش تاني." مالك: "خلاص، مش هسافر تاني. أنا هعمل أي حاجة عشان تكوني مبسوطة. المهم، أنتم وحشتوني أوي كلكم وحشتوني." مديحة: "يا قلبي أنت! مش مصدقة إنك قدامي. ما تغبش عني تاني يا مالك." واحتضنته. مالك بابتسامة: "حاضر يا عيون مالك."
ابتسمت ريتال وهي تشاهد لقاءهم وحنان مالك على والدته. مديحة: "يا حبيبي يا ابني، ده أنت خاسس أوي. شوفت يا محمد؟ يا عين أمك، يا ابني بتلاقي مكنتش بتاكل كويس هناك." نظر مالك لنفسه بتقييم، فجسده رياضي ولم يخسر الكثير من الوزن، فقال: "مالي يا ماما؟ ما أنا حلو أهو وكويس الحمد لله، ولا خاسس ولا حاجة. أومال فين ريتال؟ مشفتهاش." ابتسمت عندما سمعته يسأل عنها. وعندما التفت وجدها تقف من بعيد، وكانت الصدمة بالنسبة له.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!