الفصل 21 | من 22 فصل

رواية بانتظار العشق الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم زينب محروس

المشاهدات
21
كلمة
2,192
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 95%
حجم الخط: 18

حرك رأسه ناظرًا للطرف الآخر من الفراش، ليجدها تنام كالملائكة وشعرها المصبوغ باللون البلاتيني يغطي الوسادة حول موضع رأسها. اقترب منها بإعجاب ومد يده مزيلًا تلك الخصلة المتمردة بعيدًا عن عينيها. مرت عليه لحظات متأملًا لوجهها، بداية من تلك البشرة القمحية، وأنفها الصغير، وتلك الرموش الكثيفة المنطبقة على بعضها، بالإضافة إلى طابع الحسن المزين لذقنها، ونهايةً تلك الشفاه المكتنزة باللون الوردي.

أبتلع ريقه واقترب من وجهها، حتى باتت أنفاسه الساخنة تلفح وجهها الساكن. كان مازن مغيبًا تمامًا عن الواقع بفعل تلك المسكرات التي أودت بعقله إلى عالم آخر لا يعرف التفكير، ولا يعرف الفرق بين الخطأ والصواب، عقل متوقف لا يعرف ما الفعل المحرم وما الفعل الحلال. اقترب منها أكثر راغبًا في محو تلك المسافة الصغيرة الفاصلة بينهما.

ولكن في تلك الثانية الأخيرة، منعه من إتمام فعلته رنين جرس الباب بطريقة تتابعية مزعجة. ابتعد عنها مازن ببرم، وغادر الفراش متجهًا إلى باب الشقة. فتح مازن الباب بتلك الحالة التي تخبر الجميع بأنه تحت تأثير المحرمات. ظهر أمجد من خلف الباب ومعه مريم التي قد تورمت عينيها من كثرة البكاء. نظر أمجد إلى مازن بتفحص، ثم تشدق مردفًا باستغراب: "برن على فونك بقالي ساعة مش بترد ليه؟ وبعدين وشك عامل كدا ليه؟

مسح مازن على وجهه بضيق، وأفسح لهم المكان ليتيح لهما الدلوف، وأجاب أخيه بنبرة تثاقل: "كنت نايم وانت صحتني، وبعدين مش معاك مفتاح؟ دلف أمجد ومن خلفه مريم، ثم أردف: "نسيت مفتاحي هنا، وملقتش المفتاح اللي بنحطه تحت الصبارة." أماء مازن برأسه دون إجابة، فأضاف أمجد بشك: "هو انت شارب حاجة؟ شكلك مش طبيعي." رد عليه مازن تلقائيًا: "أيوه، شارب عصير." طالع أمجد بعدم اقتناع ثم قال: "ماشي." وجه حديثه إلى مريم قائلًا:

"ادخلي نامي يا مريم في الأوضة دي، أسيل نايمة جوا، وقفلي الباب عليكم عشان تاخدوا راحتكم." تحركت مريم إلى تلك الغرفة التي قد خرج منها مازن منذ قليل. فقال أمجد بجدية: "وانت ادخل نام في اوضتي يا مازن." *** على صعيدٍ آخر.

كان هادي جالسًا في صالة منزله الجديد، وعينيه معلقتان على باب الغرفة المقابلة له منتظرًا خروج أخته، وتدل قسمات وجهه على ضيقه وحزنه الشديد. مرت دقائق معدودة قبل أن تخرج رضوى من الغرفة وهي تغلق الباب مجددًا. تحركت إلى شقيقها الذي وقف ما إن رآها، ثم سألها بلهفة وقلق: "نامت يا رضوي؟ أماءت رضوى بحزن قائلة: "هلأ نامت يا أخي، بس بعد مرحلة طويلة من البكا. ربنا يصبرها، ياللي صار معها كتير صعب يا أخي." زفر هادي حزنًا

وقال برجاء: "يارب، يارب تقدر تعدي المرحلة دي." أمّنت رضوى على دعائه، ثم سألته بتذكر: "خبرني يا أخي، ليش انتقلنا من هداك البيت؟ وليش أصريت إني مو لازم ضل اليوم ببيت أمجد؟ تحولت ملامح هادي من الحزن إلى الضيق والغضب، ثم رد عليها قائلًا:

"عدم الإنسانية اللي عمل كدا في سالي، يبقى أبو فيروز اللي ساكن جنبنا في العمارة، وشاف سالي النهاردة وهو السبب في حالته السابقة وحالتها دلوقتي، فمكنش ينفع نرجع على العمارة عشان سالي مش هتكون هناك في أمان. دا غير إن أمجد كان لازم ينزل يروح المشفى لمازن ومكنش ينفع تبقى هناك لوحدك فكان لازم آجي وآخدك عشان مش ضامن الزفت سعد ده ناوي على إيه بعد اللي حصل لمازن وبابا." تنهدت رضوي بقلق وقالت: "ونحنا هلأ شو حنساوي؟

الباب هلأ حياته بخطر." ربت هادي على كتفها بحنان، وقال مطمئنًا: "متقلقيش يا رضوي بابا هيرجع وكل حاجة هتكون بخير، بس انتي خلي عندك ثقة في ربنا ثم فيا." *** حاولت مريم كثيرًا أن تنام، ولكن عينيها تأبى فعل ذلك، فكلما أغلقت جفنيها تظهر أمامها صورة يزن الغارق في دمائه. نهضت جالسة على الفراش وهي تمسح تلك الدموع التي سالت على خديها وهمسةً لنفسها: "مفيش غير ربنا اللي يساعدني دلوقتي."

كانت الساعة الواحدة ليلاً عندما دلفت إلى دورة المياه الملحقة بتلك الغرفة. توضأت استعدادًا للصلاة، ولكنها لم تجد سجادة للصلاة فخرجت تبحث عن واحدة في غرفة الغسيل، ولكنها ما كادت تصل إلى وجهتها حتى وجدت أمجد الواقف خلفها يسألها: "محتاجة حاجة يا مريم؟ التفتت إليه وأجابته بخفوت وصوت يخنقه البكاء: "محتاجة سجادة صلاة، بس مفيش في الأوضة بتاع مازن، فقولت أشوف في أوضة الغسيل." ابتسم أمجد قائلًا:

"ثواني أنا حاطط السجادة في أوضتي، هجيبلك واحدة." أختفى أمجد بداخل غرفته للحظات، ثم عاد إليها حاملًا سجادة مطوية. وقف أمامها وهو يمدها إليها قائلًا: "خُدي يا مريوم. ولو احتجتي حاجة عرفيني أنا مش جايلي نوم وهقعد في الصالون." أخذت مريم منه السجادة، وخطت خطوتين عائدة إلى غرفتها، ولكنها ما إن تخطته حتى أوقفها صوته عندما سألها قائلًا: "مريم انتي بتحبي يزن؟ استدارت إليه وابتسمت بانكسار: "مش هتفرق." ابتسم أمجد قائلًا:

"يعني بتحبيه؟ أماءت مريم برأسها وقالت بتردد: "أيوه بحبه، بس دي مشاعري أنا، ومفيش بينا أي حاجة، لو في ما بينا أي علاقة فمش هتكون أكتر من الصداقة اللي بين العيلتين." سألها أمجد بترقب: "ليه بتقولي كدا، هو يزن رفض حبك؟ أجابته وهي تزيل دموعها بظهر يدها: "لاء، أنا محدش يعرف بمشاعري دي غيرك، ومش ناوية أقول عشان يزن مش شايفني أصلًا. فمش هستفيد حاجة غير إني هحرج نفسي ع الفاضي." تنهد أمجد وأردف منهيًا الحوار:

"اعملي اللي يريحك يا مريم. أيوه صح خالتي اتصلت عشان تطمن عليكي لأنها رنت على فونك ومبترديش." "فوني نسيته في عربية وأنا بنقله المشفى." "مفيش مشكلة، بكرة إن شاء الله هبقى اجيبهولك، المهم إني طمنت خالتي." "طب وطنط ريهام وفاطمة عاملين إيه؟ "خالتي بتقول إن فاطمة قاعدة ساكتة، لكن طنط ريهام مش مبطلة عياط وعشان كدا هيفضلوا هناك هي وعمي شادي." أماءت مريم وقالت: "تمام أنا هدخل عشان أصلي." ***

كعادته السيئة، يجلس أمام تلك الرخامة السميكة والمزخرفة الحاملة لأنواع عدة من تلك الأشربة التي تشبه السم البطىء الذي يدسونه بأنفسهم إلى أوردتهم. استدار سعد بكرسيه المتحرك ناظرًا إلى وائل الجالس باستقامة على تلك الأريكة الجلدية. تشدق سعد مردفًا بضيق: "تعرف تطلع سالي دي من دماغك! دي خالص بقت ورقة محروقة ومش هتقدر تعملنا حاجة. وفكك من البنت بتاع الملهى دي كمان، لأننا مبقناش محتاجينها في حاجة." أردف وائل سائلًا:

"تقصد إيمان؟ شرب سعد من ذلك الكاس الملازم له، قبل أن يقول: "أيوه إيمان دي، خلاص ورقة النسوان كلها على بعدها مبقاش ليها لازمة، عشان كدا مبقاش لازم تخليها تيجي هنا، إلا لو ليك بقى رغبة في حاجة تانية، بس بردو تبقى بعيد عن هنا." فهم وائل ما يقصده سعد، فقال نافيًا:

"لاء مليش رغبة في حاجة، إيمان دي ملهاش في سكة الشمال اللي انت تقصدها، هي بس آخرها تعمل سبوبة بسيطة وتكسب من وراها قرشين، زي إنها تتبلى على حسام كدا، لكن إنها تنفذ التبلى فعليًا فده مستحيل. شريفة يعني." تلوت شفاه سعد باسمًا بسخرية، ثم أردف: "شريفة؟ دا على أساس إنها بتروح البار تصلي؟! ضحك وائل قائلًا: "أنا قصدي إنها محافظة على نفسها يعني وملهاش في سكة الرجالة، وكل شغلها في الملهى عبارة عن ويتر." تلفظ سعد بعدم اهتمام:

"مش مهم." قال وائل باهتمام: "امال إيه المهم، واللي عشانه جايبني من وش الصبح كدا؟ وضع سعد الكأس من يده ونظر إليه باهتمام قائلًا: "الصفقة خلاص، هنتممها كمان ثلاث أيام، وخليك جاهز عشان أول ما نستلم البضاعة هنسلم إسماعيل المنشاوي للي خلقه." سأله وائل باستغراب: "هو إيه اللي قلبك كدا على إسماعيل فجأة؟ مع إنكم كنتوا حبايب! أجابه سعد غاضبًا:

"عرفت من ألبرتينو مساعد الزعيم إنه كان عايز يتمم الصفقة وياخد هو الحلاوة كلها، وأنا اكون مجرد مسكين بيعطف عليه اللي يفيض من البضاعة، عشان كدا قررت أخلص منه." قال وائل بحيرة: "طب ما لو كلامك صح ف أحنا مش هنعرف نتمم الصفقة لو الزعيم عرف! أجابه سعد بشرود: "أنا مظبط لكل حاجة، متقلقش انت نفذ اللي بقولك عليه وخلاص وجهز الرجالة وشدد الحراسة على مكان إسماعيل." أماء وائل بتفهم، ثم نهض قائلًا:

"اعتبره حصل، واه صح يزن دخل في غيبوبة وأخو أمجد بيوصله المعلوم وهنننفذ الخطة في اقرب وقت." ***

كانت الشمس مازالت غائبة ولم تغدق على الأرض بضوئها الحاني وخيوطها الذهبية، بينما ينام هادي في غرفته المعتمة. استيقظ من نومه فزعًا رغم أنه لم يرى كابوسًا أو يحلم بشيء سيء، كما أن الأجواء حوله تساعد على النوم بعمق، فلم يكن الهدوء يعم المنزل فقط بل وإنما يعد الحي بأكمله، فالناس نيام في هذا الوقت. استعاذ هادي بالله من الشيطان وقام متجهًا إلى المطبخ ليشرب بعض الماء.

وبينما كان عائدًا إلى غرفته مجددًا، شعر أن قدمه قد اصطدمت بشيء وألقت به بعيدًا، وبالفعل عندما نظر أرضًا وجد سكينًا ملقى على بضع خطوات من قدمه. اقترب من هذا السكين حاملاً إياه باستغراب وهو يسأل نفسه: "السكينة دي مين اللي جبها هنا؟ كان يتلفظ بكلماتها وهو يتلفت حوله وكأنه يبحث عن الفاعل، وبذلك قد انتبه إلى نقاط الدم المتساقطة أرضًا والمتراصة في خط مستقيم ينتهي أمام غرفة سالي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...