نظرت إليه فاطمة بتوتر، فهي لم تخبر أسرتها بما يخص حملها المزيف. حاولت أن تخفي توترها الذي شعر به يزن. –مفيش حاجة يا يزن، بس أنا مش عايزة أشوف حسام ولا أقابله. هم يزن أن يتحدث ولكن قاطعه حسام الذي طرق بخفة على الزجاج المجاور لمقعد فاطمة، ثم أردف حازمًا: –انزلي يا فاطمة.
التفتت إليه سريعًا فور ما سمعت صوته. ابتلعت غصة مريرة في حلقها، ثم نقلت نظرها بين الزجاج وبين يزن بتوتر وخوف، فهي تخشى المواجهة كثيرًا وتخاف أن لا يصدقها حسام. فأردفت بصوت مهزوز: –لاء مش نازلة. توجه حسام حيث جهة القيادة وقال جادًا: –انزل أنت يا يزن.
أصغى إليه يزن وترجل من السيارة. حل محله حسام الذي أعاد تشغيل السيارة وتحرك قاصدًا وجهته دون أن ينطق بحرف واحد. وكذلك لم تفعل فاطمة التي أيقنت من تلك النظرة التي رأتها في عينيه أنه لن يتركها دون أن يفعل ما جاء لأجله، وهذا ما تجهله هي. بعد قليل توقفت السيارة أمام المبنى الذي يضم شقتهما. خرج حسام من السيارة وتوجه إليها فاتحًا الباب لأجلها وقال هادئًا: –انزلي يا فاطمة.
لم تكلف نفسها عناء النظر إليه، وبقيت عينيها تحدقان بالطريق أمامها عندما تلفظت بعناد: –لاء، مش هنزل. زفر حسام بضيق من كثرة عنادها، ثم أردف: –انزلي يا فاطمة عشان نتكلم. هذه المرة نظرت إليه بعينيها الدامعة وقالت: –لو عايز تتكلم، فاتكلم هنا، أنا مش هنزل. تنهد حسام بقلة حيلة وقال وهو ينحني عليها بشكل مفاجئ، حاملًا إياها: –انتي اللي طلبتي!
أنهى جملته وهو يخرج بها من السيارة، حاملًا فاطمة على كتفه كذلك الذي يحمل زكيبة من القمح. رددت بصوت منخفض: –ممكن تنزلني! مينفعش كدا! ضيقت فاطمة ما بين حاجبيها وقالت بغيظ: –هو أنا شوال بطاطس، عشان تشيلني بالشكل ده!! ضحك حسام وقال مشاكسًا: –يا ريتك كنتي شوال بطاطس، ع الأقل الشوال مش بيعاند وكان هيتحط مكان ما أحطه! ضربت على ظهره بقبضتها الصغيرة وقالت بضيق مكتوم: –طب نزلني، أحسن والله هلم عليك الناس.
تلوت شفتيه بتحدٍ وقال ساخرًا: –ما هو واضح إنك عايزة تلمي علينا الناس، عشان كدا بتتكلمي بصوت واطي لدرجة إني سامعك بالعافية! زفرت بتذمر ولم تعقب، فهي حقًا لا ترغب في لفت الأنظار إليهما، أو أن تجعل أحدًا من السكان يعلم ما يدور بينها وبين زوجها «حسام». وصل بها شقتهما، فتح الباب ببطء وما زال يحملها. وما إن دلف وأغلق الباب خلفه بقدمه حتى أنزلها سريعًا وهو يقول مداعبًا: –ضهري اتكسر. رمقته بطرف عينيها وتشقت بغيظ:
–أحسن تستاهل، كان حد قالك شيلني!! ناس غريبة!! ارتخت قسمات وجهه وتشقت مردفًا بجدية: –خلينا بقى نتكلم بجد. توترت مرة أخرى، فنظرت إليه بترقب وهي تضغط بأظافر يدها اليمنى على اليد اليسري. قالت بخفوت: –نتكلم في إيه؟ سألها حسام بهدوء وهو يتفحص قسمات وجهها: –مفيش حاجة عايزة تقوليها؟؟ حدقت به في صمت دون أن تتلفظ بكلمة واحدة، فكانت لا تدري كيف تخبره؟ وهل يجدر بها ذلك من الأساس؟
تفاجأت به يقترب إليها، محاوطًا إياها بين ذراعيه في عناق دافئ. أرخت هي ذراعيها بجانبها، عندما استنشق هو رائحتها في نفس عميق حتى امتلأت رئتاه. ثم شدد من احتضانها وكأنه يريد أن يدخلها بين أضلعه، ليخفيها عن أنظار الجميع ومكائدهم، ليس عن سعد فقط، وإنما عن كل الأعين التي تحاول أن تجرحها ولو كان ذلك حتى بمجرد كلمة.
تساقطت من عينها بضع قطرات من دمعها الساخن، التي اخترقت قميصه لتلامس بشرته التي نبهته ببكائها. فأخرجها من بين ذراعيه، ولكن المسافة بينهما ما زالت لا تُذكر. رفع يده مزيلًا تلك الدموع عن وجنتيها وهو يطالعها بحنان، ثم أردف مطمئنًا: –مفيش داعي للدموع دي يا فاطمة، أنا عرفت كل حاجة…. أنا آسف إني كنت السبب في دموعك وإني قسيت عليكي….. أنا آسف عشان بسببي سمعتي كلمات مش لطيفة من بعض الأشخاص…… أنا آسف.
طالعته باستغراب، فكيف يعتذر هو! وهي من أخطأت وأكدت أنها حامل؟! أدرك حسام من نظراتها ما الذي تفكر به، فأكمل موضحًا:
–أنا عارف إنك مش حامل، وإنك كنتي مجبرة تعملي كدا بسبب سعد؛ عشان هددك، وأنا والله كنت واثق فيكي…. بس لما أكدتي التقرير مكنش قدامي حل تاني إني أقسى عليكي وأطردك من البيت، بس كنت مضطر أعمل كدا عشان أنا من أول ما استلمت التقرير وأنا شكيت إن سعد ورا الموضوع. فلما دخلت وجبت هدومك ساعتها أنا طلبت أوبر عشان أول ما تنزلي تلاقي مواصلة للبيت…. ورفضت إنك تغيري الأسدال عشان كنت متأكد…. إن لو سعد اللي عمل كدا فأكيد فيه حد من رجاله مراقبنا… فكان لازم أساير الموقف عشان أعرف إيه اللي بيحصل.
تنهدت فاطمة بارتياح من ذلك الثقل الذي كان كالجبل على قلبها، فقالت هامسة بحزن: –مكنش قدامي حل تاني بسبب تهديده. ثبت حسام نظره على عينيها، وحاوط وجهها بين كفيه، ومرر إصبعيه على وجنتيها مرددًا بحنو: –أنا جنبك يا فاطمة.. ومش هسمح أبدًا إن يحصلك حاجة.. أو إن حد يجرحك، متخافيش وأنتي معايا، دا انتي أغلى وأهم من روحي يا فاطمة. أردفت فاطمة بصوت يخنقه البكاء: –أنا كنت خايفة مش تثق فيا، زي ما أنا عملت قبل كدا!
عليها بابتسامته الحانية: –أنا قولتلك قبل كدا إني بحبك يا فاطمة، وأول عمود في الحب… هو الثقة، وأنا بثق فيكي أكتر من نفسي، يعني أنا لو شوفتك بتعملي حاجة غلط، أنا هكذب نفسي وهصدقك.
ركن عليهما صمت لطيف، كفت فيه الألسن عن النطق، ولكن الأعين قد استلمت زمام الأمور وبدأت وصلة من الرسائل الصامتة التي لا يفهمها أحد سواه. بضع لحظات مرت عليهما في ذلك الوضع إلى أن قطعت فاطمة ذلك الصمت، ومحت تلك السنتيمترات القليلة التي تفصل بينهما، عندما تعلقت برقبته معانقة إياه وهو تقول بندم: –أنا آسفة إني خبيت عنك، وآسفة… إني مكنتش واثقة فيك من الأول، بالرغم من إني ب…….
كانت على وشك الاعتراف بمشاعرها تجاهه ولكن قاطعها رنين جرس الباب. ابتعد عنها حسام على مضض فقد أدرك أنها ستجهر بحبها، لكن منعها ذلك المعتوه الذي لم يحلو له المجيء سوي الآن. تحرك إلى الباب وفتحه بغيظ، وما إن رأى أمجد حتى زجره بغيظ: –كنت حاسس إن أنت المزعج. ضيق أمجد حدقتيه وقال بلهجة شك: –هو أنت كنت بتعمل إيه وقافل فونك؟! ابتسم حسام بخفة عندما فهم ما يرمي إليه، وقال ساخرًا: –مش اللي في دماغك يا رخم، وبعدين أنت بترن ليه؟
ضحك أمجد بعدم اقتناع، وأردف: –مع إن الاستجواب اللي من ع الباب ده مش داخل دماغي، بس هعديها، عمومًا خالتي هي اللي كانت بترن عليك وأنت لما مردتش عليها رنت عليا عشان تسأل عليك….. متعرفش إني شريك معاك في كل حاجة إلا اللي بيحصل في الشقة دي. قال أمجد جملته الأخيرة مشاكسًا، وختمها غامزًا بعينيه، فاغتاظ منه حسام، فدفعه بخفة بعيدًا عن الباب وقال:
–طب امشي بقى يا حدق بدل ما آخد عليك دورة تدريب في الملاكمة، وتبقى دي فعلاً أول مصيبة أعملها من غيرك! أنهى حسام حديثه وأغلق الباب سريعًا في وجه أمجد الذي يضحك عليه بشدة. في ذلك الوقت كانت فاطمة تخرج من دورة المياه وهي تجفف وجهها بالقطيلة، فاستنتج حسام أنها كانت تغسل وجهها كي لا يعلم القادم أنها كانت تبكي. بادرت فاطمة وسألته بجدية: –أمجد مشي على طول ولا إيه؟ ابتسم حسام وأجابها: –أيوه، كان جاي يطمن عليا عشان فوني مقفول.
ابتسمت فاطمة وأماءت بتفهم، فأكمل حسام: –ألا صح كنتي هتقولي إيه قبل ما الجرس يرن؟؟ –كنت بعتذر عشان الثقة وكدا. تشدق حسام محاولًا تذكيرها مردفًا: –لاء انتي قولتي بالرغم من إني ب…….، وسكتي، كنتي هتقولي إيه بقى؟؟ ضيقت فاطمة ما بين حاجبيها، كعلامة على محاولتها التذكر، ولكنها خيبت ظنه وقالت: –مش فاكرة كنت هقول إيه! حدد اليأس قسمات وجه حسام الذي قال: –ما تحاولي كدا، ممكن تفتكري ولا حاجة. ضحكت فاطمة وقالت:
–بكرة بقى عشان أنا عايزة أنام، يلا تصبح على خير. أنهت حديثها وتحركت إلى الغرفة التي نامت فيها في المرة الأولى، التي جاءت فيها مع حسام بعد عقد قرانهما، ولم ترح قلب حسام الذي أردف بتحدٍ: –هتروحي فين يعني! الأيام ما بينا وهتقوليها يعني هتقوليها. ***
في تلك الأيام العشر الماضية، أصبحت العلاقة بين حسام وفاطمة على ما يرام، تزداد سعادتهم يومًا بعد يوم، أصبحا مقربين أكثر من السابق، ولكن فاطمة ما زالت تعاند وترفض أن تخبر حسام بما تشعر به تجاهه. وكذلك سالي وهادي توطدت بينهما العلاقة كثيرًا وأصبح كل من هما يحمل مشاعر تجاه الآخر، وما زال هادي هو الوحيد الذي يهتم بسالي ويفهم ما تريده، وهي لا ترى الأمان سوى في وجوده معها. كما أنها أحبت فيروز كثيرًا والتي تذهب إليها يوميًا لتجلس معها. أما رضوى فكما هي تجلس مع والدها لتعني به، الحمى تأبى أن تتركه.
وعن يزن ومريم، فقد بات يتهرب منها ولا يرغب في رؤيتها منذ لقائهما الأخير والذي قد اعترف فيه بمشاعره لها. في هذا اليوم، خرج يزن من مقر عمله ليجدها واقفة أمام سيارته وتعيث بهاتفها. ثبت موضعه قليلًا ليفكر هل يذهب إليها؟ أم يعود إلى مكتبه وينتظر حتى تغادر؟ حسم أمره وتحرك صوبها، فإلى متى سيظل هكذا يتهرب منها، ويحرم على قلبه رؤيتها؟
وقف أمامها وقبل أن يتحدث أو حتى يلقي عليها التحية، شرعت هي ونظرت إليه. وبالرغم من أنها ليست هنا لرؤيته إلا أنها لم تتفاجأ بتواجده فهنا مكان عملها وهذا شيء طبيعي. التقى عيناهما في نظرة سريعة، هو يطالعها بلهفة واشتياق وكأنه لم يرها منذ ألف عام، وهي تطالعه بعتاب ولوم على قلبها الذي تُرك معلقًا بسببه، فهو لم يؤكد حقيقة حبه لها وفي الوقت ذاته لم ينفِ ما تفوه به! ابتسمت بخفة وقالت: –ازيك يا يزن، عامل إيه؟ أجابها يزن بجمود:
–الحمد لله كويس، انتي عاملة إيه؟ –أنا الحمد لله بخير. سألها يزن بترقب: –انتي هنا ليه؟ أجابته بهدوء: –مستنية أمجد، عشان هنروح مشوار. كونها هنا لرؤية غيره، جعله يشعر بالغيرة عليها، كما أنه قد اعتقد أنها هنا من أجل أن تتحدث معه فيما قد تفوه به سابقًا. تشدق مردفًا بغيرة مكتومة: –شكلك بتحبي أمجد أوي، مش كدا؟ أجابته بتهكم: –هو المفروض أكرهه، دا ابن خالتي! –بس؟ نظرت إليه باستغراب: –بس إيه؟ أكمل يزن موضحًا مقصده:
–قصدي بتحبيه عشان ابن خالتك بس؟؟ ردت عليه مريم باندفاع: –دا موضوع شخصي، مش من حقك تسأل عنه. أنهت كلماتها وتحركت كي تبتعد عنه، ولكنها ما كادت تخطو خطوتين حتى أطلقت صرخة تدل رهبتها من تلك الرصاصة التي دوى صوت إطلاقها في المكان. التفتت سريعًا إلى يزن، لتصرخ باسمه عندما وجدت أنه قد أُصيب وأصبح مصدرًا تنبعث منه الدماء. ***
على صعيد آخر في شقة هادي، كانوا جالسين ثلاثتهم، سالي وفيروز تلعبان بالأوراق الملونة، وهادي يعمل على حاسوبه. وبينما هو منهمك في عمله قاطعه صوت هاتفه معلنًا عن اتصال من رضوي. استقبل المكالمة وقبل أن يتحدث، وصله صوت رضوى المستغيث: –أخي الحقني، نحنا واقعين بمصيبة. رفع هادي الحاسوب عن قدميه، واضعًا إياه على الأريكة، وانتصب على قدميه وهو يقول بقلق: –في إيه يا رضوي؟ إيه اللي حصل؟ أجابته رضوى من بين شهقاتها:
–هجموا علينا ناس معاهم سلاح يا أخي، وخدوه للباب معاهم، بس قبل هيك أبوي هربني وما قدروا يشوفوني. أخي تعال خدني أنا ما بعرف أنا وين. قال هادي سريعًا: –اهدي يا رضوي، وابعتيلي اللوكيشن وأنا جاي حالًا، متخافيش. تحرك سريعًا وأخذ مفتاح سيارته وقال قبل أن يغادر: –فيروز خليكي هنا مع سالي على ما أجي. ما إن غادر هادي ذلك المبنى الذي يقطن فيه، حتى تناهى إلى صوت الفتاتين صوت صريخ قادم من الشقة المجاورة. فنهضت فيروز سريعًا
وهي تقول: –دا صوت ماما. ركضت خارجة من الشقة ومن خلفها سالي. فتحت فيروز الباب بالمفتاح الخاص بها وما إن دلفت حتى وجدت والدها الذي كان يرتدي بذلة رسمية وقد أعطاهما ظهره، يضرب والدتها بلا رحمة. تحركت إليه وبجوارها سالي، لتخلص والدتها من بين يديه. وبينما هي تحاول أن تسحبه بعيدًا عن والدتها، ظهر وجهه لسالي… التي رجعت خطوتين إلى الوراء وبدأت بعض الصور المبهمة تداهم عقلها.
أمسكت برأسها وهي تحاول أن تتذكر، ورويدًا رويدًا نتيجة لصرخات والدة فيروز، بدأت تتذكر صرخاتها هي الأخرى في ذلك اليوم المشؤوم الذي فقدت فيه أعز وأغلى ما تملكه أي فتاة، بسبب أناس انتزعت الرحمة من قلوبهم. بدأت وصلة صريخها هي الأخرى، وهي تتراجع إلى الخلف وتنهمل دموعها بشدة، فكانت ترى أحداث ذلك اليوم وكأنها تتجسد أمامها الآن. أغمضت عينيها وما زالت تبكي بالإضافة إلى أنها صرخت قائلة: –وائل لاء، ارجوك لاء……..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!