تحميل رواية «بانتظار العشق» PDF
بقلم زينب محروس
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
فى إسكندرية عروس البحر المتوسط يجلس شاب أمام البحر غارقًا في مذكراته، لا يدري بما حوله. فاطمة: ياترى الشاب اللي هناك دا بيعمل إيه؟ كل ده أكتر من خمس ساعات قاعد نفس القعدة دي. طب وأنا مالي، هوا كان من بقية أهلي؟ أه، بس أنا عندي فضول أعرف هوا بيكتب إيه في المذكرة اللي في إيده… أنا مالي أنا، ماشية. ليسمع الشاب صوت هاتفه معلنًا عن اتصال أحدهم. لينهض من مكانه. الشاب وهو يتحدث في الهاتف: في إيه؟ مش قولت يوم الجمعة مش بحب حد يرن عليا. …: ……………… الشاب: خمس شهور تقريبًا ويخلص شغلي هنا وهاجي، ما إنتي عارف...
رواية بانتظار العشق الفصل الحادي عشر 11 - بقلم زينب محروس
كادت أن تتحرك ولكنّه منعها عندما حاوطها بين ذراعيه اللتين قد أسندهما إلى الحائط.
كانت تنظر إليه بتوتر وقلبها ينبض بعنف، لم تقو على الحديث بسبب قربه الشديد إليها.
أمال برأسه قليلًا ونظره مُثبت على شفتيها، أغمضت عينيها بخوف وتوتر.
لحظات معدودة مرت عليهما وهي مازالت مغمضة العينين، ولكن بعد ذلك حدث عكس ما توقعته فاطمة تمامًا، حيث باغتها حسام عندما حملها بين ذراعيه.
فتحت نظرها سريعًا وحدثته بصدمة: "إنت بتعمل إيه؟"
ظهرت ابتسامة على زاوية فمه وقال: "هاخدك بالعافية."
في هذه اللحظة تخلت فاطمة عن عنادها وقالت: "خلاص نزلني وأنا هاجي معاك."
نظر لها حسام بعدم تصديق ولم يتحدث، فقالت فاطمة بصدق: "والله هاجي معاك، بس نزلني."
أصغى لها حسام وأنزلها قائلًا: "أتمنى تكوني مطيعة علطول."
توقفت سيارة حسام أمام مدخل إحدى المباني المتواجدة في الأحياء الراقية.
نقل نظره إلى تلك التي تجلس بجانبه وقد أرخت ظهرها للوراء، وكانت مغمضة العينين فاعتقد حسام أنها قد غفت.
ترجل بهدوء من سيارته وتوجه للباب المتواجد بجانب فاطمة وقام بفتحه.
مرت عليه ثوانٍ معدودة وهو يتأملها ويتمنى بداخلها لو استطاع الزواج بها في ظروف مناسبة.
مال عليها بنصفه العلوي وهو يحل رباط الأمان، وكاد أن يحملها ولكنها فتحت عينيها في تلك اللحظة.
كان قريبًا جدًا إليها، لدرجة أن حسام استطاع أن يسمع صوت أنفاسها غير المنتظمة نتيجة لقربها منها.
كانت فاطمة تحدق به بشدة ولا تنطق، وكأن قربه إليها بتلك الطريقة يجعلها تنسى كيفية الحديث.
ابتعد عنها حسام خارجًا من السيارة وهو يقول: "بحسبك نمتي فكنت هشيلك عشان وصلنا."
لم تعقب فاطمة على حديثه، وإنما نزلت من السيارة بهدوء وهي مازالت تشعر بالتوتر الشديد.
ولكنها ما إن رأت ذلك المبنى الواقفين أمامه حتى سألته باستغراب: "إحنا هنا ليه؟ مش المفروض نروح بيتك!"
حسام بجدية: "طب ما ده بيتي!"
فاطمة بتراجع: "لأ، أنا مش هطلع. أنا وافقت أجى معاك على أساس هنروح بيت العيلة مش شقة لوحدينا."
قال حسام بمكر: "هيفرق إيه يعني بيت العيلة عن بيت لوحدينا؟ كدا كدا إحنا متجوزين، بالعكس هنا هتقدري تكوني في أوضة لوحدك، ولكن لو رجعنا الڤيلا هتكوني مجبرة تعيشي معايا في نفس الأوضة."
زفرت فاطمة بضيق وقالت: "لأ طبعًا. كدا كدا عمي شادي عارف إيه سبب الجوازة ومريم كمان عارفة، فمش هتقف على أسيل وطنط منال يعني!"
حسام بجدية: "الموضوع فعلاً مش واقف مع ماما وأسيل، ولا هما أساسًا الأصل في المشكلة، ولكن في حد في بيتنا شغال لحساب سعد الدمنهوري."
نظرت له فاطمة بعدم فهم، فأكمل حسام بتوضيح: "إحنا حاليًا هنفضل هنا أسبوعين بحجة شهر العسل وكدا، دا غير إننا لو رجعنا الڤيلا وكل واحد قعد في أوضة منفصلة، فسعد هيعرف إن جوازنا دا تمثيلية، وبكدا مش هنكون عملنا حاجة وهيفضل حاطك في دماغه."
صعدت فاطمة مع حسام إلى شقته بعدما اقتنعت بحديثه نوعًا ما.
أخذها حسام في جولة تعريفية عن المنزل، وأراها الغرفة التي ستبقى فيها طوال فترة تواجدهما سويًا، ثم تركها تفرغ حقيبتها وغادر المنزل.
على صعيدٍ آخر في قصر سعد الدمنهوري.
كان سعد غاضبًا لدرجة أنه كان يحطم كل ما يأتي في يده.
صرخ في وجه سالي التي تقف أمامه وهي تبكي وقال: "غبية، غبية، فضلتِ تقولي سيبلي الموضوع وأنا هتصرف، أنا هتصرف، لحد ما لبستينا في الحيط."
أردفت سالي من بين دموعها: "وأنا يعني كان في إيدي إيه أعمله! ما أنا نفذت كل اللي إنت قلته."
سعد بغضب: "لو كنتِ نفذتي الخطوة صح كان زمان عيلة فاطمة قطعت علاقتها بعيلة المنشاوي تمامًا، ولكن عشان حضرتك مستهترة الفرصة ضاعت من إيدينا."
كان سعد يتحرك في المكان ذهابًا وإيابًا عندما صدح هاتفه في المكان معلنًا عن اتصال.
استقبل سعد المكالمة قائلًا بضيق: "إيه يا زفت إنت كمان، إيه اللي حصل؟"
"الآنسة فاطمة خرجت مع حسام المنشاوي وكان معاها شنطة هدوم."
سأله سعد باستغراب: "راحت معاه فين؟ مش النهاردة كتب الكتاب لسه؟"
"أنا سألت حد من الجيران، فقال إنهم مش هيعملوا فرح، وبدل الفرح هيسافروا برا مصر."
فقال سعد: "الموضوع ده فيه إن، سواء كانت عيلة المنشاوي أو عيلة الشرقاوي، فالاتنين مش ناقصهم فلوس عشان ميعملوش فرح!"
"مش عارف، دا اللي عرفته."
سعد بترقب: "يعني أنت متعرفش راحوا فين؟"
"ما أنا لما خرجت وراهم، لقيتهم راحوا شقة في حي..."
سعد بعصبية مكتومة: "اقفل دلوقتي يا وائل، دا إنت أخبارك زفت، ولا أقولك تعالى حالا عشان عايزك."
أغلق سعد الهاتف ثم نظر إلى سالي قائلًا: "قدامك آخر فرصة عشان تبعدي فاطمة عن حبيب القلب."
كفكفت سالي دموعها ونظرت إليه بتساؤل، فأكمل يعد موضحًا: "وائل هيجي دلوقتي وياخدك معاه لبيت حسام، دي الفرصة الأخيرة قدامنا."
سالي باعتراض: "هروح لحسام فين دلوقتي ولا هروح أقول إيه أصلًا؟!"
أردف سعد بمكر: "ركزي معايا كويس، أنا هفهمك تعملي إيه."
كان حسام في إحدى المولات التجارية، يشتري بعض منتجات الطعام اللازمة بالمنزل.
ورغم ذلك الوقت المتأخر إلا أن المكان كان له عدد لا بأس به من الزبائن.
كان حسام يطالع منتجات الخضار وهو لا يعرف ما الذي عليه أن يأخذه.
وبينما هو حائر، فإذا برجل سبعيني قد طبع العمر ملكيته على وجه، جاء ووقف بجانب حسام.
وبينما كان ذلك الرجل يأخذ بعض الخضروات حتى نظر إلى حسام قائلًا بمرح: "مالك يا ابني؟ نسيت طلبات مراتك ولا إيه؟"
ابتسم حسام بخفة وقال: "لأ، أنا اللي جيت من نفسي. فمش عارف هاخد إيه!"
ابتسم الرجل وقال: "طب ما ترن عليها وتسألها."
لم يعرف حسام ماذا سيفعل، فهو إلى الآن لا يملك رقم الهاتف الخاص بفاطمة.
أحس الرجل بحيرة حسام فقال: "شكلك متخانق معاها؟"
ابتسم له حسام ولم يعترض، فقال الرجل: "عارف يا ابني، الستات دول عقلهم أصغر من أصغر طفل، بيزعلوا من أقل حاجة وبيتراضوا من أقل حاجة. أنا مش عارف سبب الخناقة إيه، ودي حاجة متخصنيش ومش لازم حد يعرفها غيركم، بس عايز أنصحك."
نظر له حسام باهتمام، فأكمل الرجل: "لما تلاقي إن مراتك متعصبة حتى وإن كانت هي اللي غلطانة، فبلاش تشد معاها في الكلام، استني على ما تهدى وبعدين فهمها واشرحلها وجهة نظرك، وحل الخلاف اللي بينكم، ولكن بلاش تشد قصدها وتكبروا مشكلة من مفيش... ولازم تعرف إن الست تحب دايماً إنها تكون غالية عند جوزها وإنها أهم واحدة في حياته، وتغير تموت لو حست إن في ست غيرها في حياته وإن كانت مجرد زميلة في شغل."
ضحك حسام قائلًا: "حتى أمي وإخواتي!"
رد عليه الرجل وهو يضع بعض أطباق الخضار في سلته: "لأ مش للدرجة دي يعني، أنا قصدي الست اللي ممكن تاخدك منها. مش عيلتك."
عاد حسام إلى منزله ومعه بعض الأكياس بها الأشياء التي اشتراها.
وقبل أن يستخدم مفتاحه لفتح الباب، انفتح الباب وظهرت من خلفه فتاة غير محجبة وقد ابتسمت له.
نقل حسام نظره بعيدًا عن الفتاة، لتظهر من خلفها فاطمة التي تبكي وتنظره بحزن.
رواية بانتظار العشق الفصل الثاني عشر 12 - بقلم زينب محروس
نقل حسام نظره بعيدًا عن الفتاة، لتظهر من خلفها فاطمة التي تبكي وتنـظر له بحزن.
أردفت الفتاة باسمة: أهو مستر يزن وصل بسرعة.
نظر كلٌ من فاطمة وحسام إلى الفتاة باستغراب، ثم قال حسام: مستر يزن!
قالت الفتاة بثبات: مش حضرتك برضه مستر يزن أخو فاطمة؟ مش جيت عشان ترجعها معاك البيت!
قبل أن ينطق حسام، أوقفه صوت يزن الذي طل من ورائه: أنا هو يزن أخو فاطمة.
نظرت إليهما الفتاة بتوتر وهي تبحث عن مبرر لتنقذ مخططها. أعاد يزن التحدث قائلاً: اللي حضرتك فكرتيه يزن ده، يُفترض إنه أبو ابنك! معقول مش عارفاه؟!
نظر حسام سريعًا إلى يزن وقال: هو سعد عملها تاني؟ أنا شكلي هطلع أبو كل الأجنة اللي ما خرجوش للدنيا لسه!
فقال يزن ساخرًا: مش بعيدة على سعد!
نظر يزن إلى ساعته وقال: هي الساعة دلوقتي واحدة، بس أعتقد واحدة زيك مش هيضرها لو قعدت معانا نص ساعة زيادة.
الفتاة بتلعثم: أنا… أنا… أنا لازم أمشي.
حسام بتكشيرة: والله موضوع إنك تمشي ده، معتمد على سلاستك في الاعتراف بخطتك واللي زقك عليّ.
كانت الفتاة تجلس على إحدى كراسي الصالون القماشية، وعلى الأريكة المقابلة لها يجلس حسام ويزن وبينهما فاطمة. بادر يزن بالسؤال قائلاً: إحنا مش هنعملك حاجة، بس بشرط تردي على كل الأسئلة.
أومأت الفتاة برأسها، فأكمل يزن: أنتي هنا ليه؟
الفتاة بارتباك: لو اعترفت بالحقيقة هتساعدوني؟ أنا والله كنت مضطرة أعمل كده عشان مصيري ما يكونش زي البنت اللي قبلي.
نظر إليها يزن باستغراب: هي مين اللي قبلك؟
الفتاة بجدية: مش عارفة هي مين، بس وائل بيه قالي إنها كانت مكلفة تعمل اللي جيت هنا عشانه، بس هي منفذتش واتحدت معاكم.
حسام بهدوء: وأنتي هنا ليه؟
الفتاة بخوف: وائل بيه وصلني لحد هنا وقال إني أجي وأسأل على حسام المنشاوي وأقول إني حامل وإني حسام ده يبقى أبو ابني، وعطالي شوية أوراق بتثبت إني حامل من شهرين، وشوية صور عشان أستخدمهم لو مدام فاطمة صدقتش كلامي.
يزن بحيرة: ولما معاكي صور، إزاي معرفتيش حسام!
الفتاة بصدق: أنا ماشوفتش الصور، هما في ظرف وكانت هستخدمهم في حالة إن مدام فاطمة مش مصدقة كلامي، لكنها صدقتني.
نظر حسام إلى فاطمة بعتاب ولم يتحدث، بينما أردف يزن بشك وهو يريها صورة على هاتفه: هي دي البنت اللي تقصديها؟؟
نظرت الفتاة إلى الهاتف بتعمق وقالت: مقدرتش أشوف وشها، لكنها فعلًا كانت محجبة، أنا شوفتها من ضهرها بس وهما واخدينها.
حسام بترقب: متعرفيش ودوها فين؟
الفتاة بخوف: لأ والله مش عارفة، أنا شوفتهم وهما واخدينها وركبوها عربية، لكن معرفش هيودوها فين!
أخذ يزن الفتاة معه وغادر شقة حسام، في حين نهض حسام ودلف إلى غرفته دون أن ينطق بحرف واحد. هو الآن أدرك أن فاطمة لن تثق به أبدًا، ف بالرغم من أن سالي ويزن قد أخبراها بمخطط سعد إلا أنها ما زالت لا تثق به، وتصدق كل من يتهمه بشيء دون أن تفكر حتى في رؤية أدلة على ذلك.
في صباح اليوم التالي، استيقظ يزن من نومه باكرًا، حيث كانت فاطمة ما زالت نائمة، فاتجه هو إلى المطبخ وأعد الفطور، وبينما هو يرتب الأطباق على المائدة، وجدها تخرج من غرفتها مرتدية إسدال صلاتها. ابتسم بهدوء قائلاً: كويس إنك صحيتي، كنت لسه هخبط عليكي.
استغربت فاطمة من أسلوبه، فرجل غيره كان ليأخذ على خاطره ويقطع الحديث معها.
جلسا سويًا لتناول الطعام في صمت شديد، قطعت فاطمة هذا الصمت قائلة: إنت نازل الشغل؟
أردف حسام هادئًا: لأ مش هنزل لمدة يومين كدا، عشان الخطة تمشي على سعد.
أومأت برأسها وأكملت طعامها في صمت. بعدما أنهيا طعامهما في هذا الجو المشحون، أخبرت فاطمة حسام أنها سوف ترتب المطبخ وتعد الشاي من أجله معها، لكنه رفض عرضها وأصر على أن يغسل كلٌ منهما أطباقه بنفسه وتحجج بأنه لا يتناول شيئًا بعد الطعام كي لا يجعلها تقوم بشيء من أجله.
على صعيدٍ آخر، كانت تركض في الشوارع وهي لا تعرف إلى أين ستذهب، كل ما يشغل عقلها الآن أنها يجب أن تبتعد عن أعينهم ولا يعثرون عليها.
لم تكن تلك الفتاة سوى سالي التي تشوه وجهها بالكدمات نتيجة تعرضها للضرب المبرح من سعد ورجاله. نفذت طاقتها ولم تعد قادرة على الركض أكثر من ذلك.
جلست في إحدى الزقاق وهي تلهث بشدة وصدرها يعلو ويهبط في تتابع مستمر. سالت دموعها على وجنتيها بسبب الألم الشديد الذي تشعر به في كل شبر من جسدها.
لم تكن أنفاسها قد انتظمت حتى وجدتهم واقفين أمامها بنظراتهم الخبيثة. أغمضت عينيها باستسلام، فهي لم تعد قادرة على مقاومتهم أكثر من ذلك، حتى وإن كانت ضابط شرطة فستظل فتاة بالنسبة لهم وقوتها أقل بكثير، وإن كانت شجاعة فالكثرة غالبًا ما تغلب الشجاعة.
حملها وائل بين ذراعيه وذهب بها تجاه السيارة ومن خلفه رجاله، غافلين عن تلك الأعين التي تراقبهم.
قبل أن يتحرك وائل ورجاله، أوضحت الرؤية على تلك الفتاة التي كانت تراقب في صمت. ركضت سريعًا واتجهت إلى شاب يقف أمام سيارته على جانب الطريق، أردفت بخوف وهي تلهث: أخي… أخي… خلينا نساعد ذيك البنت.
نظر إليها الشاب باستغراب وقال: بنت مين يا رضوى!!
رضوى باستعجال: ذيك، خلينا نلحقهن بالأول وبعدين راح أخبرك بالقصة.
ركب هادي سيارته سريعًا وبجانبه رضوى واتجها إلى ذلك الشارع الذي وصفته شقيقته. في تلك الأثناء كانت سيارة وائل ورجاله قد تحركا، فتبعهم هادي بسيارته.
نظر إلى رضوى قائلاً: ممكن بقى أعرف إحنا بنلحقهم ليه؟
قالت رضوى ونظرها مثبت على سيارة وائل: لما أنا كنت راجعة على ذاك المحل، شفت إنه رباطه للبوط مانو مربوط منيح، منشان هيك رحت على ذاك الشارع اللي بجانب المحل منشان أربطه منيح بعيدًا عن السيارات فشفت حوالي ثمان رجال حملوها للبنت وكانت فاقدة للوعي.
هادي بتخمين: ما يمكن تكون تبعهم مش شرط يعني إنها مخطوفة.
رضوى بإصرار: لأ يا أخي، أنا سمعتهن عم يقولوا بدنا ناخدها منشان ننتقم منها.
كان حسام يعمل على حاسوبه عندما صدح هاتفه معلنًا عن اتصال من رقم غريب، استقبل حسام الاتصال: السلام عليكم، مين معايا.
……: وعليكم السلام، معايا حسام المنشاوي؟
– أيوه أنا حسام، انت مين.
– حضرتك معتز النفيلي.
– اتفضل، أقدر أساعدك في إيه؟
– تعرف واحدة اسمها سالي؟؟
قال حسام باهتمام: أيوه، مالها.
– هي موجودة في مستشفى *****، لقيتها فاقدة للوعي ومتعرضة للاعتداء.
هب حسام من موضعه كمن لدغته حية، وخرج من المنزل دون أن تراه فاطمة.
ذهب إلى المشفى الذي أخبره بها المتصل، ولحق به يزن، وهناك اكتشفا أنه لا توجد حالة بتلك الاسم، كما أنه لم تصل إليهم حالة تعرضت للاعتداء.
كان حسام واقفًا مع يزن أمام مدخل المشفى، بادر يزن قائلاً: هيستفيد إيه الشخص اللي كلمك ده، بأنه يقولك معلومات غلط!!
نظر إليه حسام مفكرًا ثم قال وهو يركض متجهًا لسيارته: فاطمة!
رجعا سويًا إلى شقة حسام وفاطمة، فتح حسام الباب باندفاع ودخل هو ويزن من خلفه، وكلًا منهما ينادي اسمها وهما يبحثان عنها في الغرف.
وقف حسام في منتصف الصالة وأردف غاضبًا: أكيد سعد هو اللي ورا الحركة دي، وأنا والله ما هرحمه.
كاد أن يتحرك خارجًا من المنزل مرة أخرى ولكنـه أوقفه صوت هاتفه، فكان اتصالًا من الرقم ذاته، فتح حسام المكالمة قائلًا بغضب: والله ما هرحمك، لو أنت مين هجيبك وهعرفك إزاي تلعب معايا.
سعد: تؤ تؤ تؤ تؤ اهدى بس يا هندسة مش كدا، أنا اتصلت بس علشان أقولك إني لو عايز حاجة هاخدها يعني هاخدها…… البنات على قفا من يشيل شوفلك واحدة غير فطوم، وقول للرائد يزن يبطل يدور ورايا، يلا سلام.
رواية بانتظار العشق الفصل الثالث عشر 13 - بقلم زينب محروس
مع الأسف دي حالة اعتداء و بشكل وحشي كمان، دي لازم ننقلها المشفى و نعمل محضر بالحالة.
نطقت الطبيبة بتلك الجملة و هي تطالع تلك التي الراقدة فى الفراش لا حول لها و لا قوة.
أردف هادي بحيرة: أنا مش عارفة اعمل ايه! البنت قبل ما تفقد الوعي نبهت إني مش لازم انقلها مشفى. تقريبًا كدا اللى عملوا فيها كدا هي تعرفهم و شكلهم ناويين على حاجة اكبر من كدا.
الطبيبة بجدية: بس لازم تساعدها يا هادي عشان تجيب حقها، فكر كويس عشان البنت متخسرش حقها. فى خلال أربعة و عشرين ساعة هتختفى علامات الاعتداء من على جسمها و مش هيفضل غير الكدمات دى و بس.
تدخلت رضوي فى الحوار و قالت بحزن: أنا بدعم رأيها للدكتورة، لازم نجيب حقها لهيدي البنت.
زفر هادي بحيرة قائلاً: ما أنا مش عارف هي ليه اعترضت إنها تروح مشفى، انا خايف أعمل حاجة بنية المساعدة، فيحصل العكس و اكون بضرها.
الطبيبة باستسلام: براحتك يا هادي، الموضوع يرجعلك، بس اتمنى أي كان القرار اللى هتاخده يكون فى مصلحة البنت، و أنا موجودة فى الخدمة لو احتجتني.
غادرت الطبيبة و تركت الشقيقين معًا.
جلست رضوى بجانب سالي و هى تمسح على رأسها و قالت بحزن: اتمنى لو قدرنا نوصل قبل ما يحصلها كدا.
هادي بحزن: خليكي جنبها عشان لو فاقت، و أنا قاعد بره.
على الطرف الآخر.
كان حسام يتحرك ذهابًا و إيابًا فى صالة شقته عندما دلف أمجد قائلًا: مع الأسف مش هنعرف نوصل للعربية اللى أخدت فاطمة.
حسام بتهكم: ليه الأرض انشقت و بلعتها؟
أمجد بيأس: مع الأسف الشارعين اللى ورا الشارع ده مفيش فيهم اى كاميرات.
يزن بهدوء: يعني آخر ظهور للعربية دي، كانت لما خرجت من الشارع ده و بعد كدا مش عارفين نوصل ليها؟
أماء أمجد برأسه مؤكدًا.
فقال حسام: طب هنعمل ايه دلوقت، و الله لو حصلها حاجة لهجيب سعد الأرض هو و كل اللى يتشدد له.
نظر كلًا من يزن أمجد إلى بعضهما ثم أردف أمجد: فيه حل واحد قدامنا.
نظر له حسام بترقب فأكمل أمجد: عمك إسماعيل.
أغمض حسام عينيه بقلة حيلة و ضيق، فهو يعرف أن عمه هو الوحيد القادر على مساعدته فى هذه الأثناء، و لكن غضبه الشديد منه يمنعه من القيام بتلك الخطوة.
نظر يزن إلى حسام ثم حدث أمجد قائلًا: بلاش الحل ده، عشان حسام مش هيوافق.
اعترض حسام قائلًا: لاء هروح، إسماعيل فعلًا هو الوحيد اللى هيقدر يساعدنا، و أنا مستعد اعمل ايه حاجة بس فاطمة تبقى بخير.
أخذ حسام مفتاح سيارته و اتجه إلى باب منزله و قبل أن يخرج اوقفه صوت يزن قائلًا: احنا ممكن نروح بدالك.
حسام بغموض: لاء خليكم، إسماعيل مش سهل حد فيكم يتعامل معاه.
بدأت سالي تفتح عينيها ببطء، فكانت تشعر بتعب و وهن شديد.
ما إن رأتها رضوى حتى ابتسمت لها بحنان و سألتها: انتى منيحة؟
نظرت إليها سالي باستغراب، و لم تتحدث و إنما تركتها و نهضت من الفراش رغم الألم الذي تشعر به فى أنحاء جسدها.
حاولت رضوى أن تساعدها فى السير، و لكن سالي دفعتها بعيدًا عنها بخوف.
خرجت من الغرفة لتجد هادي واقفًا يتحدث فى هاتفه، و فور ما وقعت عينيها على هادي حتي ركضت إليه و أحتضنته بشدة و هي تبكي.
تفاجأ هادي من فعلتها تلك و لكنه لم يبعدها عنه و إنما مسح على رأسها بحنان، و هو يقول مطمئنًا: متخافيش محدش هيأذيكي.
أبعدها عنه برفق و أخذها من يدها بحنان و اجلسها على إحدى المقاعد و جثى أمامها على ركبتيه ابتسم بحب و هو يربت على يدها: انتى كويسة؟
أماءت برأسها و لم تتحدث.
فسألها هادي بترقب: اسمك ايه؟
لم تجب سالي عليه.
فكرر هادي سؤاله أكثر من مرة، و لكنها أيضًا لم تجبه.
فغير هادي سؤاله قائلًا: ليه رافضة تروحي المشفى؟
لم تجب أيضًا على ذلك السؤال.
فغير هادي سؤاله عدة مرات لكنها لم تنطق بأى حرف، حيث كانت تكتفي بحركة رأسها فقط.
اقتربت رضوى منهما، و هذا ما جعل سالي تنهض و تجلس خوف هادي و هي تحتضن ذراعه و تطالع رضوى بخوف.
كان كلًا من هادى و رضوى يشعران باستغراب شديد، بسبب فعلتها تلك، فهي لا تتحدث و تهاب قرب رضوى و تحتمي ب هادي، رغم أنها لا تعرفه.
رجعت رضوى خطوتين إلى الوراء وقالت: شو عم بيصير معا؟ ليش تصرفاتها هيك غريبة؟!
هادي باستغراب: مش عارف. كدا بقى لازم ننزل المشفى.
كان هادي يقف مع الطبيب و سالي مازالت متمسكة بذراعه و تحتمي خلف ظهره.
فقال الطبيب: أنا اللى شايفه ده و بعد اللى انت حكيته، إنها شايفة إنك مصدر امانها الوحيد، مفيش قدامى تفسير غير ده و خصوصاً إنك خلصتها من تحت إيدهم.
هادي باهتمام: طب و موضوع النطق ده يا دكتور؟ هيفضل كتير؟
الطبيب بتوضيح: بسبب تعرضها لضغط نفسي شديد، فدا أثر على النطق و الذاكرة عندها، دا فقدان مؤقت، لما هتبدأ نفسيتها تتحسن إن شاء الله ذاكرتها و النطق هيرجعوا و ممكن يرجعوا فى اي وقت، مش شرط لما نفسيتها تخف. أهم حاجة العلاج اللى مكتوب ده لازم تاخده بانتظام.
هادي بود: تمام، شكراً لحضرتك يا دكتور.
فى ذلك المكان المهجور و الذي يشبه الخرابة، دخل حسام بخطوات ثابته، ليسمع ذلك الصوت الذي يكرهه بشدة: اهلًا بابن أخويا الوحيد! اهلًا بحبيب عمه، معقول جاي تشوفني بعد المدة دى كلها!!
نظر له حسام بضيق: مش جاي لسواد عيونك.
نهض إسماعيل من مقعده القماشي الضخم و قال: خير! ايه سبب طلتك علينا؟!
زفر حسام وقال بغضب مكتوم: مراتي مخطوفة، و اللى خطفها يبقى الانتيم بتاعك، سعد الدمنهوري.
إسماعيل بتهكم: طب و أنا مالى؟؟
حسام بتكشيرة: رجل المافيا الإيطالي و اللى أنت تبقى مساعده اليمين هو اللى عايز فاطمة و حاطط عينه عليها.
قاطعه إسماعيل: و مين فاطمة دي كمان؟
حسام بنفاذ صبر: فاطمة تبقى مراتي، بما إن قوانين الماڤيا عندكم إن مينفعش حد فيكم يقرب لست متزوجة، يبقى مطلوب منك توصل المعلومات دي للكبير بتاعك حالًا، إن لازم ارجع البيت النهاردة و مراتي معايا.
إسماعيل باستفزاز: و لو منفذتش؟!
ذهب حسام و جلس على مقعد إسماعيل الخاص، واضعًا قدم فوق الأخرى، ثم أردف بغموض: و الله لو طلبي ما اتنفذش، فأنا محدش أغلى من مراتي.
سأله إسماعيل بعدم فهم: تقصد ايه؟؟
حسام بثبات و ثقة: أقصد إنى عارف بموضع رضوى بنتك من الهانم اللبنانية، ما شاء الله عليها رضوى كبرت و بقت عروسة زى القمر.
إسماعيل بغضب: بنتي ملهاش ذنب، لو قربت منها مش هرحمك.
حسام بتكشيرة: و مراتي ملهاش ذنب فى اى حاجة عشان تتاخد لهواكم، لازم تعرف إن لو صاب مراتي أي شيء فنفس السيناريو هيتكرر مع رضوى.
إسماعيل بقلق: أنا هتكلم مع سعد الدمنهوري بس مش هقدر اعمل حاجة لو مقتنعش.
نهض حسام قائلاً باعتراض: لاء، هتتكلم مع الرأس الكبيرة مباشرة، اقصد الزعيم الإيطالي، اعتقد مكالمة دولية مش هتخسرك، دا لو مكنش فى مصر اصلًا. أنا بره فى عربيتي.
مضت نصف ساعة على انتظار حسام فى سيارته، و بينما هو جالس يعد الثواني و الدقائق فى خوف و قلق، فإذا بأربع سيارات مرسيدس، قد توقفوا محاوطين سيارته، و ترجل من تلك السيارات رجال حراسة مجهزين بالأسلحة.
رجع هادي و رضوى إلى المنزل برفقة سالي الملتصقة به و لا ترغب فى تركه.
نظر هادي إلى شقيقته فى حيرة و قال: هنعمل ايه؟ فى الوضع ده هي هتبقى محتاجة مساعدتك كتير، و هي مش راضية تسيبني أصلًا.
رضوي: و الله يا أخي ما بعرف شو الحل، و أساسًا منشان شو هي عم بتخاف مني؟!!
هادي باستغراب: مش عارف. بصي تعالي كدا قربي مني.
اقتربت رضوي من أخيها فحاوطها هادي بيده الآخري و نظر إلى سالي قائلًا: دي رضوي و بتحبك أوى، و أنا بحبها و عشان كدا أنتي كمان لازم تحبيها.
ابتسمت رضوى بحنان فى حين أن نظرتها كانت مليئة بالحزن، و رفعت ذراعها و مسحت على رأس هادي.
ثم قررت الحركة مع سالي التي ابتسمت لها و فعلت مثلها و مسحت على رأس هادي و رضوي.
ابتسم هادي و قال: كدا تمام، ممكن بقى تروحي مع رضوى عشان تنامي شوية!
أنهى جملته و وضع يد سالي في يد رضوى، فسحبت سالي يدها سريعًا و حركت رأسها برفض.
و بالفعل ذهب هادي إلى الغرفة و دثر سالي جيدًا و هي مازلت ممسكة بيده و هو جالسًا على كرسي خشبي بجانب الفراش، و بدأ يرتل لها القرآن حتى ذهبت فى سُبات عميق.
حاول هادي سحب يده لكنها كانت متمسكة به و بشدة، و لكن فى النهاية استطاع أن يسحب يده بعدما جعلها تمسك بيد شقيقته التى قد نامت بجانبها.
ترجل حسام من سيارته و هو يطالع اولئك الرجال الشاهرين أسلحتهم فى وجهه، و قبل أن ينطق تعلق نظره ب وائل الذي خرج من سيارته بكبر و تعال.
وضع حسام يديه فى جيب بنطاله محافظًا على ثباته.
اتجه إليه وائل قائلًا: انت هتيجي معانا.
رواية بانتظار العشق الفصل الرابع عشر 14 - بقلم زينب محروس
صدح رنين الهاتف، ليستيقظ هادي من أجل صلاة الفجر، لكنه فور ما فتح عينيه حتى أحس بتلك اليد الناعمة على وجنته بالإضافة إلى الثقل الذي يعتلي صدره.
أزاحها بعيدًا عنه برفق واعتدل جالسًا وهو يطالعها باستغراب هامسًا لنفسه: هي إيه اللي جابها هنا؟
كاد أن يوقظها ولكنه تراجع عن ذلك ودثرها جيدًا وتركها تنام في فراشه وذهب إلى رضوى يوقظها من أجل صلاة الفجر.
***
قبل عدة ساعات.
أردف حسام بثبات: أجي معاكم فين؟
وائل بتكشيرة: مش عايز تاخد مراتك؟
ابتسم حسام ساخرًا وقال: حسام المنشاوي محدش يقوله هيعمل إيه! أنا اللي بتحرك بمزاجي وعشان كده أنا مش جاي معاكم، وزي ما أخدتوا مراتي من بيتي هتجبوها لحد عندي ودلوقتي!
نظر له وائل بضيق قبل أن يفتح باب إحدى السيارات ويترجل منه سعد الدمنهوري الذي اقترب من حسام وقال: كنت عارف إنك هترفض تيجي، عشان كده قررت اتنازل أنا المرة دي وأجيلك.
حسام بتهكم: والله تتنازل وتيجي، تصمم ومتجيش دي حاجة متخصنيش، أنا عايز مراتي.
تحرك سعد إلى سيارته مرة أخرى وأخرج منها فاطمة والتي كانت مقيدة من معصميها، فتحرك حسام سريعًا إليها وأحل هو عقدة يديها وهو يسألها بقلق ولهفة: فاطمة حبيبتي أنتي كويسة؟
أومأت فاطمة برأسها ولم تتحرك، فاحتضنها حسام بحنان وهو يطمئنها، فهو استطاع أن يرى الخوف في عينيها.
ثم ابتعد عنها وقبل رأسها بحب ثم ابتسم لها قائلًا: أنا معاكي متخافيش.
افتر ثغرها ابتسامة بسيطة، فأمسك حسام يدها كي يغادر لكنه سرعان ما تركها ونظر إلى سعد غاضبًا وبغته صفعه بشدة وقال: الألم ده عشان الحبل اللي علم على إيدها ده.
في هذه اللحظة أشهر الرجال أسلحتهم في وجه حسام وهم على استعداد للثأر لسيدهم، ولكن وائل نظر إليهم بغموض وقال: نزلوا أسلحتكم.
أصغوا لحديثه وأفسحو الطريق لحسان الذي مر من بينهم وهو يحتضن فاطمة تحت ذراعه.
انتظر سعد حتى غادرت سيارة حسام المكان ثم أردف بحقد وتوعد: لو مخلتكش تيجي لحد رجلي وتسلملي فاطمة بنفسك مبقاش أنا سعد الدمنهوري.
تحرك إليه وائل قائلًا: إحنا أنهينا مكالمة الفيديو مع ألبيرتينو مساعد الزعيم، تحب نتحرك وراهم أنا والرجالة؟
رد عليه سعد بشرود: لولا مكالمة الفيديو اللي الزعيم طلبها عشان يتأكد إن فاطمة رجعت لجوزها، كنت وريت ابن المنشاوي ده مكانته الحقيقية، وكنت هحرك قلبه على فاطمة.
وائل باقتراح: إحنا فيها.
سعد بشر: حاليًا، منقدرش نعمل حاجة عشان الزعيم هيكون مركز معانا ومراقبنا من خلال رجالتة في مصر، فترة كده وهرد الألم ده ألمين لابن المنشاوي، اصبر عليا.
في منزل حسام وفاطمة، كانت جالسة على فراشها وهي تبكي في صمت وتتذكر كيف تم اختطافها، خرجت من المنزل، في هذا الوقت دلف إليها حسام ببعض الطعام وعندما رآها تبكي وضع الطعام جانبًا واقترب منها وجلس أمامها.
ازال دموعها برفق وأمسك يديها بحنان وسألها: ممكن أعرف بتعيطي ليه؟
لم تجب عليه فاطمة وإنما سالت دموعها مجددًا، فقال حسام: طب حد منهم عملك حاجة؟
حركت رأسها برفض مما جعل حسام يقول: ممكن تبطلي عياط وتفهيميني عشان أخفف عنك يا فاطمة!
نظرت له بتردد فابتسم لها حسام يحثها على الحديث، فسحبت فاطمة يديها وباغتته باحتضانه، كانت تشد من احتضانه وكأنها تبحث عن الأمان بين ضلوعه.
في البداية تفاجأ حسام من فعلتها، لكنه لف ذراعيه حولها يضمها إليه، ومسح على رأسها وقال: أنا هنا جنبك يا فاطمة.
أجهشت فاطمة في البكاء وقالت من بين شهقاتها بتقطع: أنا كنت خايفة أوي يا حسام، سيناريوهات كتير خطرت على بالي مش عارفة إيه اللي كان ممكن يحصلي لو أنت أنقذتني.
أنهت معانقته وأمسكت يده وقالت وهي تنظر في عينيه: عارف يا حسام، سعد قالي إنك مش هتسأل فيا ولا هتهتم لغيابي، ودي كانت أكتر فكرة خوفتني يا حسام، أنا عارفة إنك اتجوزتني مجبر، بس عايزة أعرف هو أنا لو اتكرر معايا الموقف ده تاني مش هيفرق معاك فعلًا؟
ابتسم لها حسام بحنان وأردف بهيام: أولًا الموقف ده مش هيتكرر معاكي تاني عشان أنا جنبك ومش هسيبك ومش هسمح إن ده يحصلك أبدًا.
ثانيًا: أنا لما عرفت إنك مخطوفة، حسيت إن روحي حد خدها مني فقوليلي بقى هل في حد مش بتفرق معاه روحه؟... فاطمة انتي بالنسبة لي مش مجرد زواجة بالإجبار! أنتي أكتر من كده، انتي حلم مفارقنيش لحظة من ست شهور، أنا صورتك قدامي طول الوقت حتى وأنا نايم، مجرد شوفتك بس كانت حلم بعيد بالنسبالي، فأكيد بعد ما ربنا كرمني ورزقني بشوفتك كل يوم، فأنا مش هحرم نفسي من النعمة دي تاني أبدًا، أنا يوم ما شوفتك واقفة مع نادر اتعصبت جدًا لمجرد إن ضحكت دي بتطلع لغيري، اتعصبت لمجرد إن صوتك اللي يشبه لحن جميل ده بيسمعه غيري، اتعصبت عشان فاطمة بيقدر حد غيري يظهر ابتسامتها، ودي كانت أول مرة أجرب فيها إحساس الغيرة والخوف من إنك متكونيش ليا ومعايا... بس كل الكلام ده مش مهم دلوقتي عشان عارف إن مشاعري من طرف واحد، المهم حاليًا واللي عايزك تعرفيه هو إن اللي حصل مش هسمح بيه يتكرر تاني ولازم تعرفي إنك أهم حد في حياتي ومش هسيبك تتأذي في وجودي.
كانت فاطمة تستمع لحديثه بتفاجئ، وبالرغم من سعادتها بما يقول ورغبتها في الاعتراف هي الأخرى إلا أنها لم تقدر على النطق بحرف واحد وكأنها قد ابتلعت الكلمات.
أحس حسام بشعورها بالاندهاش لذا قرر الانسحاب وتركها مع أفكارها، استوى على قدميه وقال: أنا هخرج وأسيبك ترتاحي، بس متخليش الأكل يبرد وكلي قبل ما تنامي.
***
بعدما انتهى هادي من صلاة الفجر، جلس وبجانبه رضوى وكل منهما يقرأ القرآن بصوت منخفض لا يسمعه الآخر، قبل أن ينتهي هادي من قراءته تفاجأ بسالي التي جاءت وجلست بجانبه وهي تحمل سترته الجلدية التي كانت يرتديها وقت إنقاذها.
نظر هادي إلى رضوى التي انتبهت لها هي الأخرى وقالت: شو اللي فيئك حبيبتي.
ابتسمت سالي وأشارت إلى هادي، فأكملت رضوى: عشان هادي مكنش جنبك؟
أومأت سالي برأسها، فقال هادي بحيرة: طب والحل إيه دلوقتي؟ مش هينفع اللزقة اللي أنا فيها دي!
رضوى بقلة حيلة: ما فينا نعمل شي يا أخي، استحمل اشوي، حتى نقدر نساعدها.
هادي بضيق: أنا مش معترض على المساعدة يا رضوى، بس موضوع إني أقوم ألاقيها نايمة في حضني ده مضايقني، مينفعش يكون في بينا تلامس للدرجة دي.
رضوي باعتراض: بس يا أخي، هي مانا بوعيها، ومتل ما قال الدكتور، هي شايفة إنك مصدر الأمان تبعها منشان هيك طول الوقت بدها تضل جنبك.
هادي بتذمر: مش عارف يا رضوى مش عارف.
قبل أن تجيب رضوي، لاحظا الأخوين سالي التي أدمعت عينيها ونهضت من جانب هادي واتجهت إلى الباب.
نظرت رضوى إلى هادي بتفاجئ، فهذا يعني أنها تفهم مقصدهما، فكلاهما اعتقدا أن ما حدث قد أثر أيضًا على حالتها العقلية لكن من الواضح أنها مازالت بعقلها الناضج، فها هي قد فهمت أنها غير مرغوب بها في هذا البيت.
تحرك إليها هادي سريعًا ومنعها من فتح الباب قائلًا: رايحة فين؟
نظرت له سالي بأعين دامعة ولم تجبه، وقالت رضوى: بعتذر حبيبتي، ما كنت بقصد إنك تروحي من هنا، نحنا بدنا ياكي تضلي معنا.
لم تتحدث سالي وإنما نظرت إلى هادي بحزن وعتاب، فاعتقدت رضوى أنها ترغب أن تسمع كلماتها من هادي، فلكزت أخيه برفق دون أن تراها سالي وقالت: وأخي هادي كمان هيك بدو يقول، مو هيك أخي؟
أدرك هادي ما ترمي إليه رضوى، فقال باسمًا: أيوه طبعًا أنا مش عايزك تمشي من هنا وعايزك تفضلي معانا.
أربت على ظهر سالي بتوتر قبل أن يبعدها عنه قائلًا: تعالي يلا عشان تكملي نومك.
كان هادي يهم بأن يسير بجانبها محافظًا على المسافة بينهما، لكنها سبقته عندما تعلقت بذراعه، فكاد هو أن يبعدها عنه ولكنه لمح رضوى التي أشارت له بأن يتركها كي لا تحزن وتفكر مجددًا في المغادرة.
عاد بها هادي إلى غرفة شقيقتها، دثر سالي جيدًا وأحضر كرسيًا خشبيًا ووضعه بجانب الفراش وبدأ يرتل القرآن حتى غفت سالي وبجانبها رضوى، حاول هادي كثيرًا أن يسحب منها يده ولكنه لم يستطع، فكأن قبضتها قد ماتت على راحة يده، استسلم هادي للأمر أراح ظهره على المسند الخاص بالمقعد الخشبي وذهب في سبات عميق.
***
كان حسام ذاهبًا لشرب الماء، لكنه تفاجأ بأن الأنوار مازالت مشتعلة في غرفة فاطمة، راوده الشك أنها من الممكن أن تكون مازالت مستيقظة وتخاف أن تنام بسبب ما حدث.
اقترب من الباب بتردد وفتحها دون أن يطرقه حتى لا يزعجها إن كانت نائمة، لكنه تفاجأ عندما وجدها جالسة على مثلما تركها قبل ساعات.
أغلق الباب وتحرك إليها وسألها بقلق: منمتيش ليه يا فاطمة؟
– أنا خايفة، حاولت أنام لكن في كل مرة كنت بشوف كوابيس بسبب الخطف.
– ليه مجتيش قولتيلي؟
– أنا محبتش أزعجك.
أردف حسام بتردد: تحبي أنام جنبك؟
رواية بانتظار العشق الفصل الخامس عشر 15 - بقلم زينب محروس
حسام باقتراح: تحبي أنام جنبك؟
فاطمة بحرج: لو مش هيكون فيه إزعاج ليك يعني.
ابتسم حسام بخفة: لأ مفيش إزعاج ولا حاجة، عادي.
أفسحت فاطمة وتركت مكانًا مناسبًا لحسام بعدما كانت تتوسط الفراش.
اقترب حسام وجلس على طرف الفراش وسألها باهتمام: تحبي أشغل النور ولا أطفيه؟
فاطمة بجدية: لأ أطفيه أنا مش بعرف أنام في النور.
أطفأ حسام الأنوار، واعتدل كلٌا منهما استعدادًا للنوم، تاركين بينهما مسافة مناسبة.
لم يستغرق الأمر وقتًا حتى ذهب كلٌا منهما في سبات عميق.
***
في اليوم التالي، استيقظ هادي من نومه وهو يشعر بألم في رقبته نتيجة لنومته غير المريحة على ذلك المقعد الخشبي.
اعتدل في جلسته فوقعت عيناه على سالي التي كانت مستيقظة ولكنها ما زالت تأخذ وضعية النوم وتطالعه بابتسامة لطيفة.
ابتسم لها هادي واستطاع أن يسحب يده منها قائلاً: صباح الخير يا… هو انتي اسمك إيه؟
نهضت سالي من الفراش وتحركت في الغرفة وكأنها تبحث عن شيء ما.
وبينما يتابعها هادي بصمت، تحركت هي إلى مكتب صغير موجود في زاوية الغرفة، وأخذت من عليه قلمًا وورقة صغيرة من تلك الخاصة بالملاحظة.
عادت سالي إلى حيث يجلس هادي وجلست أمامه على طرف الفراش وكتبت اسمها على الورقة، وأعطته إياها.
نظر لها هادي بجدية وقال: اسمك سالي؟
أومأت برأسها، فسألها هادي باهتمام: قوليلي أي حاجة غير اسمك، زي انتي بنت مين مثلًا أو كنتي ساكنة فين قبل كده أو إيه اللي حصل معاكي في الماضي؟
أخذت سالي منه الورقة، وسكنت قليلاً وهي تفكر ثم كتبت: مش عارفة.
قرأ هادي ما كتبته سالي، فسألها بيأس: طب اسمك سالي إيه؟
حركت سالي كتفيها بعدم معرفة وهي تزم شفتيها، فقال هادي: خلاص مش مشكلة.
كانوا يجلسون ثلاثتهم على مائدة الطعام، فقال هادي وهو يضع باقي العيش من يده: أنا هخرج دلوقتي يا رضوى عشان هقابل يزن، وانتي خلي بالك من سالي.
انتبهت سالي إلى اسم يزن، وقد راودها شعور غريب.
أما رضوى فقالت: في شيء جديد بخصوص البابا ولا شو؟
هادي بجدية: مش عارف والله يا رضوى، هو كلمني امبارح وطلب يشوفني.
رضوى: خلص يا أخي ما تقلق، أنا هخلي بالي ع سالي.
استعد هادي للخروج، وعندما هم أن يغادر، تحركت إليه سالي سريعًا وتعلقت بذراعه.
فنظر هادي إليها وقال باسمًا: مش هينفع تيجي معايا يا سالي، خليكي مع رضوى أنا مش هتأخر.
حركت سالي رأسها بالرفض وقد أدمعت عيناها.
نظر هادي إلى رضوى وقال: ما هي رضوى كمان هتفضل هنا معاكي، يعني مش هتكوني لوحدك.
كررت سالي حركة رأسها بالرفض عدة مرات، ثم أشارت إلى قلبها تزامنًا مع نزول دموعها.
أخذها هادي وأجلسها على الأريكة، وطلب من رضوى أن تحضر قلمًا وورقة، وأعطاهما إلى سالي قائلًا بترقب: زعلانة ليه دلوقتي؟
كتبت سالي: أنا خايفة، وعايزة أجي معاك.
هادي بهدوء: بس مش هينفع يا سالي، أنا عندي شغل مهم.
نزلت دموعها مرة أخرى، فأزالها هادي بحنان وقال: طيب أنا عندي فكرة، إيه رأيك نتكلم ع الفون.
نظرت إليه سالي منتظرة توضيحه فأكمل هادي: هكلمك فيديو، بصي زي كده.
استخدم هادي هاتفه وهاتف رضوى لإجراء مكالمة فيديو، فاقتنعت سالي بفكرته نوعًا ما، وتركته يغادر تاركًا تلك المكالمة مستمرة.
عندما وصل هادي إلى وجهته، وقبل أن يترجل من سيارته وجد يزن قد ركب بجانبه وقال باسمًا: متأخر تلت ساعة.
عندما سمعت سالي صوت يزن الذي لم يظهر في الفيديو، بدأت بعض المواقف من ذاكرتها تتردد على ذهنها بصورة غير واضحة.
وبعد الحوارات بينهما ترن في أذنيها بصورة متداخلة تجعل الحديث غير واضحًا، وقع الهاتف أرضًا من يد سالي التي تركتها وأمسكت رأسها وهي تضغط عليها كمحاولة لتخفيف الألم الذي احتل رأسها.
لاحظت رضوى التي كانت تشاهد التلفاز، ما يحدث مع سالي التي تتأوه بألم، فنهضت إليها سريعًا وهي تسألها بقلق ما الذي حل بها.
على الطرف الآخر، ابتسم هادي وقال: احمد ربنا إني جيت أصلاً.
يزن باستغراب: ليه فيه حاجة ولا إيه؟
هادي بشرود: هحكيلك بعدين، بس الأول خلينا في موضوعنا…
كل هذا ويزن لم يلحظ تلك المكالمة الهاتفية، ولكن قبل أن يبدأ يزن حديثه تناهى إلى سمعهما صوت رضوى التي تصرخ وتستغيث بأخيها.
حمل هادي هاتفه سريعًا، وهنا انتبه له يزن.
أردف هادي بقلق: فيه إيه يا رضوى، سالي بخير؟
ردد يزن الاسم بشك، في حين جاءهما الرد من رضوى: ما بعرف يا أخي، فجأة صارت عم تبكي وتتوجع وعم تمسك رأسها بشدة… ما بعرف شو ساوي.
هادي بقلق ولهفة: خليكي جنبها وأنا جاي حالًا، وحاولي تهديها.
أنهى هادي المكالمة وسرعان ما أعاد تشغيل سيارته وانطلق بها عائدًا إلى المنزل.
كان ليزن أسئلة كثيرة، ولكن حالة هادي القلق والمتوتر والخائف جعلته يؤخر أسئلته لوقت آخر.
دلف هادي إلى شقته ومن خلفه يزن، تحرك هادي سريعًا إلى سالي التي ما زالت على وضعها، تضغط على رأسها وتبكي وتتألم، بسبب ذلك فلم يكن وجهها واضحًا ليزن الذي وقف خلف هادي وبجانبه رضوى.
اقترب منها هادي وجثا أمامها على ركبتيه وسألها بقلق ولهفة: سالي مالك؟ إيه اللي بيوجعك؟
عندما سمعت سالي صوته، تلقائيًا ألقت بنفسها بين أحضانه.
تردد هادي في البداية ولكن حسم أمره وبادلها الاحتضان وبدأ يربت على ظهرها بحنان وهو يقول: اهدي يا سالي أنا هنا معاكي مش هيحصلك حاجة.
بالفعل بعد عدة دقائق هدأت سالي وكفت عن البكاء، فأخرجها هادي من بين أحضانه.
وهنا تفاجأ يزن بسالي التي يبحث عنها والتي كان وجهها مليء بالكدمات.
اقترب منها يزن هو والآخر، ولكن قبل أن يسألها شيئًا وجدها تبتعد عنه وتتعلق في ذراع هادي.
لاحظ يزن نفورها منه فرجع خطوتين إلى الوراء ثم سألها باستغراب: سالي انتي هنا ليه؟ وإيه اللي حصل معاكي؟!
لم تجبه سالي، ولكن أردف هادي بدلاً عنها: انت تعرفها يا يزن؟
يزن بجدية: ما دي النقيب سالي اللي كلمتك عنها، دي اللي والدك اختارها عشان تساعدنا في المهمة… بس أنا مش عارف بقى وصلت هنا إزاي، أنا بدور عليها من يومين.
أومأ هادي برأسه بتفهم وقال: أنا هفهمكم وأفهم منك بعدين بس بلاش تسألها حاجة… قوليلي يا رضوى إيه اللي حصل؟
أجابت رضوى بحيرة: أنا ما بعرف يا هادي، كنت قاعدة ع هديك الكنابة عم شوف فيلم، وهي كانت عم تتابع اتصالك معك وفجأة وقع الفون من إيدها وصارت بهي الحالة اللي كانت قبل شوي…
تنهد هادي متفهمًا وقال: سالي ممكن تروحي مع رضوى تعملوا عصير؟
حركت سالي رأسها بالرفض.
فقال هادي باسمًا: عشان خاطري أنا عايز أشرب عصير من تحت إيدك.
نهضت سالي وأخذت القلم والورقة وكتبت: هادي يجي معايا.
هنا أدرك هادي أنها لن ترحل بدونه، فذهب معها إلى المطبخ ومعهما يزن ورضوى.
بدأت رضوى تعد المكونات ومعها سالي تساعدها.
وعندما لاحظ هادي أنها منشغلة همس إلى يزن قائلًا: قولي بقى إيه اللي حصل قبل ما تختفي؟
يزن بصوت منخفض: سالي كانت بتساعدنا وبتشتغل مع سعد الدمنهوري لصالحنا، وفي مرة سعد طلب منها تروح لحسام وفاطمة وتكرر موضوع الحمل اللي أنا حكيتلك عنه ده مرة تانية، وهي قبل ما تروح كلمتني عشان أعرف فاطمة وحسام يمثلوا ويعيشوا الموقف بجد، عشان سعد هيبعت معاها واحد من رجاله.
هادي بترقب: وبعدين؟
يزن بتوضيح: اكتشفت إن اللي مثل الدور ده بنت تانية، ولما ضغطنا عليها قالت إنها جت بدل سالي، وإن سالي خيانتهم وعشان كده عذبوها لما كشفوا الحقيقة… ومن ساعتها وأنا بدور على سالي.
هادي بهدوء: هي فعلاً كانت مخطوفة، واتعرضت للاعتداء.
يزن بصدمة: نعم! أنت بتهزر؟
هادي بجدية: لأ مش بهزر، هي فعلاً اتعرضت للاعتداء ومع الأسف لحقتها بعد فوات الأوان، ساعتها فقدت الوعي على إيدي بعد ما طلبت مني إنها متروحش مستشفى، ولما فاقت طلعت فاقدة النطق والذاكرة، بسبب الضغط النفسي والضرب والعذاب اللي اتعرضت له.
يزن بصدمة مخلوطة بحزن: سالي اتعرضت لكل ده!!
زفر هادي بحزن قائلًا: مع الأسف، أنا مش عارفة حالتها دي هتنتهي بإيه!
قبل أن يتحدث يزن، جاءت إليهما سالي وهي تحمل معها كأس من العصير، قدمته إلى هادي وهي تبتسم بلطف.
أخذه منها هادي وشكرها، وكان سيعطيه ليزن ولكن سالي اعترضت طريق يده، وأخذت منه الكأس وقربته من فمه راغبةً في أن تسقيه بنفسها.
نظر لها يزن بحزن، وهو يتذكر بعض المواقف الطريفة التي كانت بينه وبين سالي عندما كانا يعملان معًا.
قاطعت رضوى شروده وهي تمد إليه يدها بكأس العصير.
***
كان حسام جالسًا في حجرة الجلوس ويعمل على حاسوبه، وبجانبه فاطمة التي تمضي وقتها في أعمال التطريز.
وبينما هي تعمل بتركيز شديد، غزا عقلها ذلك الحديث وتلك الكلمات التي قالها حسام يوم أمس.
أصبحت تستخدم الإبرة في حركة عشوائية، وهي تبتسم ببلاهة لتلك الكلمات التي تتردد في أذنها.
وعلى حين غرة منها تحركت الإبرة صوب إصبعها، مما جعلها تنهي شرودها وتصرخ بضعف.
انتبه لها حسام، وأبعد حاسوبه واقترب منها متلهفًا وهو يتفحص ذلك الجرح الصغير الذي لولا نقطة الدماء التي خرجت منه ما كان ليُلاحظ.
أخذ حسام منديلًا ورقيًا من تلك الموضوعة على الطاولة، أزال قطرة الدماء وبدأ ينفخ بلطف على مقدمة إصبعها.
في هذا الوقت كانت فاطمة تنظر إليه وتتأمله وهو بذلك القرب منها، فكانت تطالعه بهيام.
وعندما رفع رأسه سائلًا إياها: بتوجعك؟
هنا تلاقت أعينهما سويًا، فكانت النظرات تبعث وتستقبل الإشارات بدلًا من الحديث.
استغرق ذلك الحديث الصامت بضع دقائق، وأخيرًا قطعت فاطمة هذا الصمت عندما رمشت بعينيها عدة مرات قبل أن تبعد نظرها بعيدًا عنه وتقول: أنا كويسة، دي حاجة بسيطة متقلقش.
سحبت فاطمة يدها منه بخجل وقالت بتوتر: أنا عايزة أقولك حاجة.
– قولي!
صمتت فاطمة ترتب حديثها ثم قالت: أنا لما كنت في إسكندرية من ست شهور، هناك قابلت واحد و…
توقفت فاطمة عن الحديث لأنها فكرت في التراجع.
ولكن حسام سألها بترقب واهتمام: قابلتي مين؟
فاطمة بتلعثم: خلاص، متشغلش بالك.
قبل أن يرد عليها حسام، تناهى إلى سمعهما جرس الباب، فذهب حسام ليفتحه، وهناك وجده حارس العمارة ومعه ظرف، أعطاه إلى حسام قائلًا: الظرف ده جاي لمدام فاطمة من المشفى.
أخذه حسام وأغلق الباب، ولكنه شعر بالقلق فأي ظرف سيأتي من المشفى إلى فاطمة إلا إذا كانت حاملًا!
قرر أن يفتح هو الظرف ليطمئن عليها، وبالفعل فعل ذلك، ولكنه تفاجأ عندما وجده تقرير حمل باسم فاطمة، والصادم في الموضوع أن النتيجة كانت إيجابية.
هنا تذكر حسام عندما قالت فاطمة منذ قليل أنها قابلت رجلًا في الإسكندرية، وتذكر وقوفها مع نادر، وعندما كانت مصرة بشدة على إفساد زواجهما.
رواية بانتظار العشق الفصل السادس عشر 16 - بقلم زينب محروس
جلس حسام بجانب فاطمة على الأريكة، ثم وضع أمامها التقرير قائلًا:
دا تقرير بيثبت إنك حامل فى الشهر التاني، وأنا عارف إنه مش صح، بس عايزك تقولي بلسانك إنك فعلاً مش حامل، عشان لما أطلع بروح سعد في إيدي يكون معايا حق.
تساقطت الدموع من عين فاطمة وأردفت بخفوت وبلهجة متقطعة:
بس أنا فعلاً حامل.
وقعت تلك الجملة على حسام وقع دلو من الثلج، أردف بتوتر وكأنه من ارتكب هذا الذنب:
فاطمة قولي إنك بتهزري! انتي متعمليش حاجة زي كدا، أنا واثق فيكي والله بس عايز أتأكد مش أكتر.
نهضت فاطمة وأزالت دمعة فرت من عينيها، وقالت بجمود:
أنا مش بهزر، أنا فعلاً حامل ومن الشخص اللي بحبه وعملت كدا بكامل وعي ومحدش أجبرني على حاجة.
وقف حسام وهو يطالعها بصدمة واضحة على قسمات وجهه، ثم صرخ بعصبية:
يعني إيه بمزاجك؟! وكمان بتقوليها من غير خجل!
فاطمة بعصبية وصوت مرتفع نسبيًا:
وأنت مالك! أنا من الأول قولتلك مش عايزة اتجوزك وأنت اللي أصريت، حصل ولا لأ!
تركها حسام وخرج سريعًا من حجرة الجلوس قبل أن يفتك بها، غاب لبضع دقائق، كانت فيهم فاطمة مازالت ثابتة في موضعها بردة الفعل نفسها.
جاء إليها حسام ثانية ومعه حقيبة ملابسها، ألقاها أرضًا أمامها وقال غاضبًا:
مش عايز أشوف وشك هنا تاني… لولا عمي وليد والعشرة والعيش والملح، أنا كنت طلعتك من هنا بفضيحة وكنت انتقمت لكِ لكرامتي اللي حضرتك سففتيها التراب.
نظرت إليه فاطمة بنظرة لم يستطع هو فك شفراتها، انحنت فاطمة وحملت حقيبتها وقالت:
هغير هدومي وهمشي ومش هتشوفني تاني.
حسام بزعيق:
قولت مش عايز أشوف وشك، مش هتستني هنا ثانية تانية زيادة.
سحبها حسام من ذراعها وألقاها أمام باب المنزل وصفع الباب في وجهها بغضب.
اعتدلت فاطمة ونظرت إلى باب شقتهم وقالت:
كان نفسي تثق فيا.
غادرت فاطمة المبنى بإسدالها البيتي واستعانت بأول سيارة أجرة وجدتها وغادرت.
***
طول فترة تواجد يزن، كانت سالي تشعر بالخوف، فكانت تحتمي بهادي التي تلتصق به وتمسك بذراعه وتخشى الابتعاد عنه.
قد حان الوقت ليغادر يزن، فقال محدثًا سالي:
تحبي آخدك معايا عند أهلك؟
حركت سالي رأسها برفض وشددت قبضتها على ذراع هادي الذي أردف بدلًا عنها:
خليها هنا يا يزن وإحنا هنخلي بالنا منها.
أردف هادي برسمية:
مش عايز أتقل عليك وأنت عندك شغل ومسؤوليات.
ابتسم هادي وقال:
لأ متقلقش، وأصلاً بعد اللي حصل ده، دا أكتر مكان هيكون آمن بالنسبة لسالي.
أماء يزن برأسه وقال باقتناع:
معاك حق، خلاص حيث كدا خلوها معاكم لحد ما نحل مشكلة سعد، كلها شهر.
عندما خرج يزن من المبنى التابع لشقة هادي، صدح هاتفه معلنًا عن اتصال من والدته، استقبل يزن المكالمة قائلًا:
مساء الخير يا أمي.
– مساء النور يا حبيبي، أنت فين؟
– أنا في مشوار كدا، في حاجة ولا إيه؟
– كنت عايزاك تيجي تاخدني من عند منال، أصل أبوك هيتأخر في الشغل وأنا عايزة أروح.
– نص ساعة كدا يا ماما وهكون عندك.
بعض مرور القليل من الوقت، توقفت سيارة يزن أمام الباب الداخلي لفيلا المنشاوي، ترجل يزن من سيارته بطلته التي خطفت قلب مريم التي كانت تقف في شرفة غرفتها.
قام يزن بالضغط على زر جرس الباب، فانتظر لمدة ثواني قبل أن تفتح له منال الباب، والتي رحبت به بشدة وطلبت منه أن يدلف معها.
رد عليها يزن:
مش مستاهلة يا طنط، نادي لماما عشان نمشي.
ضحكت منال وقالت:
دي ريهام مشيت من ربع ساعة.
يزن باستغراب:
امال كلمتني ليه؟ وليه معرفتنيش إنها مش هتستناني.
منال:
هي فعلًا كانت مستنياك، بس من لقى أحبابه بقى يا يزن.
فهم يزن ما تقصده فقال:
بابا جالها؟
ضحكت منال ثانية وقالت:
وأمي بتنسانا غير لما يجي أبوك!
ضحك يزن ثم قال:
خلاص همشي أنا بقى يا طنط، مش عايزة حاجة.
أطبقت منال يدها على معصمه وقالت بإصرار:
والله ما أنت ماشي، دا أنا ما بصدق أشوفك، هتدخل يعني هتدخل مفيش مفر.
دلف يزن معها إلى صالة الجلوس، فوجد أسيل ومريم تجلسان جنبًا إلى جنب، ألقى يزن التحية، في حين قالت منال باستغراب:
نزلتوا امتى؟
أسيل بمرح:
لما كنتي بتفتحي الباب.
جلس يزن وبدأ يتحدث مع منال في أمور مختلفة، حتى جاءها اتصال هاتفي، فتركتهم وخرجت تتحدث أمام الباب.
ران عليهم الصمت لوهلة قبل أن تقطعه أسيل قائلة:
ألا قولي يا يزن، هو أنا ينفع أدخل كلية الشرطة وأشتغل وأبقى ظابط وكدا؟
رد عليها يزن بهدوء:
أيوه طبعًا إيه اللي يمنع! بس شرط تكوني جايبة مجموع مناسب بالإضافة لإن الكلية ليها بعد الاختبارات الخاصة اللي لازم يجتازها الطالب عشان يدخل الكلية.
أسيل بحماس:
حلو ده، هقول لبابا وأشوف رده… قولي بقى أنت مرتبط؟
ضحك يزن وقال:
ليه؟ عندك عروسة؟
ابتسمت أسيل ونظرت إلى مريم بخبث وقالت:
بصراحة أيوه، بس هي نكدية شوية وكسلانه شوية وغريبة الأطوار جدًا جدًا وملهاش في شغل المطبخ.
ضحك يزن ثانية قبل أن يقول مشاكسًا:
هو عرض كويس، بس أنا في واحدة في دماغي.
هنا شعرت مريم التي تجلس وتتابع الحديث في صمت، بضيق شديد في قلبها، فسألته بتلقائية وضيق:
أمال إحنا متعزمناش ليه؟
قال يزن:
هعزمك مع اللي في دماغي يعني ولا إيه! دا ارتباط مش جمعية!
هنا ضحكت أسيل التي قالت من بين ضحكاتها:
بيقولك في واحدة في دماغه مش بيقولك خاطب عشان تزعلي إنك مش اتعزمتي!
قالت مريم بارتباك عندما أدركت ما الذي تفوهت به:
أنا مش قصدي كدا، أنا قصدي يعني إننا مش عارفين.
يزن:
وهو المفروض اللي يحب واحدة يمشي بمايك في الشارع ويعرف الناس!
شعرت مريم بالحرج فنهضت قائلة:
أنا طالعة أوضتي.
***
على الطرف الآخر، كان سعد يجلس مع وائل في مكتبه، فبادر وائل بالحديث قائلًا:
الخطة ماشية تمام المرة دي، وفاطمة سابت البيت ومشيت.
ابتسم سعد بخبث وسأله:
يعني موضوع الحمل ده دخل على حسام؟
– أيوه، أنا فضلت واقف عند الباب بعد ما هو استلم الظرف وسمعت صوتهم بيزعقوا، هو أه صح الكلام مكانش واضح بس حسام كان متعصب وطردها من البيت.
سعد بشر:
دا كويس أوي، أنا دلوقتي هنتقم من حسام على الألم اللي علم على وشي ده، وهاخد منه فاطمة.
وائل بحيرة:
أنا مش فاهم، ليه مازالت عايز فاطمة مع إن الزعيم قالك خلاص مبقاش عايزها.
سعد بشرود:
دلوقتي أنا اللي عايزها، لازم أعلم ابن المنشاوي وابن الشرقاوي درس يحطم كبريائهم وشرفهم، وزي ما عملت في سالي هعمل في فاطمة، بس فاطمة بقى هي اللي هتيجي برجالها.
وائل:
اممممم، أيوه صح بمناسبة سالي، الرجالة بيقولوا إنهم بعد ما نفذوا في واحد راح ضربهم وأحدها منهم ومن ساعتها ملهاش أثر.
سعد بعدم اهتمام:
متشغلش بالك المهم إنك نفذت وخلاص، سالي دي خلاص مش هتقدر ترفع وشها في عين أي حد، ولا حتى اللي مشغلينها.
وائل:
طب المطلوب مني دلوقت إيه؟
سعد:
تروح العمارة اللي ساكن فيها حسام وتراقبها أربعة وعشرين ساعة عشان نتأكد إن فاطمة هتنفذ وعدها ليا ومش هترجع لحسام تاني.
***
في الواحدة بعد منتصف الليل، كان أمجد مستعدًا للخروج، لكن في طريقه لباب شقته سمع صوت أخيه يناديه، اتجه أمجد إلى حجرة الجلوس وقال:
إيه اللي مسهرك لدلوقتي يا مازن؟
مازن بزهق:
يا أمجد أنا من ساعة ما نزلت من أمريكا وأنا حاسس بملل رهيب، بقضي وقتي كله في النوم.
أمجد باقتراح:
طب ما تخرج تغير جو يا مازن هو حد مانعك؟ محتاج فلوس طيب؟
مازن بضيق:
أخرج أغير جو مع مين يا أمجد، أنا برا مصر من حوالي عشر سنين يعني تقريبًا نص عمري، فمش هكون عارف حاجة ولا عارفة أماكن عشان أروحها! وأنت كل يوم تقولي هاخدك ألفك وأعرفك الطرق والأماكن المحيطة، وترجع تاني تقول مش فاضي.
أمجد بصدق:
والله يا مازن أنا اليومين دول مضغوط فعلًا، من شغلي في المكتب، لشغلي في المديرية، مش لاقي وقت لنفسي أصلًا.
مازن باقتناع:
طب وأنت رايح فين دلوقتي؟
أمجد بجدية:
عندي شغل يخص المديرية، هخلصه و أرجع.
مازن:
خلاص تمام مش هعطلك.
خرج أمجد من شقته، وأمام الباب أخرج هاتفه واختار إحدى الأرقام ليهاتفها، انتظر لثواني ثم جاءه الرد:
أيوه يا حسام أنت فين؟
حسام بجدية:
أنا في الطريق أنت فين؟
أمجد:
أنا خارج أهو، خمس دقايق وهوصل، متتأخرش أنت عشان أنا مظبط الجو والحتة مستنية من بدري.
رواية بانتظار العشق الفصل السابع عشر 17 - بقلم زينب محروس
أمجد: أنا خارج أهو، خمس دقايق و هوصل، متتأخرش أنت عشان أنا مظبط الجو و الحتة مستنية من بدري.
حسام بغموض: أنا جاي أهو، مفهاش حاجة لو استنيت يعني!
أمجد بضحك: راعي إن عندها زباين غيرنا، هي مش مخصصة ليك.
حسام بضيق: خلاص يا أمجد بقى قولتلك جاي، يلا سلام.
***
كانت فاطمة تجلس القرفصاء على فراشها و هي تبكي في صمت حسرة على حياتها و عشقها الذي خسرته حتى قبل أن تظفر به، فمن كانت تتلهف لرؤيته قبل ستة أشهر، خسرته اليوم إلى الأبد بسبب طاعتها لذلك الخبيث المدعو بـ سعد الدمنهوري.
و ما زاد الأمر سوءًا هم تلك سيدات الحي، اللائي سيسمعنها كلمات تسم بدنها في الأيام المقبلة، فها هي العروسة الأولى التي تذهب إلى بيت زوجها و تعود منه قبل أن تكمل ثلاث أيام.
تتذكر جيدًا كيف كن ينظرن إليها باستغراب عندما ترجلت من سيارة الأجرة بحقيبتها و هي ترتدي إسدالها المنزلي.
همست فاطمة لنفسها بحزن شديد: بتمنى لو أقدر أقول الحقيقة لـ حسام، و إن في حياتي كلها محبيتهم و لا هحب حد قدي، بتمنى لو حياتنا كانت تكمل بهدوء من غير وجود سعد الدمنهوري و تهديده!
***
بينما كان سعد في طريقه إلى حسام و يصطحب معه فاطمة ليسلمه إياها، طلب سعد من وائل أن يوقف سيارته على جانب الطريق و يتركه قليلًا ليتحدث مع فاطمة.
امتثل وائل لطلب سعد و نفذ ما طلبه منه، كانت فاطمة تطالع سعد بخوف و توتر، و تنتظر ما سيقوله، فبادر سعد بالحديث قائلًا: أنا دلوقتي مضطر أرجعك لـ حسام، بس لازم تعرفي إنك راجعالي تاني، إما حسام اللي هيجيبك و أما انتي اللي هتيجي برجلك.
ازدادت ضربات قلبها خوفًا و قلقًا، و نظرت إليه بتركيز، فأكمل سعد: لازم تعرفي إن حسام مش بيحبك و متجوزك لفترة مؤقتة، لحد ما يقبضوا عليّ، و أنا بقى مش هقولك هما ظالميني و إني عمري ما عملت حاجة غلط و الكلام ده! أنا فعلًا عملت كل ذنب و كل غلط ممكن حد يعمله، بس أنا بردو محدش يقدر يعاقبني أو يمنعني عن حاجة عايز أعملها.
استغربت فاطمة من جرأته و اعترافه أنه شخص سيء، فقالت باستغراب: هو أنت مش خايف من ربنا!!
سعد بسخرية: سيبك من جو الدين ده، و اسمعي الكلام اللي هقوله ده و لازم يتنفذ بالحرف الواحد………. لما هترجعي لـ حسام، عايز منك أي حد يتهمه بحاجة، لازم تصدقيها و توقفي ضد حسام، و أي حاجة ممكن تصغرك في عيون حسام لازم تأكديها و مش تنفيها.
فاطمة بدموع: لأ مش هعمل كدا، و بعدين أنت ليه بتعمل كدا؟ هو إحنا عملنا إيه ليك؟!!
سعد بتكشيرة: دي حاجة متخصكيش، و على فكرة أنا مش بعرض عليكي الموضوع، أنا بأمرك و انتي عليكي التنفيذ مش الاعتراض.
فاطمة بترقب: و لو معملتش كدا؟
ابتسم سعد بخبث و قال: و الله في الحالة دي بقى، مش هيكون قدامي حل غير إني أشاور لواحد من رجالتي و هسرق منك أغلى حاجة في حياتك، مش هقولك بقى هقتل حسام أو يزن! تؤ تؤ تؤ تؤ أنا هسرق منك أغلى حاجة ممكن تمتلكها البنت.
***
وصل حسام إلى ذلك المبنى الذي يبتعد عن مبنى أمجد بخمس عمارات، ترجل حسام من سيارته، ليجد أمجد واقفًا أمام مدخل العمارة بانتظاره.
صعدا معًا إلى الطابق السابع، وقف أمام إحدى الشقق و أخرج أمجد المفتاح من جيب بنطاله قائلًا: مستعد يا هندسة؟؟
حسام بضيق: يا عم افتح هو إحنا داخلين حرب، انجز شوية.
دلف أمجد إلى الداخل و من خلفه حسام الذي يضع يديه في جيب بنطاله و يخطو بكبر و ثبات، نظر إلى تلك التي تطالعهما بابتسامة، قبل أن تقول: أنا مستنية من زمان يا جماعة و اتأخرت على شغلي.
ابتسم أمجد بتكلف و قال: معلش، إحنا أصلا مش هناخد كتير من وقتك يا إيمان.
إيمان بجدية: إيه الشغل اللي محتاجين مساعدتي، فيه؟ و ليه أصرتوا نتقابل هنا؟؟
سألها حسام بجدية و ما زال واقفًا: انتي شغالة فين؟؟
إيمان بحرج: في النادي الليلي اللي في شارع*****.
حسام بتكشيرة: الكلام اللي هيتقال هنا دلوقتي، مش لازم حد يعرف بيه غيرنا.
رمقته إيمان باهتمام و قالت: متقلقش، قولي بقى إيه هو الكلام؟
حسام بتوضيح: فاكرة وائل و سعد اللي طلبوا منك تيجي البيت لمراتي و تقولي إنك حامل و إني ضحكت عليكي و رميتك؟؟
أومأت إيمان برأسها: أيوه فاكراهم، و هو الموقف اللي اتحطيت فيه معاك انت و يزن بيه هيتنسي! دا أنا مش هعمل حاجة زي كدا تاني أبدًا.
أضاف أمجد: لاء معلش، نفذي طلبنا الأول و بعدين توبي براحتك.
سكتت إيمان لوهلة قبل أن تقول: لولا إني مديونة للهندسة باعتذار أنا مكنتش هوافق، بس يلا المرة دي معاكم، قولولي بقى المفروض أعمل إيه؟؟
حسام بجدية: انتي مش مضطرة تساعدينا، لو مش حابة مفيش مشكلة، و أنا أصلا مسامح في اللي حصل قبل كدا.
ابتسمت إيمان و قالت: لاء يا باشمهندس، أنا معاك و هساعدك، بس أهم حاجة تعرفني كل حاجة في الموضوع عشان ميحصلش لغبطة زي ما اتلغبط بينك و بين يزن بيه.
حسام بشرح: لازم في الأول تعرفي إن الموضوع ده هيكون أخطر و أهم بكتير من أي حاجة عملتيها في حياتك، أنا عرفت إن وائل بيجي كل يوم زي دلوقتي كدا عندكوا في الملهي و هي دي هتكون نقطة البداية………..
***
في تمام الساعة الحادية عشر، من اليوم التالي، كان يزن عائدًا من عمله، و لكنه قبل أن يدلف إلى غرفته سمع ريهام التي خرجت من إحدى الغرف تقول: معلش يا يزن قبل ما تنام تعال وصلني عند منال.
يزن بمشاكسة: لاء مش جاي، امبارح لبستيني في قعدة هناك و كنت محرج جدًا.
ضحكت ريهام و قالت: ما هو أبوك اللي جه، أقوله لاء مش هروح معاك عشان مستنية يزن!!
يزن بسخرية: لاء تركبي معاه و أروح أنا ألاقي فيكي مشيتي.
ابتسمت ريهام و قالت: معلش بقى يا يزن أنت الكبير.
اغلق يزن باب غرفته مجددًا بعدما فتحه و قال باستسلام: أمري لله، يلا هوصلك.
بالفعل أوصل يزن ريهام إلى ڤيلا المنشاوي، و قبل أن يحرك سيارته و يعود أدراجه، تناهى إلى سمعه نداء والدته مرة أخرى، فزفر بضيق و قال: شكلها كدا مفهاش نوم النهاردة بسبب ماما.
ترجل يزن من سيارته و نظر إلى والدته الواقفة أمام بوابة الڤيلا و معها مريم، فسألها: فيه حاجة يا ماما؟؟
ريهام بابتسامة: أيوه يا يزن، خد مريم معاك هتعدي على الكلية هتجيب حاجة و تيجي معاك البيت عشان تشوف فاطمة.
همس يزن لنفسه بصوت غير مسموع: مفيهوش نوم فعلًا، يا ريتني ما جيت.
سألته ريهام: بتقول حاجة يا يزن؟
ابتسم يزن بمجاملة و قال: لاء يا أمي، اتفضلي يلا يا مريم.
مريم بخجل يخالطه توتر: خلاص يا طنط أنا طالبة أوبر أصلاً، روح أنت يا يزن.
ريهام بإصرار: أوبر إيه و يزن موجود، و الله ما يحصل، أمال يزن لازمته إيه!! يلا هتركبي معاه.
سحبت ريهام مريم من معصمها، و أركبتها السيارة رغمًا عنها، و أكدت على يزن قائلة: توصلها مكان ما هي عايزة، مريوم أمانة في رقبتك.
صعد يزن إلى السيارة، و أعاد تشغيلها متجهًا إلى مقر الجامعة، ران عليهم صمت لطيفة، قطعه يزن أخيرًا و قال: مريم، مش انتي خلاص اتخرجتي؟ راحة الكلية ليه؟
أجابته مريم بصوت مسموع نوعًا ما: أيوه اتخرجت، بس راحة النهاردة عشان أسحب الملفات بقى و أجيب الشهادات ليا و لـ فاطمة.
يزن بتفهم: اها، يلا ربنا يوفقكم.
خيم عليهم الصمت ثانيةً، فكانت مريم جالسة في هدوء و هي تشعر بالخجل الشديد، لدرجة أنها كانت تشعر أن وجهها يكاد أن ينصهر، أما يزن فكان سعيدًا بتواجدها معه، ف بالرغم من أنه لم ينم منذ يومين بسبب عمله، إلا أنه كان يتمنى أن تطول هذه اللحظة إلى نهاية العمر، كي ينعم بتواجدها معه.
أخيرًا توقفت السيارة أمام بوابة الجامعة، دلفا كلاهما إلى الكلية جنبًا إلى جنب، و هما يلتزمان الصمت، و قبل أن يصلا إلى مقر الشئون أوقفهما صوت رجولي ينادي مريم.
توقفا و التفتا إلى الوراء في وقتٍ واحد، و سرعان ما تهللت أسارير مريم من السعادة و أردفت بسعادة: دكتور آسر، ازيك؟
ابتسم آسر لتزداد وسامته، و أجابها: الحمدلله بخير، انتي عاملة إيه؟ و فاطمة أخبارها إيه؟؟
مريم بود: أنا الحمدلله بخير، و فاطمة كمان بخير و بتسلم عليك؟
في هذه الأثناء كان يزن يطالع آسر من رأسه إلى أخمص قدميه رغبةً في تقييمه، فقد كان آسر شاب ذي بشرة بيضاء و لحية تنمو بخفة تضفي إليه لمسة رجولية، بالإضافة إلى شعره الأسود الممشط باحتراف و بندقيتيه اللتان تطالعان مريم بلطف، و كانت هذه المواصفات كافية لتجعل يزن يكتسي وجهه ببعض الاحمرار الذي أضاف إلى بشرته الامحة درجة أعلى تدل على حنقه و غيظه.
كان يزن محقًا في غيظه، فهذا آسر هو بالفعل محط أنظار جميع الفتيات في الجامعة، و خاصةً أولئك المسؤول عن تدريسهم.
سأل آسر مريم باهتمام: أما فاطمة مش معاكي ليه؟
اتسعت ابتسامة مريم و أجابته: فاطمة مشغولة شوية، بس متقلقش جبت أخوها معايا…….
أشارت مريم إلى يزن: اه صح نسيت أعرفكم، دا الرائد يزن الشرقاوي.
ثم عكست اتجاه يدها وقالت: و ده دكتور آسر العتيقي، أحسن دكتور هنا في الكلية….. ساعدنا كتير أوي لولاه كنا فضلنا في الكلية لحد ما جت ساعتنا (الموت يعني).
مد آسر ذراعه إلى يزن و قال ببشاشة: اتشرفت بمعرفتك يا سيادة الرائد.
ابتسم يزن بتكلف و قال بضيق مكتوم: الشرف ليا يا دكتور، مبسوط جدًا بمعرفتك.
آسر: أنا كمان، ألا قوليلي يا مرمة انتي هنا هتسحبي الملف؟
مريم بجدية: أيوه.
آسر بلطف: بلاش النهاردة، فيه عدد كبير من الطلبة النهاردة عشان ياخدوا الشهادات، فممكن تروحي و أنا هبقى أجيبلك شهادتك انتي و فاطمة……. أنا كدا كدا جاي عندكوا الخميس.
مريم بسعادة: إيه ده بجد؟؟ ليه؟.
آسر بغموض: جاي أشرب شاي ده الوالد.
قالت مريم و هي تتخطاه: اتفقنا يا دكتور.
عاد ثانيةً إلى حيث قد ركن يزن سيارته، فكان يستشيط غضبًا بسبب غيرته عليها، و ها هو الغضب قد بلغ ذروته عندما قالت مريم: هو أنت كنت بتكلم الدكتور كدا ليه؟ أنا حسيت إنك دقيقة و هتضربه.
يزن بتهكم: كان المفروض يعني أتحزم و أرقص عشرة بلدي و لا إيه؟ مش فاهم!
مريم بتكشيرة: لاء مش ترقص، بس كنت متنشن كدا يعني لحسين إنك مش طايقه.
يزن ساخرًا: و عشان كدا يعني أصرتي معاه في الكلام!
مريم بضيق: دا دكتوري، يعني أتكلم معاه و أرحب بيه زي ما أنا عايزة، و قريب أصلاً هيكون في بينا قرابة.
ربط يزن جملة آسر الأخيرة، بهذه الجملة التي تفوهت مريم بها الآن، فاعتقد أن هناك خطة للزواج، فضرب سيارته بقبضة يده و قال غاضبًا: مستحيل ده يحصل!
عقدت مريم ما بين حاجبيها و سألته باستغراب: هو إيه ده اللي مستحيل؟!
يزن بعصبية: إنك تتجوزيه!
ارتخت قسمات وجه مريم، و قالت بهدوء: و أنت يخصك إيه؟ و لا عايز تمنع جوازتي ليه؟؟
رد عليها يزن تلقائيًا و بلهجة غاضبة: عشان أنا بحبك…..
رواية بانتظار العشق الفصل الثامن عشر 18 - بقلم زينب محروس
رد عليها يزن تلقائيًا وبلهجة غاضبة:
عشان أنا بحبك.
تصنمت مريم موضعها فقد صُدمت حقًا من رده الصادم، فكيف له أن يحبها بتلك السرعة!
لم تعرف بما تجيبه، فظلت حائرة تطالعه بضياع لم يخف عليه، حاولت مريم أن تتحدث ولكنها لم تقدر.
فرفع يزن عنها الحرج وخلصها من ذلك الموقف عندما أردف بجمود:
اعتبريني مقولتش حاجة، اتفضلي عشان نرجع البيت.
صعدت مريم إلى السيارة دون أن تتفوه بحرف واحد، بعد قليل من الوقت الذي مر عليهم بثقل وتشاحن، توقفت سيارة يزن أمام ذلك المبني الراقي الذي تقطن فيه عائلة الشرقاوي.
ترجلت مريم من السيارة وانتظرت أن يفعل يزن مثلها ولكن فاجأها عندما قال:
عرفي فاطمة إني رايح مشوار وهتأخر في الرجوع.
لم يمهلها وقتًا لترد عليه، وإنما قاد سيارته سريعًا واتجه إلى شقة أمجد.
ضغط يزن على زر الجرس مرات متتالية ولكن لم يستجب له أحد، استخدم يزن هاتفه متصلًا على أمجد.
بضع ثوانٍ وجاءه الرد بصوت رتيب:
أيوه يا يزن، وصلت؟
تشدق يزن مردفًا بضيق:
بقالي ربع ساعة برن الجرس وماحدش بيرد، اخلص تعال افتحلي عشان عايز أنام.
ضحك أمجد وقال:
مش هطول قصادك في الكلام عشان عارفك مش بتعرف أبوك وأنت نعسان. عندك جنب عتبة الباب في شتلة صبار.
نظر يزن إلى تلك الشتلة مستغربًا وقال:
مالها الصبارة؟
رد عليه أمجد موضحًا:
ارفع الشتلة، هتلاقي تحتها المفتاح، افتح وادخل. يلا سلام عشان رايح عند حسام.
***
على صعيدٍ آخر كان هادي جالسًا على الأريكة بأريحية ويشاهد التلفاز وكالعادة كانت سالي بجانبه. وبينما هو كان منشغل بذلك الفيلم، كانت هي تحدق به مبتسمة، فهي باتت لا تشعر بالأمان إلا في وجوده.
رغم فقدانها لكل تفاصيل حياتها إلا أنها تتذكر شيء واحدًا، هو أنها قبل أن تفقد وعيها في ذلك اليوم، كانت بين ذراعيه، من بين كل تلك الأحداث الهائلة والتعيسة والخطرة.
وبينما هادي يتابع الفيلم باهتمام إذا بتلك البطلة تلقي دعابة تلقائية من بين كلماتها مما جعل هادي ينفجر ضاحكًا، لتزيد ضحكته الرجولية من وسامته الجاذبة للأنظار.
التف هادي برأسه ناظرًا إلى سالي، كي يسألها عن رأيها في ذلك الفيلم، ولكن ما لبث ينطق بالكلمات من بين ضحكاته، حتى كف عن الضحك وتحولت نظرته إلى إعجاب عندما وجدها بتلك القرب منه وتحدق به بسعادة وقد افتر ثغرها عن ابتسامة تصل إلى عينيها.
كانت هذه هي المرة الأولى التي يتمعن فيها هادي بملامح سالي، الجميلة والهادئة، بداية من عينيها ذي اللون الرمادي القاتم تحدهما رموش مرسومة بخفة، وأنفها الطويل الحاد، وشفتيها الحمراء المشابهة لقوس كيوبيد، إلى بشرتها البيضاء المُعكرة ببعض الكدمات.
استطاع هادي أن يخطف من الزمن بضع لحظات، التقت فيهم بنيتيه برماديتيها، وانتهت بذلك الصوت الذي صدر من معدة سالي، احتجاجًا على عدم تناولها للطعام.
احمرت وجنتا سالي حرجًا، فوضعت يدها على بطنها سريعًا وكأنها بذلك ستكتم هذا الصوت، في حين ابتسم هادي بلطف وسألها:
شكل رضوى هتتأخر على ما ترجع، إيه رأيك نطلب أكل من برا؟
امتعضت ملامح سالي، التي حركت رأسها مرات متتالية برفض، وحركت يدها أمامه بـ "لا"، ولكن هادي أصر على قوله وأضاف مبتسمًا:
أنا كمان هاكل معاكي عشان جعان، اكتبيلي بقى تحبي نطلب إيه؟
ضمّت سالي شفتيها بحيرة قبل أن ترخيهما وترفع كتفيها بعدم معرفة، فتشدق هادي مردفًا:
خلاص تعالي نفتح النت ونشوف المطاعم القريبة من حينا بتقدم إيه!
بعد مرور وقت لا بأس به، وصل الطعام الذي طلبه هادي عبر الإنترنت، أعد هادي المائدة وأجلس سالي وقبع هو على المقعد المجاور لها وبدأ يراقبها في صمت وهي تتناول الطعام باستمتاع. فلاحظت سالي أنه لم يأكل، فباغتته بملعقة من الطعام أمام فمه.
ابتسم لها هادي قائلًا:
كملي أكلك يا سالي وأنا هاكل دلوقتي.
لم تعر سالي كلامه اهتمامًا، وإنما قربت الملعقة أكثر إلى فمها، فتنهد هادي باستسلام وأكل تلك الملعقة من يدها، فابتسمت سالي برضا، وجهزت له ملعقة أخرى.
***
على صعيدٍ آخر، دلف مازن إلى ذلك النادي، الذي يزوره للمرة الأولى، كان يتجول في تلك المساحة الخضراء واضعًا يديه الاثنتين في جيب سترته، مطالعًا هؤلاء الناس الذين يمارسون الأنشطة الرياضية باختلافها، فكان يتغنى ببعض الكلمات الأجنبية المنبثقة من سماعاته الأذنية، عندما رأى ثلاث شباب يقيدون شابًا ويبرحونه ضربًا.
نزع مازن سماعاته سريعًا معلقًا إياها في رقبته، واتجه إليهم ليخلص ذلك الشاب من أيديهم، وبالفعل وقف أمامهم مردفًا بهدوء:
مينفعش كدا يا شباب، لو في مشكلة بينكم ممكن تحلوها بالكلام مش كدا.
ضحك واحدٌ منهم وقال ساخرًا:
حل المشاكل بالكلام، ده بتاع البنات الفافي اللي شبهك.
تلوت شفاه مازن بتوعد وتشتق مشيرًا لنفسه:
قصدك إني شبه البنات الفافي!
رد عليه الشاب بعدم تهذيب:
ليك رأي غير كدا يا روح أمك!
زفر مازن بغضب مكتوم، وابتعد عنهم قليلًا، نازعًا سماعاته، ثم وضعها جانبًا كي لا تنكسر، وعاد إليهم ثانية وهو يشمر عن ساعديه، في تلك اللحظة التي كاد أحد الشباب أن يضرب ذلك المقيد من قِبل الآخرين مجددًا، ولكن قبل أن يسدد قبضته كان مازن هو الأسرع إليه ومنعه عندما أمسك ذراعه، لاويًا إياه خلف ظهره.
ومن هنا شارك مازن معهم في الاشتباك، فتركوا ذلك الشاب والتفوا ثلاثتهم حول مازن، التي كانت قوته الجسمانية تفوقهم جميعًا.
ونتيجة لذلك كان مازن كافيًا ليعلمهم درسًا في الملاكمة وبعض الحركات القتالية.
وقف مازن يلتقط أنفاسه بعد مرور عشر دقائق من القتال، وكان الثلاث شباب واقعين أرضًا يتألمون من شدة الضربات.
اقترب مازن من ذلك الشاب ضعيف البنية تحت أنظار الفتيات المعجبات بقوة مازن ورشاقته الرياضية، ربت على كتف الشاب وسأله باهتمام:
انت كويس؟
أزال الشاب الدماء التي قد سالت من فمه وقال بامتنان:
كويس، كويس. شكرًا لمساعدتك.
ابتسم مازن وأردف:
مفيش داعي للشكر، ده واجبي. أنا مازن.
نطق بجملته الأخيرة وهو يمد يده ليصافح الشاب الذي قال:
وأنا تامر. اتشرفت بالمعرفة.
***
كان هادي وسالي مازلا يتناولان الطعام، حينما وضعت سالي الملعقة من يدها وأمسكت معدتها بألم، وقد تغيرت قسمات وجهها إلى العبوس والإرهاق.
تشدق هادي مردفًا باهتمام يخالطه القلق:
في إيه يا سالي؟ مالك؟
نظرت إليه وقد أدمعت عينيها، ولم تجبه. فنهض هادي سريعًا وأحضر إليها الورقة والقلم وكرر عليها سؤاله مرة أخرى وهو يحثها على الكتابة. فرت من عينيها دمعة ساقطة على الورقة، وأمسكت سالي القلم وكتبت بخط مرتعش ومهزوز، أنها تشعر بشديد من الألم الحارق الذي قد غزا معدتها فجأة.
شعر هادي بالقلق الشديد عليها، وتسبب دمعه في إصابته بالضعف، فلم يعرف ما الذي عليه فعله. وقف أمامها بارتباك وهو يحك مقدمة جبهته بتفكير، ثم أردف بتعجل:
قومي معايا خلينا نروح لدكتور.
اقترب منها يساعدها على النهوض، وما إن وقفت حتى صدح هاتفه معلنًا عن اتصال من يزن، فاستقبل هادي ذلك سريعًا وقال:
كويس إنك اتصلت يا يزن، تعرف مكان دكتور باطنة؟
انتبه يزن لما قيل وسأله قلقًا:
دكتور باطنة! هي سالي تعبت؟
رمق هادي تلك التي تتألم بجانبه ونطق:
أيوه يا يزن، كنا بنتغدى وفجأة مسكت بطنها وبتقول إنها حاسة بألم بيحرق في معدتها.
ضيق يزن ما بين حاجبيه وسأله:
هي أكلت إيه؟
هادي بجدية:
مكرونة بالسوسيس الحار، وسجق حار إيطالي.
ضرب يزن على جبهته قائلًا بندم:
ده غلطي، كان لازم أعرفك بحاجة زي كدا. سالي عندها قرحة في المعدة والمفروض ماكنتش تأكل الأكل ده.
زفر هادي بضيق مكتوم وقال:
طب قولي تعرف دكتور ولا إيه؟ أتصرف أنا إزاي دلوقتي؟
يزن باندفاع:
لأ، لأ، بلاش دكاترة دلوقتي عشان محدش يشوفها، لو عندك لبن في البيت أو زبادي أعطيها منهم بس مش كتير، وأنا هاجي حالًا وهجيبلك الدواء.
هادي برفض:
لأ، مش هستنى لما تيجي، ده هياخد وقت، ابعتلي اسم العلاج على الواتس وأنا هنزل أجيبه من الصيدلية اللي على أول الشارع، يلا هقفل.
يزن باندفاع:
طيب ماشي، بس استنى. لازم تعطيها الدواء ضروري عشان اللبن ممكن يزود الحموضة بعدين.
تحرك هادي سريعًا إلى المطبخ، ولحسن الحظ ظفر هادي بعبوة الزبادي الأخيرة في الثلاجة، ورجع إلى سالي سريعًا مجلسًا إياها وبدأ يطعمها بتتابع. وما إن انتهى حتى وضع العبوة فارغة ونظر إلى سالي باسمًا وهو يبعد تلك الدموع عن وجنتيها وقال بحنو:
دلوقت هتبقى كويسة، خليكي هنا وأنا هنزل أجيب العلاج وأجي، اتفقنا؟
أومأت سالي في صمت، فأكمل هادي:
دلوقت تدخلي أوضتك وتنامي ومتفتحيش لحد، أنا أصلًا مش هتأخر.
امتثلت سالي لطلب هادي الذي غادر لإحضار الدواء الذي أخبره به يزن على الواتساب.
***
كانت فاطمة حبيسة غرفتها ولا تفعل شيئًا غير أنها تتحسر على حسام الذي خسرته بفعلتها تلك إلى الأبد، وكأنها على عهد مع البكاء الذي قطع وصلته رنين جرس الباب. أزالت دموعها سريعًا، فلا أحد سواها في المنزل وعليها أن تجيب الطارق.
اتجهت إلى الباب وما إن فتحت حتى وجدت مريم أمامها، فألقت بنفسها بين ذراعيها تبكي وتشهق بمرارة.
تنهدت مريم بحزن مربتةً على ظهرها بمواساة وهي تقول:
اهدّي يا فاطمة، كل حاجة هتبقى بخير إن شاء الله.
ابتعدت عنها فاطمة وهزت رأسها برفض وعدم اقتناع لتلك الفكرة التي باتت تراها مستحيلة، وتشتق مردفة من بين دموعها:
مبقاش في حاجة هتبقى بخير يا مريم، كل حاجة انتهت، كل شيء انتهى، أنا وحسام خلاص علاقتنا انتهت.
ضيقت مريم ما بين حاجبيها، فهي كانت تقصد بجملتها "كل حاجة هتبقى بخير" أنها ستصبح عازبة مرة أخرى ويمكنها أن تنتظر ذلك الشاب الذي لطالما كانت تحلم به وعشقته منذ النظرة الأولى، وأجبرت على التخلي عن حلمها بلقائه والزواج منه بسبب زواجها من حسام.
جلست مريم بجانب فاطمة على طرف الفراش، وبادرت بالحديث عندما سألتها:
فاطمة، هو إنتي زعلانة عشان في مشكلة بينك وبين حسام؟
رد عليها فاطمة بسؤال آخر، بلهجة استغراب وبصوت مختنق:
وهو المفروض مزعلش لما أتخانق مع زوجي وتكون المشكلة دي هتسبب طلاقي؟
قالت مريم سريعًا:
أنا مش قصدي كدا، لو أي حد غيرك تمام، هكون متفهمة حزنها، لكن انتي مش فاهمة انتي زعلانة وبتعيطي ليه. ده أنا لما سمعت بابا وهو بيكلم حسام في الفون، قولت إنك هتكوني مبسوطة. لكن دلوقتي شايفة خلاف كدا!
قالت فاطمة باستنكار:
مبسوطة! هكون مبسوطة على خراب بيتي وخسارة أكتر شخص حبيته!
مريم بحيرة:
أكتر شخص حبيتيه! إنتي بتحبي حسام؟ طب والواد إياه، بتاع إسكندرية؟
ابتلعت فاطمة غصة مريرة في حلقها وقالت بهدوء:
حسام هو الشاب اللي قابلته في إسكندرية.
حدقتها مريم بنظرة اندهاش، ثم سألتها بعدم تصديق:
حسام هو الشاب اللي كان بيزور حلمك كل يوم من لما رجعتي من إسكندرية؟
أومأت فاطمة برأسها تزامنًا مع نزول دموعها، فأكملت مريم استجوابها:
طب ولما هو الشاب اللي حبيتيه، ليه كنتي عايزة تمنعي جوازك منه وكنتي زعلانة؟ وإيه اللي سبب المشاكل دلوقتي؟ وليه رفضتي تعملي فرح؟
أزالت فاطمة دموعها، وأخذت نفسًا عميقًا وأجابتها:
كنت رافضة لأن جوازنا دي لمجرد إن حسام يحميني من سعد الدمنهوري الرجل اللي جه وطلب إيدي لابن أخوه قبل كدا، كنت رافضة عشان مكنتش عايزة أتجوز أخوكي وأتعلق بيه أكتر وبعدين يطلقني بعد ما يتقبض على سعد، والموضوع ده كلهم عارفينوه ما عدا انتي وماما وطنط منال وأسيل، وعشان فقدت ثقتي في حسام بسبب البنات اللي كل يوم والتاني يبعتهم سعد. رفضت أعمل فرح وكنت مفكرة بكدا هفضل في إيد أهلي بعد كتب الكتاب، لكن حصل عكس اللي توقعته وبابا بعتني مع حسام في نفس يوم كتب الكتاب.
سكتت فاطمة لتبتلع ريقها وتأخذ نفسًا يزيل رغبتها في البكاء مجددًا، فسألتها مريم بترقب:
وإيه اللي سبب مشاكل بعد تلت يوم من كتب الكتاب؟
تلفظت فاطمة بإجابتها بشرود وقالت:
عشان أنا حامل من حد غير حسام.
اتسعت حدقتا مريم بصدمة، وقالت بتقطع:
فاطمة إنتي بتقولي إيه؟ ده وقت هزار!
نظرت إليها فاطمة وقالت:
بس ده مش هزار يا مريم! أنا اتخطفت تاني يوم كتب الكتاب و.
قصت عليها فاطمة ما حدث معها والحوار الدائر بينها وبين سعد قبل أن يسلمها إلى حسام. وما إن انتهت حتى قالت مريم بتهكم وغضب مكتوم:
إنتي عبيطة! إزاي تعملي حاجة زي كدا؟ وإزاي أصلاً تسمعي كلام واحد زي سعد ده!! ده اسمه هبل!
بكت فاطمة مرة أخرى وقالت بصوت متقطع:
وأنا كان المفروض أعمل إيه؟
لم تجد فاطمة جوابًا لسؤال مريم التي أكملت وهي تنهض متجهة لخزانة الملابس الخاصة بفاطمة:
قومي عشان هنروح فورًا لحسام ونحكيله الحكاية دي كلها، هو لازم يعرف الموضوع ده، عشان ماتخسريش كل حاجة.
بعد قليل من الوقت تجهزت فاطمة ونزلت من المبنى برفقة مريم التي كانت تدعمها وتلقي عليها بعض الكلمات المطمئنة، ولكن ما إن سارتا مبتعدتين عن مدخل العمارة حتى تناهى إلى سمعهما حديث بعض النسوة يقولن:
اهي دي بقى العروسة اللي ينطبق عليها مثل راحت تودي الكحك رجعت بيه سخن.
أنهين تلك الجملة وصدرت منهن قهقهات ساخرة. نظرت فاطمة أرضًا بحرج وخذى، وما كادت تتخطاهن حتى نادتها إحداهن قائلة:
تعالي يا فاطمة عرفينا رجعتي بالكحك سخن ولا ساقع منك في الطريق.
خانتاها عيناها وفرت منهما دمعة هاربة، فربتت مريم على كتفيها وكادت أن ترد عليهن ولكن سبقها ذلك الصوت الذي جعل قلب فاطمة يتسارع في النبض، عندما قال بعنفوان:
أول مرة أعرف إن الحي الراقي ده فيه ناس سفيهة ومتدنية كدا!
رواية بانتظار العشق الفصل التاسع عشر 19 - بقلم زينب محروس
تعالي يا فاطمة عرفينا رجعتي بالكحك سخن و لا سقع منك فى الطريق.
خانتاها عينيها و فرت منهما دمعة هاربة، ف ربتت مريم على كتفيها و كادت أن ترد عليهن و لكن سبقها ذلك الصوت الذي جعل قلب فاطمة يتسارع فى النبض، عندما قال بعنفوان:
– أول مرة اعرف إن الحي الراقي ده فيه ناس سفيهة و متدنية كدا!
التفت سريعًا إثر سماع صوته، ليظهر أمجد بقسمات وجهه الواجمة، اقترب من فاطمة و مريم و أكمل بسخط و توعد:
– لو حضرتك اتعرضتي لمراتي مرة تانية أنا مش هسكتلك و هخليكي تندمي على كل حرف قولتي دلوقتي أو فكرتي تقولي بعدين، و مش أنتي لوحدك يا مدام هدى.
ظهرت على شفتيه ابتسامة جانبية و تشدق مردفًا بسخرية:
– معلش قولت مدام و نسيت إن رغم كبر سنك إلا إنك ما التي آنسة بسبب العرسان اللى كانوا بيطفشوا قبل الفرح بأسبوع.
كست الحمرة وجهها دلالة على غيظها و حنقها، فزفرت بغضب مكتوم و تحركت من أمامهم و من خلفها باقي النسوة.
ارتخت قسمات وجه أمجد، الذي نظر إلى فاطمة و قال باسمًا:
– متزعليش يا فاطمة، دول مجرد ستات تافهين.
ردت عليه فاطمة من بين دمعها المتساقط:
– بس كلامهم مش تافه، أنا أول عروسة ترجع على بيت أهلها فى أول أسبوع من الفرح، مكملتش حتى فى بيت حسام تلت أيام.
شعر أمجد بالحزن لأجلها و قال مواسيًا:
– كل حاجة هتكون بخير و الله يا فاطمة، صدقيني دا مجرد اختبار لعلاقتكم و إن شاء الله هتعدوه.
أزالت فاطمة تلك الدموع الساخنة عن وجنتيها و قالت بيأس:
– هنعديه فعلًا، بس بفشل علاقتنا مش بنجاحها.
هم أمجد ليتحدث مجددًا و لكن قاطعته مريم التي ربتت على كتف فاطمة و قالت مطمئنةً:
– و الله يا فطوم علاقتكم هتنجح، بس انتي تفائلي خير، خلينا دلوقت نروح مع أمجد و نشوف حسام و نحكيله و اتكلموا مع بعض.
حركت فاطمة رأسها برفض و قالت بتراجع:
– لاء مش هروح يا مريم، أنا لما سمعت صوت أمجد كنت حاسة إن معاه حسام فدا حسسني بالخوف من المواجهة، لأنه مش هيصدقني، احنا الاتنين الثقة اللى بينا مشحونة بكتير من السلبيات يا مريم.
أضاف أمجد ساهمًا:
– فاطمة معاها حق، مش ده الوقت المناسب عشان تتكلمي مع حسام فى الموضع ده، سيبوا الخلاف ده للوقت و كل حاجة هتبقى بخير بإذن الله، بس بردو خلي عندك ثقة فى حسام يا فاطمة إنه مش هيتخلي عنك من أول حفرة.
تنهدت مريم باستسلام و قالت:
– خلاص اللى تشوفوه، المهم دلوقت انت هنا ليه؟
أجاب أمجد بجدية و قال:
– كنت جاي أجيب تحاليل من المعمل اللى على أول الشارع ده، يلا هروح انا قبل ما المعمل يقفل، يلا سلام و لو فى حاجة كلموني.
***
كان هادي جالسًا على طرف الفراش بجانب سالي النائمة، يطالعها بحزن و شفقة على هذه الأيام المريرة التي تمر بها، ابتسم بحب عندما تذكر إمساكها ليده بعد أن ناولها الدواء، مسح على خصلاتها السوداء و تشدق مردفًا:
– يا ترى لو افتكرتي اللي مريتي بيه هيحصلك إيه؟ بتمنى ربنا يصبرك و يخفف عنك أوجاعك و الحمل الصعب اللي تسبب فيه شوية كلاب ميعرفوش الرحمة.
زفر بغضب مكتوم و نهض من جانبها قائلًا بتوعد:
– والله لهندم وائل الكلب ده على اللي عمله.
تحرك بعيدًا عن سالي و أجرى مكالمة هاتفية مع شقيقته رضوى ليسأل عن سبب تأخرها في العودة، فأخبرته أن والدهما مريض و أنها ستبقى برفقته، تعتني به لبضعة أيام.
في المساء كان هادي جالسًا في الصالون و هو يعمل على حاسوبه، و بجانبه فتاة شقراء في الخامسة عشر من عمرها، و كانت تجلس نوعًا ما على مقربة من هادي الذي يعمل على حاسوبه.
في ذلك الوقت كانت سالي قد استيقظت و خرجت من غرفتها و هي تحرك ذراعيها في الهواء مرحًا، و لكن ما إن وقعت عينيها على ذلك الوضع حتى عقدت ما بين حاجبيها، و تلوت شفتيها تذمرًا، و كست الحمرة وجنتيها غيظًا، فاقتربت منهما سريعًا…. و بدون أي مقدمات وقفت أمامهما و أغلقت الحاسوب و هي تطالعهما بضيق.
نظرا إليها كلاهما باستغراب، فعقدت هي ذراعيها أمام صدرها، و أشارت إلى تلك الشقراء بعينيها، فابتسم هادي بخفة و أجابها:
– دي فيروز.
أخذت سالي تلك الورقة الخاصة بعمله، و سحبت ذلك القلم الرصاص الذي تمسكه فيروز، و كتبت:
– تبقى مين فيروز يعني؟؟!!
كانت ترفع الورقة أمام مستوى نظرها و هي تقلب عينيها بملل، فضحكت فيروز و استوت على قدميها قائلة بمرح:
– و هو فيه حد في العمارة دي مش عارف فيروز!! دا أنا اسمي مسمع و الحمدلله، دا حتى مش بس سكان العمارة دا سكان مصر كلها عارفين مين فيروز!!
حدجتها سالي و على وجهها علامات الاستفهام، فأضاف هادي بدلًا عن فيروز، موضحًا:
– فيروز ساكنة هنا في الشقة اللي جنبنا بقالها شهرين.
ارتخت قسمات وجه سالي و ابتسمت بتفهم، في حين ضيقت فيروز عينيها و أردفت بتذمر:
– هو ده كل تعريفك عني!! و هي مصر كلها تعرفني عشان أنا جارتك يا هندسة!!
ضحك هادي مردفًا:
– خلاص يا ستي و لا تزعلي، نسيت أقولك يا سالي إن فيروز من الناس النشطة جدًا على مواقع التواصل و عندها قناة على يوتيوب.
ابتسمت فيروز و قالت:
– هسامحك المرة دي، مع إنك مقولتش إني عملت دا كله و أنا ١٥ سنة بس.
افتر ثغر سالي عن ابتسامة لطيفة و هي تشير لفيروز بيدها، أنها قد أحبت ما قالته، فاحتضنتها فيروز سريعًا و هي تقول:
– شكلنا هنبقى أصحاب يا سوسو.
***
في شقة الشرقاوي.
كانت فاطمة تقف في شرفة غرفتها، و هي تطالع السماء بحزن، تنهدت بقلة حيلة و أغمضت عينيها باستسلام لتلك النسمات الباردة التي تلفح وجهها الساخن بفعل البكاء و تلك الدموع التي تتسلل من بين جفونها.
تسربت إلى رئتيها تلك الرائحة التي قد عشقتها منذ الوهلة الأولى لاستنشاقها، و لما لا و هي رائحة العطر الخاص بحسام حبيبها، و زوجها، زوجها!! مهلًا…… هل يحق لها أن تستخدم تلك الكلمة؟ أيحق لها أن تضف ملكيتها إلى كلمة زوج و هي من ستأخذ ورقة طلاقها بعد عدة أيام؟!
همست بخفوت من بين شفتيها:
– بتمنى لو أقدر أقولك على كل الكلام اللي شايلاه في قلبي! أو أقدر أمنع انفصالي عنك يا حسام؟
شردت في تلك اللحظات المعدودة التي كان يعترف فيها بمشاعره، فافتَر ثغرها عن بسمة طفيفة.
كانت شاردة لدرجة أنها لم تنتبه لتلك الخطوات التي تتقدم إليها، هنا ازداد عطره انتشارًا في الغرفة فلم تعد تستنشق سوى عطره النفاذ، و هذا ما قطع وصلة تفكيرها و جعلها تفتح عينيها سريعًا، و أصبح قلبها ينبض بعنف، التفتت ببطء و هي تدعو بداخلها أن يكون حسام حقًا هنا في بيتها، و لكنها تفاجأت بهذا يزن الذي يقف خلفها و يطالعها بجمود.
سألته بلهفة واضحة في نبرتها:
– هو حسام هنا؟؟
حدجتها فاطمة بعبوس و قالت بشك:
– لاء إزاي؟؟ أنا شامة ريحة البرفيوم بتاعه.
اتسعت ابتسامة يزن و قال مشاكسًا:
– لحقتي تحفظي البرفيوم بتاعه! عمومًا يا ستي أنا حاطط البرفيوم ده، كنت شاريه مع حسام من زمان بس دي أول مرة أستعمله…. بس طالما بتميزي بيه حسام مش هحط منه تاني.
سكتت فاطمة و لم تعقب، فقد خاب ظنها، و لكن معه حق فمن ذلك الذي تخونه زوجته و تحمل في أحشائها طفلًا من غيره، و يذهب إليها!! هو بالتأكيد معه كل الحق فيما يفعل.
لحظ يزن ذلك العبوس الذي كسا وجهه مرة أخرى و تلك العيون المنتفخة، فتنهد حزنًا عليها ثم تشدق قائلًا:
– تعالي معايا، هنروح مشوار.
انتبهت فاطمة لحديثه، فأبعدت تلك الدموع عن وجنتيها و سألته:
– هنروح فين؟
اقترب منها يزن مقبلًا جبهتها، ثم ابتعد عنها ناظرًا إليها بحنان:
– اجهزي انتي بس يا أميرتي، عشان نخرج و لما نوصل هتعرفي.
بعد مرور وقت لا بأس به، توقفت سيارة يزن أمام المبنى الذي يسكن فيه أمجد و أخيه، فسألته فاطمة بهدوء:
– هو إحنا هنا ليه؟ أنت جاي تزور حد هنا؟؟
طالعها يزن بتردد قبل أن يتلفظ بهدوء:
– إحنا هنا عشان تقابلي حسام.
أدمعت عيني فاطمة و أردفت سريعًا و بحدة:
– لاء مش هشوفه!
استغرب يزن ردها بالرفض، فمن يراها و يرى كثرة بكائها لا يتوقع هذا الرد منها، فقال بترقب:
– هو فيه حاجة أنا معرفهاش؟
نظرت إليه فاطمة بتوتر، فهي لم تخبر أسرتها بما يخص حملها المزيف، حاولت أن تخفي توترها الذي شعر به يزن و قالت:
– مفيش حاجة يا يزن، بس أنا مش عايزة أشوف حسام و لا أقابله.
هم يزن أن يتحدث و لكن قاطعه حسام الذي طرق بخفة على الزجاج المجاور لمقعد فاطمة، ثم أردف حازمًا:
– انزلي يا فاطمة.
رواية بانتظار العشق الفصل العشرون 20 - بقلم زينب محروس
نظرت إليه فاطمة بتوتر، فهي لم تخبر أسرتها بما يخص حملها المزيف. حاولت أن تخفي توترها الذي شعر به يزن.
– مفيش حاجة يا يزن، بس أنا مش عايزة أشوف حسام ولا أقابله.
هم يزن أن يتحدث ولكن قاطعه حسام الذي طرق بخفة على الزجاج المجاور لمقعد فاطمة، ثم أردف حازمًا:
– انزلي يا فاطمة.
التفتت إليه سريعًا فور ما سمعت صوته. ابتلعت غصة مريرة في حلقها، ثم نقلت نظرها بين الزجاج وبين يزن بتوتر وخوف، فهي تخشى المواجهة كثيرًا وتخاف أن لا يصدقها حسام. فأردفت بصوت مهزوز:
– لاء مش نازلة.
توجه حسام حيث جهة القيادة وقال جادًا:
– انزل أنت يا يزن.
أصغى إليه يزن وترجل من السيارة. حل محله حسام الذي أعاد تشغيل السيارة وتحرك قاصدًا وجهته دون أن ينطق بحرف واحد. وكذلك لم تفعل فاطمة التي أيقنت من تلك النظرة التي رأتها في عينيه أنه لن يتركها دون أن يفعل ما جاء لأجله، وهذا ما تجهله هي.
بعد قليل توقفت السيارة أمام المبنى الذي يضم شقتهما. خرج حسام من السيارة وتوجه إليها فاتحًا الباب لأجلها وقال هادئًا:
– انزلي يا فاطمة.
لم تكلف نفسها عناء النظر إليه، وبقيت عينيها تحدقان بالطريق أمامها عندما تلفظت بعناد:
– لاء، مش هنزل.
زفر حسام بضيق من كثرة عنادها، ثم أردف:
– انزلي يا فاطمة عشان نتكلم.
هذه المرة نظرت إليه بعينيها الدامعة وقالت:
– لو عايز تتكلم، فاتكلم هنا، أنا مش هنزل.
تنهد حسام بقلة حيلة وقال وهو ينحني عليها بشكل مفاجئ، حاملًا إياها:
– انتي اللي طلبتي!
أنهى جملته وهو يخرج بها من السيارة، حاملًا فاطمة على كتفه كذلك الذي يحمل زكيبة من القمح. رددت بصوت منخفض:
– ممكن تنزلني! مينفعش كدا!
ضيقت فاطمة ما بين حاجبيها وقالت بغيظ:
– هو أنا شوال بطاطس، عشان تشيلني بالشكل ده!!
ضحك حسام وقال مشاكسًا:
– يا ريتك كنتي شوال بطاطس، ع الأقل الشوال مش بيعاند وكان هيتحط مكان ما أحطه!
ضربت على ظهره بقبضتها الصغيرة وقالت بضيق مكتوم:
– طب نزلني، أحسن والله هلم عليك الناس.
تلوت شفتيه بتحدٍ وقال ساخرًا:
– ما هو واضح إنك عايزة تلمي علينا الناس، عشان كدا بتتكلمي بصوت واطي لدرجة إني سامعك بالعافية!
زفرت بتذمر ولم تعقب، فهي حقًا لا ترغب في لفت الأنظار إليهما، أو أن تجعل أحدًا من السكان يعلم ما يدور بينها وبين زوجها «حسام».
وصل بها شقتهما، فتح الباب ببطء وما زال يحملها. وما إن دلف وأغلق الباب خلفه بقدمه حتى أنزلها سريعًا وهو يقول مداعبًا:
– ضهري اتكسر.
رمقته بطرف عينيها وتشقت بغيظ:
– أحسن تستاهل، كان حد قالك شيلني!! ناس غريبة!!
ارتخت قسمات وجهه وتشقت مردفًا بجدية:
– خلينا بقى نتكلم بجد.
توترت مرة أخرى، فنظرت إليه بترقب وهي تضغط بأظافر يدها اليمنى على اليد اليسري. قالت بخفوت:
– نتكلم في إيه؟
سألها حسام بهدوء وهو يتفحص قسمات وجهها:
– مفيش حاجة عايزة تقوليها؟؟
حدقت به في صمت دون أن تتلفظ بكلمة واحدة، فكانت لا تدري كيف تخبره؟ وهل يجدر بها ذلك من الأساس؟
تفاجأت به يقترب إليها، محاوطًا إياها بين ذراعيه في عناق دافئ. أرخت هي ذراعيها بجانبها، عندما استنشق هو رائحتها في نفس عميق حتى امتلأت رئتاه. ثم شدد من احتضانها وكأنه يريد أن يدخلها بين أضلعه، ليخفيها عن أنظار الجميع ومكائدهم، ليس عن سعد فقط، وإنما عن كل الأعين التي تحاول أن تجرحها ولو كان ذلك حتى بمجرد كلمة.
تساقطت من عينها بضع قطرات من دمعها الساخن، التي اخترقت قميصه لتلامس بشرته التي نبهته ببكائها. فأخرجها من بين ذراعيه، ولكن المسافة بينهما ما زالت لا تُذكر.
رفع يده مزيلًا تلك الدموع عن وجنتيها وهو يطالعها بحنان، ثم أردف مطمئنًا:
– مفيش داعي للدموع دي يا فاطمة، أنا عرفت كل حاجة…. أنا آسف إني كنت السبب في دموعك وإني قسيت عليكي….. أنا آسف عشان بسببي سمعتي كلمات مش لطيفة من بعض الأشخاص…… أنا آسف.
طالعته باستغراب، فكيف يعتذر هو! وهي من أخطأت وأكدت أنها حامل؟!
أدرك حسام من نظراتها ما الذي تفكر به، فأكمل موضحًا:
– أنا عارف إنك مش حامل، وإنك كنتي مجبرة تعملي كدا بسبب سعد؛ عشان هددك، وأنا والله كنت واثق فيكي…. بس لما أكدتي التقرير مكنش قدامي حل تاني إني أقسى عليكي وأطردك من البيت، بس كنت مضطر أعمل كدا عشان أنا من أول ما استلمت التقرير وأنا شكيت إن سعد ورا الموضوع. فلما دخلت وجبت هدومك ساعتها أنا طلبت أوبر عشان أول ما تنزلي تلاقي مواصلة للبيت…. ورفضت إنك تغيري الأسدال عشان كنت متأكد…. إن لو سعد اللي عمل كدا فأكيد فيه حد من رجاله مراقبنا… فكان لازم أساير الموقف عشان أعرف إيه اللي بيحصل.
تنهدت فاطمة بارتياح من ذلك الثقل الذي كان كالجبل على قلبها، فقالت هامسة بحزن:
– مكنش قدامي حل تاني بسبب تهديده.
ثبت حسام نظره على عينيها، وحاوط وجهها بين كفيه، ومرر إصبعيه على وجنتيها مرددًا بحنو:
– أنا جنبك يا فاطمة.. ومش هسمح أبدًا إن يحصلك حاجة.. أو إن حد يجرحك، متخافيش وأنتي معايا، دا انتي أغلى وأهم من روحي يا فاطمة.
أردفت فاطمة بصوت يخنقه البكاء:
– أنا كنت خايفة مش تثق فيا، زي ما أنا عملت قبل كدا!
رد عليها بابتسامته الحانية:
– أنا قولتلك قبل كدا إني بحبك يا فاطمة، وأول عمود في الحب… هو الثقة، وأنا بثق فيكي أكتر من نفسي، يعني أنا لو شوفتك بتعملي حاجة غلط، أنا هكذب نفسي وهصدقك.
ركن عليهما صمت لطيف، كفت فيه الألسن عن النطق، ولكن الأعين قد استلمت زمام الأمور وبدأت وصلة من الرسائل الصامتة التي لا يفهمها أحد سواه. بضع لحظات مرت عليهما في ذلك الوضع إلى أن قطعت فاطمة ذلك الصمت، ومحت تلك السنتيمترات القليلة التي تفصل بينهما، عندما تعلقت برقبته معانقة إياه وهو تقول بندم:
– أنا آسفة إني خبيت عنك، وآسفة… إني مكنتش واثقة فيك من الأول، بالرغم من إني ب…….
كانت على وشك الاعتراف بمشاعرها تجاهه ولكن قاطعها رنين جرس الباب. ابتعد عنها حسام على مضض فقد أدرك أنها ستجهر بحبها، لكن منعها ذلك المعتوه الذي لم يحلو له المجيء سوي الآن.
تحرك إلى الباب وفتحه بغيظ، وما إن رأى أمجد حتى زجره بغيظ:
– كنت حاسس إن أنت المزعج.
ضيق أمجد حدقتيه وقال بلهجة شك:
– هو أنت كنت بتعمل إيه وقافل فونك؟!
ابتسم حسام بخفة عندما فهم ما يرمي إليه، وقال ساخرًا:
– مش اللي في دماغك يا رخم، وبعدين أنت بترن ليه؟
ضحك أمجد بعدم اقتناع، وأردف:
– مع إن الاستجواب اللي من ع الباب ده مش داخل دماغي، بس هعديها، عمومًا خالتي هي اللي كانت بترن عليك وأنت لما مردتش عليها رنت عليا عشان تسأل عليك….. متعرفش إني شريك معاك في كل حاجة إلا اللي بيحصل في الشقة دي.
قال أمجد جملته الأخيرة مشاكسًا، وختمها غامزًا بعينيه، فاغتاظ منه حسام، فدفعه بخفة بعيدًا عن الباب وقال:
– طب امشي بقى يا حدق بدل ما آخد عليك دورة تدريب في الملاكمة، وتبقى دي فعلاً أول مصيبة أعملها من غيرك!
أنهى حسام حديثه وأغلق الباب سريعًا في وجه أمجد الذي يضحك عليه بشدة. في ذلك الوقت كانت فاطمة تخرج من دورة المياه وهي تجفف وجهها بالقطيلة، فاستنتج حسام أنها كانت تغسل وجهها كي لا يعلم القادم أنها كانت تبكي.
بادرت فاطمة وسألته بجدية:
– أمجد مشي على طول ولا إيه؟
ابتسم حسام وأجابها:
– أيوه، كان جاي يطمن عليا عشان فوني مقفول.
ابتسمت فاطمة وأماءت بتفهم، فأكمل حسام:
– ألا صح كنتي هتقولي إيه قبل ما الجرس يرن؟؟
– كنت بعتذر عشان الثقة وكدا.
تشدق حسام محاولًا تذكيرها مردفًا:
– لاء انتي قولتي بالرغم من إني ب…….، وسكتي، كنتي هتقولي إيه بقى؟؟
ضيقت فاطمة ما بين حاجبيها، كعلامة على محاولتها التذكر، ولكنها خيبت ظنه وقالت:
– مش فاكرة كنت هقول إيه!
حدد اليأس قسمات وجه حسام الذي قال:
– ما تحاولي كدا، ممكن تفتكري ولا حاجة.
ضحكت فاطمة وقالت:
– بكرة بقى عشان أنا عايزة أنام، يلا تصبح على خير.
أنهت حديثها وتحركت إلى الغرفة التي نامت فيها في المرة الأولى، التي جاءت فيها مع حسام بعد عقد قرانهما، ولم ترح قلب حسام الذي أردف بتحدٍ:
– هتروحي فين يعني! الأيام ما بينا وهتقوليها يعني هتقوليها.
***
في تلك الأيام العشر الماضية، أصبحت العلاقة بين حسام وفاطمة على ما يرام، تزداد سعادتهم يومًا بعد يوم، أصبحا مقربين أكثر من السابق، ولكن فاطمة ما زالت تعاند وترفض أن تخبر حسام بما تشعر به تجاهه. وكذلك سالي وهادي توطدت بينهما العلاقة كثيرًا وأصبح كل من هما يحمل مشاعر تجاه الآخر، وما زال هادي هو الوحيد الذي يهتم بسالي ويفهم ما تريده، وهي لا ترى الأمان سوى في وجوده معها. كما أنها أحبت فيروز كثيرًا والتي تذهب إليها يوميًا لتجلس معها. أما رضوى فكما هي تجلس مع والدها لتعني به، الحمى تأبى أن تتركه.
وعن يزن ومريم، فقد بات يتهرب منها ولا يرغب في رؤيتها منذ لقائهما الأخير والذي قد اعترف فيه بمشاعره لها.
في هذا اليوم، خرج يزن من مقر عمله ليجدها واقفة أمام سيارته وتعيث بهاتفها. ثبت موضعه قليلًا ليفكر هل يذهب إليها؟ أم يعود إلى مكتبه وينتظر حتى تغادر؟
حسم أمره وتحرك صوبها، فإلى متى سيظل هكذا يتهرب منها، ويحرم على قلبه رؤيتها؟ وقف أمامها وقبل أن يتحدث أو حتى يلقي عليها التحية، شرعت هي ونظرت إليه. وبالرغم من أنها ليست هنا لرؤيته إلا أنها لم تتفاجأ بتواجده فهنا مكان عملها وهذا شيء طبيعي.
التقى عيناهما في نظرة سريعة، هو يطالعها بلهفة واشتياق وكأنه لم يرها منذ ألف عام، وهي تطالعه بعتاب ولوم على قلبها الذي تُرك معلقًا بسببه، فهو لم يؤكد حقيقة حبه لها وفي الوقت ذاته لم ينفِ ما تفوه به!
ابتسمت بخفة وقالت:
– ازيك يا يزن، عامل إيه؟
أجابها يزن بجمود:
– الحمد لله كويس، انتي عاملة إيه؟
– أنا الحمد لله بخير.
سألها يزن بترقب:
– انتي هنا ليه؟
أجابته بهدوء:
– مستنية أمجد، عشان هنروح مشوار.
كونها هنا لرؤية غيره، جعله يشعر بالغيرة عليها، كما أنه قد اعتقد أنها هنا من أجل أن تتحدث معه فيما قد تفوه به سابقًا. تشدق مردفًا بغيرة مكتومة:
– شكلك بتحبي أمجد أوي، مش كدا؟
أجابته بتهكم:
– هو المفروض أكرهه، دا ابن خالتي!
– بس؟
نظرت إليه باستغراب:
– بس إيه؟
أكمل يزن موضحًا مقصده:
– قصدي بتحبيه عشان ابن خالتك بس؟؟
ردت عليه مريم باندفاع:
– دا موضوع شخصي، مش من حقك تسأل عنه.
أنهت كلماتها وتحركت كي تبتعد عنه، ولكنها ما كادت تخطو خطوتين حتى أطلقت صرخة تدل رهبتها من تلك الرصاصة التي دوى صوت إطلاقها في المكان. التفتت سريعًا إلى يزن، لتصرخ باسمه عندما وجدت أنه قد أُصيب وأصبح مصدرًا تنبعث منه الدماء.
***
على صعيد آخر في شقة هادي، كانوا جالسين ثلاثتهم، سالي وفيروز تلعبان بالأوراق الملونة، وهادي يعمل على حاسوبه. وبينما هو منهمك في عمله قاطعه صوت هاتفه معلنًا عن اتصال من رضوي.
استقبل المكالمة وقبل أن يتحدث، وصله صوت رضوى المستغيث:
– أخي الحقني، نحنا واقعين بمصيبة.
رفع هادي الحاسوب عن قدميه، واضعًا إياه على الأريكة، وانتصب على قدميه وهو يقول بقلق:
– في إيه يا رضوي؟ إيه اللي حصل؟
أجابته رضوى من بين شهقاتها:
– هجموا علينا ناس معاهم سلاح يا أخي، وخدوه للباب معاهم، بس قبل هيك أبوي هربني وما قدروا يشوفوني. أخي تعال خدني أنا ما بعرف أنا وين.
قال هادي سريعًا:
– اهدي يا رضوي، وابعتيلي اللوكيشن وأنا جاي حالًا، متخافيش.
تحرك سريعًا وأخذ مفتاح سيارته وقال قبل أن يغادر:
– فيروز خليكي هنا مع سالي على ما أجي.
ما إن غادر هادي ذلك المبنى الذي يقطن فيه، حتى تناهى إلى صوت الفتاتين صوت صريخ قادم من الشقة المجاورة. فنهضت فيروز سريعًا وهي تقول:
– دا صوت ماما.
ركضت خارجة من الشقة ومن خلفها سالي. فتحت فيروز الباب بالمفتاح الخاص بها وما إن دلفت حتى وجدت والدها الذي كان يرتدي بذلة رسمية وقد أعطاهما ظهره، يضرب والدتها بلا رحمة. تحركت إليه وبجوارها سالي، لتخلص والدتها من بين يديه. وبينما هي تحاول أن تسحبه بعيدًا عن والدتها، ظهر وجهه لسالي… التي رجعت خطوتين إلى الوراء وبدأت بعض الصور المبهمة تداهم عقلها.
أمسكت برأسها وهي تحاول أن تتذكر، ورويدًا رويدًا نتيجة لصرخات والدة فيروز، بدأت تتذكر صرخاتها هي الأخرى في ذلك اليوم المشؤوم الذي فقدت فيه أعز وأغلى ما تملكه أي فتاة، بسبب أناس انتزعت الرحمة من قلوبهم.
بدأت وصلة صريخها هي الأخرى، وهي تتراجع إلى الخلف وتنهمل دموعها بشدة، فكانت ترى أحداث ذلك اليوم وكأنها تتجسد أمامها الآن. أغمضت عينيها وما زالت تبكي بالإضافة إلى أنها صرخت قائلة:
– وائل لاء، ارجوك لاء……..