كان يجلس على الرصيف واضعاً رأسه بين راحتيّ يديه وكأن الحياة أجزمت بأن يذوق من عذابها وهو في سن الـ ١٦. دمعة فرت هاربة من عينيه، وكأنها هربت من سجن الكبت والتظاهر بالقوة. كف يد صغيرة أفاقته من سيل الأفكار والهم. نظر إليها فوجد طفلة تكاد تبلغ من العمر ست سنوات. قالت له: "انتَ ليش تبكي؟ ثم قامت باحتضانه ببراءة الأطفال. خفق قلبه بشدة لحضن هذه الفتاة الغريبة. ثم مدت يديها له بورده وقالت:
"ماما حكتلي بس أشوف حدا زعلان ويبكي أحضنه وأعطيه وردة. تفضل هاي إلك." نظر إليها بعينيها الواسعتين وملامحها البريئة التي تخطف الأنفاس. ثم قامت بمسح دموعه وقالت: "انت كبير وقوي، لا تبكي، ماشي." أكملت وهي تقوم من جواره: "وبابا حكالي بس أكون زعلانة من إشي أروح وأتوضأ وأصلي لربنا، وبس نصلي إله وندعي كثير كثير وقتها راح يروح الإشي اللي يزعلنا." ينظر إليها بصدمة، فكيف لطفلة بهذا العمر أن تقول قول البالغ الراشد؟ مشت،
ولكنه أوقفها ثم سأل: "انتي شو اسمك يا شاطرة؟ ردت عليه ببراءة وقالت: "اسمي مثل هاي الوردة. بابا ينادي علي." نظر لها بتعجب وانبهار من فطنة هذه الفتاة وذكائها. نظر إلى الوردة، ثم أذّن المؤذن لصلاة العصر. تمسك بتلك الوردة، ثم ظهر شبح ابتسامة على وجهه، وقال وهو ينظر لأثرها بامتنان: "ههه وردة، ماشي يا ورد." ثم ذهب وتوجه إلى المسجد ليصلي صلاة العصر. *** لم تكن تصدق بأنها ستحصل على عرض كهذا ومن شركة معروفة كشركة "لافيلا".
انتهت ورد من الافتتاح وقامت هي وصديقاتها بتنظيف المكان جيداً وأغلقته لتعود إلى منزلها بصحبة الفتيات، غافلةً عن تلك الأعين الملهوفة التي تراقبها من بعيد. عادت إلى المنزل، وجدت أباها وأمها يتحدثان مع أخيها. ألقت عليهم السلام، ثم دعوها لتجلس أمامهم لأن أخيها يود أن يقول لهم شيئاً مهماً. قالت بتعب: "بس خليني أدخل وأخذ دش يا صلوحة وأجيلكم لأني هلكانة." رد عليها بمرح وقال: "الموضوع ما يحتمل التأجيل."
ثم سحبها من يدها وأجلسها بجانبه وهو يحتضنها بحنان أخوي. ضحكت ورد وهي تقول بمرح: "اممم أنا شاكة يا جماعة إنه في شي مو صح، هههه." ابتسموا جميعاً، ثم سألتها أمها باهتمام: "صليتي فروضك يا أمي؟ أجابتها ورد: "الحمد لله يماما، الدنيا كوم وصلاتي كوم ثاني، وهي أولى من كل شيء. صليت أنا والبنات بالمسجد القريب من المحل."
نظروا لها بامتنان، فمن المعروف عن ورد أنها تفصل كل شيء عن بعضه وتعطي لكل شيء حقه، ولهذا سمحوا لها بافتتاح محل وهي تدرس بالجامعة لأنهم واثقين بقدراتها على أن توفق بين مسؤولياتها. قاطع صمتهم صالح وقال: "شوفوا يا جماعة، أنا قررت بعد إذنك يا بابا وياما، إني أستقر وأتزوج. وانتوا عارفين إني مجهز شقتي وكلوا تماماً، بس استنى الوقت المناسب وحسيت إنه هذا الوقت المناسب حتى أستقر وأكون عيلة."
نظروا إليه الجميع بدهشة، وأخيراً بعد هذه السنوات قرر صالح أن يتزوج ويستقر. احتضنته ورد وقالت: "وأخيراً رح نفرح فيك." بادلها الحضن وقال: "إن شاء الله." نظر والده إليه بحب وقال: "على بركة الله يا ابني. من بكرة أم صالح تروح وتدورلك على أحسن عروس." نظرت إليه والدته وقالت بخبث: "أكيد من عيوني. هسا أرن على أختي أم محمد وأشوف إذا تعرف بنات حلال وبسن الزواج." قاطعهم صالح وقال بتوتر: "احم، ما في داعي."
نظرت إليه ورد بشك، فهل الآن ستتأكد شكوكها من حب أخيها لصديقة طفولتها أم لا؟ نظروا إليه جميعاً بفضول، ثم اردف: "بصراحة، البنت موجودة." ثم أكمل: "أنا حاب أتزوج راية صاحبة ورد، بنت محترمة وعارفينها وعارفين أخلاقها وعارفين أهلها." ابتسمت ورد ثم نظرت إلى أمها، تبادلها الابتسامة، وبذلك تأكدت كل من شكوك الأم والفتاة الشقية. ثم قال الأب: "بنت أبو ريان، ماشاء الله عيلتها محترمة وما عمرنا سمعنا عنهم إشي، ويكفي إنها صاحبة ورد."
وجه سؤاله إلى زوجته وقال: "إيش رأيك يا أم صالح؟ قالت بسعادة: "ما شاء الله، بنت من كله، تبارك الرحمن. من عيوني، من بكرة أحكي مع أمها بالموضوع ونحدد موعد عشان نزورهم. ولا شو رأيك يا ورد؟ قفزت ورد بفرحة وهي تحتضن أخيها وتقول وعيناها تطلع قلوب: "ياااااااي، الحمد لله. والله إنكم تجننوا ولابقين لبعض. يارب يصير نصيب بينكم." قالوا جميعاً: "إن شاء الله." *** في مكان آخر، يوسف: "طب ليش ما تروح وتطلبها من أبوها وترتاح؟
بدل ما إنت مبهدل حالك هيك! رد عليه زين بغضب: "مش عارف. آه أحبها بس خايف من الخطوة الجاي، وخصوصاً مو عارف إذا هتقبل عرض الشغل أو لا. أو لا، وأنا خايف تكون محجوزة أو محكي فيها." رد يوسف بحيرة: "بس الأخبار اللي مثل هيك ما تتخبى، وبعدين شفت شي بايدها؟ رد زين بحيرة: "مش عارف، خايف أتقدم إلها. طب شو هيقولولي من وين جيت أو من وين عرفتنا. أنا خايف تخطي هالخطوة! رد يوسف باستياء من حالة أخيه وصديق عمره:
"بس انت يا صاحبي، الإشي اللي صار بطفولتك مأثر عليك. ارحم نفسك ياخي." ثم تركه وغادر. جلس زين على كرسيه ثم سند رأسه على الأريكة بتعب، يتذكر اللحظة الأولى التي رآها فيها، ثم أخذ هاتفه المحمول ليكتب إليها رسالة وليعبر عما يخفيه قلبه كالعادة. *** في مكان آخر يملأوه الحقد والشر، جنى بحقد: "شفتيي يماما، تقدم إلها عرض من شركة لافي! "حتى ما شافني ولا رفع نظره إلي." الأم بغل:
"نفسي أعرف شو مسوية هالبنت عشان تكون محظوظة هيك. قومي من وجهي، أنتِ ما من وراكي غير الفقر. وأنا عارفة كيف أداويهم." نظرت لها ابنتها بخبث وقالت: "شو رح تعملي؟ ردت بكره: "رح أفرجيكي شو رح أعمل فيهم."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!