دخل سليم ليضع أشياءه باهمال، ليرى ما جعل قلبه يهوي بين أضلعه، ليجد على المنضدة القلب الذي أهداه إلى حياة. وعدته أنها لن تخلعه أبداً، وأنها حين تخلعه سيكون مع آخر نفس تتنفسه معه بحب. أحس سليم بالذعر، ليذهب إلى حجرة روح فلم يجدها، فهوى قلبه. ثم اتجه إلى حجرة والدته ليدخل عليها، لترفع عينيها ولاحظ أنها كانت تبكي. ليقترب منها. "فيه إيه يا أمي مالك؟ وفين حياة وروح؟ حياة فين يا أمي؟ فنظرت إليه أمه.
"لسه فاكر يابن قلبي. ياااااه يا سليم، وكانت فين اللهفة دي من شهر يابني؟ لسه فاكر تسأل على مراتك؟ فتوجس من كلامها وأحس بنغزة في صدره. "فيه إيه يا أمي بتكلميني كده ليه؟ فهتفت بحدة. "أمال عايزني أكلمك إزاي؟ أصفقلك وأنت خربت بيتك بإيدك وقسوتك وجبروتك؟ أقعد أفرح إن ابني مراته طفشت منه؟ مابعرفش أزغرد يا حبيبي عشان أفرحلك إنك دبحت مراتك للمرة التانية."
كان هو في ذلك الوقت قد هوى قلبه في قدميه وأحس بالقلق ينهش قلبه وهو يسمع أمه ويراها هكذا. "بالله عليكي يا أمي حياة فين؟ فصرخت فيه. "سابتلك الدنيا ومشت. سابتلك دنيتك تقعد فيها لوحدك بقسوتك يابن عاصم." فبهت من كلام أمه واتسعت حدقتاه وهو يقول. "ابن عاصم؟ فهتفت. "أمال عايزني أقولك إيه؟ لما تقسى على مراتك وتوجع قلبها وتحسسها إنها ولا عادت في بالك وحياتك؟ عايز إيه؟ قسوة في قسوة. أنت إيه الجبروت ده؟
أنت مين أصلاً عشان تعمل فيها كده وتستحملك؟ أنت مين عشان تذل فيها كده؟ أنت ولا حاجة يابن عاصم. يابن أبوك. هو العقاب مش له آخر؟ العقاب مش بالبعد يابن قلبي. إحنا الستات قلبنا بيقسى من البعد، وأنت بس مش بعدت، دا أنت جحدت واتجبرت ودست عليها. دعكت قلبها تحت جزمتك والبت صابرة تعيط وأصبرها وأقول دابني طيب ابني حنين ويا حسرتك يا فريدة. البت عملت ما يعمل، كان ناقص تعمل إيه تاني؟ كنت عايز إيه؟ توطي على جزمتك تبوسها يابن عاصم؟
لكن لا. أفرح بقه، أهي طفشت منك ومن وجعك اللي رشق في قلبها. لو تشفها كنت بكيت بدل الدموع دم وهي ماشية، خلعت قلبي وخدته." كل ذلك وسليم يبكي ودموعه تنهمر على حبيبته. فأكملت فريدة. "يا ريتك زعقتلها ولا حتى ضربتها. إنما إزاي؟
أنت السيد وتطاع وتؤمر. أنت داغك اللي ماحدش يقدر عليها. وهي يا قلبي انطعنت وغرزت سكينتك في قلبها وطلعته في إيدك. وبعد دا كله سامحتك ونامت في حضنك متخيلة إنك عمرك ما هتجرحها، وأنت الحمد لله وفيت وكفيت. لما البت خلاص قلبها كل وتعب وانقهر. هو خلاص كفاية عليك أصلاً، هي خسارة فيك من الأساس. أنت ماينفعش تعيش سعيد. هي طفشت منك وقالت خلاص يروح يشوف له واحدة شبهه. إنت يابن بطني خليتها تحس إنها ماتنفعش لدنيتك، ماتنفعكش. حسستها إنها بسيطة وسهلة، ونفس اللي عاصم قاله ليها أنت عملته فعلياً. هو قال لها أنت بسيطة وماتستحقيش سليم، وأنت بقسوتك وجعتها لأنها بسيطة. لما عرفت إنها فعلاً ماتنفعكش يابن عاصم. يا حسرتك يا فريدة. من عاصم لسليم يا قلبي، لا تحزن."
وظلت تبكي. "هتف بوجع ودموعه تنهمر." "يا أمي." فنهرته وقالت. "بلا أمي بقه بلا هباب. روح يابن عاصم اخرج وهاتاي بنتي وبنتها. وإن مارجعتش مراتك وبنتها ماشوفش وشك ولا تدخل قوضة ولا تتسمالي ابن. اخرج بره." هنا خرج سليم وقلبه سيخرج منه وأحس بالتمزق. أحقا كان قاسياً لترحل عنه حبيبته للمرة الثانية؟ أكان حقاً ابن عاصم؟ ماذا فعلت في حياتها لتستحق شخصاً قاسياً مثله؟ أحس بالوجع واحتقر نفسه بشدة. "إنت إيه القسوة دي يا سليم؟
هو مفيش غيرك في الكون بيمشيه يا أخي؟ دا ربنا كبير وفوق بينظر لعباده وبيرحم وبيعدل. إيه الجبروت؟ وتذكر محاولاتها لتحنن قلبه، وتذكر دلالها وصبرها عليه، وقلبه كالحديد ووجعه يزيد من جحوده. "إيه الجبروت بتاعك ده ليه؟ بتعاقبها على طيبتها وقلبها الأبيض؟ بتحاسبها على نظافتها؟ بتحاسبها على إيه يا أخي؟ على إنك مريض ومكلكع؟ دا أنت لو فرعون يا أخي كنت اتهديت. توصلها للحالة دي ليه؟ تزهد فيك بغباوتك وقسوتك ليه؟
هي أصلاً ما كانتش ارتاحت، تقوم توجعها تاني. يابن عاصم فعلاً." وهنا ذرف دمعة من عينه على الوجع الذي ألهم به قلب حبيبته، وأقسم أنه سيعيدها، وأنه لن يأتي يوم إلا وهي في حضنه، وأنه سيجعل حضنها علاجاً لغضبه من أي شيء في الدنيا دي بأكملها. في تلك الأثناء كانت حياة قد رحلت إلى بيت جدتها للمرة الثانية. فالأولى كانت مطعونة، والثانية كانت منتهية بلا روح. ظلت جالسة بعض الوقت لتحس بقبضة في قلبها. كيف ستكمل حياتها هكذا؟
مر بعض الوقت لتحس بأنها تحتاج إلى أن تخرج وتذهب إلى المكان الذي كان يهبها السعادة. إنه شاطئ الصخور يا سادة. ذهبت ووضعت ابنتها في عربتها وذهبت لتجلس وحيدة، لتصبح هي التي كانت بهجة الشاطئ، تصبح هي الحزينة الوحيدة عليه. كانت تهيم وتفكر في زوجها وانهمرت دموعها بقوة. كان في ذلك الوقت قد ذهب سليم إلى بيت جدتها فلم يجدها، ثم إلى المحل فلم يجدها، فشعر بالذعر. أين تكون قد ذهبت؟ وهنا جاء في باله شاطئ الصخور. أيعقل أنها هناك؟
أسرع هو بدون تفكير. كانت جالسة وقلبها ممزق، ولكنها رفعت رأسها لربها لتقول إنها راضية. كانت جالسة هائمة وعلى وجهها هموم العالم، ليصل سليم ليجد من ملكت قلبه في عالم آخر وابنتها بجوارها. شعر بالغلب الشديد عليها يمزق قلبه. أحس بقرف من نفسه وشخصيته وفرعنته وأنه كان من الغباء حتى يصل بها إلى ذلك، لتجلس على الشاطئ لتنتظر أحداً يعطيها سعادة أفقدها هو بجحوده.
هنا اقترب إليها بهدوء ليجلس بجوارها، لتستدير ليخفق قلبها وتهتف بدهشة. "سليم؟ فنظر إليها وتنهد. "أيوه سليم يا معذبة قلبي. سليم يا روح وقلب سليم." ظلت تنظر إلى وجهه قليلاً، ثم أخذت ابنتها وقامت. "جاي ليه يا سليم؟ فهتف وقال. "يلا يا حياة هنتكلم في البيت." فنظرت إليه وقالت. "والله؟ هنتكلم؟ لا بجد بهرتني. بعد إيه قلي؟ لسه فاكر؟ والا جاي تكمل ذل فيا؟ أصل اللي عملته ما كفاكش. ماتقول." فهتف. "حياة اسمعيني." فصرخت فيه.
"أنا رايحة بيتي يا سليم. يا ريت كفاية لحد كده." وهمت أن تمشي. هنا تقدم منها وأخذ ابنتها وقال لها. "حصليني." وتركها وذهب إلى عربته ودخل العربة. لتقف غاضبة لتفتح العربة ليضع ابنتها على قدميها. "لتصرخ فيه." "بقلّك وديني بيتي." فرد بهدوء. "دا أنتِ تأمري. وبلاش تصرخي عشان روح بتخاف." فصمتت ونظرت أمامها، لتجده يتجه إلى طريق الفيلا. "لتهتف." "إنت موديني فين؟ فرد ببراءة. "مش قلتي وديني بيتي. أمال أوديكي فين تاني يا حياة؟
ما احنا رايحين يا حبيبتي أهو." فنظرت بغضب. "بقلّك بيت جدتي. يلا لف وارجع. ماتستعبطش." كانت تصرخ. "فهتف مرة أخرى قاطباً ومشيراً لابنته." "شوفي أهي عيطت. سكتيها بقه." هنا شرعت حياة لتهدهد ابنتها فترة من الوقت حتى وصلا إلى الفيلا، ولكنها لم تنزل. كانت مثل الطفلة الغاضبة. فنزل وأخذ طفلته ونادى لأحد الحراس لتحضر الخادمة. فحضرت وأخذت ابنته. كل ذلك وحياة تأكل نفسها. ثم استدار وقال. "انزلي يا حياة."
فلم ترد ولم تستجب. هنا ابتسم وقال. "طيب براحتك." فظنت أنه سيتركها. فسمعته يقول. "استعنا عالشقا بالله." ومد يده ليأخذها ويحملها على كتفه، لتظل تصرخ وتخبط على ظهره حتى وصلا إلى جناحهما. فوضعها وتركها وهي تفرك وتصرخ. "إنت اتجننت؟ عايز تفضحني؟ فنظرت بذهول. "أفضحك؟ واحد بيشيل مراته فين الفضيحة؟ فنظرت إليه بغضب. "نعم؟ عايز إيه يا سليم؟ أظن كده خلاص كل واحد عرف مكانه وخلاص يا سليم. وصلنا لآخر حياتنا." رد عليها.
"معلش هو إيه اللي خلاص؟ عشان بس فهمي على قدي. ومين بقه اللي قال ده كله؟ هنا صرخت من بروده واقتربت. "أنا قلت. أنا خلاص يا سليم. ما عدتش عايزة أعيش معاك. إحنا خلاص انتهينا. دنيتك غير دنيتي، وأنت ليك الحق تشوف لك واحدة شبهك. مش هجبرك على العيشة اللي خنقتك دي. خلاص يا سليم خلصنا. أنت خليك في دنيتك وسيبني في دنيتي البسيطة اللي ماتنفعش تدخل دنيتك."
همت أن تبتعد إلا أنه شدها إليه واعتصرها. فحاولت أن تدفعه بشدة. وهنا أحس بمدى الخطأ الذي فعله. إنه أوصل حبيبة روح قلبه إلى الانهيار وأن تكون بهذه الحالة بين يديه، بدلاً من أن يكون لها السند والرفيق. فليعاقبها ولكن لا يقتل بداخلها كبرياءها ومشاعرها الجياشة ويلقي بهم عرض الحائط. ولكنه كان غاضباً، فأثر الابتعاد، فهو لا يريد أن يؤذيها. تململت بين أحضانه ثم ابتعدت عنه. ناظرته والدموع بدأت تتجمع في عينيها قهراً على ضياع زواجهما.
وبدأ انهيار كل شيء. فقالت. "سليم الحديدي بجلالة قدره، حياة البسيطة مالهاش مكان في حياته. ولم يكن من المفترض أن تخش عالمه من الأساس، فالنقيضان لا يجتمعان." وهنا قالت وقلبها يقطع. "إنت عايز إيه يا سليم؟
أظن الفترة دي كلها بقي من الواضح إن أنا بقيت عبء عليك، وإنك كفاية عليك كده، فانت ما عدتش قادر إن تتحملني. عشان كده أنا بعفيك من أي وعود بيننا. إحنا أصلاً يا سليم كل واحد له دنيته المختلفة والخاصة، ما عدش ينفع نكمل مع بعض. إحنا عايشين عشان نؤذي في بعض وخلاص. شخصين مختلفين. أنت من دنيا وأنا من دنيا ثانية. أنت شخصية وأنا شخصية ثانية."
كان يسمعها مصعوقاً مبهوتاً، وقلبه لا يصدق أنه مرة أخرى فعل بحبيبته أذية جديدة. إنه جعلها تزهد في علاقتهما وتؤثر الرحيل عن وجعها بقربه. هنا أكملت حياة بهدوء.
"فيه بينا تناقض وبينا كل الاختلاف. أنا بطلب منك إنك ما تحملش نفسك فوق طاقتها، لأن خلاص أنا ما عدتش عندي طاقة إني أكمل في العيشة دي خلاص. أنت يا ريت تاخذ القرار اللي يريحك، وأنا ساعتها مش هازعل، لأني فعلاً الاختلاف صعب. أنا إنسانة بسيطة وسهلة، الدنيا عندي قدام عيني كلها واحد. ما بشوفش الحاجات اللي ممكن تؤذي البني آدم. مش متخيلة إنها موجودة. إنما أنت إنسان مختلف وحاد وشفت كتير في حياتك. ما عندكش حاجة بسيطة ولا سهلة،
وكل حاجة بحساب، وما فيش سهولة. مش من السهل إنك تربط نفسك بواحدة زيي، وأكيد طول الفترة اللي فاتت دي عرفت ده ووعيت ليه. وأنا بقلك أنت صح، وأنا عمري ما هزعل. ربنا خلق الناس بأشكالها لتقع على بعض. وأنا مش شكلك ولا أنت شكلي. أنا تعبت. أنا بجد تعبت. كفاية لحد كده لحد لما تاخذ قرارك وتنهي كل حاجة. أنا مستنية انت تشوف انت عايز إيه، وصدقني أنا عمري ما هعملك مشاكل."
وضحكت بغلب لأنها أصلاً مابتعرفش تعملها. واستدارت لتبعد عنه والدموع تتساقط من عينيها، لتجد نفسها فجأة في أحضانه يعتصرها بحب شديد، ويحس بوجع في قلبه على حبيبته التي قررت الانفصال عنه لبعده عنها وقسوته وجحوده وعدم مراعاة شعورها. في ذلك الوقت أدرك فعلاً أنهما مختلفان، وأنه لا يستحقها، وأنها لا تستحق هذه المعاملة. فهي مختلفة تماماً، رقيقة، حساسة، ملاك. من يمتلكه يجب أن يضعه بعيونه، وأن يعاملها كملكة دنياه بأكملها. ظل يحتضنها مدة طويلة وهي تبكي بين أحضانه، وتحاول بين الحين والآخر أن تبعد عنه ليبدأ في مخاطبتها، هو يقبل رأسها، يعتذر لها، ليبدأ في طلب الغفران. بدأ يقول.
"أنا آسف يا حبيبتي. آسف يا عمري." هنا أبعدته. "لأ بس بقه مش تاني. مش هتعمل كده تاني وتحنن قلبي. أنا خلاص أنت نشفت قلبي من جوا وذلتني. ابعد عني بقه وسيبني بغلبي." انت عايز تجنني؟ انت بتعمل فيا كده ليه؟ وقت أما تعوز تبعد تبعد، ووقت أما تقرب تجي تضحك عليا بكلمتين. وأجهشت بالبكاء: وحياة روح بنتك، كفاية. أنا قلبي ما عادتش متحمل. هنا شدها مرة أخرى، فصرخت فيه: ماتقربش، بقلك أهوه، اياك تقرب. قربك بقى بيوجعني، انت إيه يا أخي؟
ولكنه لم يتركها تكمل، وشدها بالقوة إليه، وظل يحتضنها وهي تشهق بشدة، وهو يمسد على جسدها بهدوء حتى استكانت بين يديه. وهنا تكلم بهدوء: أنا عارف إنّي تاني وجعتك، وما كنتش فاهم إن بعدي ممكن يضيعك منّي. كنت فاكر إنك هتخافي على نفسك، لأنّك أنت نفسي اللي هتجنن لو جرالها حاجة. مش متخيلة وأنت في إيدين عاصم، كنت زي المجنون. حياة، أنا بعشقك، أقسم بالله. أنتِ فاكرة بعدي عنك كان سهل؟
وأنا شايفك عايزاني وبتقربي منّي، كنت بتقطّع يا قلبي. كنت حاسس إنّي هتجنن، بس سلامتك فوق كل اعتبار. وبعدي عنك كل الفترة دي، أنا كنت حاسس إن قلبي كان بيروح منّي، فما قدرتش بغبائي إلا إنّي أعمل كده. كنت غضبان بشدة إن يجري لك حاجة، بس ما كنتش مقدر إنك ممكن توصلي للحالة دي. غبائي وتربيتي المريضة السبب. أنا آسف يا عمري، أنا آسف يا حتة من قلبي، إنّي وصلتك للحالة دي. فهتفت: وأعمل بإيه أسفك ده؟ هيحوش وجعي؟
أنا ما عدتش عارفة أعمل إيه. أنا بقيت في إيدك، ماليش لا حيل ولا قوة. أنت بتظلمني وأنا مش قادرة عليك. هنا ظل يهمس لها بحبه وأسفه،
وهتف: أنا عرفت إنّي كان المفروض آخدك في حضني وأمسد وجعك، بس كنت غبي، غبي وحمار كمان. كنت فاكر إنك بكده مش هتأذي نفسك. يا حياة، أنت كنتي هتروحي منّي، يعني كنت هموت. عملت كده وفاكر إنّي بحميكي، وطلعت أنا اللي بأذيكي وأموت كل مشاعرك وأجرح كبريائك. أنا اللي ما أستحقكيش، بس ما أقدرش أبعد عنك. ساعتها أموت أهون. أنا آسف يا قلب سليم. أنا كنت قاسي ووجعتك للمرة التانية، بس ده غباء. سليم الحديدي بجلالة قدره بيبوس إيدك وبيترجاكي ويقولك سامحيه. بيذل نفسه ليكي وبيقولك حقك عليا. سليم اللي أنتِ بتقولي عليه اختلف، يتمنى يبقى ربعك وربع قلبك الأبيض البسيط. سليم الجبروت من غيرك هيموت.
ظلت صامتة لا تعرف ماذا تفعل. وهنا أكمل: طب وحياة بنتي، حبك مكلبش في قلبي كلبشة. دانا بقالي شهر ما نمتش وحاسس إنّي هتجنن. أنتِ حتة من قلبي، لا حتة إيه، أنتِ كله كله. والله ما شفت النوم، كنت بتسوي على الجنبين. وهنا أحست بنفسها تبكي مرة أخرى من كلامه، لأنه كان يمسد آلامها. حاولت أن تبتعد، ولكنه رفض أن يبعدها وقال: مش هتطلعي من حضني نهائي. أنا بقالي شهر بتقلي على الجمر وأنتِ مش حاسة بيا.
فهتفت: أنت السبب. أنت اللي أسود من جوه وشراني. خبطته على صدره وقالت: أنت وحش قوي يا سليم ووجعتني أوي. وبطلت تحبني. أبعدها وقال: آه، أنا وحش. وقبلها، ثم قال: إنّما بطلت أحبك دي.. دي على موتي يا قلبي. دانتِ حتة الروح اللي حيلتي، زي ما أنا الواد اللي حيلتك اللي كانت الصفرا عايزة تاخده منك، وإلا إيه؟ فضحكت بهدوء. فهتف: يا صلاة النبي، أخيراً دنيتي نورت وشفت قلبي بيضحك.
فنظرت إليه مرة أخرى وردت: بس أنا فعلاً زعلانة وموجوعة. أنت إزاي بتقدر تقسي كده؟ إزاي؟ دانا أموت لو زعلتك تاني. إزاي جالك قلب تبعدني كده؟ تنهد بغلب: تربيتي يا عمري، تربية الهم والقهر هيا السبب. خلتني جامد وممكن أدوس على أي حد. اتربيت مارحم، واتربيت إن اللي يخصني ما أتهاونش فيه. وأنتِ بس مش تخصيني، أنتِ روحي ودنيتي. يا حياة، أنفاسك دي اللي معيشاني. ابتعدت عنه وقالت: يعني ممكن تدوس عليا يا سليم؟
اقترب منها وشدها: دانا أموت ساعتها. أنا اتعلمت واتربيت على إيدك، على إيد أبسط إنسانة في الكون. بساطتك اللي مزعلاكي دي اتغلغلت جوايا وزرعت حنية جوه قسوتي. والله دانا شفت شهر عذاب ما حدش شافه، حبيبه بين إيديه وهيموت عليه وهو مش قادر يقرب. فهتفت: لا، أنت كذاب. وأنا كل مرة بصدقك. وهتفت بغلب: وأنا مش عايزة خلاص. فاقترب منها بهيام وقال: مش عايزة إيه بالضبط؟ فتنهدت بحب: مش عايزة أتوجع تاني.
فقبل رأسها وأخذها بأحضان: أوعدك يا قلبي إنّي عمري ما هزعلك. ولو حصل هتزعلي وأنتِ جوه حضني وأنا جوه حضنك. أنا اتربيت وعرفت إن قربك هو البلسم لجروحي ودنيتي اللي قتلت حاجات جوايا، وأنتِ جيتي رجعتيها. ظلت مستكينة بحب تفكر في كلامه وأحست بالسعادة، ولكنها تذكرت دلالها عليه وبعده عنها، فزقته فجأة. فقطب جبينه. طب خلاص، ابعد بقى عشان أنت عذبتني شهر وأنا كنت هموت عليك، يبقى أنت كمان تتعذب زيي. واقتربت
منه ورفعت إصبعها محذرة: دا عدل ربنا. وإياك أهوه، إياك تقرب. روح نام، مش كنت بتحب تنام طول الشهر وتسيبني؟ روح كل في المخدة بقى ونام بسكات. واستدارت لتتركه، فشدها إليه وأردف: أنتِ هبلة يا حياة، صح؟ وربنا متجوزة هبلة. يعني تقوليلي إنك اتعذبتي وهتموتي عليا وأسيبك؟ أنتِ فاكراني جبانة يا حياة؟ فزقته وقالت: آه، أحسن عشان تحرم تاني. يلا يا بابا، مفيش خلاص. نحنحة قدامك شهر، هوريك الويل وربنا.
فاقترب منها والتصق بها: طب هتوريني الويل إزاي؟ ماتديني نبذة مختصرة كده. وغمز لها: ماهو أنا مش هسيبك إلا أما أعرف، مانتش متجوزة سوسن يا قلبي. فاحمر وجهها وحاولت الابتعاد، فهتف: بس استني بس وتعالي قوليلي، أحيا أبوكي، كنتي هتموتي عليا إزاي؟ فخبطته وقالت: بطل قلة أدب وابعد بقى. فاتجه إليها ثم حملها فجأة: دا بتقولي ابعد؟ لا وكمان أبطل قلة أدب؟ هو أنا كنت بدأتها لما أبطلها؟
لا يا قلبي، قلة الأدب لو بطلناها نموت، دا هيبقي فيه قلة أدب من هنا للسنة الجاية. بس يا حبيبتي اسكتي وما تسمعش نفسك. دانا هقل أدبي للسنين قدام. وظل يدغدغها ويبثها عشقه وحبه ليعيشا معاً بحب وهيام، وتعود القلوب إلى بعضها ويتآلف قلوبهم، ليعلم سليم أن جروحه لا تشفى إلا بقربه من حياة، وعندما نامت على صدره أخيراً وهو يشعر بسعادة الدنيا، وهي نائمة حالمة بعد ليلتهم معاً، ظل مستيقظاً يمسد جسدها ويتمتم وعوده أنه لن يجعلها يوماً
موجوعة، وأنه لن يكل عن عشقها، وأنه وعى درسه، أن بعده عنها هو نهاية روحهما. عاش سليم حياته مع حياة يتغير شيئاً فشيئاً، حتى ذابت قسوته في حنانها. فالحب هو شفا القلوب العليلة. فكلما أعطيتم حباً، كلما وجدتم السعادة تملأ صدوركم بهجة. فلن يفيد الإنسان في حياته إلا أن يعيش لحظة حالمة سعيدة تملأ صدره، ليتمنى أن تكون آخر لحظة يقضيها إلا وهي وجود حبيبه بين يديه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!